العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تحديات الحوكمة في المؤسسات الوقفية

د. حياة بن زارع

كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير - جامعة قالمة

إن التطور الذي حدث في قطاع الأوقاف جعل من حوكمة وترشيد إدارتها حاجة ملحة من خلال وضع القوانين واللوائح التي تساعد المتولي في تحسين إدارته للأوقاف سواء كان شخصا أو مؤسسة. فبالنظر إلى وجود عدد من المصالح المتداخلة والمؤثرة في المشاريع الوقفية تبرز الحاجة الملحة لتوظيف مبادئ الحوكمة في سبيل تحسين أداء المشاريع الوقفية لتحقيق الأهداف المناطة بها.

في هذا الإطار، يتم التحكم في مشروع الوقف من خلال ثلاث جهات رئيسية: الواقف (المتبرع أو المتبرعون) والناظر أو مجلس النظار وهو بمثابة مجلس الإدارة في الشركات الحديثة والموقوف عليهم أو المستفيدون وكذلك يوجد مدير أو مسؤول عن المشروع محل الوقف يعينها ويشرف عليها الناظر وذلك بمثابة الإدارة التنفيذية في الإدارة الحديثة كما يوجد العديد من الهيئات والجهات الحكومية والنظامية التي يفترض أن تشرف على مشاريع الأوقاف على وجه العموم وهذه يتشابه دورها مع دور الهيئات والجهات المنظمة لأعمال الشركات المساهمة1. كل هذه المجموعات تحتاج ترتيب العلاقات فيما بينها وتفعيل المساءلة المتعلقة بالرقابة والتحكم في المشروع الوقفي وفق مبادئ وأسس واضحة للارتقاء بالأداء في جو عام من الإفصاح والشفافية والمسؤولية تجاه أصحاب العلاقة بالمشروع.

فأهمية حوكمة الوقف تبرز من خلال معالجة أوجه الخلل في إدارة الأوقاف، وبث الثقة في كل من الواقفين والموقوف عليهم وزيادة قيمة الأموال الوقفية.

يحاول هذا البحث توضيح أهمية تطبيق مبادئ الحوكمة في المؤسسات الوقفية والتحديات التي تواجهها في تطبيقها، ولأجل ذلك تم تقسيم البحث إلى النقاط الرئيسية التالية: الإطار النظري للوقف، والحوكمة، وحوكمة الوقف.

أولا: الإطار النظري للوقف.

تعريف الوقف: الوقف مصطلح إسلامي، لغويا يعني الحبسأو المنع واصطلاحا هو ”حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته من الواقف وغيره على مصرف مباح موجود، أو يصرف ريعه على جهة بر وخير تقربا إلى الله تعالى“2، ويشمل الوقف الأصول الثابتة كالعقارات والمزارع وغيرها كما يشمل الأصول المنقولة التي تبقى عينها بعد الاستفادة منها كالآلات الصناعية وغيرها أما التي تذهب عينها بالاستفادة منها تعتبر صدقة كالنقود والطعام وغيرها. ويختلف الوقف عن الصدقة في أن الصدقة ينتهي عطاؤها بإنفاقها أما الوقف فيستمر العين المحبوس في الإنفاق في أوجه الخير حتى بعد الوفاة.

والوقف إذن صدقة من صدقات التطوع، يقومبها الإنسان بمحض إرادته حيث يهب جزءا من أمواله يخصصه لعمل من أعمال البر لخدمة الصالح العام تقربا إلى الله عز وجل، مصداقا لقوله تعالى: “وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا”3 وقال تعالى: “لن تنالوا البرحتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم”4.

فخصوصية الوقف تكمن في صفة الدوام والاستمرارية، من خلال وقف العين والإنفاق من المنفعة وتحقيق دوام العين، فلا يجوزالتصرف في العين بأي شكل يؤدي إلى زوالها من بيع أو هبة أو إرث لأنها تصبح ملكا خاصا لجهة الخير الموقوف لها5.

وبالتالي تنفرد به الحضارة الإسلامية عن باقي النظم الدينية والوضعية المعروفة اليوم، حيث أنه يختلف في آن واحد عن نظامي الملكية العامة والملكية الخاصة.وهكذا تحول الوقف إلى مصدر أساسي لبناء ورعاية أهم المؤسسات التربوية الإسلامية انطلاقا من المساجد التي تفرعت عنها الكتاتيب القرآنية ثم المدارس ليصبح بعد ذلك مؤسسة مالية مستقلة تؤدي خدمات عامة اقتصادية واجتماعية وثقافية وأحيانا إستراتيجية وتغطي فضاءا واسعا من المصالح الاجتماعية والتربوية والصحية والبيئية وخدمات البنية التحتية وغيرها6.

والوقف مثل سائر الالتزامات والعقود لا بد له من توافر أركان معينة لقيامه وهي7:

الركن الأول: هو الواقف المتصدّق: وهو الشخص المكلف العاقل الرشيد البالغ الحر المختار.

والركن الثاني:هو الشيء الموقوف المتصدق به، وشرطه أن يكون عينا مباحة حاضرة معلومة باقية دائمة لا تزول مع الاستعمال، ولا تستوعب جميع المال بل لا تزيد عن الثلث، وتصح مشاعة من جماعة، ولا تتملك لأحد بعد الوقف، وذلك كالعقار والمركوب والحيوان والأثاث والسلاح والموارد المائية.

الركن الثالث:هو الجهة أو الأجناس الموقوف عليهم: وهم جهة من جهات البر، أو أجناس عامة، لا أفراد بخصوصهم، وإلا كانت صدقة، وإنما أطلق العلماء لفظ "الموقوف عليهم" ولم يقولوا "الموقوف لهم"، حتى لا يظن بتملك الوقف من طرف الموقوف عليه، لأنه ملك لله تعالى لا يملكه أحد

والركن الرابعهو الصيغة المصرحة بالمراد، ومجرد النطق بالوقف أو الحبس مع النية، يجعل الوقف لازما حالا مباشرة، كما هو قول الجمهور.

