العدد الحالي: ديسمبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

إشكالات إجارة الخدمات الموصوفة في الذمة وحلولها (4)

د. علي أبو العز

مدير دائرة التدقيق الشرعي الداخلي – البنك الإسلامي الأردني

في هذا المقال الأخير أكمل سلسلة المقالات السابقة التي طفنا من خلالها حول العديد من الإشكالات التي تطرحها بعض المنتجات الممولة بصيغة عقد الإجارة الموصوفة في الذمة، وكما وعدنا في المقال السابق سنتناول بالمناقشة والدراسة بعض الإشكالات المتعلقة بتمويلي الخدمات الطبية وخدمات الصيانة.

1-            تمويل الخدمات الطبية:

1/1 التأصيل الفقهي لهذا العقد:

عقد العلاج الطبي ينشئ التزامات تبادلية على عاتق طرفيه؛ فالطبيب يلتزم بموجبه ببذل العناية الجادة في تشخيص المرض، ووصف الدواء المناسب، ومتابعة حالة المريض، وإكمال علاجه، وأما المريض فيلتزم بدفع الأجرة المتفق عليها مقابل خدمات الطبيب وعمله، ما دام الطبيب سخَّر له في سبيل علاجه ما يملك من وسائل مادية وذهنية، وبذل في علاجه العناية الطبية الواجبة التي يبذلها الأطباء في العادة، ويلاحظ بأن التزام الطبيب يقتصر فقط على بذل العناية الطبية الصادقة وفقاً لتقاليد المهنة وأصولها العلمية الثابتة، ولا يلتزم بتحقيق نتيجة وهي شفاء المريض، وبذلك يستحق الطبيب أجره سواء حصل للمريض شفاء أم لم يحصل.

وهذا العقد بصورته البسيطة ما بين المريض والطبيب أقرب ما ينطبق عليه هو عقد الأجير المشترك؛ لأنَّ الطبيب يتقبل طلبات العلاج من أكثر من شخص في آن واحد، كما يؤدي عمله بحرية تامة في تحديد مكان وزمان العمل وحجمه، ولا يخضع لا لتبعية تنظيمية ولا إدارية وإشرافية من قِبَل المريض، ولا يحبس نفسه مدة معينة لصالح مريضه، ولو فعل ذلك لأصبح عقده إجارة خاصة تعقد على المدة لا على العمل.

وجاء في تحفة المحتاج في الفقه الشافعي([1])ما مفاده؛ أن الطبيب الماهر وهو من كان خطؤه نادراً، ولو لم يكن حاصلاً على مؤهلات علمية، لو شرطت له أجرة، وأعطي ثمن الأدوية، فعالج المريض، فلم يبرأ، استحق الأجرة، وليس للمريض الرجوع عليه بشيء؛ لأن الطبيب يلزمه (المعالجة لا الشفاء)، بل إنْ شُرط الشفاء، بطل عقد الإجارة؛ لأنه بيد الله لا غير، لكن إنْ أبرم معه عقد جعالة على الشفاء، صح العقد، واستحق الأجر المسمى له، إنْ تحقق الشفاء.

وبهذا الرأي قال ابن تيمية([2])؛ فأجاز مشارطة الطبيب على الشفاء جعالة لا إجارة؛ لأن الصحابة أخذوا الجعل الذي كان عبارة عن قطيع من الأغنام على شفاء سيد الحي، حينما رقاه بعضهم حتى برئ، فالجعل كان على الشفاء لا على القراءة، وأما إجارة فلا يجو؛ لأنَّ الشفاء ليس بيد الطبيب أو الراقي، فقد يشفي الله برقيته المريض وقد لا يشفيه.

وأما فقهاء الحنابلة فيرون كما في صحيح مذهبهم([3])عدم صحة المعاقدة على البرء مطلقاً لا إجارة ولا جعالة، وثمة روايتان أخريان في المذهب؛ إحداهما تقول بصحة العقد جعالة فقط، والأخرى بصحته إجارة.

ويجوز في المذهب المالكي([4])معاقدة الطبيب على البرء بأجرة معلومة للمتعاقدين؛ فإذا برئ المريض استحقها الطبيب، وإلا لم يأخذ منها شيئاً، واتفق فقهاء المذهب على أن الدواء يكون على حساب المريض لا الطبيب، ويجوز أنْ يكون من عند الطبيب على ألا يشترط أنه إذا برئ المريض يدفع الأجرة وثمن الدواء، وإنْ لم يبرأ يدفع قيمة الدواء فقط؛ لأنَّ هذا الاشتراط يؤدي إلى اجتماع صفقتي البيع والجعالة أو الإجارة في صفقة واحدة، وفيه غرر؛ لأن الطبيب لا يدري؛ هل يحصل له الأجر المسمى أو ثمن الأدوية، ولهذا لصحة العقد إجارة أو جعالة يجب أنْ يكون ثمن الدواء على حساب الطبيب.

بالإضافة لِمَا سبق؛ فإنَّ الاعتبار الشخصي هام جداً في هذا العقد، ولا يقل أهمية عن عقد العمل، والمحاماة والاستصناع وغيرها من العقود التي يكون للاعتبار الشخصي فيها قيمة قصوى؛ لأن شخصية المتعاقد أو مؤهلاته وصفاته المهنية كانت هي الدافع إلى التعاقد معه دون غيره من زملائه وأقرانه، مما يفرض على الطبيب المتعاقد معه أنْ يقوم بأداء العمل بنفسه، وألا يتعاقد من الباطن فيُحيل التزاماته إلى شخص آخر يقوم مقامه في التنفيذ؛ فإن شخص الطبيب له اعتبار كبير في هذا العقد، بحيث لا يجيز هذا الاعتبار الملفوظ أو الملحوظ للطبيب إحلال طبيب آخر مكانه، بينما إذا أبرم الشخص عقد علاج مع المستشفى ولم يحدد لها طبيباً بعينه، تاركاً لها الحرية في اختيار مَنْ تراه مناسباً لتشخيص مرضه، ومتابعة حالته، نظراً لمسموعاتها المتميزة في حسن اختيار الأطباء العاملين لديها أو معها، ففي هذه الحالة لا يكون للصفة الشخصية أي قيمة في العقد، بحيث تكون المستشفى موفية بالتزامها بمجرد إحضار طبيب مختص لإجراء اللازم للمريض.

