العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تحديات الحوكمة في المؤسسات الوقفية

د. حياة بن زارع

كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير - جامعة قالمة

الحلقة (٢)

ثانيا: الحوكمة

مفهوم الحوكمة: يتبوأ مصطلح الحوكمة أهمية خاصة في عالم المال والأعمال في الوقت الراهن لما يعود به من نفع على الشركات والمجتمع بأسره. في هذا الإطار لا يوجد إجماع في الأدبيات على تعريف موحد، فيعرفها البنك الدولي بأنها:" الحالة التي من خلالها تتم إدارة الموارد الاقتصادية للمجتمع بكفاءة عالية بهدف التنمية"14. كما خلص برامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن:" الحوكمة تعبر عن ممارسة السلطات الاقتصادية الرشيدة والسياسية والإدارية الفعالة لإدارة شؤون المجتمع على كافة مستوياته"15، وتعرفه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنه: "ذلك النظام الذي يوضح كيفية إدارة منشآت الأعمال المالية والرقابة عليها"16.

أما حوكمة الشركات فيقصد بها:" العلاقة بين عدد من الأطراف والمشاركين التي تؤدي إلى تحديد التوجه الرشيد لأداء المنظمة بمعرفة كل من: حملة الأسهم، الإدارة ومجلس الإدارة"17، وبشكل عام فإن الحوكمة تعني وجود نظم تحكم العلاقات بين الأطراف الرئيسية في الشركة (أعضاء مجلس الإدارة، الإدارة التنفيذية،  المساهمين.. الخ) بهدف تحقيق الشفافية، العدالة، مكافحة الفساد ومنح حق مساءلة إدارة الشركة لحماية المساهمين والتأكد من أن الشركة تعمل على تحقيق أهدافها واستراتيجياتها الطويلة الأمد18. وتتمثل إذن أهداف الحوكمة في تحقيق عدد من الأهداف: الشفافية، المساءلة، المساواة، المسؤولية.

الحوكمة من منظور الدين الإسلامي:

مبادئ الحوكمة في الإسلام:

إن المتمعن في آيات القرآن الكريم يجد فيها الهداية الشاملة وكذلك مبدأ الرشد في التصرفات والصلاح في القرارات وهي تتمثل أساسا في قواعد الحوكمة كما أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أوصى في توجيهات كريمة عديدة على أهمية تطبيق مبادئ الحوكمة، كالأمانة والعدالة وغيرها، وفيما يلي أهم مبادئ الحوكمة في الإسلام وذلك باستقراء الآيات والأحاديث النبوية والتراث الفقهي:

المساءلة والتي تعتبر أمرا ضروريا في حياة المسلم والمجتمع الإسلامي، قال سبحانه وتعالى: "وقفوهم إنهم مسؤولون"19، كما قال تعالى "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا"20، وتندرج المساءلة في المفهوم الإسلامي في نقطتين أساسيتين: الأولى يساءل فيها المسلم أمام الله عز وجل عن النعم والموارد المؤتمن عليها والثانية فيساءل المسلم أمام العباد حول حقوقهم وتنفيذ العقود معهم.

الشفافية: في هذا الإطار فقد حث الدين الإسلامي على الشفافية في تصرفات المسلمين وتعاملاتهم، ومن دواعي الشفافية الإفصاح كما هو الحال في بيان عيب البضاعة كما قال صلى الله عليه وسلم "البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" (متفق عليه)، ومن الشفافية عدم الغش في الأمور، قال صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا" (صحيح مسلم).

المسؤولية: قال صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع فهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته" (صحيح البخاري)، فالمسلم مطلوب منه تحمل المسؤولية عن كل ما أوكل إليه من أعمال، كما أنه محاسب عن أي تصرفات يقوم بها بما فيها التصرفات عن الغير بصفته وليا عنهم، مثل التصرفات على الأوقاف، ومن المسؤولية أداء العمل بالمهنية المطلوبة وكذلك إدارة الأعمال بالإتقان.