وهناك ركن خامس، وهو مهم من أجل المحافظة على الوقف واستمرارية استثماره لأمد كبير، وهو: الناظر في الوقف والقيّم عليه: ويشترط فيه الصدق والأمانة والخبرة مع القدرة على رعاية الوقف ومصالحه.

مؤسسات الأوقاف

مفهوم وخصائص مؤسسات الأوقاف: هي وحدات ذات طابع خاص تقوم بإدارة الأموال الموقوفة في ضوء أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية وحسب ما ورد بحجة الواقف من مقاصد بهدف تعظيم المنافع والخدمات التي تعود على الأفراد والمجتمعات. وتتسم المؤسسات الوقفية بمجموعة من الخصائص أهمها8:

·      الغاية الأساسية تقديم خدمات ومنافع خيرية (اجتماعية أو اقتصادية...) ولا تهدف من أداء أنشطتها المختلفة تحقيق الربح ولكن تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وإن كانت عند استثمارها للأموال تسعى لتحقيق أكبر عائد ممكن ليساعدها في تحقيق مقاصدها.

·      مملوكة لكيان اجتماعي تحت إشراف حكومي، ولا تنتقل هذه الملكية بالتداول بين الأفراد كما هو الحال في المؤسسات والشركات الاقتصادية، كما أن لها شخصية اعتبارية موثقة ومعتمدة من الدولة.

·      المشروعية ويقصد بذلك أنها تنضبط في كافة أنشطتها المختلفة بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية وبالفتاوى والقرارات والتوصيات الصادرة من مجامع الفقه الإسلامية.

·      يتولى مجلس إدارتها مجموعة من الأفراد من ذوي الخبرة والاختصاص والاهتمام تطوعا أو بأجر حسب النظم واللوائح والقوانين الحاكمة لذلك، كما ينفذ أنشطتها مجموعة من العاملين بأجر وطبقا للأعراف السارية.

·      تباشر مجموعة من الأنشطة الرئيسية منها: التحفيز على وقف الأموال، إدارة أموال الوقف، توزيع المنافع والخدمات من أموال الوقف بالإضافة إلى الأنشطة الخدمية المختلفة.

·      لا يجوز الحجز أو مصادرة أموالها إلا بمبرر معتبر شرعا.

ويتولى الإشراف العام على شؤون الأوقاف الخيرية في معظم الأحيان القاضي أو مؤسسة أو هيئة أو وزارة حسب التشريعات المنظمة لذلك، وتتولى هذه الجهة من ناحية أخرى تعيين ناظر (متولي) لكل وقف وذلك في ضوء ضوابط شرعية وقانونية معينة9. ومن أهم المسؤوليات الإدارية التي تقوم بها المؤسسات الوقفية ما يلي:

·      التمثيل القانوني للوقف أمام الجهات المختلفة.

·      وضع الخطط والسياسات الإستراتيجية العامة لشؤون الأوقاف.

·      تحقيق التنسيق والتكامل بين الأوقاف في ضوء حجج الواقفين.

·      المتابعة والمراقبة المستمرة لأداء نظار الأوقاف في ضوء حجج الواقفين والقوانين واللوائح والنظم والتعليمات الصادرة.

·      محاسبة نظار الأوقاف عن مسؤولياتهم وتقويم أدائهم باستخدام المعايير المناسبة وتنمية الايجابيات وعلاج السلبيات.

·      اتخاذ القرارات الإستراتيجية الخاصة بشؤون الأوقاف بما يحقق المقاصد المستهدفة بكفاءة عالية.

طبيعة الإدارة الوقفية:

تعريف الإدارة:إن أسلم تعريف للإدارة هو المبرر من وجودها، ولذلك تعرف الإدارة بأنها ذلك العضو في المؤسسة المسؤول عن تحقيق النتائج التي وجدت من أجلها تلك المؤسسة سواء أكانت المؤسسة شركة أو مستشفى أو جامعة أو مصلحة أو وزارة، أما عناصر عملية الإدارة ويطلق عليها أحيانا الوظائف الإدارية وتتمثل في خمسة عناصر هي: التخطيط، التنظيم، التوجيه، التنسيق والرقابة. ويمثل ما سبق جوهر العملية الإدارية المطلوب توافرها في إدارة أية مؤسسة، وبمراعاة خصائصها وطبيعتها وهو ما نتعرف عليه بالنسبة لمؤسسة الوقف في الفقرة التالية:

طبيعة وخصائص مؤسسة الوقف:

إذا كان جوهر الإدارة واحداً في جميع المؤسسات فإن التطبيق والأساليب التفصيلية للقيام بالوظائف الإدارية تختلف بحسب عدة اعتبارات الأمر الذي أفرز عدة فروع للإدارة بحسب المؤسسات منها إدارة الأعمال والتي تطبق في المشروعات الاقتصادية، والإدارة العامة التي تطبق في الوحدات الحكومية، وإلى جانب ذلك يوجد ما يعرف بالقطاع الثالث الذي يجمع بين خصائص القطاع الخاص والقطاع الحكومي وهو ما يدخل فيه الوقف الذي يتميز بعدة خصائص يحتاج الأمر مراعاتها في إدارته، ومن أهم هذه الخصائص ما يلي10:

تعدد وتباين الأهداف:يتحدد الهدف في أية مؤسسة اقتصادية بتحقيق أعلى ربح ممكن لملاك المؤسسة، ويعتبر ذلك هو المؤشر لكفاءة الإدارة، والتي تدور حوله جميع الوظائف الإدارية الخمسة، وأما في المؤسسات الحكومية فالهدف فيها هو تحقيق المصلحة العامة وبالتالي الرفاهية الاجتماعية وتنفيذ السياسة العامة للدولة، وأما في الوقف فإن الهدف متعدد يتمثل أولا: في المحافظة على أموال الوقف لتحقيق استمرارها بنفس الطاقة الإنتاجية، وثانيا: في تحقيق أفضل عائد ممكن لإنفاقه في وجوه الخير، وهو بذلك يتشابه مع أهداف القطاع الخاص ويوجد هدف آخر وهو الخدمات التي يقدمها الوقف للمجتمع بدون مقابل، وهو بذلك يتشابه مع القطاع الحكومي وبالتالي تتعدد مسئولية إدارة الوقف بتعدد الأهداف.