جاء في المغني لابن قدامة ما نصه الآتي: (فأما إن كانت الإجارة على عبده في مدة أو غيرها، فمرض لم يقم غيره مقامه؛ لأن الإجارة وقعت على عمله بعينه، لا على شيء في ذمته، وعمل غيره ليس معقودا عليه، وإنما وقع العقد على معين، فأشبه ما لو اشترى معينا، لم يجز أن يدفع إليه غيره، ولا يبدله، بخلاف ما لو وقع في الذمة، فإنه يجوز إبدال المعيب، ولا ينفسخ العقد بتلف ما تسلمه، والمبيع المعين بخلافه، فكذلك الإجارة. وإن كانت الإجارة على عمل في الذمة، لكنه لا يقوم غير الأجير مقامه، كالنسخ، فإنه يختلف القصد فيه باختلاف الخطوط، لم يكلف إقامة غيره مقامه، ولا يلزم المستأجر قبول ذلك إن بذله الأجير؛ لأن الغرض لا يحصل من غير الناسخ، كحصوله منه، فأشبه ما لو أسلم إليه في نوع، فسلم إليه غيره، وهكذا كل ما يختلف باختلاف الأعيان)([5]).

 وتجدر الإشارة بهذا الصدد إلى أن عقود الاستطباب التي توقعها البنوك الإسلامية مع المتمولين واردة على عمل في الذمة لا من ذات معينة، بحيث لا يملك المريض لو تمَّ استبدال طبيب بآخر أنْ يحمله المسؤولية أو أنْ يرجع عليه بالأجرة، بينما يكون عقد البنك مع المستشفى على عمل من شخص بعينه، بحيث يملك البنك أنْ يرجع عليها بالأجرة فيما لو أخلَّت بذلك.

2/1 الأمراض غير المتوقعة:

قد يفاجأ الطبيب أثناء قيامه بالمعالجة أو بالعملية الجراحية بوجود مرض لا يمكن تجاهله، وقد يكون هذا المرض أكثر خطورة من المرض الذي تمَّ الاتفاق على معالجته؛ كورم خطير لا يحتمل استئصاله أي تأخير، وبالتالي على الطبيب وفقاً للأصول والواجبات الطبية أنْ يتخذ الإجراء الفوري المناسب دون استشارة المريض.

وفي ظل هذا الظرف الطارئ يثور التساؤل: هل يلزم الطبيب أنْ يأخذ موافقة المريض على الأعمال الجراحية المستجدة، وقد يكون فاقداً للوعي (تحت تأثير المخدر)، لا شك أنَّ هذه الحالة الضرورية الطارئة توجب على الطبيب دون مناقشة مع المريض أنْ يبادر إلى اتخاذ الإجراء اللازم، وهذا الأمر مرهون بالتقدير الطبي الذي يقوم به أهل الخبرة الطبية، لأن امتناع الطبيب عن الإجراء اللازم في مثل الفرض السابق، والاقتصار على محل الاتفاق، يعني تعريض حياة المريض إلى الخطر بسبب التأخير، بالإضافة إلى أنه بعد إفاقته وأخذ موافقته، سيجري له عملية جراحية أخرى بمصروفات ونفقات أكبر مما لو قام بالمعالجة اللازمة في وقت الجراحة الأولى، وربما لا تسمح حالة المريض بالجراحة الثانية إلا بعد التئام جراحات العملية الأولى، مما يترك الفرصة لتضخم الورم وتكاثر خلاياه وتعصي علاجه، بل قد يكون من التعسف تعريض المريض لمثل هذه المخاطر الممكن تفاديها بأقل التكاليف إذا ما نظرنا إلى الجانب الإنساني ومصلحة المريض، ولا يبعد أنْ يكون تدخل الطبيب في هذه الحالة قد تمَّ بناء على موافقة ضمنية للمريض؛ إذ التدخل يتمخض عن مصلحة محضة له.

ولكن هل يستحق الطبيب مقابلاً لأتعابه خاصة إذا أبدى المريض امتعاضه من تحميله بسبب العملية الجراحية الإضافية تكاليف زائدة عن القدر المتفق عليه، ويتمسك بكونه لم يعط موافقة مسبقة على ذلك.

في هذا الفرض لا شك أن الطبيب يستحق أتعابه عما أداه من عمل (منفعة) لم تذكر في العقد، استناداً إلى أن الشرط العرفي لدى الأطباء في مثل هذه الحالات يحتم عليه التدخل، وهو كالشرط اللفظي، فانصرف العقد بإطلاقه إليه، وإنْ لم يقتضه لفظه.

ومثلما أجاز الفقهاء فسخ العقد بالأعذار، أجازوا بقاء العقد أيضاً بالأعذار، وحكموا بأن العقد يظل نافذاً ولو بعد انقضاء مدته، فقد جاء في البند (1/2/3) من معيار الإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك الصادر عن الأيوفي ما نصه: (تنتهي الإجارة بانتهاء مدتها، ولكن تبقى للعذر درءاً للضرر، وحينئذ تستمر بما يتفقان عليه من الأجرة، فإنْ لم يتفقا، فبأجرة المثل)، وهذا ما نصت عليه المادة (825) من القانون المدني الأردني حيث جاء فيها: (إذا انقضت المدة المعينة للعمل، ووجد عذرٌ يقتضي مدَّ أجلها، يستمرُّ العقد بعذر الحاجة، ويلزم صاحب العمل أجر مثل المدة المضافة)، ويفهم من تلك النصوص أنه متى طرأ ظرف اقتضى إطالة العقد سواء بزيادة المدة أو العمل، فلا بد من احتواء العقد لتلك الزيادة وضمها إليه بحيث تصبح جزءاً منه، رفعاً للحرج، واستجابة للحاجة الملحة التي قد يقع فيها أحد الأطراف المتعاقدة، وهذا المسلك يرسي التوازن، ويعمق معاني التضحية، ويدفع المضار، ويوزع الأعباء بمنتهى العدالة؛ فالطبيب يتحمل أعباء تكليفه بأعباء إضافية، ويتحمل المريض دفع المقابل العادل لتلك الأعمال.

وفي العادة يتحوط الأطباء لمثل هذه الظروف غير المتوقعة؛ فيحصلون من المريض على موافقة مسبقة بالسماح للطبيب بالتدخل بالمعالجة اللازمة في حال ظهور أمراض غير متوقعة يتوقف العلاج الأصلي على مداواتها، أو كان بقاؤها في جسمه يمثل خطورة على صحته، وعلى الرغم من الجهالة التي يتضمنها هذا الشرط، إلا أنه ضروري جداً في مثل هذه العقود الحساسة، وينبغي على المتعاقدين أنْ يتقيدا به؛ لأنه شرط لا ينافي العقد، وجرى به عرف التعامل، ويلزم الطبيب العمل بموجبه ولو بلا شرط، فمع الشرط يكون التقيّد به أولى.

