العدد الحالي: ايلول/ سبتمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

أدب الدنيا / للماوردي

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

أدب الدنيا

من كتاب أدب الدنيا والدين[1]لأبي الحسن علي بن محمد حبيب البصري الماوردي (توفي 450 هـ)

التعقيب والمقاربة الاقتصادية: الدكتور سامر مظهر قنطقجي

 

(الإنسانُ مدنيٌ بطبعه) اِعلم أن الله تعالى لنافذ قدرته، وبالغ حكمته، خلق الخلق بتدبيره، فكان من لطيف ما دبّر، وبديع ما قدّر، أنْ خلقَهم محتاجين، وفطَرهم عاجزين، ليكون بالغنى منفرداً، وبالقُدرة مُختصاً، حتى يُشعِرنا بقدرته أنه خالقٌ، ويُعلّمنا بغناه أنه رازقٌ، فنُذعِن بطاعته رغبةً ورهبةً، ونُقِرّ بنقصنا عجزاً وحاجةً.

ثم جعل الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان، لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه عن جنسه، والإنسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه، واستعانته صفة لازمة لطبعه، وخلْقه قائمة في جوهره، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً) [النساء: 28] يعني: عن الصبر عما هو إليه مفتقر، واحتمال ما هو عنه عاجز. ولما كان الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان، كان أظهر عجزاً، لأن الحاجة إلى الشيء افتقار إليه، والمفتقر إلى الشيء عاجز عنه، وقال بعض الحكماء المتقدمين: استغناؤك عن الشيء خير من استغنائك به.

وإنما خصّ الله تعالى الإنسان بكثرة الحاجة، وظهور العجز، نعمة عليه، ولطفاً به، ليكون ذلّ الحاجة، ومهانة العجز، يمنعانه من طغيان الغنى، وبغي القدرة، لأن الطغيان مركوز في طبعه إذا استغنى، والبغي مُستولٍ عليه إذا قدَر، وقد أنبأ الله تعالى بذلك عنه، فقال: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) [العلق: 6-7]، ثم ليكون أقوى الأمور شاهداً على نقصه، وأوضحُها دليلاً على عجزه (تعقيب[2]).

وأنشدني بعض أهل الأدب لابن الرومي رحمه الله:

أعَيَّرتني بالنقصِ والنقصُ شــــــاملٌ     ومن ذا الذي يُعطَى الكمالَ فيَكملُ؟

وأشـــــــــــــهدُ أنى ناقــــصٌ غيرَ أنــني    إذا قِيـــــــــــس بي قومٌ كثيرٌ تقلّلوا

تفاضل هذا الخلق بالفضلِ والحِجا     ففــي أيِّـا هذيــــــنِ أنــــتَ المفــضَّــلُ؟

ولو منـــح اللّــــه الكمـــــالَ ابــــــن آدمٍ    لخــلَّدَه، واللّــــهُ ما شـــــــــاءَ يَفعلُ

ولما خلَق الله الإنسان ماسَّ الحاجة، ظاهر العجز، جَعل لنيل حاجته أسباباً، ولدفع عجزه حِيلاً، دلّه عليها بالعقل، وأرشده إليها بالفطنة. قال الله تعالى (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: 3]. قال مجاهد: قدّر أحوال خَلقْه فهدَى إلى سبيل الخير والشرّ. وقال ابن مسعود في قوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: 10]: يعني الطريقين: طريق الخير، وطريق الشرّ (تعقيب[3]).

(أسباب درك الحاجات) ثم لما كان العقلُ دالاً على أسباب ما تدعو إليه الحاجة، جعل الله تعالى الإدراكَ والظَّفَر موقوفاً على ما قسَمَ وقدّر، كيلا يعتمدوا في الأرزاق على عقولهم، وفي العجز على فِطَنهم، لتدوم له الرغبة والرهبة، ويظهر منه الغِنَى والقُدْرة، وربما عَزَب هذا المعنى على من سَاءَ ظنّه بخالقه، حتى صار سبيلاً لضلاله، كما قال الشاعر:

سُبحانَ من أنزل الأيام منزلَها            وَصيَّر الناسَ مرفوضاً ومرموقاً

فعاقلٌ فطنٌ أعْيَتْ مَذاهـــــــــبُهُ           وَجــاهـــلٌ خَرِقٌ تلقـــــاه مَرزُوقـــاً

هذا الذي تركَ الألبابَ حائرةً            وَصيَّر العاقـــــلَ النِّحرِيرَ زِنْدِيقاً

ولو حسن ظنُّ العاقل في صحة نظره، لعِلمَ من عِلَل المصالح، ما صار به صدّيقاً لا زنديقاً، لأن من عِلَل المصالح ما هو ظاهر، ومنها ما هو غامض، ومنها ما هو مُغَيَّب، حكمةٌ استأثر الله بها. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حُسنُ الظن بالله، من عبادة الله"[4].

