العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

لا حقَّ لأحدٍ مِناْ في فضلٍ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

لا حقَّ لأحدٍ مِناْ في فضلٍ
المُهاجروْنَ والأَنْصَارُ سُنَّةُ اللهِ في عِبَادِهِ
قِصَّةٌ لا تَنتَهيْ ودَرْسٌ في إِدارةِ الأزماتِ

الدكتور سامر مظهر قنطقجي
رئيس التحرير

لم تنقل لنا الأدبيات عبر تاريخنا عبارات: (لاجئين) أو (نازحين) رغم سلامتهما اللغوية، بل عرفنا عبارات: (المهاجرين) و (الأنصار).
المهاجرون هم أهل مكة، ضاق بهم فعل غير المسلمين فيها لأنهم ضيّقوا على حرياتهم لاعتناقهم دِيْناً غير دِيْن آبائهم وأجدادهم، فترك المهاجرون مكة قاصدين المدينة تاركين كل ما يملكون ناجين بأنفسهم وأهليهم بسبب ما مُورس عليهم، وقد كان منهم الغني والفقير.
والأنصار هم أهل المدينة، الذين استقبلوا المهاجرين في مدينتهم وقد قاسموهم أموالهم وما يملكون.
إن لذلك الحدث آثاره الاجتماعية والاقتصادية، وما سنركز عليه هو الاقتصادية رغم صعوبة الفصل بين الآثار بنوعيها.
إن من وصل من المهاجرين، لم يكن معه شيء، لذلك صار بحكم الفقير، كما أنه صار دون عمل يمارسه رغم قدرته على ذلك، فزاد الفقر وانتشرت البطالة في المدينة المنورة لتبلغ خمسون بالمائة على أقل تقدير. فما هو الحل الذي قام به (صلى الله عليه وسلم) لمجابهة هذه الأزمة الطارئة؟
لقد آخى (صلى الله عليه وسلم) بين المهاجرين والأنصار عندما قدم المدينة (رواية ابن حجر العسقلاني - الإصابة: 219/2)، ثم شارك الأنصار المهاجرين بما يملكونه. وبذلك لم يعد المهاجرون فقراء بالمرة، كما لم يتحول الأنصار إلى فقراء، لأنه يُفترض أنهم قد تبرعوا بنصف ما يملكون. وكان في المهاجرين من هو من أصحاب المبادرة، حيث توجه إلى السوق ليعمل بنفسه دون مساعدة الآخرين. إذاً الحلّ كان حلاًَ اجتماعياً اقتصادياً، وليس العكس، فما أهمية ذلك الدرس؟
إنه بعد أكثر من أربعة عشر قرناً على حدث الهجرة، لا يبدو أنها مجرد قصة تُحكى، أو حكاية تُروى، بل هي سُنة من سُنن الله بين عباده. حصلت الهجرة في زمن اشتد الأمر فيه على المسلمين. مرّة حين هاجروا خارج بلادهم إلى الحبشة فأحسن الأحباش ضيافتهم، ومرة حين هاجروا ضمن بلدهم، (وهذا بيت القصيد) لأن فيه العِبَر المنشودة والدروس المستفادة.
لقد عاش أهل بلاد الشام فترات من التاريخ استقبلوا فيها إخوة لهم، فضربت بلاد الشام المثل تلو المثل، وحسبنا أن نذكر التاريخ الحديث، فبعد أزمة نكبة فلسطين وما تلاها، استقبل أهل الشام ملايين المهاجرين الفلسطينيين وناصروهم، وفي سبعينيات القرن الماضي استقبلوا مئات الألوف من المهاجرين اللبنانيين، وفي تسعينيات القرن الماضي استقبلوا ملايين المهاجرين العراقيين واحتضنوهم كأهليهم. لكن التاريخ يشهد بأنهم لم يبنوا مخيمات تخص أولئك المهاجرين بل استقبلوهم في بيوتهم وفي أحيائهم ومدنهم، وعاملوهم كما يعاملون أنفسهم. وهذا سيبقى معلماً من معالم التاريخ.
كما يعيش أهل بلاد الشام هذه الأيام قصة كقصة هجرة الحبشة، ففي بداية العقد الثاني من القرن الحالي هاجر بعضهم إلى بلاد غير بلادهم فاُستقبل من اُستقبل ضمن مخيّمات خاصة لا يغادرونها، واستقبل القليل منهم غير ذلك.
كما هجر أكثرهم مدنهم وقراهم قاصدين قرىً ومدناً أخرى، تاركين كل ما يملكون ناجين بأنفسهم وأهليهم، لنفس أسباب المهاجرين الأوائل من المسلمين، وفيهم أيضاً الغني والفقير. واستقبلهم أهل المدن الأخرى، فاحتضنوهم وناصروهم وقاسموهم جزءاً من أموالهم، فمنهم من أسكنهم في بيته، أو استأجر لهم بيوتاً، ومنهم من قدّم اللباس والطعام، ومنهم من تكفل برعايتهم الصحية، ومنهم من قدم غير ذلك. فكان أهل تلك المدن كالأنصار.