ويلتزم البنك بموجب تعاقده مع المستشفى بتحمل أجور العلاج الذي تمَّ تحديده في العقد، ولا يدفع أي تكاليف إضافية زائدة عن حد المبلغ المقرر في العقد، إلا إذا كان وضع المتعامل (المتمول) المالي يسمح بتمويله تكاليف تلك الأعمال الإضافية، وبناءً عليه تكون تلك الأعمال الإضافية بمنزلة عقد آخر مبرم ما بين المستشفى والمريض أو المتمول لا البنك، ويستثنى من ذلك الحالات الاضطرارية التي لا يعلم بها البنك إلا لاحقاً، وقد استدعت الضرورة الأخذ بها لإسعاف المريض وإنقاذه، مما رتب تكاليف مالية زائدة، فهنا ينبغي أنْ نطبق الأحكام التي سبق إيضاحها آنفاً، والتي تقتضي إلزام البنك بتحمل تلك الأجور الإضافية، لكن لا يجوز للبنك أنْ يربح عليها بمطالبة المتمول بدفع أكثر منها، بل تقيد على المتمول بنفس القيمة التي دفعها البنك للمستشفى، وهي أجرة المثل، ما لم يتفق الطرفان على أنْ يربح المتمول البنك عليها ربحاً محدداً، كما يحق للبنك مطالبة المتمول بتعجيل سداد الأجرة الإضافية؛ لأنه لم يتفق على تقسيطها، ويجوز الاتفاق بينهما على أنْ تكون ملحقة بالأجرة الأولى وتابعة لها.

3/1 أهلية المريض:

بما أن علاقة الطبيب بمريضه تقوم على عقد الإجارة، وهو من العقود الرضائية التي يشترط في طرفيها الأهلية الكاملة، فقد يحدث في الواقع أنْ يكون المريض ناقص الأهلية أو فاقدها؛ كالهرم فاقد التمييز، والمجنون، والصغير غير المميز، أو المميز غير البالغ، وعليه؛ فإن علاج هؤلاء والموافقة على تطبيبهم يكون من اختصاص أوليائهم أو أوصيائهم أو مَنْ هو مسؤول عنهم.

صحيح أن الفقهاء أجازوا للصبي المميز إبرام التصرفات، وجعلوها موقوفة على إجازة وليه، لكن قد يكون في قياس الأعمال الصحية على عقود المعاوضات المالية فارق من حيث إن عصمة الجسد وسلامته لا يقاس بذات المنطق الذي يقسم الأعمال المالية إلى ضارة ونافعة ومترددة، والأوفق هو اعتبار هذه الأعمال الطبية مما يدخل في اختصاص الأولياء أو الأوصياء، لكن مع إعطائه نوعاً من المرونة التي تسمح لأحد الأبوين عند عدم وجود أحدهما بالموافقة على العلاج الطبي في الحالات الطارئة التي تستدعي جراحة خطيرة أو علاجاً له آثار جانبية كبيرة، فإنه لو قُدِّر وقوع حالة كهذه بين يدي طبيب، فإن الواجب الإنساني والمهني يستدعي منه المبادرة إلى إسعافه دون حاجة للقبول من أحد، بل إنه قد يتحمل المسؤولية في حال امتناعه عن المساعدة، وإذا كان فقهاء المالكية أوجبوا على واجد اللقطة الضمان إذا تركها وهو يعلم أنه بتركه لها يعرضها للهلاك؛ لأن امتناعه أو فعله السلبي أدى إلى إضاعة المال وتلفه، فيتحمل تبعاته، فكذلك الأمر بالنسبة للطبيب.

وقد يتعرض شخص لحادث أو لحالة مرضية تفقده الوعي، كما في حوادث الطرق، أو الجلطات القلبية والدماغية، والسؤال هل يمكن للغير ممن لا تربطه بالمريض صلة قرابة أنْ يتعاقد بالنيابة عنه بحيث يعبر عن رضاه بشأن الإجراء الطبي أو الجراحي ؟

لم أجد بحسب اطلاعي ما يضيق من دائرة مَنْ لهم الحق في إعطاء الموافقة على العلاج الطبي في حالة غياب ذوي المريض أو مَنْ يمثله من أقربائه، بل يجوز لمن تربطه به صداقة وطيدة أو قرابة ولو بعيدة أو جيرة أو أي شخص يهمه أمر المريض، أنْ يتعاقد مع الطبيب نيابة عنه، ويدخل هذا ضمن ما يعرف في الاصطلاح القانوني (الاشتراط لمصلحة الغير).

وقد قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع المنعقدة بجدة في المملكة العربية السعودية في الفترة من 9 - 14 مايو 1992م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إليه في موضوع: ((العلاج الطبي)) ما يلي:

1-           يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان تام الأهلية، فإذا كان عديم الأهلية أو ناقصها اعتبر إذن وليه حسب ترتيب الولاية الشرعية ووفقا لأحكامها التي تحصر تصرف الولي فيما فيه منفعة المولى عليه ومصلحته ورفع الأذى عنه. على أنه لا يعتبر بتصرف الولي في عدم الإذن إذا كان واضح الضرر بالمولى عليه، وينتقل الحق إلى غيره من الأولياء ثم إلى ولي الأمر.

2-           في حالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب للخطر لا يتوقف العلاج على الإذن.

4/1 مشروعية المحل:

عقد العلاج الطبي يلتزم كل من طرفيه بأداء معين؛ وهذا الأداء هو محل الالتزام، ويتحدد بالنسبة للمريض بدفع الأجرة للطبيب، وبالنسبة للطبيب بتقديم العلاج للمريض بما يتفق مع المعطيات العلمية لسائدة في الطب، وهذا المحل لا بد أنْ يتوافر فيه شرط المشروعية؛ وبناءً عليه لا يجوز أنْ يكون محل العقد تغيير جنس المريض لغير ضرورة طبية ملحة([6])، أو تعجيل وفاة شخص بإعطائه جرعة دواء قاتل أو برفع الأجهزة عنه لإنهاء حياته ومعاناته من أوجاع لا يرجى شفاؤها مستقبلاً([7])، أو الجراحات التجميلية التي ما من مرض يبررها([8])، والإجهاض([9])، ونقل الأعضاء([10])، وزراعة الأعضاء التناسلية التي تنقل الصفات (الشفرة) الوراثية([11])، وزراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص([12])، واستئصال القدرة على الإنجاب في الرجل أو المرأة وهو ما يعرف بالتعقيم أو الإعقام ما لم تدع إليه ضرورة([13])، والاستنساخ البشري([14]).