(الأخذ من الدنيا بنصيب) ثم إن الله تعالى جعل أسباب حاجاته، وحيل عجزه، في الدنيا التي جعلها دار تكليف وعمل، كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء، فلزم لذلك أن يصرف الإنسان إلى دنياه حَظّاً من عنايته، لأنه لا غنى له عن التزوّد منها لآخرته، ولا له بُدّ من سدِّ الخلّة فيها عند حاجته، وليس في هذا القول نقض لما ذكرنا قبل: من ترك فضولها، وزجر النفس عن الرغبة فيها، بل الراغب فيها ملوم، وطالب فضولها مذموم، والرغبة إنما تختص بما جاوز قدر الحاجة، والفضول إنما ينطلق على ما زاد على قدر الكفاية، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) [الشرح: 7و8]، قال أهل التأويل: فإذا فرغت من أمور الدنيا، فانْصَب في عبادة ربك، وليس هذا القول منه ترغيباً لنبيه صلى الله عليه وسلم فيها. ولكن ندبه إلى أخذ البُلْغة منها. وعلى هذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم: "ليس خيرُكم من ترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه". وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نِعم المطية الدنيا، فارتحلوها تُبلغكم الآخرة"، وذم رجلٌ الدنيا عند عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، فقال رضي الله عنه: الدنيا دار صِدْق لمن صَدَقها، ودار نجاةٍ لمن فهم عنها، ودار غِنى لمن تزوّد منها (تعقيب[5]).

وحكى مقاتل: أن إبراهيم الخليل على نبينا وعليه السلام قال: يا رب حتى متى أتردد في طلب الدنيا؟ فقيل له: أَمْسِك عن هذا، فليس طلب المَعاش من طَلَب الدنيا. وقال سفيان الثوري رحمه الله: مكتوب في التوراة: إذا كان في البيت بُرٌّ فتعبَّدْ، وإذا لم يكن فاطُلبْ، يا ابن آدم حَرّك يدك، يُسَبَّبْ لك رِزقك. وقال بعض الحكماء: ليس من الرّغبة في الدنيا اكتسابُ ما يصون العِرْض فيها. وقال بعض الأدباء: ليس من الحِرْص اجتلاب ما يقوت البدَن. وقال محمود الوراق:

لا تُتبِعِ الدّنيـــــــــــــا وأيــــــامَها           ذَمَّاً وإن دارتْ بكَ الدائرةْ

مِنْ شرَفِ الدُّنيا ومن فضلِها             أنَّ بها تُســــــتدرَك الآخِرَةْ

فإذن قد لزم لما بيّناه النظر في أمور الدنيَا، فواجبٌ سَبْر أحوالها، والكَشْف عن جهة انتظَامِها واختلالها، لنعلم أسبابَ صلاحها وفسادها، وموادَ عُمرْانها وخَرابها، لتنتفيَ عن أهلها شُبَه الحَيرة، وتنجليَ لهم أسباب الخِيَرَة، فيَقصِدُوا الأمور من أبوابها، ويعتمدوا صلاح قواعدها وأسبابها (تعقيب[6]).

للكلام بقية..

 


[1]الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد حبيب البصري، (أدب الدنيا والدين)، شرح وتحقيق سعيد محمد اللحام، منشورات دار ومكتبة الهلال ببيروت، 1988، الصفحات 130-132.

[2]خلق الله تعالى الناس وخلق حاجاتهم، فهم يشعرون بالبرد والحر والجوع والعطش، وهم بحاجة إلى السكن والزواج والذرية والسفر، وأشياء كثيرة غير ذلك. إنهم مخلوقون في عجز وحاجة وليس في كمال. بذلك كان العرض والطلب، فالعرض مصدره وفرة الموارد التي خلقها الله تعالى بما فيها البشر، أما الطلب فمحركه تلك الحاجات. لقد خُلق الناس يحتاج بعضهم بعضاً، فلا يمكن لأحدهم العيش دون جماعة الناس، وإن اختلاف الحاجات وتعدد صفات الناس هو مصدر زينة الحياة.