تعدد الأطراف التي لها صلة بالوقف:في المشروعات الفردية والصغيرة يقوم مالك المشروع بإدارته، أما في الشركات والمشروعات الكبيرة فإنه يوجد فصل بين الملكية والإدارة، حيث توجد إدارة مخصصة للشركة وكيلة عن ملاك الشركة الذين يراقبون أعمال الإدارة من خلال الجمعية العمومية للملاك أو للمساهمين وبالتالي فإن الإدارة تعمل لصالح المساهمين وتكون مسئولة أمامهم، أما في مؤسسة الوقف فالأمر يختلف لأنه لا يوجد ملاك حصريين للوقف بل هو على ملك الله عز وجل في صورة حق عام للمجتمع، والإدارة ممثلة في ناظر الوقف الذي يعتبر وكيلا عن من له الولاية الأصلية وبالتالي توجد عدة أطراف هم: ناظر الوقف، والموقوف عليهم، ومن لـه الولاية الأصلية على الوقف.

تعدد الأنشطة في مؤسسة الوقف:في أي مشروع اقتصادي يكون له نشاط واحد ممثلا في استثمار الأموال المتاحة لتحقيق ربح لملاكه، وأما في الوقف فالأمر مختلف حيث يوجد نشاط استثمار الوقف وتحقيق عائد ثم نشاط إنفاق هذا العائد للمستحقين، ونظرا لتنوع الأموال الوقفية ما بين أراضى زراعية ومباني ونقود وتنوع طرق استثمارها ما بين التأجير والزراعة والبناء وتأسيس المشروعات في مجالات مختلفة أو تكوين محافظ أوراق مالية، لذلك فإن التنظيم الإداري لمؤسسة الوقف يقوم على وجود مؤسسة مركزية مسئولة عن استثمار أموال الوقف، ثم مشروعات وقفية مختلفة بحسب الأنشطة التي تستثمر فيها هذه الأموال مثل مشروع زراعي ومشروع عقاري ومشروع استثماري مالي وهكذا، وإلى جانب ذلك توجد الإدارة المسئولة عن إنفاق عائد الوقف في وجوهه المحددة، ومن هنا لا توجد إدارة وقفية واحدة تتولى كل هذه الأعمال بل إدارات متنوعة بحسب كل نشاط.

الطابع الديني لمؤسسة الوقف:ويتمثل في الأحكام والضوابط الشرعية التي يجب على إدارة الوقف الالتزام بها بالدرجة الأولى وخاصة في مسائل جوهرية مثل أحكام التأجير والبناء والزراعة، ثم الاستبدال والإبدال وقواعد الحكر والإرصاد، وأحكام الولاية والنظارة، وتوحيد الأوقاف المتنوعة في وقف واحد إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية التي يجب مراعاتها عند وضع النظم واللوائح لمؤسسة الوقف، ومن جانب آخر فإن البعد الإيماني ممثلاً في كون الوقف قربة لله عز وجل يمثل مدخلا لإحكام الرقابة الذاتية للإدارة على أعمالها لأنها تمثل مال الله عز وجل ولخدمة المجتمع.

الجانب العام والخاص في مؤسسة الوقف:تدور ملكية الأموال بين كونها ملكية خاصة لبعض الناس أو ملكية عامة لمجموع الناس، والوقف يجمع بين الصفتين فأمواله أموال خاصة ذات نفع عام والخصوصية هنا تقتضى إدارة أموال الوقف إدارة اقتصادية لتحقيق أفضل عائد ممكن مما يجعلها تدخل في نطاق إدارة الأعمال، أما صفة العام فتتمثل في إنفاق عائد الوقف للمستحقين مجانا أو بدون مقابل لخدمة المجتمع مما يجعلها في هذا المجال تدخل في مجال الإدارة العامة، وهذا ما سنوضحه في الفقرة التالية.

إدارة الوقف بين إدارة الأعمال والإدارة العامة:إذا كان جوهر العملية الإدارية واحد، فإنه يختلف بحسب مجال التطبيق، وبالتالي وجدت إدارة الأعمال والتي تطبق في المؤسسات الاقتصادية التي تسعى إلى الربح واإدارة العامة والتي تطبق في المؤسسات الحكومية التي لا تهدف إلى الربح، وبما أن الوقف مؤسسة كما سبق توضيحه تهدف إلى المحافظة على مال الوقف واستثماره لتحقيق عائد، ثم إنفاق هذا العائد على الموقوف عليهم مجاناً بدون مقابل، لذلك فإن طبيعة الإدارة فيها مزيج من إدارة الأعمال والإدارة العامة، ومن وجه آخر فإن الأصل في الوقف أن تكون النظارة – الإدارة – للواقف والذي قد يوكل غيره فيها، وبما أن الوقف فيه حق عام والحكومة مسئولة عن رعاية الحقوق العامة، لذلك ظهر تدخل الدولة في إدارة الأوقاف سواء من خلال القضاء أو إنشاء ديوان للأوقاف ضمن دواوين الحكومة وتطور الأمر حتى العصر الحاضر إلى إنشاء وزارة للأوقاف سرعان ما انتشرت في جميع البلاد الإسلامية، وبالتالي غلب على إدارة الوقف جانب الإدارة العامة بما فيه من سلبيات عديدة مثـل انخفاض فعالية إدارة الوقف، وقلة المحاسبة والرقابة واستيلاء الحكومات على بعض الأوقاف وضمها للموارد العامة، وضآلة العائد على أموال الأوقاف وقصور صيغ الاستثمار والفصل بين إدارة الأوقاف وتوزيع العائد على الموقوف عليهم.