2-عقد الصيانة:

أبين أبرز الإشكاليات الدائرة حول خدمات الصيانة على النحو الآتي:

1/2 انطواء العقد على جهالة كبيرة، وصعوبة تحديد طبيعته التي تنبني على أساسها أحكامه:

في عقد الصيانة الذي يسبقه فحص تشخيصي لحالة الآلة المتعطلة، وذلك بغرض تحديد الإصلاحات وقطع الغيار والمدة اللازمة للإصلاح، سواء أكان الفحص بأجر أو مجاناً، تنمحي الجهالة التي غالباً ما تنطوي عليها عقود الصيانة التي لا يسبقها فحص مبدئي، حيث تنطوي على قدر كبير من الجهالة في مقدار العمل المطلوب، وما يظن صيانته في ساعة، قد يستغرق ساعات أو يوماً بطوله، وتزداد الجهالة حسب طبيعة المحل أو العطل الحادث فيه، ودرجة تعقيدهما، كما قد يتطلب إصلاح الآلة استبدال قطع غيار جديدة بالتالفة إذا لم يكن بمقدور الصائن إصلاحها، وهذه القطع لا يعلم عددها ولا أثمانها، وقد يحتاج الصائن لإتمام عملية الصيانة إلى شراء مواد أو الاستعانة بآلات متطورة لازمة لإجراء الفحص، وقد تكون بعض التكاليف السابقة غير متوقعة ولا محسوبة ضمن الأجرة الأولية التي تمَّ تحديدها، كما تثور الإشكالية أيضاً بصدد عقود الصيانة الدورية التي يدفع المستفيد (المصون له) مبلغاً معيناً لقاء التزام الصائن بصيانتها بصورة دورية (صيانة تشغيلية) وبإصلاح ما يطرأ عليها من أعطال مطلقة أو مقيدة (أي محددة بأنواع معينة من الأعطال).

1/2/1 الصيانة وعقد الجعالة:

من الباحثين المعاصرين من عدَّ الجهالات السابقة من قبيل الغرر اليسير المغتفر الذي لا يفسد العقد، ومنهم من اعتبرها مؤثرة في العقد.

ولا تثور الإشكالية أيضاً فيما إذا كان عقد الصيانة بسيطاً لم يمتزج بعقود وشروط تجعل طبيعته أكثر غموضاً وتعقيداً، كما لو كان التزام الصائن مقتصراً على أداء أعمال الصيانة فقط، ففي هذه الحالة تنطبق على المتعاقدين الأحكام الخاصة بعقد الأجير المشترك، الذي يقع العقد معه على عمل معين في مدة معينة، ولا يختلف التكييف الفقهي للعقد فيما إذا كان قطع الغيار ونحوها مقدمة من المستأجر (المصون له)، وتكون في يده أمانة يضمنها في حالات التعدي والتقصير.

ولكن تلتبس الأمور، وتتداخل التكييفات، إذا تضمن العقد القدر الكبير من الجهالات المشار إليها آنفاً، وارتبط بمدة وبنتيجة، ولهذا لم يصحح بعض الفقهاء هذا العقد إلا على أساس الجعالة([15]).

وانتهت أعمال الندوة الفقهية الرابعة المنعقدة بالكويت 1995م إلى أن عقد الصيانة أقرب ما ينطبق عليه من العقود هو عقد الجعالة، وجاء في قراراتها ما يلي:

عقد الصيانة عقد مستحدث مشروع تنطبق عليه الأحكام العامة للعقود، ولا يخالف نصا أو قاعدة شرعية عامة، وهو في تكييفه الفقهي أقرب ما يكون إلى عقد الجعالة حيث إن معظم صور الصيانة لا يمكن فيها تحديد مقدار العمل بشكل دقيق.

وبعد تحديد جنس العمل ونوعه ومحل العمل والمقابل والزمن وما فيه من جهالة أو غرر فهو من اليسير المغتفر الذي لا يؤدي إلى النزاع بالرجوع إلى المتعارف عليه في كل مجال، (هكذا) وهذا بالنسبة لعقد الصيانة بدون الالتزام بقطع الغيار.

أما إذا كان العقد شاملا لقطع الغيار فيختلف الحكم بين الحالتين الاثنتين:

الحالة الأولى: أن يلتزم مالك العين المطلوب صيانتها بتقديم قطع الغيار من عنده عينا، أو يلتزم بدفع ثمنها المحدد ممن يقدمها، وهذه الصورة جائزة شرعا؛ لأنها إما جعالة. أو جعالة رافقها بيع.

الحالة الثانية: أن تلتزم الجهة المتعهدة بالصيانة بتقديم قطع الغيار مع العمل، فهناك صورتان:

الصورة الأولى: أن تكون الصيانة دورية، وقطع الغيار معلومة بالرجوع إلى العرف من حيث تحديد عددها وصفاتها وعمرها الافتراضي ووقت تبديلها، فهذه الصورة جعالة جائزة أيضا، ويمكن التعاقد على العمل بعقد واحد حيث يغتفر الجهالة اليسيرة (هكذا).

الصورة الثانية: أن تكون قطع الغيار غير قابلة للتحديد عند التعاقد بالرجوع للعرف أو مراعاة الطبيعة التقنية للمعدات، ويقع التفاوت الكبيرة في تكلفتها ففي هذه الصورة لا يجوز التعاقد على التزام الجهة المتعهدة بالصيانة للقيام بالعمل وتقديم قطع الغيار، وذلك للجهالة الكبيرة المؤدية للنزاع.

1/2/2 الصيانة وعقد الإجارة:

بينما لم يرق تكييف الصيانة بأنها جعالة لبعض العلماء([16])، ورأوا أن ثمة فروقاً بين العقدين تمنع المطابقة بينهما؛ فإنَّ عقد الصيانة لازم وعقد الجعالة جائز، ولأنَّ الأجر (الجعل) لا يستحقه العامل إلا إذا حقق النتيجة المحددة وأتمَّ العمل، بينما يأخذ الصائن الأجر في عقد الصيانة عَمِلَ أم لم يعمل، تعطلت الآلة أم لم تتعطل، ولهذا جاز تعجيل الأجرة وتأجيلها في عقد الصيانة ولم يجز ذلك في عقد الجعالة، كما أن صاحب الآلة في عقود الصيانة ينتفع من عمل الصائن خلال مدة العقد، ولا يصح القول بأن مقصوده لا يتحقق منه شيء، وبالتالي لا يستحق الأجر كاملاً إلا إذا استمرَّ بأعمال الصيانة، وحافظ على الكفاءة المعتادة للآلات خلال المدة كلها، وهذا يتنافى مع تكييف الصيانة على أنها جعالة؛ لأن الجعالة مرتبطة بنتيجة بصرف النظر عما حققه المجعول له من فائدة للجاعل، ولكي لا يضيع على الصائن تعبه ونفقاته المادية خلال مدة العقد قد يكون من العدالة والموازنة تكييف المعاملة على أنها إجارة، وبذلك يستحق الصائن من الأجرة بقدر الأعمال المنجزة والتي حققت نفعاً نسبياً للمستأجر.