لقد بلغ عدد الأسر التي هاجرت إلى مدينة حماة (المدينة فقط) والمسجلة رسمياً ضمن لجنة الإغاثة 52400 أسرة أي ما يعادل 300-400 ألف شخص، يحتاجون شهرياً 175-250 ألف دولار أكثرها يُجمع من تبرعات الأهالي، ويضاف لهذا العدد أكثر من نصفه من غير المسجلين. وتتركز الاحتياجات على الطعام والشراب واللباس والطبابة وحليب الأطفال، ويذهب قسم منها لسد نفقات الإيجار.
هناك أناس استغلوا الأمر بوصفه فرصة استثمارية فأجّروا مساكنهم وباعوا بضائعهم وكأنه موسم رَواج، والأنكى من ذلك أن هناك من اعتبرها فرصة للاستغلال المسيء فتمادى في زيادة الأسعار واحتكار حاجات الناس وكأن هذه الفئة أبت أن تكون كالأنصار.
لقد شحت البضائع والسلع لتباطؤ الإنتاج في بعض الحالات وتوقفه في حالات أخرى سواء لهجرة العاملين أو لتدمير المنشآت. وشحت أيضاً بسبب صعوبات لوجستية كمخاطر النقل، كما ضعف تخزينها لعدم وفرتها أو خوفاً من تدميرها. فزاد الطلب عن العرض وارتفعت الأسعار لتعبّر عن حالة غير صحية ولتزيد الأعباء والتكاليف.
أمام ذلك انخفض الطلب العام لأسباب عدة، فهناك:
* أناس غيّروا سلوكهم الاستهلاكي فضبطوا شهواتهم وخفّضوا حاجاتهم ليحدّوا من الاستهلاك، مكتفين بالضروريات قدر المستطاع.
* أناس هاجروا خارج البلاد.
* إضافة إلى موت وفَقد الكثيرين.
لقد ساعد ذلك في تحقيق إعادة التوازن بين العرض والطلب بشكل جزئي.
لكن وللأسف هناك أناس حافظوا على عاداتهم الاستهلاكية غير آبهين بغيرهم، وكأنهم أبوا أن يكونوا كالأنصار.
لقد شبه (صلى الله عليه وسلم) وحدة المسلمين بالجسد الواحد، فقال: مَثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم، مَثلُ الجسدِ. إذا اشتكَى منه عضوٌ، تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى (صحيح مسلم: ٢٥٨٦). مما يعني أن اقتصاد المسلمين اقتصاد واحد متكامل، فلو استقل اقتصاد كل منهم في بقعة جغرافية تخصهم، فإنه في الأزمات، يعود اقتصادهم كالجسد الواحد. وهذا ما فعلته الأمصار في عام الرمادة فساند المسلمون بعضهم بعضاً. لكن القضية لا تقف عند المساعدة وكأن بعضهم يتفضل على بعض، بل هو أمرٌ يخص سلامة دينهم، لقوله (صلى الله عليه وسلم): من أصبحَ وَهَمُّهُ غيرُ اللَّهِ فليسَ منَ اللَّهِ ومَن أصبحَ لا يَهتمُّ بالمسلمينَ فليسَ مِنهُم (الجامع الصغير للسيوطي: ٨٤٥٣).
لقد عاش أهل بلاد الشام ويعيشون قصة المهاجرين والأنصار بكامل تفاصيلها مع اختلاف المكان والأشخاص والزمان.
فالمكان مبارك كمكة والمدينة ولو بشكل آخر، فقد دعا (صلى الله عليه وسلم) للشام بالبركة فكانت مباركة: اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهمَّ بارِكْ لنا في يَمَنِنا. قالوا: يا رسولَ اللهِ، وفي نَجدِنا؟ قال: اللهمَّ بارِكْ لنا في شامِنا، اللهمَّ بارِكْ لنا في يَمَنِنا. قالوا: يا رسولَ اللهِ، وفي نَجدِنا؟ فأظنُّه قال في الثالثةِ: هناك الزلازِلُ والفِتَنُ، وبها يَطلُعُ قرنُ الشيطانِ) (صحيح البخاري: ٧٠٩٤)، وأرض الشام أرض هبطت فيها الرسالات السماوية السابقة، وهي أي الشام أرض المحشر والمنشر (صحيح الجامع: ٣٧٢٦).
أما الأشخاص فليسوا صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لكنهم أحبته وأخوانه، فقد روى أنس ابن مالك (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوله: وددت أني لقيت إخواني، فقال أصحابه: أو ليس نحن أخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني. (السلسلة الصحيحة: 2888).
ويبقى اختلاف الزمان وهذا ما دعانا إلى القول بأنها سنة من سنن الله بين عباده وأنها قصة لن تنتهي. ويزيد الحدث الحالي تميزاً عما سبقه، أن المهاجرين والأنصار الحاليين منكوبون بفقد الآحاد والعشرات من أحبائهم.
لكن كيف يشد المسلمون أزر بعضهم بعضاً؟ هل بسدادهم زكاة أموالهم؟ أم يضيفون عليها بعض الصدقات؟