وفي ظل النهضة الوقفية المعاصرة تم السماح بإنشاء أوقاف خاصة تديرها بعض المنظمات غير الحكومية أو الواقفين دون تدخل الدولة إلا في الإشراف العام والمساعدة فقط، إلى جانب الأوقاف القديمة التي تديرها هيئات حكومية متخصصة.

واقع مؤسسات الأوقاف في الدول الإسلامية:

 لعب نظام الوقف الإسلامي دورًا هامًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول الإسلامية عبر العصور المختلفة منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حتى نهاية عصر الدولة العثمانية، بيد أن العصور التالية شهدت تراجعًا وتهميشًا لدور الوقف في العديد من المجتمعات الإسلامية في ظل خضوعها لنفوذ الدول الأجنبية المحتلة التي حرصت على الضغط على حكومات هذه الدول لتعطيل دور الوقف وإصدار قوانين وقرارات لإلغاء الوقف بنوعيه الأهلي، والخيري بل قامت بعض دول الاحتلال بمصادرة الأوقاف الإسلامية، وقامت بعض السلطات الحاكمة في بعض الدول الإسلامية بتأميم الأوقاف الأهلية، كما خضعت بعض ممتلكات الأوقاف في بعض الدول الإسلامية الأخرى لتعدي الأفراد والاستيلاء عليها بدون وجه حق11.
إذن، رغم أهمية الوقف ودوره المشهود في مساندة الحضارة الإسلامية في وقت ازدهارها، إلا أن واقعه المعاصر في جميع الدول الإسلامية يشير إلى أنه يعاني من ضعف شديد وتراجع دوره في حياة المسلمين ويمكن رصد أهم ملامح هذا الواقع في الآتي12:

·      التدخل الحكومي: ويتمثل هذا التدخل في نواحي عدة منها استيلاء الحكومة على أموال الوقف، الإدارة الحكومية للوقف، فرض ضرائب ورسوم على بعض عمليات الوقف في بعض الدول.

·      قوانين الوقف:حيث صدرت عدة قوانين في بعض الدول لتنظيم العمل بالوقف إلا أن الكثير منها يخالف طبيعة الوقف بصفته عملا أهليا، وعملت على تشديد يد الحكومة على الوقف وصعبت على المسلمين إجراءات إنشاء أوقاف جديدة، كما أن بعض الدول الإسلامية لا يوجد فيها قوانين للوقف تنظم العمل بها.

·      توقف إنشاء أوقاف جديدة:فالملاحظ أن النسبة الغالبة من الأوقاف القائمة هي من تراث الأجداد ويقل إن لم يندر إقبال المسلمين على إنشاء أوقاف جديدة نتيجة لما يرونه من تولي الحكومة شؤون الوقف واعتقاد الكثير منهم أن الوقف نشاط حكومي على خلاف طبيعته بصفته أهليا.

·      ضياع بعض أعيان الوقف لاعتداء الغير عليها وذلك بالتواطؤ مع ذوي النفوس الضعيفة من موظفي الأوقاف على مدى سنوات طويلة، هذا فضلا عن عدم وجود حصر دقيق لها، وضياع وتلف بعض حجج الوقف، وكذا بعض أساليب الإدارة والاستثمار، والى جانب ذلك تخريب أعيان بعض عقارات الأوقاف حيث لم تعد تدر عائدا.

·      نقص الإفصاح والشفافية بنشر المعلومات عن إدارة مال الوقف والتصرف في الإيرادات القائمة وهو الأمر الذي أدى إلى تقليل رغبة المواطنين بإنشاء أوقاف جديدة، وبما يضعف الرقابة الشعبية على إدارة الوقف وأمواله.

·      الانفصال بين الوقف والجمعيات والمؤسسات الخيرية: فمن المعروف أن الوقف نشأ من الأصل لمساندة مؤسسة تعليمية أو صحية أو اجتماعية على القيام بدورها ولكن منذ بداية القرن العشرين الميلادي وحتى منتصفه حينما وضعت الحكومات يدها على الأوقاف انفصلت العلاقة بين الوقف وهذه المؤسسات، رغم أهمية أن يتم الوقف على أغراض المؤسسات الأهلية التي تتولى إدارته استثماراً أو صرفا لعوائده فهي باتصالها المباشر بالمواطنين في مواقعها وتخصص كل منها في مجال خير محدد أقدر على تولي إدارة الوقف وحسن صرف غلته.

·      ضعف المؤسسات العلمية وما خلفه من انحسار للاجتهاد وتخلف العلماء عن أداء الدور الحضاري المنوط بهم ‏مما أثر في طرح حلول واقعية وعملية والتعاطي الواقعي مع التطورات التي حصلت في المجتمعات الإسلامية، ودور علم الفقه والفقهاء في ذلك وفي ما يخص الأوقاف بالتحديد.

·      بالتزامن مع التخلف الاقتصادي العام، أدى ضعف القضاء وعدم تخصص العاملين فيه في مسائل الرقابة على النظار وتصرفاتهم الإدارية والمالية ومدى نجاحهم في توزيع العوائد، إلى انتشار الفساد في إدارة الأموال الوقفية والاستهانة بتنميتها.

·      غياب التجديد الإداري للمؤسسات الوقفية، ‏حيث استشرى أسلوب النظارة الفردية مما سهل عمليات اغتصاب الأوقاف وحيازتها بدون وجه حق والتلاعب بأعيانها أو تحويل وجهتها خارج المقاصد التي حددها الواقفون.

·      تضاؤل نسبة قيمة الأموال الموقوفة إلى إجمالي قيمة الثروة القومية، وتراجع معدل نموها سنويًا فضلا عن انخفاض معدلات العوائد والدخول التي تتحقق من توظيف أو استثمار أموال الوقف.

·      قيام بعض الدول الإسلامية بإدماج أموال الأوقاف ضمن أموال الدولة مع تأميم ممتلكات وثروات الوقف الأهلي بموجب قوانين وقرارات عليا واجبة النفاذ.