[3]لقد جعل الله العقل الذي وهبه للإنسان وميزه به عن غيره من الكائنات سبيل الوصول والاستدلال إلى إشباع حاجاته وهادياً إلى المواد التي تشبع حاجاته (كما سيأتي لاحقاً).

[4]إن إشباع الحاجات التي يسعى إليها الإنسان، يستلزم الغنى ووفرته، ليتمكن من اقتناء ما يشبع حاجاته. لكن الله جعل إدراك الغنى اللازم لسد الحاجات مرتبطاً بأقداره التي قسم فيها الأرزاق، وليس على تدبير العقل وحده، ليبقى الأصل في هذه الحياة عبادة الله تعالى فيشعر الإنسان بعجزه وعجز تدبيره مرتبطاً بربه الغني القادر. فالدنيا مطية الآخرة وعلى الإنسان الموازنة بين تدبير معيشته في هذه الدنيا المؤقتة وحياته الأخروية الدائمة. فإن الإنسان لو كان مستقره الحياة الدنيا ولو كان تدبير عقله هو المحدد الوحيد لتصرفاته دون أي شيء آخر لبغى وطغى وتجبر على غيره من البشر.

لذلك بدأ الماوردي وصف الخلق بالمحتاجين العاجزين، ووصف الخالق بالغني، الواحد، القادر، الخالق، الرازق.

[5]يميز الماوردي بين الرغبة والحاجة، فيقول بأن الرغبة ما جاوز قدر الحاجة وهي حالة من حالات الإسراف والترف والتبذير، باعثها (أي الرغبة) الفضول لأنه زاد على قدر الكفاية. فالحاجة غير الرغبة، والكفاية غير الفضول. والأصل في الإنسان أنه يسعى لإشباع حاجاته فإن تجاوزها لتلبية رغباته كان في سلوك الفرد تمادياً على الموارد المتاحة وهذا سلوك جزئي يشكل بمجموعه السلوك الكلي ويرسم ملامح الاقتصاد الكلي سواء على مستوى الجماعة (أي الدولة) أو على المستوى العالمي. هنا يظهر الفساد وتبدأ الأزمات بالتشكل والتبلور.  

[6]إن النتائج التي حددها الماوردي هي نتائج كليّة: فإعمال النظر (بمعنى العقل) في حقيقة الوجود في هذه الدنيا مؤداه فهم الآليات الناظمة وآليات الاختلال، مما يبين طرق الصلاح والفساد، وكيفية نشر وزيادة العمران بمعنى تحقيق التنمية، والقضاء على ما يفسد ذلك. عندئذ يكون الناظر في غير حيرة لأنه سيختار الصالح المناسب، وسيستخدم الموارد التي سخرها الله له بالشكل الأمثل من خلال أصول وقواعد استنبطها من مسببات الصلاح، فتنتظم أساليب الإنتاج وطرق الاستهلاك دون فساد وإفساد لأنه يسعى لسد الحاجات لا الرغبات. فالرغبات ليس لها نهاية لأنها مرتبطة بالشهوة بينما ترتبط الحاجة بحد الكفاية. ومثال ذلك: أن الطعام إنما وجد لسد حاجة الجوع، فإن اشتهى الإنسان أكل المزيد وفاق حد الكفاية، وباستمرار ذلك سيُصاب بالتخمة وبالسمنة التي سيتبعها أمراض عديدة، وسيؤدي ذلك إلى فقدان مورد بشري منتج، لأن الجسم المريض ليس كصحيحه. ثم إنه سيحتاج إلى استهلاك مزيد من الموارد كالأدوية وما شابهها. بينما لو اكتفى بسد حاجته بحد الكفاية لبقي هذا الإنسان مورداً مفيداً لنفسه ولغيره. وبتعميم هذا السلوك نفهم مآل الأزمات كأزمة الغذاء العالمي، وانتشار الأمراض، وازدياد استهلاك الأدوية، ويلحق بذلك أشياء كثيرة لا يتسع المجال لتناولها في هذا المقام.