العدد الحالي: ديسمبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

البتكوين وأخواتها تنافس النظام النقدي العالمي والـ Blockchain قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

تناولنا في افتتاحية العدد (٥٩) مقالاً بعنوان: قراءة في التغيير الهيكلي(نيسان / أبريل ٢٠١٧) تناولنا فيه التكنولوجيا المالية FinTecوما ستحدثه في الهياكل الاقتصادية؛ ثم تناولنا في افتتاحية العدد (٦٥) مقالاً بعنوان: النقود الرقمية والثورات الشعبية(تشرين أول / اكتوبر ٢٠١٧) ذكرنا فيه التقنيات التي تقوم عليها النقود الرقمية (حالة البيتكوين). ونتابع في هذا المقال هذا الابتكار التقني وآثاره على التقنيات المالية FinTec، ودوره المرتقب في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.

إن البيتكوين هي نقود رقمية، يميل البعض لتسميتها بالعملة الخفية. وفّر لها مؤسسوها ومناصروها الكثير من المواقع التي تشكل بنيتها التحتية الداعمة؛ فهناك مواقع:

-      توفر خدمات مجانية للبحث عن أفضل الأسعار لبيع وشراء العملات الرقمية؛ في عشرات المنصات المتوفرة على الإنترنت.مما يتيح معرفة الأسعار الحقيقية عند بيعها أو شرائها.وتتميز هذه الخدمات بسهولة الاستخدام؛ فكل ما يجب فعله هو تحديد العملة الرقمية التي تملكها،ثم تحديدنوع العملية:بيع أو شراء؟ثم تحدد المبلغ؛ لتظهر قائمة الأسعار المتوفرة.

-      الأخبار والأحداث والفعاليات المتخصصة في هذا المجالحول العالم؛مما يتيح معرفة أهم الأخبار من هذه الأحداث والمؤتمرات،وآراء الخبراء والمحللين أولاً بأول.

-      تحديد المتاجر والمواقع التي تقبل الدفع بواسطة هذه العملات كالسفر والألعاب والتكنولوجيا وغيرها.

إن هذه العملات هي تحت مراقبة السلطات النقدية العالمية الكبرى، فتصريحات محافظ البنك المركزي الياباني في ٢٣-٥-٢٠١٧ التحذيرية حول ارتفاع قيمة هذه العملات؛ حينما وجه كلامه لزملائه من الدول الآسيوية الكبرى في مؤتمر صحفي علني؛ دليل على تلك المتابعة الحثيثة؛ فآسيا لها حصة كبيرة في تداولات البيتكوين العالمية. وقد ساهمت اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام - حتى نهاية نوفمبر الماضي - بنسبة ٨٠٪ من تداول البيتكوين على مستوى العالم[1].

العملات الرقمية ستفرض توازناً جديداً للقوى العالمية؛ كالولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا:

إن حمى التسابق بين الدول والمؤسسات المالية الكبرى لم تعد خافية لكسب زخم النقود الرقمية، ومن ذلك أن:

-      الشركات المالية العملاقة؛تخطط: فالسباق يدور حول ربط إدخال المنتجات المالية بالعملات الرقمية، فـ Goldman Sachsأنشأت مكتب Circle Internet Financialلتداول للعملات الرقمية برأسمال ٥٠ مليون دولار، بينما مجموعتاCMEوCBOEتخططانلإطلاق العقود الآجلة، وأطلقت ناسداك منتج بلوكتشين مخصص لها لتكون أول بورصة عالمية تتعامل مع هذه التقنية المالية.

-      المصارف العملاقة؛ مثل: CITI, Goldman Sachs, Standard Chartered, ICAP, BNY Mellon, Deutche, UBS، ستبدأ رسمياً بالتعامل بالنقود الرقمية في ٢٠١٨ لأنها ستنجز عملياتها بأقل وقت وبأقل تكلفة. كما أنها ستوفر عشرات المليارات سنوياً من تكاليف المقاصة بين البنوك الرئيسية. ويبدو أن UBSقد حصل على الموافقات لإصدار عملته الرقمية، وسيحذو غيره حذوه.