·       تعرض بعض ممتلكات وثروات الوقف للتعدي والاغتصاب من جانب بعض الجناة بطرق غير مشروعة مثل وضع اليد على بعض أراضي الأوقاف التي يعلمون بفقد حجة ملكيتها أو سرقتها وصعوبة إثبات تبعيتها لمؤسسة الوقف، وقد ساعد على ذلك تغيير مسميات بعض الأماكن الموجودة في حجج بعض أراضي الوقف على اغتصابها وتعذر الاستدلال على أراضي الوقف وفقًا للمسميات الحديثة.

·      إهمال ممتلكات الوقف وعدم الإنفاق على صيانتها أو حسن رعايتها، وتعرض بعضها إلى الانهيار والتدمير.. مثال ذلك تصدع بعض المباني السكنية والإدارية المملوكة للأوقاف وأيلولتها للسقوط في ظل رفض شاغليها تحمل نفقات الصيانة أو الإصلاح رغم ضآلة قيمة الإيجار الشهري وانخفاض قيمته الحقيقية بمرور السنوات نتيجة زيادة أو غلاء الأسعار وتآكل قيمة النقود.

·       تكبيل الوقف بعقود الحكر وهو عقد إجارة لمدة طويلة يعقد بإذن الحاكم ويدفع فيها المستحكر لجانب الوقف مبلغًا معجلا يقارب قيمة الأرض ويحدد مبلغًا آخر ضئيلا يستوفى سنويًا لجهة الوقف من المستحكر أو ممن ينتقل إليه هذا الحق. ولا يخفى أن هذه العقود تقضي على الجزء الأكبر من عوائد الوقف بمرور الزمن خاصة في ظل ارتفاع معدلات تضخم الأسعار وانخفاض القيمة الحقيقية للنقود.

·       تركيز بعض الجهات المشرفة على الوقف على التوثيق والسجلات فقط دون الاهتمام بالتنمية والاستثمار مما أدى إلى تردي ثروات الأوقاف وإهمالها13.

ثانيا: الحوكمة

مفهوم الحوكمة: يتبوأ مصطلح الحوكمة أهمية خاصة في عالم المال والأعمال في الوقت الراهن لما يعود به من نفع على الشركات والمجتمع بأسره. في هذا الإطار لا يوجد إجماع في الأدبيات على تعريف موحد، فيعرفها البنك الدولي بأنها:" الحالة التي من خلالها تتم إدارة الموارد الاقتصادية للمجتمع بكفاءة عالية بهدف التنمية"14. كما خلص برامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن:" الحوكمة تعبر عن ممارسة السلطات الاقتصادية الرشيدة والسياسية والإدارية الفعالة لإدارة شؤون المجتمع على كافة مستوياته"15، وتعرفه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنه: "ذلك النظام الذي يوضح كيفية إدارة منشآت الأعمال المالية والرقابة عليها"16.

أما حوكمة الشركات فيقصد بها:" العلاقة بين عدد من الأطراف والمشاركين التي تؤدي إلى تحديد التوجه الرشيد لأداء المنظمة بمعرفة كل من: حملة الأسهم، الإدارة ومجلس الإدارة"17، وبشكل عام فإن الحوكمة تعني وجود نظم تحكم العلاقات بين الأطراف الرئيسية في الشركة (أعضاء مجلس الإدارة، الإدارة التنفيذية،  المساهمين.. الخ) بهدف تحقيق الشفافية، العدالة، مكافحة الفساد ومنح حق مساءلة إدارة الشركة لحماية المساهمين والتأكد من أن الشركة تعمل على تحقيق أهدافها واستراتيجياتها الطويلة الأمد18. وتتمثل إذن أهداف الحوكمة في تحقيق عدد من الأهداف: الشفافية، المساءلة، المساواة، المسؤولية.

الحوكمة من منظور الدين الإسلامي:

مبادئ الحوكمة في الإسلام:

إن المتمعن في آيات القرآن الكريم يجد فيها الهداية الشاملة وكذلك مبدأ الرشد في التصرفات والصلاح في القرارات وهي تتمثل أساسا في قواعد الحوكمة كما أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أوصى في توجيهات كريمة عديدة على أهمية تطبيق مبادئ الحوكمة، كالأمانة والعدالة وغيرها، وفيما يلي أهم مبادئ الحوكمة في الإسلام وذلك باستقراء الآيات والأحاديث النبوية والتراث الفقهي:

المساءلة والتي تعتبر أمرا ضروريا في حياة المسلم والمجتمع الإسلامي، قال سبحانه وتعالى: "وقفوهم إنهم مسؤولون"19، كما قال تعالى "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا"20، وتندرج المساءلة في المفهوم الإسلامي في نقطتين أساسيتين: الأولى يساءل فيها المسلم أمام الله عز وجل عن النعم والموارد المؤتمن عليها والثانية فيساءل المسلم أمام العباد حول حقوقهم وتنفيذ العقود معهم.

الشفافية: في هذا الإطار فقد حث الدين الإسلامي على الشفافية في تصرفات المسلمين وتعاملاتهم، ومن دواعي الشفافية الإفصاح كما هو الحال في بيان عيب البضاعة كما قال صلى الله عليه وسلم "البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" (متفق عليه)، ومن الشفافية عدم الغش في الأمور، قال صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا" (صحيح مسلم).

المسؤولية: قال صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع فهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته" (صحيح البخاري)، فالمسلم مطلوب منه تحمل المسؤولية عن كل ما أوكل إليه من أعمال،كما أنه محاسب عن أي تصرفات يقوم بها بما فيها التصرفات عن الغير بصفته وليا عنهم، مثل التصرفات على الأوقاف، ومن المسؤولية أداء العمل بالمهنية المطلوبة وكذلك إدارة الأعمال بالإتقان.