العدل والقسط: كما قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلؤا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا"21. والعدل أن يُؤتى كل وال ما عليه تحت ولايته وأحيانا يعبر عن العدل بالميزان كما في قوله تعالى:" الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب"22. فالميزان هنا هو العدل والاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح.و أنزل الله تعالى الميزان وهو العدل في القلوب وفي معاملات الناس وحث على خلق العدالة في الحكم كما قال تعالى:" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتكم بين الناس أن تحمكوا بالعدل"23. ومن معاني العدل عزوف النفس عن الأطماع والأتباع ولزوم القناعة في كل حال ومعنى وأما العدل مع الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل وكثر وخاصة في الأموال العامة وفيما ولي عليه المسلم، مثل مال اليتيم والوقف، والعدالة لا تقتصر على مجالات التقاضي وإنما تشمل مناحي الحياة جميعها.

الأمانة: وهي أحد المحاور المهمة في المعاملات عامة وفي مال اليتيم والوقف خاصة كما قال تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"24. وهي آية عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما لديهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلمات والعدل في الحكومات. والأمانات هي كل ما أؤتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به ويدخل ضمن ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى. وأساس الأمانة حسن اختيار من يتحملون المسؤولية، ولقد نفي الإيمان عن من فقد الأمانة قال صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له". (حديث صحيح رواه أحمد في مسنده).

ومن مبادئ الحوكمة في الإسلام المحافظة على المال كما قال تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم"25، كما قال صلى الله عليه وسلم: “أمسكوا عليكم أموالكم لا تفسدوها”، فإمساك المال بدون كنز محمود في الإسلام، وهذه التوجيهات تدل على أهمية المحافظة على أموال الأفراد فمن باب أولى المحافظة على الأموال العامة وأموال الوقف.

ومن باب الحوكمة في الإسلام سد منافذ الطمع في المال العام بما فيها مال الوقف من خلال تحديد الأجور والمكافآت والحوافز ولتحقيق ذلك حدد الإسلام مكافآت العاملين على الزكاة بما لا يتجاوز الثمن من حصيلة الزكاة وكذلك حدد مكافآت النظار على الوقف بأجرة المثل، وفي التطبيق العملي حدد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ما يحل له من بيت المال منطلقا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حول مخصصات الوالي أو العامل وكفاية احتياجاته كما قال صلى الله عليه" من كان لنا عاملا فلم يكن له زوجة فليكتسب له زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب له خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا، ومن اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق" (أخرجه أبو داوود في الخراج).

ومن خلال ما تقدم يتضح سمو قواعد الحوكمة في الإسلام وتميزها بالشمولية وبالاهتمام بالجانب الروحي والقيمي، وعند مقارنة قواعد الحوكمة في الإسلام مع غيرها يبرز وجود اختلاف بين نظام الحوكمة المبني على النموذج الغربي وبين نظام حوكمة المؤسسات في الإسلام يتمثل في النقاط التالية26:

·    أول اختلاف هو أن نظام حوكمة المؤسسات الغربي يقوم على أساس قيم علمانية وليس قيما دينية أخلاقية.

·    أن القيم الغربية الأساسية تنبع من مطلب مصلحة النفس حسب المفهوم الغربي –بدون اعتبار لمصلحة المجتمع كليا، كما هو الحال عليه في الإسلام.

·    إن نظام حوكمة المؤسسات الغربي مبني على أساس نظرية الملاك والوكيل حيث أن الملاك( المساهمين) لا بد أن يراقبوا عمل الوكيل (الإدارة التنفيذية) والذي يسعى أي الوكيل إلى تلبية مصالحه وليس فائدة المجتمع كما هو مبدأ الشراكة في الإسلام.

·    إن نظام حوكمة المؤسسات في الإسلام يركز على مخاطبة النفس البشرية وتوجيه غرائزها، وغرس التقوى والمحاسبة الذاتية فيها، بينما يركز النظام الغربي على الكوابح التشريعية والقيود الرقابية والقانونية لمنع أي تجاوز أو فساد.