أما على مستوى المصارف المركزية وتشريعاتها؛ والتي تركز على المخاطر، وأمان أنظمتها النقدية، واستقرار القطاع المصرفي، فقد شرعت بخطوات في هذا الاتجاه، مثال ذلك:

-      الصين؛تريد السيطرة الكاملة؛ وسلطاتها النقدية ترى أن السوق غير المنظم قد يشكل مخاطر مالية كبيرة عليها؛ بوصفها ثانيأكبر اقتصاد في العالم.وهي تؤيد استخدام العملات الرقمية، ويبحث مصرفها المركزي فيإمكانيات اصدار عملة رقمية سيادية؛ بل هو أنشأ فريقاً لتطوير عملة واحدة.

-      اليابان؛ سمحت في أبريل الماضي باستخدام البيتكوين والعديد من العملات الرقمية في تسوية المدفوعات، لكنها لا تخطط لإصدار عملة رقمية خاصة بها، إلا أنها تخطط للاعتراف بها.

-      ألمانيا؛ اعترفت بالنقود الرقمية.

-      روسيا؛ مستعدة لتبني البيتكوين شرط السيطرة الكاملة؛ فبعد أن كانت تسجن متداوليه في العام الماضي، كشف مساعد (بوتين)النقاب عن مركز لتعدين العملات الرقميةفي يوليو الماضي.وأصدر (بوتين)خمسة أوامر رئاسية للسيطرة على العملات الرقمية؛ شملت:فرض الضرائب على عمليات التعدين، وتنظيم عروض العملة الأولية ICOsلإنشاء تشريعات لتكنولوجيا البلوكتشين الجديدة، وتوحيد جهات الدفع التي من المحتمل أن تكون عبر البنك المركزي[2].

-      الهند؛ حذرت سلطاتها النقدية من مخاطر تداول العملات الافتراضية. ويشعر المنظمون فيها بالقلق من إمكانية استخدامهاللعمليات الخفية للتهرب من الضرائب أو غسل الأموال أو تمويل الإرهاب.

-      كوريا الجنوبية؛حظرتعلى مؤسساتها المالية التعامل بالعملات الافتراضية، بما في ذلك؛ شراؤها وامتلاكها والاحتفاظ بها كضمانات.ويقدر عدد ملاك البيتكوين هناك بمليون كوري جنوبي، أكثرهم من المستثمرين الصغار.

-      أستراليا؛ هي مركز المضاربات،ويرى محافظ بنكها الاحتياطي أن بيتكوين هو الأكثر عرضة ليكون جذاباً لأولئك الذين يتعاملون في الاقتصاد غير القانوني من المستهلكين.وأعلن عن قربإصدارعملة رقمية محلية.

-      نيوزيلندا؛ يعتقد حاكم بنكها الاحتياطي أن العملات الخفية قد يكون لها دور للعب في المستقبل، ولكن ليس في شكل بيتكوين.

-      اندونيسيا؛ وبوصفها أكبر اقتصاد فى المنطقة، لديها خطط لحظر معاملات العملات الافتراضية ابتداء من عام ٢٠١٨ لحماية عملتها المحلية.

-      الولايات المتحدة؛ تخطط لاصدار الفيدكوين.

-      الاتحاد الأوروبي؛ يخطط لإصدار اليوروكوين.

-      أفريقيا؛ هناك عدة دول أفريقية تُعنى مصارفها المركزية بالأمر بشكل جدي.

-      الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية،تخططانلإصدار عملة رقمية مشتركة لتسوية المدفوعات.

إن البيتكوين يمثل حالياً وسيلة دفع شأنه شأن: حقوق السحب الخاصة وبطاقات الائتمان والحسابات المصرفية؛ فخلق الائتمان من جانب الحكومات والمصارف على السواء أبعد النقود عن وظيفتها كمخزن للقيم. لذلك فإن قانون العرض والطلب هو من يحكم سعر تبادل النقود عموماً، وهو يعكس حالة موازين المدفوعات في بلدانها، ولن يخرج البيتكوين ومثيلاته عن تأثير هذا القانون.