العدل والقسط: كما قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلؤا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا"21. والعدل أن يُؤتى كل وال ما عليه تحت ولايته وأحيانا يعبر عن العدل بالميزان كما في قوله تعالى:" الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب"22. فالميزان هنا هو العدل والاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح.و أنزل الله تعالى الميزان وهو العدل في القلوب وفي معاملات الناس وحث على خلق العدالة في الحكم كما قال تعالى:" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتكم بين الناس أن تحمكوا بالعدل"23. ومن معاني العدل عزوف النفس عن الأطماع والأتباع ولزوم القناعة في كل حال ومعنى وأما العدل مع الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل وكثر وخاصة في الأموال العامة وفيما ولي عليه المسلم،مثل مال اليتيم والوقف، والعدالة لا تقتصر على مجالات التقاضي وإنما تشمل مناحي الحياة جميعها.

الأمانة: وهي أحد المحاور المهمة في المعاملات عامة وفي مال اليتيم والوقف خاصة كما قال تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"24. وهي آية عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما لديهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلمات والعدل في الحكومات.و الأمانات هي كل ما أؤتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به ويدخل ضمن ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى.وأساس الأمانة حسن اختيار من يتحملون المسؤولية، ولقد نفي الإيمان عن من فقد الأمانة قال صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له". (حديث صحيح رواه أحمد في مسنده).

ومن مبادئ الحوكمة في الإسلام المحافظة على المال كما قال تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم"25، كما قال صلى الله عليه وسلم: “أمسكوا عليكم أموالكم لا تفسدوها”، فإمساك المال بدون كنز محمود في الإسلام، وهذه التوجيهات تدل على أهمية المحافظة على أموال الأفراد فمن باب أولى المحافظة على الأموال العامة وأموال الوقف.

ومن باب الحوكمة في الإسلام سد منافذ الطمع في المال العام بما فيها مال الوقف من خلال تحديد الأجور والمكافآت والحوافز ولتحقيق ذلك حدد الإسلام مكافآت العاملين على الزكاة بما لا يتجاوز الثمن من حصيلة الزكاة وكذلك حدد مكافآت النظار على الوقف بأجرة المثل، وفي التطبيق العملي حدد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ما يحل له من بيت المال منطلقا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حول مخصصات الوالي أو العامل وكفاية احتياجاته كما قال صلى الله عليه" من كان لنا عاملا فلم يكن له زوجة فليكتسب له زوجة،فان لم يكن له خادم فليكتسب له خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا، ومن اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق" (أخرجه أبو داوود في الخراج).

ومن خلال ما تقدم يتضح سمو قواعد الحوكمة في الإسلام وتميزها بالشمولية وبالاهتمام بالجانب الروحي والقيمي، وعند مقارنة قواعد الحوكمة في الإسلام مع غيرها يبرز وجود اختلاف بين نظام الحوكمة المبني على النموذج الغربي وبين نظام حوكمة المؤسسات في الإسلام يتمثل في النقاط التالية26:

·             أول اختلاف هو أن نظام حوكمة المؤسسات الغربي يقوم على أساس قيم علمانية وليس قيما دينية أخلاقية.

·             أن القيم الغربية الأساسية تنبع من مطلب مصلحة النفس حسب المفهوم الغربي – بدون اعتبار لمصلحة المجتمع كليا، كما هو الحال عليه في الإسلام.

·             إن نظام حوكمة المؤسسات الغربي مبني على أساس نظرية الملاك والوكيل حيث أن الملاك( المساهمين) لا بد أن يراقبوا عمل الوكيل (الإدارة التنفيذية) والذي يسعى أي الوكيل إلى تلبية مصالحه وليس فائدة المجتمع كما هو مبدأ الشراكة في الإسلام.

·             إن نظام حوكمة المؤسسات في الإسلام يركز على مخاطبة النفس البشرية وتوجيه غرائزها، وغرس التقوى والمحاسبة الذاتية فيها، بينما يركز النظام الغربي على الكوابح التشريعية والقيود الرقابية والقانونية لمنع أي تجاوز أو فساد.

كما أن من بين هذه الاختلافات أن نظام حوكمة المؤسسات في الإسلام بالإضافة إلى قواعده الظاهرة والتي تم توضحها آنفا، فإنه يقدم قواعد غير منظورة للحوكمة والتي تتمثل في الآتي:

قواعد الحوكمة غير المنظورة:

كما ركز الإسلام على قواعد للحوكمة مرتبطة بالتصرفات الظاهرة والتعاملات المالية، فإنه كذلك ركز على قواعد يمكن اعتبارها قواعد غير منظورة أو صعبة التوثيق والقياس والغالب عليها هو قاعدة الدين العام وهي أن الوقاية خير من العلاج ودرء مفسدة أولى من جلب مصلحة، ولتحقيق ذلك فإن منهج الإسلام يعتمد دائما على الوقاية حيث أنه لا يحارب الدوافع الفطرية والشهوات الإنسانية ولكن يحبب لها الالتزام بالقيم المحمودة، ويسعى إلى تضييق فرص الغواية وإبعاد عوامل خيانة الأمانة وقطع أسباب الطمع فيما أيدي الناس، ولعل من أهم قواعد الحوكمة غير المنظورة هي غرس التقوى في نفس المسلم كما قال تعالى:"و إن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا"27، ومنها كذلك، مراقبة الله عز وجل وهو أن تستشعر بأن الله يراك، كما قال في كتابه الكريم:" ألم يعلم بأن الله يرى"28، ومن ذلك تطوير الرقابة الذاتية، والتي اهتم بها الإسلام من خلال تحديد معايير محددة للتعرف على الممارسات الراشدة من غيرها، ويقدم الإسلام ثلاثة أنواع من الرقابة، وهي الرقابة الذاتية التي تنبع من ضمير الأفراد، والرقابة التنفيذية من الدولة، والرقابة الشعبية من أهل الحل والعقد وعامة المسلمين، والرقابة الذاتية هي الشعور بمعية الله ورقابته في كل الأحوال مصداقا لقوله تعالى: "وإن يجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى"29.