كما أن من بين هذه الاختلافات أن نظام حوكمة المؤسسات في الإسلام بالإضافة إلى قواعده الظاهرة والتي تم توضحها آنفا، فإنه يقدم قواعد غير منظورة للحوكمة والتي تتمثل في الآتي:

قواعد الحوكمة غير المنظورة:

كما ركز الإسلام على قواعد للحوكمة مرتبطة بالتصرفات الظاهرة والتعاملات المالية، فإنه كذلك ركز على قواعد يمكن اعتبارها قواعد غير منظورة أو صعبة التوثيق والقياس والغالب عليها هو قاعدة الدين العام وهي أن الوقاية خير من العلاج ودرء مفسدة أولى من جلب مصلحة، ولتحقيق ذلك فإن منهج الإسلام يعتمد دائما على الوقاية حيث أنه لا يحارب الدوافع الفطرية والشهوات الإنسانية ولكن يحبب لها الالتزام بالقيم المحمودة، ويسعى إلى تضييق فرص الغواية وإبعاد عوامل خيانة الأمانة وقطع أسباب الطمع فيما أيدي الناس، ولعل من أهم قواعد الحوكمة غير المنظورة هي غرس التقوى في نفس المسلم كما قال تعالى: "و إن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا"27، ومنها كذلك، مراقبة الله عز وجل وهو أن تستشعر بأن الله يراك، كما قال في كتابه الكريم:" ألم يعلم بأن الله يرى"28، ومن ذلك تطوير الرقابة الذاتية، والتي اهتم بها الإسلام من خلال تحديد معايير محددة للتعرف على الممارسات الراشدة من غيرها، ويقدم الإسلام ثلاثة أنواع من الرقابة، وهي الرقابة الذاتية التي تنبع من ضمير الأفراد، والرقابة التنفيذية من الدولة، والرقابة الشعبية من أهل الحل والعقد وعامة المسلمين، والرقابة الذاتية هي الشعور بمعية الله ورقابته في كل الأحوال مصداقا لقوله تعالى: "وإن يجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى"29.

الابتعاد عن الشهوات والشبهات كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه" (رواه البخاري ومسلم)، فعندما يفطم المسلم شهواته، يقل طمعه فيما لدى الآخرين، وتضعف رغبته في العدوان عليهم، أو الغلول من الأموال العامة والخيرية مثل الأوقاف.

التوازن في فهم الدنيا ومتاعها، لأنه الوسيلة الوحيدة إلى الآخرة، وأن يطلب المسلم الرزق من الطيبات، وعمارة الأرض بالصلاح وتحقيق الاستخلاف، وإن الانشغال بالدنيا وفتنها والطمع من أشد أسباب التنكب عن الالتزام بقواعد الحوكمة، مع كثرة التنعم باللذات وتعددها، كما هو واضح من القضايا المشهورة في سقوط البنوك والمؤسسات المالية، كما أن حب الدنيا دافع للطمع في الأموال العامة بما فيها أموال الوقف، لقلة الرقابة عليها، وسهولة الاستيلاء عليها، ولعدم وجود من يطالب بها عند فقدها، وأمر سبحانه وتعالى بالإحسان في الدنيا وابتغاء ما قسم للإنسان فيها، ولكن ذم التوسع في المباحات المؤدي إلى الطمع.

القناعة والبعد عن أكل المال بالباطل، وهذا ما يمنع كافة أنواع الغش والتدليس وأكل أموال الغير بالتعدي وبدون وجه حق، قال تعالى: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون"30، ومن ذلك تعظيم حرمة المال العام، فلا يأخذ منه شيئا بدون وجه حق، فيكون غلولا، وهو أحد أنواع أكل المال بالباطل، ونهي الولاة عن الغلول، كما قال تعالى: "وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون"31.

إن الحوكمة في نظر الإسلام إذن نظام من نظم تكوين المجتمع الراشد، ولا بد حتى يتحقق التأثير المطلوب لها أن تتكامل معه نظم أخرى تسانده وتحقق فعاليته، ومن تلك النظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف كما أنه واجب فردي فهو واجب جماعي، كما قال تعالى:" والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم"32. ويكمن في هذا تشجيع تشكيل مجموعات رقابة ومتابعة لأعمال مؤسسة الوقف، من المهتمين والمتأثرين من أعمال مؤسسة الوقف كمجلس رقابة أو مجموعات مراقبة، بغرض ترشيد قراراتها، وتصويب تصرفاتها، والنصح بتطوير أعمالها.