روى أبو سعيد الخدري (رضي الله عنه) أنه: بينما نحن في سفر مع النبي (صلى الله عليه وسلم)، إذ جاء رجل على راحلة له. قال: فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له. ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له). قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. (صحيح مسلم: 1728).
إذاً عند الجائحات أو ما نسميه بالأزمات لا تقف المساعدة والمؤازرة عند الزكوات التي هي ركن الإسلام، ولا عند الصدقات التي هي واجبة من واجباته، بل كل ما زاد عن حاجات أَحدٍ من المسلمين هو بمثابة فضلٍ ليس له فيه حق ما دام غيره من المسلمين مُحتاجاً، أو هكذا رأى أولئك الصحابة الكرام (رضي الله عنهم)، الذين خصهم الله تعالى بصحبة خير البرية، ومعلم الناس (صلى الله عليه وسلم).
لقد أدَّب هذا النبي الكريم الناس وعلّمهم كيف يعيشون حياتهم في سعادة وهناء مهما قست ظروفهم الحياتية لفسادِ بعضهم، أو لجائحاتٍ أصابتهم.
لقد نشرنا في العدد  الثاني (يوليو ٢٠١٢) من مجلة الاقتصاد الإسلامي العالمية تحقيقاً بعنوان (مبادرة ناجحة لأشخاص يتبنون القرض الحسن)، أوضح فيه مدير الجمعية أن القروض الممنوحة تجاوزت 6300000 ل.س في عام ٢٠١١. والسؤال: في خضم الأزمة التي تعيشها سورية عامة، وحلب خاصة (مقرّ الجمعية)، فإن كل شيء قد توقف تماماً، بل إن أشياء كثيرة دُمّرت تماماً! فما هو مصير الأموال المقرضة؟ وأين حقوق المقرضين؟ وأين هي المخاطر الائتمانية؟ لقد اتصل بي البارحة رئيس الجمعية يسألني: ماذا تفعل البنوك لحماية أموال مودعيها في  الأزمات؟ فذكرت له الاحتياطيات التي تُلزم بها البنوك المركزية، إضافة للتأمين على الأموال، كسياسات تحوطية لمجابهة الخسائر غير العادية. فقال: كيف ترى وضع جمعيتنا في هذه الظروف قياساً على ما ذكرت؟، فقلت له: الوضع سيء جداً وذكرت له بعض الحلول. فقال: لقد جاءني شخص ودفع مبلغاً كبيراً كسلفة (غير مشروطة) لسداد أي حالة طارئة، كما أبلغه عدد من المشتركين بتخليهم عن حقوقهم إن لزم الأمر! وبذلك استمرت أمور الجمعية دون إشكاليات، وبقيت الجمعية بعيدة عن هاوية الإفلاس. فأيّ تحوط هذا؟ وأين الخبراء الاكتورايين؟ وأين الفنيين والإداريين الذين يحصلون على عشرات ألوف الدولارات كرواتب شهرية؟ إنها بلاشك أثر التربية الاقتصادية الإسلامية التي تعمل ميدانياً في الحالات العادية وحالات الأزمات على حد سواء فهي لا تركن نفسها في طيات الكتب أو حبيسة التنظير.      
إن ما سبق بيانه، ليس مخصوصاً بأهل بلاد الشام، بل يشمل كل بقاع المعمورة التي فيها مسلمون أصابتهم حاجة أو ألجأتهم ضرورة. هو درسً مستمر في إدارة الأزماتْ، فيه الحلول اجتماعية اقتصادية وليس العكس، فالناس وقد أصابتهم تلك الأزمات بحاجة، هم أحوج ما يكونون للمواساة والمؤازرة الإنسانية، خاصة أن فيهم الأطفال والنساء وكبار السن، فالمال ليس فيه سحر الحل لوحده، ولو كان ذلك لألّف بين قلوب الناس لكنه لم يفعل، وقد نبه الله تعالى إلى ذلك فقال: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 63].
إذن يُنظر إلى مرحلة الأزمات، بوصفها فترة زمنية، على أنها ابتلاء لمن أصابتهم، واختبار لغيرهم من المسلمين. فاغتنموا هذه الأيام المباركات ففيها تُزرع الإلفة والمحبة. وأنا إنما أنقل لكم ما نحن فيه (أي أهل الشام)، لكن الشيء الذي لن أستطيع نقله إليكم هو الشعور بلذة عيش تلك الإلفة والمحبة (رغم الألم) لأنكم لستم في بلاد الشام تلك الأرض المباركة التي تكفلها الله تعالى في كنفه لقوله (صلى الله عليه وسلم): يكونُ جنودٌ أربعةٌ فعليكم بالشَّامِ فإنَّ اللهَ قد تكفَّل لي بالشَّامِ (رواية أبي طلحة - تهذيب الكمال: ٢١/٣٢١)، صدق رسول الله.

الدكتور سامر مظهر قنطقجي
حماة (حماها الله) بتاريخ 08/11/2012