الابتعاد عن الشهوات والشبهات كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات إستبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه" (رواه البخاري ومسلم)، فعندما يفطم المسلم شهواته، يقل طمعه فيما لدى الآخرين، وتضعف رغبته في العدوان عليهم، أو الغلول من الأموال العامة والخيرية مثل الأوقاف.

التوازن في فهم الدنيا ومتاعها، لأنه الوسيلة الوحيدة إلى الآخرة، وأن يطلب المسلم الرزق من الطيبات، وعمارة الأرض بالصلاح وتحقيق الاستخلاف، وإن الانشغال بالدنيا وفتنها والطمع من أشد أسباب التنكب عن الالتزام بقواعد الحوكمة، مع كثرة التنعم باللذات وتعددها، كما هو واضح من القضايا المشهورة في سقوط البنوك والمؤسسات المالية، كما أن حب الدنيا دافع للطمع في الأموال العامة بما فيها أموال الوقف، لقلة الرقابة عليها، وسهولة الاستيلاء عليها، ولعدم وجود من يطالب بها عند فقدها، وأمر سبحانه وتعالى بالإحسان في الدنيا وابتغاء ما قسم للإنسان فيها، ولكن ذم التوسع في المباحات المؤدي إلى الطمع.

القناعة والبعد عن أكل المال بالباطل، وهذا ما يمنع كافة أنواع الغش والتدليس وأكل أموال الغير بالتعدي وبدون وجه حق، قال تعالى: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون"30، ومن ذلك تعظيم حرمة المال العام، فلا يأخذ منه شيئا بدون وجه حق، فيكون غلولا، وهو أحد أنواع أكل المال بالباطل، ونهي الولاة عن الغلول، كما قال تعالى: "وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون"31.

إن الحوكمة في نظر الإسلام إذن نظام من نظم تكوين المجتمع الراشد، ولا بد حتى يتحقق التأثير المطلوب لها أن تتكامل معه نظم أخرى تسانده وتحقق فعاليته، ومن تلك النظم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف كما أنه واجب فردي فهو واجب جماعي، كما قال تعالى:" والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم"32. ويكمن في هذا تشجيع تشكيل مجموعات رقابة ومتابعة لأعمال مؤسسة الوقف،من المهتمين والمتأثرين من أعمال مؤسسة الوقف كمجلس رقابة أو مجموعات مراقبة، بغرض ترشيد قراراتها، وتصويب تصرفاتها، والنصح بتطوير أعمالها.

ثالثا: داء

 

1-  حوكمة الوقف:

حوكمة الوقف: المفهوم والأهداف: يقصد بها "تحديد العلاقة بين الواقفين والموقوف عليهم، ومجالس الإدارة، والمديرين وحملة الأسهم وغيرهم، بما يؤدي إلى زيادة قيمة الوقف إلى أقصى درجة ممكنة على المدى الطويل. وذلك عن طريق تحسين أداء المشاريع الوقفية، وترشيد اتخاذ القرارات فيها.و يتضمن ذلك إعداد حوافز وإجراءات تخدم مصالح الموقوف عليهم، وتحترم في نفس الوقت رغبات الواقفين ومصالح جميع المتعاملين في ومع المشروع الوقفي”33.

أما أهداف الحوكمة في المؤسسات الوقفية، يمكن حصرها في النقاط التالية34:

·      الالتزام الشرعي بأحكام الوقف والشريعة الإسلامية.

·      تحقيق الشفافية والإفصاح في نشاطات مؤسسة الوقف وأعمالها، ضمن قواعد النزاهة والموضوعية.

·      تعزيز الثقة والمصداقية في أعمال مؤسسات الوقف التي تطبق قواعد الحوكمة، وبالتالي زيادة الموارد المالية التي تجذبها، والأوقاف التي تخصص لها.

·      توفير الاستقلالية الكاملة لقرارات مؤسسة الوقف، نظرا لوجود مرجعية لقراراتها وفق نظم محددة، وبغرض تطبيق شروط الواقفين تضمن العدالة والإنصاف، مما يجعل مؤسسة الوقف محصنة من الضغوط الخارجية بما فيها الضغوط الحكومية.

·      توفير الرقابة والمساءلة على كافة تصرفات مؤسسة الوقف والعاملين عليها بدون أي حرج أو اتهام أو شعور بعدم الثقة، والقبول بالرقابة المستمرة دون حرج.

أهمية حوكمة مؤسسات الأوقاف: وتتجلى أهمية حوكمة الأوقاف فيما يلي35:

·      ضمان النزاهة والحيادية والاستقامة لكافة المشاريع الوقفية.

·      تفادي وجود أخطاء عمدية أو انحراف متعمد كان أو غير متعمد ومنع استمراره أو العمل على تقليله الى ادنى قدر ممكن، وذلك باستخدام النظم الرقابية المتطورة.

·      تساعد على تخفيض المخاطر المرتبطة بالفساد المالي والإداري التي تواجهها المؤسسات الوقفية.

·      تساهم في تحسين إدارة المؤسسة الوقفية من خلال مساعدة مديري ومجلس إدارتها على تطوير إستراتيجية سليمة لها، وضمان اتخاذ القرارات على أسس سليمة.

·      ضمان قدر كاف من الإفصاح والشفافية في القوائم المالية.

·      ضمان استقلالية مراجعي الحسابات الخارجيين وعدم خضوعهم لأية ضغوط من مجلس الإدارة أو من المديرين التنفيذيين.

·      تحقيق الاستفادة القصوى من نظم المحاسبة والمراقبة الداخلية، وتحقيق فاعلية الإنفاق وربط الإنفاق بالإنتاج.

·      زيادة كفاءة استخدام الموارد وتعظيم قيمة مؤسسات الأوقاف وتدعيم قدرتها التنافسية بالأسواق، مما يساعدها على التوسع والنمو ويجعلها قادرة على تحقيق أهداف الواقفين وتعظيم منفعة الموقوف عليهم.