1.            ثالثا: حوكمة الوقف:

حوكمة الوقف: المفهوم والأهداف: يقصد بها "تحديد العلاقة بين الواقفين والموقوف عليهم، ومجالس الإدارة، والمديرين وحملة الأسهم وغيرهم، بما يؤدي إلى زيادة قيمة الوقف إلى أقصى درجة ممكنة على المدى الطويل. وذلك عن طريق تحسين أداء المشاريع الوقفية، وترشيد اتخاذ القرارات فيها. و يتضمن ذلك إعداد حوافز وإجراءات تخدم مصالح الموقوف عليهم، وتحترم في نفس الوقت رغبات الواقفين ومصالح جميع المتعاملين في ومع المشروع الوقفي”33.

أما أهداف الحوكمة في المؤسسات الوقفية، يمكن حصرها في النقاط التالية34:

·    الالتزام الشرعي بأحكام الوقف والشريعة الإسلامية.

·    تحقيق الشفافية والإفصاح في نشاطات مؤسسة الوقف وأعمالها، ضمن قواعد النزاهة والموضوعية.

·    تعزيز الثقة والمصداقية في أعمال مؤسسات الوقف التي تطبق قواعد الحوكمة، وبالتالي زيادة الموارد المالية التي تجذبها، والأوقاف التي تخصص لها.

·    توفير الاستقلالية الكاملة لقرارات مؤسسة الوقف، نظرا لوجود مرجعية لقراراتها وفق نظم محددة، وبغرض تطبيق شروط الواقفين تضمن العدالة والإنصاف، مما يجعل مؤسسة الوقف محصنة من الضغوط الخارجية بما فيها الضغوط الحكومية.

·    توفير الرقابة والمساءلة على كافة تصرفات مؤسسة الوقف والعاملين عليها بدون أي حرج أو اتهام أو شعور بعدم الثقة، والقبول بالرقابة المستمرة دون حرج.

أهمية حوكمة مؤسسات الأوقاف: وتتجلى أهمية حوكمة الأوقاف فيما يلي35:

·    ضمان النزاهة والحيادية والاستقامة لكافة المشاريع الوقفية.

·    تفادي وجود أخطاء عمدية أو انحراف متعمد كان أو غير متعمد ومنع استمراره أو العمل على تقليله إلى أدنى قدر ممكن، وذلك باستخدام النظم الرقابية المتطورة.

·    تساعد على تخفيض المخاطر المرتبطة بالفساد المالي والإداري التي تواجهها المؤسسات الوقفية.

·    تساهم في تحسين إدارة المؤسسة الوقفية من خلال مساعدة مديري ومجلس إدارتها على تطوير استراتيجية سليمة لها، وضمان اتخاذ القرارات على أسس سليمة.

·    ضمان قدر كاف من الإفصاح والشفافية في القوائم المالية.

·    ضمان استقلالية مراجعي الحسابات الخارجيين وعدم خضوعهم لأية ضغوط من مجلس الإدارة أو من المديرين التنفيذيين.

·    تحقيق الاستفادة القصوى من نظم المحاسبة والمراقبة الداخلية، وتحقيق فاعلية الإنفاق وربط الإنفاق بالإنتاج.

·    زيادة كفاءة استخدام الموارد وتعظيم قيمة مؤسسات الأوقاف وتدعيم قدرتها التنافسية بالأسواق، مما يساعدها على التوسع والنمو ويجعلها قادرة على تحقيق أهداف الواقفين وتعظيم منفعة الموقوف عليهم.

تحديات الحوكمة في المؤسسات الوقفية:

لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار التحديات التي تواجه مؤسسات الوقف في العصر الحديث في تبني نظام الحوكمة وتطبيق قواعدها، وخاصة في مجال مجلس النظارة والإدارة التنفيذية36:

·    فالتحدي الأول هو كيف تستطيع مؤسسة الوقف أن تطور الحوكمة فيها لتتلاءم أو لا تخالف القواعد الشرعية للوقف، وقانون إنشاء مؤسسة الوقف واللوائح الصادرة في هذا الشأن، في هذا الإطار يمكن التوضيح كما تم ذكره في النقاط السابقة للبحث، أن كل قواعد الحوكمة لا تخالف الأحكام الشرعية كما أن تطبيق قواعد الحوكمة يتفق مع أهداف ولي الأمر في حسن إدارة المؤسسات الوقفية.