مستقبل الـ Blockchainكأداة للتطوير المالي:

أنا شخصياً - لا أنسى خلال حياتي التقنية التي تجاوزت الثلاثين عاماً  -، آليات تطور التكنولوجيا؛ لأني عايشتها ساعة فساعة، وخاصة البرمجيات؛ فقد سيطرت (Microsoft) على سوق البرمجيات، وخاصة نظم التشغيل؛ حتى تعرضت - في سنوات خلت - لدعاوى من الحكومة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لقضايا الاحتكار؛ لكن سنة التدافع؛ سنة الله في أرضه، ظهر تيار في العالم نُظر إليه حينها (نظرة جنونية)، - أنا شخصياً توقعت له حينها بمستقبل باهر - كان عبارة عن اصدار برمجيات مجانية مفتوحة المصدر.

شككت أغلب شركات التكنولوجيا العالمية في استمرار هذا النهج، لكن المتتبع يرى أن فضائح (Microsoft)بتجسسها على الحكومات لصالح جهات محددة من خلال ممرات خلفية تركتها في نظام تشغيلها الشهير (Windows). لأجل ذلك؛ قامت الحكومات الأوروبية كألمانيا بتبني نظام (Linux) المفتوح المصدر والقابل للتعديل، وتبعها (١٢) دولة أوربية؛ ثم تتالت نجاحات البرمجيات المفتوحة المصدر، ووصل الأمر إلى لغات البرمجة؛ وإلى كثير من التطبيقات بما فيها الكتب والمجلات حيث ملكية المحتوى صارت مفتوحة المصدر. وأنا شخصياً ممن صمم وباع برامج محاسبية مفتوحة المصدر - أسميناها بالبرمجيات الوسيطة (Midware) -؛ حيث يمكن وضعها كبرامج اختصاصية ضمن برامج أخرى غير مختصة بالمحاسبة؛ فتكون المخرجات قد جمعت بين أمرين مميزين.

واليوم جاءت دفعة كبيرة جداً للأنظمة المفتوحة المصدر، مثلتها تقنية Blockchain، فلقد تمكنالناس من تبادل البيانات مباشرة بين بعضهمالبعض دون وسيط أي:(Peer_to_Peer)، بعد اختراع الحواسيب والانترنيت؛ ثم جاءت البلوكتشين كقاعدة بيانات لا مركزية مفتوحة المصدر - كأحد مخرجات ومنجزات العملات الرقمية - ليتمكن إثنين أو أكثر من الأطراف من القيام بمعاملة مالية أو تجارية دون حاجة لطرف ثالث لبناء الثقة. هذه القاعدة يمكن للجميع الاطلاع على بياناتها، والتحقق من معلوماتها الواردة فيها.

كانت شبكة الإنترنت تفتقر إلى أمرينمهمين هما: إمكانية التحقق من الهوية، وتكنولوجيا المعاملات. ويُعتقد أن البلوكتشين ستقدم الحل لهذين الأمرين.

إن البلوكتشين هي أشبه بدفتر الأستاذ (بالمصطلح المحاسبي)؛ يُسجل المعاملات المالية، يخزنها في كتل يتم الاحتفاظ بها من قبل شبكة من ملايين من أجهزة الكمبيوتر المتصلة بالإنترنت، يتم تحديثها تلقائيًا عن طريق خوارزمية رياضية وأكواد مشفرة، يصعب اختراق أو تعديل معلوماتها المسجلة بأي حال، مما حدا بالبعض تسمية هذه التكنولوجيا بـ (بروتوكول الثقة).أما الاختراقات التي تعرضت لها تبادلات البتكوين ومثيلاتها مؤخراً؛فكانت في أنظمة مرتبطة بالأطراف المستخدمِة لهذه التكنولوجيا، وليس في البلوكتشين نفسها.

لقد استغرق تطوير بروتوكلات النقل [3]TCP/IPأكثر من ٣٠ عاماً؛ لتنتقل بعدها هذه البروتوكلات الناقلة من الاستخدام الفردي إلى الاستخدام التجاري المحدود، وها نحن الآن في بدايات توحي بإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.ويمكن ملاحظة مؤشرات ذلك من خلال[4]:

-      أن أكثر من نصف الشركات المساهمة الأكثر قيمة في العالم لديها نماذج أعمال قائمة على الإنترنت.

-      تسويات سوق الأسهم يمكن أن تتم بأقل من ثانية.  