 بالإضافة إلى أنَّ عقد الصيانة من عقود المدة التي تعد المدة فيه عنصراً جوهرياً، بينما لا يجوز في عقد الجعالة أنْ يضرب له أجل محدود، كونه معقوداً على غاية محددة.

ورأوا أنَّ أكثر العقود انطباقاً على الصيانة عقد الأجير المشترك؛ فأعمال الصائن والتزاماته بموجب عقد الصيانة مضبوطة بالمراقبة الدورية للآلات، وإصلاح ما يتعطل منها، ولا يخرجه عن كونه أجيراً مشتركاً تحمُّل الصائن لتكاليف بعض المواد التي تستلزمها الصيانة الدورية؛ كالمنظفات وزيوت التشحيم ونحوها؛ لأنَّ الفقهاء جعلا العرف ضابطاً لِمَا يكون من تلك التكاليف على حساب المؤجر، وما يكون منها على حساب المستأجر، فالإبرة والخيط بالنسبة للخياط، والقلم والحبر بالنسبة للخطاط، ونحوها من الأشياء اليسيرة التي تستلزمها أعمالهم، ولا يمكنهم بدونها القيام بها، لا تغير من طبيعة العقد بحيث تحيله من كونه إجارة إلى جعالة أو استصناع.

وقالوا: بأنَّ نسب الأعطال المحتملة في الأجهزة والناشئة عن غير حالات سوء الاستعمال معلومة أو قابلة للمعلومية عن طريق التخمين بالاعتماد على التجارب والاختبارات، ومع هذه الإمكانات يتضاءل حجم الغرر والجهالة وتضيق دائرته إلى حدّ لا يكون مفضياً للنزاع.

ولو اقتصر الأمر على التصور السابق لكان مناسباً جداً أنْ يكيف العقد بأنه من قبيل عقد الأجير المشترك، لكن موضوع الصيانة يتخطَّى تلك الحدود اليسيرة إلى التزامات يتعهد الصائن فيها بإبدال القطع الجديدة بالتالفة، ولا يمكن اعتبار هذا الالتزام يسيراً أو عرضياً بل هو جوهري ومقصود للمتعاقدين، وقد تفوق قيمته كإيراد قيمة الأعمال الأخرى، مما يجعل تكييف العقد على أساس عقد الأجير المشترك تكييفاً مشكلاً، ولهذا من العلماء من رأى أن الصيانة عقد اجتمع فيه عقدان (إجارة وبيع)، ويؤخذ على هذا التكييف بأنه إذا أمكن تحقيق شروط عقد الإجارة بالنسبة للأعمال المطلوب إنجازها من الصائن، فمن المتعذر أنْ تتحقق في هذه الصفقة المركبة شروط عقد البيع؛ لعدم وجود المبيع، وعدم القدرة على تحديده، وبالتالي عدم إمكانية تحديد ثمنه، مما يترتب عليه إما بطلان العقد جملة وتفصيلاً، أو بطلانه فيما يتعلق بعنصر البيع، وصحته بالنسبة لإجارة الأعمال، ويرى أنَّ الحلَّ الأمثل لهذه الإشكالية يتمثل بإبرام عقد على أساس الإجارة، مع توكيل الصائن بشراء المواد اللازمة لها، ويكيف العقد وفقاً لهذا التصور بأنه إجارة ووكالة بالشراء، ويجوز للمتعاقد أنْ يترك لدى الصائن مبلغ محدداً يكون أمانة في يده ليصرفه على ما تتطلبه أعمال الصيانة من قطع بديلة، بحيث يُرجع الصائن بعد المدة المحددة للعقد ما زاد من ذلك المبلغ للمتعاقد (المصون له)، وبإمكانه أنْ يسامحه فيه، أو يرجع الصائن عليه بأي مبالغ تكبدها على نفقته الخاصة، أو يسامحه فيها.

ويرى فريق من العلماء أنَّ متعلق العقد ومحله ليس الأعمال بحد ذاتها، وإنما المحافظة على ديمومة عمل الأجهزة بكفاءتها المعتادة، وهذا أمر معلوم ليس فيه جهالة، وهو أشبه ما يكون باستئجار شخص للحراسة، حيث يتعهد بالمحافظة على المكان، والاستعداد لحمايته من اللصوص، وعدم وجود لصوص لا يلزم منه جهالة محل العقد وهو الحراسة عرفاً.

1/2/3 الصيانة عقد إجارة مقترن بشرط:

يتمسك فقهاء الحنفية والشافعية بمبدأ (وحدة العقد/الصفقة) التي تقضي بأنْ يكون لكل عقد صيغة خاصة لا ينعقد بها غيره من العقود، ولعلّ مرادهم بذلك تبسيط التعاقد، وتقليل أسباب المنازعة؛ فإنّ اجتماع صفقات متعددة في عقد واحد يخلّ ببساطة التعامل وثباته واستقراراه، ويجعل الحقوق والالتزامات متشابكة، مما يفقد المتعاقدان السيطرة على زمامه، لكنهم لمّا رأوا أنّ المبدأ السابق فيه من الصلابة ما لا يمكن به مواجهة العقبات المعاملاتية التي تعترضه، ولا يصلح دائماً للتطبيق العملي، أحدثوا في هذا المبدأ ثغرات أو أوردوا عليه استثناءات تضفي عليه المرونة الواجبة لمجاراة مقتضيات المعاملات التجارية المتطورة والمتسارعة، فأباحوا الشرط الذي جرى به التعامل، وألحقوه بالشرط الملائم للعقد، وصححوه في هذه الحالة استحساناً.

جاء في المبسوط للسرخسي: (وإنْ كان شرطاً لا يقتضيه العقد، وفيه عرف ظاهر، فذلك جائز أيضاً، كما لو اشترى نعلاً وشراكاً بشرط أنْ يحذوه البائع؛ لأن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي؛ ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرجاً بيّناً)([17]).

لكنهم مع ذلك نراهم يقولون بفساد الشرط والعقد في الصور الآتية([18]):

1-           شراء حنطة على أنْ يقوم البائع بطحنها.