·    أما التحدي الثاني فهو من سيبادر بالبدء لتطوير نظام الحوكمة، هل هو ولي الأمر؟ أم مجلس النظارة؟ أم المتأثرون بالوقف؟ أم مؤسسات المجتمع المدني؟ أم مجموع هذه الأطراف؟ لضمان حسن سير المؤسسات الوقفية التي تعمل في المجتمع، فمثلا بينما في الشركات هناك مطالبة مستمرة من المساهمين لمراقبة مجلس إدارة الشركة في تطبيق قواعد الحوكمة ومحاسبة المسؤولين فيها من خلال الجمعيات العمومية، إلا أنه في مؤسسة الوقف فان الواقفين (وهم يمثلون المساهمين في الشركات) قد يكون معظمهم إن لم يكن جميعهم قد انتقلوا إلى رحمة الله، كما أن الموقوف عليهم عاجزون عن المحاسبة كما يظهر من الواقع العملي، مما يجعل نظام حوكمة الأوقاف مطلبا أساسيا لا بد من تحقيقه، حتى لو غاب الواقفون أو الموقوف عليهم.

·    أما التحدي الثالث فهو تحديد من يكون المسؤول عن متابعة تطبيق قواعد الحوكمة في مؤسسة الوقف (مثل الجمعية العمومية والجهات الرقابية في حالة الشركات ) ليتم تقديم تقرير الحوكمة إليها ومتابعة تنفيذ توصياتها، ففي حالة مؤسسة الوقف فإنه ومع وجود تشابه مع حالة الشركات حيث هناك انفصال للملكية عن الإدارة، إلا أن مؤسسة الوقف لا يوجد فيها مساهمون يمكن أن يمارسوا مهمة الرقابة والمحاسبة –من خلال الجمعية العمومية –على مجلس النظارة، مما يولد ثغرات رقابية تتطلب تشددا في تطبيق قواعد الحوكمة، واقتراح أساليب جديدة للرقابة، ويمكن التفكير في هذا الإطار في تشكيل مجلس أمناء من الواقفين والموقوف عليهم، يراقب أعمال مجلس النظارة، أو تعيين جهة حكومية مستقلة تراقب أعمال مؤسسة الوقف.

·    أما التحدي الرابع، فإنه إلى حين التطبيق الشامل لقواعد الحوكمة فإن جزءا من موارد مؤسسة الوقف ينبع من التبرعات والأوقاف الجديدة، وبالتالي فإن أي اتهامات بقصور مجلس النظارة في أداء واجباته قد يؤدي إلى نقص مواردها المالية، مما يتطلب أن تعطى الأولوية في التطبيق لقواعد الحوكمة التي تحافظ على سمعة المؤسسة.

·    أما التحدي الخامس فهو قيام مؤسسة الوقف في جانب بالعمل الاستثماري لتطوير أعيان الوقف، وفي جانب آخر فهي تقوم بعمل اجتماعي خيري من خلال توزيع الريع، وهذا يتطلب قواعد مختلفة من الحوكمة، كما أنه يجعل من الصعوبة إدارة هذين النشاطين معا.

·    وأخيرا عدم وجود معايير محاسبية وقوائم مالية متفق عليها، يمكن مقارنة أداء مؤسسة الوقف وتقويم مدى الالتزام بالحوكمة، كما لا يوجد التزام شرعي أو تشريعي لدى مؤسسة الوقف بتطبيق قواعد الحوكمة، مما قد يقلل من جدية الالتزام بها.

الخاتمة:

من خلال ما سبق يتضح ما يلي:

·    إن الحاجة إلى تطبيق قواعد للحوكمة في مؤسسات الوقف باعتبارها أحد مداخل تطوير عملية الوقف في العصر الحديث تنبع من أثره في تعزيز ممارسات مؤسسة الوقف وتطوير أداء مجلس النظار فيها، كما توفر للجهات الرقابية على مؤسسة الوقف أسسا واضحة لقياس أداء مجلس النظارة ومدى التزامه بقواعد العمل الرشيد، وكذلك توفر أسسا لمحاسبة مجلس النظارة لمؤسسة الوقف أو القائمين عليها قبل أن تؤثر الممارسات غير الرشيدة على أصول مؤسسة الوقف أو سمعتها.

·    كما أن وجود قواعد للحوكمة له تأثير في زيادة ثقة ولي الأمر وعموم الناس في ممارسة مجلس النظارة فيؤدي ذلك إلى تنامي عملية الوقف في الأمة.