-      تُمكِّن البتكوين - كأول تطبيق لتكنولوجيا بلوكتشين- من القيام بمعاملات مالية ثنائية.

-      إن تطوير وصيانة بلوكتشين مفتوح وموزع ومشترك، يشابهبرتوكولات النقلTCP/IP؛ حيث يقوم فريق من المتطوعين في جميع أنحاء العالم بصيانة البرامج الأساسية لهذه التكنولوجيا.

-      ساهمت بروتوكولات النقل في خلق قيمة اقتصادية جديدة بخفضها تكاليف الاتصال بشكل كبير. وسوف تخفض الـبلوكتشين تكلفة المعاملاتبشكل كبير، حيث أن لديها قدرة على أن تصبح نظاماًلتسجيل جميع المعاملات؛فإن حدث ذلك؛فسيشهد الاقتصاد العالمي تحولا جذرياً جديداً.
مثال ذلك: يمكن لأي متعامل في سوق الأسهم، تنفيذ أي معاملة شراء أو بيع في جزء من الثانية؛ دون تدخل بشري في الغالب، لكن نقل ملكية الأسهم يستغرق عدة أيام لصعوبة الوصول إلى سجلات المتعاملين والتحقق من ملكيتهم للأسهم، وفي ظل تقنية البلوكتشين صار ذلك عملاً فورياً.لذلك سينحسر دور الوسطاء مع انتشار هذه التقنية.  

-      تعتبر العقود الذكيةواحدة من أكثر تطبيقات البلوكتشين ثورية، والتي يتم من خلالها أتمتة المدفوعات وتحويل العملات والأصول الأخرى؛طبعاً إذا تحققت الشروط التعاقدية؛فعلى سبيل المثال، يمكن للعقد الذكي إرسال دفعة إلى المورد بمجرد استلام الشحنة، ويمكن لشركة ما أن ترسل إشارة عن طريق البلوكتشين بأن سلعة معينة تم استلامها، وقد يتم ربط الشحنة بنظام GPSليتم تنفيذ الدفع تلقائياً لدى الاستلام في المكان المتفق عليه.

-      يمكن للبنوك استخدام البلوكتشين لجعل المعاملات آمنة، ومنخفضة التكلفة والأسرع، وبخلاف المعاملات المالية، يمكن استخدام هذه التقنية لإثبات وجود جميع الوثائق القانونية والسجلات الصحية وحقوق الملكية في مختلف المجالات الفكرية، والموسيقى، وسجلات الكاتب بالعدل، والأوراق المالية الخاصة[5].

-      يمكن أن تكون وسيلة لجمع الضرائب، واصدار جوازات السفر، وتتبع سجلات الأراضي، وتتبع الخدمات الحكومية.

ولعلنا نكمل في كلمتنا التالية مع توجهات بعض كبرى شركات المحاسبة العالمية بعون الله تعالى لتكتمل الصورة.

الفيدكوين FedcoinواليوروكوينEurocoin[6]:

إن فيدكوين هي: "عملة رقمية بالدولار الأمريكي حيث يكون التاريخ الكامل لجميع المعاملات مرئياً لمجلس الاحتياطي الفدرالي عبر بلوكتشين بنك الاحتياطي الفدرالي"؛ساكون بمثابة عملة مشفرة أو الكترونية برعاية الحكومة الأمريكية يديرها مجلس الاحتياطي الاتحادي، وفكرتها كانت موجودة منذ بعض الوقت. وقد توقع نائب رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي في عام ٢٠١٥أن يتيح البنك الاحتياطي الفيدرالي للبنوك بروتوكول مفتوح المصدر.

كما اكتسبت فكرة العملات الرقمية زخماً في أوروبا إثر أزمة اليونان، ونوقشت بشكل ملحوظ في سياق "يوروكوين" من قبل وزير المالية اليوناني السابق (يانس فاروفاكيس).

ذكر(سيفيدان عموس)أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية لمجلة بيتكوين: إن أهمية البيتكوين هو أنه يجعل السياسة النقدية، وتسويات المدفوعات وفقاً لبرامج محددة سلفاً، وخالية من سيطرة طرف ثالث. وهذا سيهزم (وجود بنك مركزي).