2-           شراء قطعة قماش على أنْ يخيطها البائع قميصاً أو ثوباً.

3-           شراء محصول على أنْ يحصده البائع، أو يتركه في أرضه حتى ينضج.

4-           بيع دابة واشتراط ركوبها إلى مكان معين.

5-           بيع دار على أنْ يسكنها شهراً، أو بيع أرض على أنْ يزرعها سنة.

6-           شراء السلعة مع اشتراط نقلها إلى منزل المشتري.

ففي الأمثلة السابقة نرى أنَّ البيع قد اقترن بشرط، وقد اعتبروا الشرط في ذاته صفقة تضمنها البيع، وقد تكون إجارة أو إعارة، فإنْ كان البدل المدفوع ثمناً للمبيع متضمناً قيمة العمل المشروط، كشراء الحنطة بثمن يكون محسوباً فيه قيمة الطحن، فالمعاملة أصبحت إجارة مشروطة في العقد، وإنْ لم يكن بمقابلة العمل شيء من البدل، فهو إعارة، ومثل هذا الشرط مفسد للعقد لسببين:

الأول: أنَّ هذا الشرط تضمن زيادة منفعة مشروطة في عقد البيع، وهي زيادة لا يقابلها عوض، فتكون ربا أو فيها شبهة الربا، والبيع الذي فيه الربا أو شبهته فاسد.

الثاني: أنّ الشرط الذي لا يقتضيه العقد، ولا يلائمه، ولم يجر به التعامل، تضمَّن منفعة للمشترط، فصار في ذاته عقداً آخر، وقد نهت الأدلة الشرعية عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة، وعن بيع وشرط.

ولعلَّ التعليل الثاني أدق من الأول؛ لأنه إذا لم يكن للزيادة المشروطة في العقد مقابل، فلا وجه حينئذ لتعليل المنع بالربا، لعدم وجوده أصلاً، فلم يبق إلا التعليل بأن البيع بهذا الشرط يصبح صفقتين في صفقة واحدة([19]).

ويظهر بتتبع الأمثلة التي أجازها فقهاء الحنفية والتي منعوها، أنها متشابهة من حيث الصورة إلى حد كبير، فلا فرق بين شراء نعل على أنْ يحذوه البائع، أو صوف منسوج على أنْ يجعله قلنسوة أو عمامة، وبين شراء ثوب وخياطته، أو حنطة وطحنها، لكنهم في الشروط التي أجازوها حكموا بصحة العقد المقترن بها لأنه جرى بها التعامل بين الناس، بينما لم يجيزوا أشباه تلك الشروط كونه لم يجر بها عرف التعامل.

وعليه؛ إذا كان الحكم بإباحة الشروط وفسادها منوطاً بالعرف؛ إذ هو الباب الواسع أو الاستثناء الذي بواسطته يتم إنقاذ العديد من ضروب التعامل، وما دام باب التعامل مفتوحاً ومتفاوتاً من بيئة إلى بيئة، ومن عصر إلى عصر، فينبغي عدم الوقوف الحصري على تلك الأمثلة، ولهذا نجد فقهاء الحنفية قبل إيراد الأمثلة على الشروط الفاسدة، يضعون لها عنواناً يبرر فسادها، فيقولون: الشروط التي لا يقتضيها العقد، وليست بملائمة له، ولا مما جرى بها التعامل بين الناس، ومما يؤكد عمومية الضابط السابق وعدم انحصاره في إطار الأمثلة المكررة في كتب الفقه، أنه لما دار الخلاف بين أئمة الحنفية حول مسألة الشراء بشرط حمل المبيع إلى منزل المشتري إذا كان البائع والمشتري في بلد أو مصر واحد، أبطل محمد بن الحسن الشيباني الشرط والعقد معاً؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة للمشتري، ورأيه هذا موافق للقياس أو المبدأ العام للعقد في الفقه الحنفي، لكن الشيخين أبا حنيفة وأبا يوسف أجازا البيع بهذا الشرط استحساناً؛ لأن الناس درجوا على التعامل به إذا كان المشتري في نفس البلد الذي فيه البائع، ولو كان مخالفاً للأصل أو القياس([20])؛ لأنَّه لما كانت مراعاة الحوائج والعادات أمر معتبراً ومقصوداً للشارع في التشريع، استدعى الأمر من المجتهدين أنْ يتخلوا عن هذا المبدأ، وأنْ يلتفتوا إلى المصلحة العامة لاستيعاب الواقع المتجدد باسم (الاستحسان).

ويتمسك الفقه الشافعي([21])كالفقه الحنفي بمبدأ (وحدة العقد)، ومنع تعدد الصفقة، وتراه يقترب إلى حد ما من فكرة التوسع التي تبناها الفقه الحنفي، ويحاولون فك جمود المبدأ وصلابته بطريقة أخرى غير الاستحسان، أطلقوا عليها اسم (الشرط الذي في مصلحة العقد)، ويحكمون باعتباره، ويصححون العقد به، ويعللون ذلك بأنه (مما تدعو الحاجة إليه)، لكنها ليست بذات المرونة والسهولة التي تتمتع بها طريقة الحنفية، ولا تستطيع بتدبر الأمثلة التي أوردوها بهذا الصدد أنْ تدرك بسهولة ما إذا كان الشرط الفلاني ممنوعاً أو مجازاً، ولا يبدو أنهم اتخذوها تكئة في سائر ما تدعو إليه حاجة التعامل، فمثلاً، لم يصحح فقهاء الشافعية اشتراط المشتري على البائع إيصال الحطب (المبيع) إلى منزله مثلاً، وقاولا: لا يكلف البائع بإيصاله، حتى لو كان الشرط معتاداً في عرف التعامل، بحجة أنه بيع بشرط إجارة على عمل له لم يملكه بعد([22])، بينما لا يأبى ضابط الحنفية من استيعاب هذه الصورة وإباحتها لاعتياد الناس على التعامل بهذا الشرط بينهم، وهذا القدر المعتاد كاف في نقل الشرط من دائرة الفساد إلى دائرة الإباحة.

وأما المذهبان المالكي والحنبلي؛ فقد تخطيا مبدأ (وحدة العقد) على النحو الذي رأيناه في المذهبين الحنفي والشافعي، وصححا العديد من الشروط الممنوعة في المذاهب الأخرى ما دام الشرط يتضمن منفعة مطلوبة، ولم يناقض مقتضى العقد، ولم يورث غرراً كثيراً، ولم يوجب ربا، ولم يخل بالثمن([23])، ولم يرد بالمنع منه نص شرعي مخصوص([24]).