·    إن الالتزام بتطبيق الجوانب التفصيلية للحوكمة على مؤسسة الوقف سينعكس ايجابيا على أدائها بأبعادها التشغيلية والمالية والاستثمارية.

·    ويساعد تطبيق قواعد للحوكمة على إيجاد مفهوم ومقاييس شاملة لأداء مؤسسة الوقف مما يدعم من قدراتها في الاستمرار والنمو ويحقق مصالح الفئات المختلفة المتعاملة معها وتوفر أداة لقياس أدائها مقارنة مع غيرها من المؤسسات الوقفية.

وفيما يلي بعض التوصيات لتعزيز وتفعيل الحوكمة في المؤسسات الوقفية:

·    ضرورة تولي الهيئات المختصة وضع معايير شرعية ومحاسبية للتدقيق الشرعي والمالي والإداري في أعمال الناظر سواء كان فردا أم جماعة أم مؤسسة أم وزارة، وينبغي أن تخضع إدارة الوقف لقواعد الرقابة الشرعية والإدارية والمالية والمحاسبية.

·    ضرورة وضع ضوابط معيارية لنفقات الوقف سواء أكانت تسويقية أم إعلامية أم إدارية أم أجورا أم مكافآت لتكون مرجعا عند الرقابة.

التهميش:

1.      مثلما كان حال الوقف في السودان في ظل رعاية المحاكم الشرعية لفترة طويلة من الزمن حتى صدور قانون الأوقاف السوداني عام ١٩٨٩ وما تلاه من قرارات خاصة بتنظيم الوقف داخل البلاد وخارجها مثل وقف آبار على بالسعودية وأوقاف القدس لصالح المسجد الأقصى، وأوقاف في تركيا، ووقف الغور بمدينة جدة.

2.      عطا الله وارد خليل، محمد عبد الفتاح العشماوي، الحوكمة المؤسسية المدخل لمكافحة الفساد في المؤسسات العامة والخاصة، مكتبة الحرية للنشر والتوزيع، القاهرة ٢٠٠٨ ص ٢٨.

3.      المرجع السابق، ص ٢٨.

4.      علاء فرحان طالب، إيمان شيحان المشهداني، الحوكمة المؤسسية والأداء المالي الاستراتيجي للمصارف، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان الطبعة الأولى،٢٠١١، ص ٢٤.

5.      عطا الله وارد خليل، محمد عبد الفتاح العشماوي، مرجع سابق، ص ٣١.

6.      أساسيات الحوكمة: مصطلحات ومفاهيم "سلسلة النشرات التثقيفية لمركز أبو ضبي للحوكمة "مركز أبو ضبي للحوكمة، ص ٥.

7.      سورة الصافاتالآية ٢٤.

8.      سورة الإسراءالآية ٣٦.

9.      سور النساء الآية ١٣٥.

10.   سورة الشورىالآية ١٧.

11.   سورة النساء الآية ٥٨.

12.   سورة النساء الآية ٥٨.

13.   سورة النساء الآية ٥.

14.   فؤاد بن عبد الله العمر، باسمة بنت عبد العزيز المعود، قواعد حوكمة الأوقاف، نظارة مؤسسة الوقف نموذجا، دار النشر: كرسي الشيخ راشد بن دايل لدراسات الأوقاف،٢٠١٦، ص ٥١.

15.   سورة النساء الآية ١٢٨.

16.   سورة العلق الآية ١٤.

17.   سورة طه، الآية ٧.

18.   سورة البقرةالآية ١٨٨.

19.   سورة آل عمران الآية ١٦١.

20.   سورة التوبةالآية ٧١.

21.   صالح صالحي، نوال بن عمارة، الحوكمة ودورها في تفعيل مؤسسات الأوقاف الجزائرية لتحقيق التنمية المستدامة، من الرابط.

22.   linkص ٩١٢.

23.   فؤاد بن عبد الله العمر، باسمة بنت عبد العزيز، مرجع سابق، ص ٦٢٠.

24.   صالح صالحي، نوال بن عمارة، مرجع سابق،ص ٩١٢.

25.   فؤاد بن عبد الله العمر، باسمة بنت عبد العزيز، مرجع سابق، ص ١٤٠.