أما فكرة الاستغناء عن النقد لصالح وسائل دفع بديلة وأكثر كفاءة؛فهي ليست جديدة؛فقد كرّس مفكرون قبل عام ١٩٠٠ الكثير من الجهد لإيجاد وسيلة تسمح للناس بالتخلص مما أسماه روبرت أوين:سر المال المجنون. وبدأ اقتصاديون في السنوات الأخيرةدراسة الآثار المترتبة على العيش في مجتمعات غير نقدية، في إشارة إلى دور البنوك المركزية والقيام بالسياسة النقدية.

إذاً سيؤدي تبني تكنولوجيا البلوكشين إلى فرض مستوى من الشفافية من جانب الحكومات، مما سيحد من تسلطها النقدي؛ ومن جانب آخر ستتيحهذه التكنولوجيا للحكومات السيطرة الكاملة على المواطنين؛ بعد أن كانت في البداية وسيلة تحررية للهروب من سيطرة الحكومات.

إن انتشار العملات الرقمية سيؤدي إلى ما يسمى بـ (انترنت القيمة) حيث ستنتقل الأموال بسرعة انتقال المعلومات. والسؤال: من سيلحق بقطار هذه التقنيات؟

للأسف يلاحظ أن البلدان الضعيفة ليس لها حظ من ذلك، على الأقل في الوقت الراهن؛ فالملاحظ مسارعة الدول الضعيفة بمنع التداول - عكس الدول القوية -، ظانة أنها تغلق الباب أمام هذه التقنية، وهذا أشبه بمن قال بأن الشمس لم تستطع لأنه يخفي عينيه بيديه، ولكن هيهات هيهات!!

كما سارعت بعض هيئات الفتوى في بعض الدول لتحريم التعامل بهذه العملات الرقمية، والحقيقة أن ضعف الامكانات هي وراء ذلك، سواء إمكانات الاستيعاب أو امكانات امتلاك التقنية. ويبدو أنهم لم يطلعوا على ما أسلفنا ذكره.

إن الفقهاء القدامى قد فتحوا الباب على مصراعيه، عندما عبّروا بقولهم: الثمن هو ما دخل عليه حرف الباء، كالقول بعتك خزانة بكمبيوتر؛ فيكون الكمبيوتر هو الثمن، ويكأنهم قد قعّدوا قاعدة عريضة؛ بأن الثمن قد يكون أي شيء يتعارف عليه الناس، لذلك فإن العجز لا يتناب إلا الضعفاء الكسالى الذين لا يقرؤون ولا يحيطون علماً بما يجب أن يحيطوا به؛ بل هم يتجرؤون على (التحريم)؛ في حين استبدل كبار أئمة المسلمين كلمة (لا يجوز) بكلمة (حرام) حتى لايقعوا فيما نهى الله عنه.

ويبدو أن هزات سعر البيتكوين في الآونة الأخيرة؛ كان لها الدور الكبير في توجه كل أولئك نحو التفكير بحظر العملات الرقمية أو تحريمها، وهم يعلمون أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

فما هي بعض أسباب تلك الهزات؟

فورة أسعار البيتكوين:

إن اعتماد البيتكوين أساساً لـ :

-    سوق المشتقات.

-    تمويل بعض الأنشطة غير المشروعة كالإرهاب، والمخدرات، وغسيل الأموال، والقرصنة على الانترنيت.

-    تسوية المدفوعات كما حصل في عدة مصارف عالمية كبيرة.

أدى لارتفاع سعره مما أدخله سوق المضاربات، ليكون عُرضة للهزات الناشئة عن تشوهات العرض والطلب؛ فالزيادة "غير الطبيعية" في أسعاره سببها التداول لأغراض الاستثمار والمضاربة،وليس لكونها وسيلة دفع أو تسوية مدفوعات فقط.
 

وتشير نتائج توجهات البحث في (غوغل تريندز)، أن عمليات البحث العالمية لشراء البيتكوين قد تخطت عمليات البحث عن شراء الذهب، بعد أن تجاوزت عمليات البحث عن شراء الفضة[7].