تحديات الحوكمة في المؤسسات الوقفية:

لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار التحديات التي تواجه مؤسسات الوقف في العصر الحديث في تبني نظام الحوكمة وتطبيق قواعدها، وخاصة في مجال مجلس النظارة والإدارة التنفيذية36:

·      فالتحدي الأول هو كيف تستطيع مؤسسة الوقف أن تطور الحوكمة فيها لتتلاءم أو لا تخالف القواعد الشرعية للوقف، وقانون إنشاء مؤسسة الوقف واللوائح الصادرة في هذا الشأن، في هذا الإطار يمكن التوضيح كما تم ذكره في النقاط السابقة للبحث، أن كل قواعد الحوكمة لا تخالف الأحكام الشرعية كما أن تطبيق قواعد الحوكمة يتفق مع أهداف ولي الأمر في حسن إدارة المؤسسات الوقفية.

·      أما التحدي الثاني فهو من سيبادر بالبدء لتطوير نظام الحوكمة، هل هو ولي الأمر؟أم مجلس النظارة؟أم المتأثرون بالوقف؟أم مؤسسات المجتمع المدني؟أم مجموع هذه الأطراف؟ لضمان حسن سير المؤسسات الوقفية التي تعمل في المجتمع، فمثلا بينما في الشركات هناك مطالبة مستمرة من المساهمين لمراقبة مجلس إدارة الشركة في تطبيق قواعد الحوكمة ومحاسبة المسؤولين فيها من خلال الجمعيات العمومية، إلا أنه في مؤسسة الوقف فان الواقفين (وهم يمثلون المساهمين في الشركات) قد يكون معظمهم إن لم يكن جميعهم قد انتقلوا إلى رحمة الله، كما أن الموقوف عليهم عاجزون عن المحاسبة كما يظهر من الواقع العملي، مما يجعل نظام حوكمة الأوقاف مطلبا أساسيا لا بد من تحقيقه، حتى لو غاب الواقفون أو الموقوف عليهم.

·      أما التحدي الثالث فهو تحديد من يكون المسؤول عن متابعة تطبيق قواعد الحوكمة في مؤسسة الوقف (مثل الجمعية العمومية والجهات الرقابية في حالة الشركات ) ليتم تقديم تقرير الحوكمة إليها ومتابعة تنفيذ توصياتها، ففي حالة مؤسسة الوقف فإنه ومع وجود تشابه مع حالة الشركات حيث هناك انفصال للملكية عن الإدارة، إلا أن مؤسسة الوقف لا يوجد فيها مساهمون يمكن أن يمارسوا مهمة الرقابة والمحاسبة – من خلال الجمعية العمومية –على مجلس النظارة، مما يولد ثغرات رقابية تتطلب تشددا في تطبيق قواعد الحوكمة، واقتراح أساليب جديدة للرقابة، ويمكن التفكير في هذا الإطار في تشكيل مجلس أمناء من الواقفين والموقوف عليهم، يراقب أعمال مجلس النظارة، أو تعيين جهة حكومية مستقلة تراقب أعمال مؤسسة الوقف.

·      أما التحدي الرابع، فإنه إلى حين التطبيق الشامل لقواعد الحوكمة فإن جزءا من موارد مؤسسة الوقف ينبع من التبرعات والأوقاف الجديدة، وبالتالي فإن أي اتهامات بقصور مجلس النظارة في أداء واجباته قد يؤدي إلى نقص مواردها المالية، مما يتطلب أن تعطى الأولوية في التطبيق لقواعد الحوكمة التي تحافظ على سمعة المؤسسة.

·      أما التحدي الخامس فهو قيام مؤسسة الوقف في جانب بالعمل الاستثماري لتطوير أعيان الوقف،وفي جانب آخر فهي تقوم بعمل اجتماعي خيري من خلال توزيع الريع، وهذا يتطلب قواعد مختلفة من الحوكمة،كما أنه يجعل من الصعوبة إدارة هذين النشاطين معا.

·      وأخيرا عدم وجود معايير محاسبية وقوائم مالية متفق عليها،يمكن مقارنة أداء مؤسسة الوقف وتقويم مدى الالتزام بالحوكمة،كما لا يوجد التزام شرعي أو تشريعي لدى مؤسسة الوقف بتطبيق قواعد الحوكمة، مما قد يقلل من جدية الالتزام بها.

الخاتمة:

من خلال ما سبق يتضح ما يلي:

·      إن الحاجة إلى تطبيق قواعد للحوكمة في مؤسسات الوقف باعتبارها أحد مداخل تطوير عملية الوقف في العصر الحديث تنبع من أثره في تعزيز ممارسات مؤسسة الوقف وتطوير أداء مجلس النظار فيها، كما توفر للجهات الرقابية على مؤسسة الوقف أسسا واضحة لقياس أداء مجلس النظارة ومدى التزامه بقواعد العمل الرشيد، وكذلك توفر أسسا لمحاسبة مجلس النظارة لمؤسسة الوقف أو القائمين عليها قبل أن تؤثر الممارسات غير الرشيدة على أصول مؤسسة الوقف أو سمعتها.

·      كما أن وجود قواعد للحوكمة له تأثير في زيادة ثقة ولي الأمر وعموم الناس في ممارسة مجلس النظارة فيؤدي ذلك إلى تنامي عملية الوقف في الأمة.

·      إن الالتزام بتطبيق الجوانب التفصيلية للحوكمة على مؤسسة الوقف سينعكس ايجابيا على أدائها بأبعادها التشغيلية والمالية والاستثمارية.

·      ويساعد تطبيق قواعد للحوكمة على إيجاد مفهوم ومقاييس شاملة لأداء مؤسسة الوقف مما يدعم من قدراتها في الاستمرار والنمو ويحقق مصالح الفئات المختلفة المتعاملة معها وتوفر أداة لقياس أدائها مقارنة مع غيرها من المؤسسات الوقفية.

وفيما يلي بعض التوصيات لتعزيز وتفعيل الحوكمة في المؤسسات الوقفية:

نسخة للطباعة