 وإنْ كان المذهب الحنبلي أكثر المذاهب تصحيحاً للشروط كما يقول ابن تيمية([25])، ومع الإقرار بأنه تجاوز عتبة الجمود عند حد الصفقة الواحدة البسيطة الخالية من أي شرط، لكنه لم يتعداها كثيرا؛ حيث تراه يتمسك بها في كل عقد يجتمع فيه شرطان، فيجعله صفقتان متقابلتان في عقد واحد، ويعتبر ذلك تعدداً جسيماً لا يمكن قبوله، بينما إذا اشتمل العقد على شرط واحد لم يكن لهذا الشرط أي تأثير فيه([26]).

1/2/4 الصيانة وعقد الاستصناع:

يقترب عقد الصيانة من عقد الاستصناع بشكل كبير؛ لأن الصائن يقدم العمل والمواد وقطع الغيار، والثمن في الصيانة والاستصناع يكون معجلاً أو مؤجلاً أو مقسطاً، لكنهما يفترقان من وجوه عدة، فعقد الصيانة من العقود الزمنية بينما عقد الاستصناع من عقود العمل التي تبرم لأجل تحقيق نتيجة معينة بصرف النظر عن الزمن الذي يستغرقه تحقيقها، كما أن الصائن في الصيانة يستحق الأجرة ولو لم تطرأ أعطال على الآلة خلال المدة المضروبة للعقد، بينما لا بد في الاستصناع من عمل.

وبالاطلاع على المدونات الفقهية القديمة نجد الاختلاف بين العلماء في كثير من المسائل والصور يدور حول تحديد الطبيعة الملائمة لها؛ هل هي جعالة أو إجارة، لا سيما إذا انتفع (الجاعل) بجزء من الأعمال التي أداها العامل ولم يكملها، فإننا إذا قلنا بأن العقد جعالة؛ ضاع عمل الملتزم (المجعول له) سدى، وأدى إلى انتفاع الجاعل بعمل غيره من غير أنْ يعوضه، وهذا ظلم، ولذلك قالوا: مَنْ استأجر حافلة تقلّه إلى مكان ما، ليس لصاحب الحافلة أنْ يتقاضى منه المقابل المالي إلا إذا أوصله إلى المكان المراد، تخريجاً للمعاملة على أحكام الجعالة، وهو قول مالك وابن القاسم، غير أنَّ ابن نافع من أصحاب مالك ربط المسألة بالمنفعة، وهذا الربط يحقق الموازنة العادلة التي هي مقصود جميع العقود بما فيها الجعالة، فنحى بالمعاملة في مثل الحالة الافتراضية السابقة نحو عقد الإجارة، ولم يجعلها جعالة، وأثبت للملتزم (المجعول له) حقاً في أنْ يستوفي من المستأجر (الجاعل) من الأجرة بقدر المسافة المقطوعة([27])، ووقع الخلاف بين السادة الفقهاء على ما يكون من الأعمال خاضعاً لأحكام الجعالة وما يكون منها خاضعاً للإجارة بحسب درجة الغموض الذي يكتنف الالتزام، فإذا كان العمل مجهولاً اعتبروه جعالة، وإذا كان مبيَّناً اعتبروه إجارة أو استصناع، وجعلوا معيار التمييز بينهما غموض العمل ووضوحه، بل قالوا: هناك من الأعمال ما لا يصح أنْ يكون إلا جعالة كرد البعير الشارد، ومنها ما يجب أنْ يكون إجارة فقط ؛ كخياطة ثوب، وخدمة شخص لآخر مدة محدودة، ومنها ما يصح جعالة وإجارة؛ كتحصيل الديون([28]).

ولو نظرنا إلى أن الغرض الأساسي من العقد ليس العمل ولا القطع المستبدلة، وإنما المحافظة على ديمومة عمل الأجهزة بكفاءتها المعتادة، وهذه النتيجة يُطلب من الصائن تحقيقها خلال كل فترة من مدة العقد، فلا يمتنع شرعاً وعقلاً أنْ يكون لعقد الصيانة ذات الأحكام التي يذكرها الفقهاء لعقد الجعالة؛ فما دام الملتزم يلتزم بإنجاز المهمة التي تضمنها العقد بصرف النظر عن التكاليف التي يتحملها في سبيل تحقيقها، كذلك يلتزم متعهد الصيانة بالمحافظة على كفاءة الآلة محل العقد ولو استلزم الأمر إبدال قطعة مكان أخرى، وما دام الانتفاع يحصل لصاحب الآلة ولو قبل أنْ تكتمل مدة العقد، فلو حصل فسخ أو انفساخ قبل انتهاء المدة، فإن أحكام الجعالة - كما مرَّ معنا - لا تأبى فرض تعويض للمجعول له نظير المنفعة التي قدمها لصاحب الآلة خلال الفترة السابقة قبل فسخ العقد أو انفساخه، كما لا تأبى أحكامها ضرب أجل محدود لها، ويصح الاتفاق على لزومها بل إذا ضربت لها مدة انعقدت لازمة بالقياس على المضاربة التي تصبح لازمة بالشروع في العمل أو إذا حددت لها مدة.

2/2 المسؤولية عن التعويض بسبب تعطل الآلة:

سبقت الإشارة إلى أنَّ عقد الصيانة قد يتضمن شرطاً يقضي بتحميل الصائن الأضرار اللاحقة بمالك الآلة جراء تعطلها أثناء مدة العقد، كتغريمه ثمن المواد التالفة بسبب عطل ثلاجة التجميد، أو النفقات التي تحملها بسبب تعطل مركبته، وهذا الاشتراط لا يصح على إطلاقه، بل يجب تقييده بالأضرار الناشئة عن تعدي الصائن أو تقصيره، لأن عقد الصيانة من عقود الأمانات التي تقتضي ألا يضمن المؤجر الملتزم بالصيانة الأضرار الواقعة بالمحل وهو في يده فضلاً عما إذا كان في يد غيره، ولأن قبول هذا الشرط يؤدي إلى إثراء المستأجر على حساب المؤجر بلا موجب، كما أنه ينشئ مقامرة بين المتعاقدين؛ فالصائن لا بد وأنْ يكون قد أدخل في حساب الأجرة هذه المخاطر المتوقعة، وبما أن هذه المخاطر قد تقع وقد لا تقع، وإذا وقعت قد يتحمل أكثر مما تقاضاه من المستأجر أو أقل، فقد انتقض مبدأ العدالة في المبادلة بين ما يأخذ كل منهما وما يعطي.