وعليه؛ فإن حيتان سوق العقود الآجلة القصيرة، سيجعلون من بيتكوين وسيلة لتبادلات تلك العقود، وبالتالي سيزداد الطلب عليها،رافعاً سعرها أكثر فأكثر؛ إن لم يوجد بديل مُتبنى. 

لقد قفزت أسعار البيتكوين في أول يوم تداول للعقود المستقبلية في بورصة شيكاغو للسلع، كما ارتفعت العقود المستقبلية التي تنتهي في ١٤-١-٢٠١٨ إلى ١٧٢٥٠ دولار للعملة الواحدة، والعقود المنتهية في ١٤-٢-٢٠١٨ إلى ١٩١٤٠، والعقود المنتهية في ١٤-٣-٢٠١٨ إلى ١٩١٠٠، وانعكس أثر كل ذلك على زيادة سعر عملة البيتكوين في العقود الفورية إلى ١٦٧٠٠ دولار للعملة الواحدة أي بزيادة ١٠٪ حسب منصة CoinBase[8].

وقد توقعالمحلل (توم لي)[9]من (Fundstrat:Market Strategy & Sector Research) أن سعر البيتكوين سيتجاوز٢٠٠٠٠ دولار بحلول عام ٢٠٢٢على أساس توقعات دخول مزيد من منتجات المشتقات.

لكن أسعار البيتكوين قاربت فعلاً هذا السعر بنهاية ٢٠١٧!!. لذلك العيب لا يكمن في الوسيلة بل في طرق استخدامها من قبل المستغلِّين!!

لقد صار بإمكان المستثمرين في سوق شيكاغو اعتباراً من بداية شهر ديسمبر الحالي تداول البيتكوين، مما سيدعم هذه العملة بين المستثمرين الحاليين؛ وسوف يراهن المستثمرون بأموالهم متوقعين سعراً معيّناًبالبيتكوين لبعض المواد؛كالعملات والمعادن وغيرها[10].

أما الصين فترى أنه كلما زاد الاعتماد على التطبيقات الذكية للجوالات فإن ذلك سيؤدي لمزيد من الحاجة للعملات الرقمية، وعليه فسوف تتجه نحو خفض استخدام عملتها النقدية مقابل النقود الالكترونية كلما اُستحدثت تطبيقات ذكية أفضل. ومن جهة أخرى فإن حاجة عمليات تعدين البيتكوين وإنتاجه إلى أجهزة كمبيوتر قوية تستهلك طاقة كهربائية كبيرة تزيد من تكاليف إنتاجه؛ ولكون الصين صاحبة ميزة تنافسية في إنتاج كهرباء رخيصة، فإن انتقال هذه الصناعة إلى الصين أمر متوقع بشدة.

حماة (حماها الله) ٨ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ الموافق ٢٦ كانون الأول/ ديسمبر ٢٠١٧ م



[1]CNBC،From China to Singapore, Asian countries are increasingly uneasy with the rise of bitcoin,Link

[2]موقعأرقام،كيفتُعيدالعملاتالرقميةتشكيلتوازناتالقوىالعظمىعالمياً؟،رابط

[3]بروتوكولالتحكمبالنقلطورلأولمرةفيعام١٩٧٢منقبلهيئةالبحوثالتابعةلوزارةالدفاعالأمريكية.

[4]موقعأرقام،هناالوسطاءيمتنعون!.. هلسنحتاج٣٠عامًاقبلإدراكثوريّة"البلوكشين“؟،رابط

[5]Forbes,Why Blockchain Is Real And Bitcoin Is A Mirage, Link

[6]Bitcoin Magazine, Fedcoin Could Be Coming Soon, But Would It Really Challenge Bitcoin?, Link

[7]Aitnews،قراصنةالإنترنتيستخدمونالعملاتالرقميةفيهجماتالفديةالخبيثة،Link

[8]موقعCNBCعربية٣-١٢-٢٠١٧،(بيتكوينتقارب٢٠ألفدولارفيالعقودالمستقبلية).

[9]CNBC, Bitcoin surges to record above $6,400 after CME announces launch of futures for digital currency, Link

[10]CNNبالعربية،هلسيتوقفتصاعدهالجنوني؟سعربيتكوينيبلغ10 آلافدولار! رابط