ومعلوم أنَّ المؤجر لا يكون مسؤولاً عن تحمل الأضرار الحادثة بسب عيب في تصميم الآلة وصناعتها، أو بسبب طارئ لا علاقة للصائن به، كأتربة تطايرت إلى أجزاء الآلة، ونحو ذلك.

2/3 عقد الصيانة بشرط البراءة:

هل يصح شرعاً للبنك أنْ يشترط على المصون له براءته من عيوب الصيانة بعد تسلم العمل سليماً موافقاً للمواصفات؟

البيع بشرط البراءة اختلف الفقهاء فيه ما بين مانع ومجيز([29])، وقد أخذت هيئة المحاسبة والمراجعة (الأيوفي) في معيار المرابحة للآمر بالشراء بمذهب الحنفية في هذه المسألة القائل بالإباحة([30])، لكنها في معيار الإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك لم تجز للمؤجر اشتراط البراءة من عيوب العين المؤجرة([31])؛ لأن هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد الذي هو المعاوضة بين الأجرة والمنفعة، فإذا تعطلت المنفعة كلياً أو جزئياً صارت الأجرة من قبيل أكل المال بالباطل، فهل يتحقق مناط الحكم الذي ذكروه على موضوع الصيانة السنوية أو التي يجريها الصائن عند الطلب ؟

بالنسبة لعقد الصيانة السنوية كما أسلفنا يلتزم الصائن بالمحافظة على كفاءة الآلة خلال مدة العقد، وعليه لا يصح أنْ يتبرأ من العيوب الناشئة عن عمله فيما لو عاد العطل إلى الآلة مرة أخرى، لأن ذلك يتنافى مع مقصود العقد وموضوعه، فإن التزامه بالمحافظة على أداء الآلة يستمر إلى نهاية المدة، بينما في حالات الصيانة المحددة التي يكون موضوعها إصلاح خلل ما في آلة معينة، فإن الصائن إذا أصلح أعطال الآلة، وأدى حق الله في صيانتها، وسلمها لصاحبها سليمة خالية من أي عيب عند التسليم، فيصح له أنْ يشترط على المصون له ألا يرجع عليه فيما لو عادت إليها أعطالها، وبالإمكان الاتفاق على إعطاء المصون له مدة معقولة كافية ليتبيّن للمصون له ما إذا كان أعمال الصيانة صحيحة أم معيبة كثلاثة أيام مثلاً، وهذا من أوفق ما يمكن الاتفاق عليه بين المتعاقدين، كونه يحمي المتعامل من مخاطر أعمال الصيانة، ويحافظ على استقرار التعاقد بالنسبة للصائن الذي قد يرهقه جداً مراجعة المصون له المتكررة بسبب توهمات أو أخطار أخرى لا شأن له بها.

ولا يصح قياس عقد إجارة الأعيان على إجارة أعمال الصيانة؛ لأن الإجارة العينية عقدها مستمر، ومنافعها متتابعة، والتزامات المؤجر المتمثلة بتوفير المنفعة مستمرة طوال مدة العقد، بينما المنفعة المطلوبة في عقد إجارة الأعمال تحصل بالعمل أو بثمرة العمل أي نتيجته، وهي اكتمال عملية الصيانة حسب الأصول، وما دامت العملية قد اكتملت، والعلاقة فضَّت ولم تعد قائمة، فلا ضير من اشتراط البراء من العيب عملاً بمذهب الحنفية بهذا الصدد، لا سيما إذا كان الصائن من ذوي المسموعات الطيبة في مجاله.

إن البنوك الإسلامية قد تنظر إلى القول بعدم جواز اشتراط البراءة من العيوب في عقود الصيانة على أنه حجر عقبة في التنفيذ، فتحجم عن إطلاق المنتج والتعامل به، والقول السابق قد يفسح لها المجال بأنْ تخوض غماره، كما تستطيع في ظل (شرط البراءة) أنْ تحول حقها في الرجوع بالعيب على الصائن إلى عميلها، فبدلاً من رجوعه بالعيب على البنك ليرجع البنك به على الصائن، يتم تفويضه بالرجوع المباشر على الصائن.

 وأود التأكيد على أن المسألة بحاجة إلى مزيد من الدراسة؛ لأن فتح الباب أيضاً للصائن بأنْ يشترط البراءة من عيوب الصيانة قد ينطوي على سوء نية أو غش، أو تغرير، أو تعسف، مما يجعل المصون له يقع ضحية لمطامع المهنيين بحجة الشرط، وعليه يظل الحكم منوطاً بكل حالة على حدة، ولا ينبغي تعميمه بحيث يكون شرطاً متداولاً بالجملة إلا بعد تأمل وتحرّ في وضع السوق، وفي شبكة المهنيين التي يختار البنك التعامل معها.

وفي خاتمة هذه السلسلة أتمنى أنْ تكون مدخلاتها المعلوماتية صحيحة، ومخرجاتها من أحكام ومقترحات وحلول كافية ومفيدة، والله أعلم بالصواب وهو الهادي إلى طريق الرشاد وسبيل السداد.

 

 (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين.



([1])       ابن حجر الهيتمي، (تحفة المحتاج)،مرجع سابق،(6/163) .

([2])       ابن تيمية، (مجموع الفتاوى)، مرجع سابق، (20/507) .

([3])       المرداوي، (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)، مرجع سابق، (6/75) .

([4])       النفراوي، أحمد بن غانم ، " الفواكه الدواني " ، دار الفكر ، 1415هـ - 1995م ، (2/115) .

([5])       ابن قدامة، (المغني)، مرجع سابق، (5/342) .

([6])       قرر مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من يوم الأحد 13 رجب 1409هـ الموافق 19 فبراير 1989م إلى يوم الأحد 20 رجب 1409هـ الموافق 26 فبراير 1989م بعد أنْ نظر في موضوع تحويل الذكر إلى أنثى، وبالعكس. وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه ما يلي: أولاً: الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها، لا يحل تحويل أحدهما إلي النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحق فاعلها العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق الله، وقد حرَّم سبحانه هذا التغيير، بقوله تعالى، مخبرًا عن قول الشيطان: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)[النساء:119]. فقد جاء في صحيح مسلم، عن ابن مسعود، أنه قال: "لعَن اللهُ الوَاشِمَاتِ والمُسْتَوْشِمَاتِ، والنَّامِصاتِ والمُتَنَمِّصاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ للحُسْنِ، المُغيِّراتِ خَلْقَ اللهِ عز وجل". ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله عز وجل- يعني قوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[الحشر:7]. ثانيًا: أما من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، فينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة جاز علاجه طبيًّا بما يزيل الاشتباه في ذكورته، ومن غلبت عليه