العدد الحالي: ديسمبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الصناعة المصرفيّة الإسلاميّة في مواجهة تحديّات اتفاقيّة تحرير تجارة الخدمات الماليّة

د. بباس منيرة

أستاذ محاضر قسم ب

مقدمة:

تعيش المصارف الإسلاميّة في الوقت الراهن في ظل بيئة اقتصادية تكتنفها العديد من المستجدات والمتغيرات العالمية، من بين هذه المتغيرات، اتفاقية تحرير تجارة الخدمات المالية التي أثرت وفرضت العديد من التحديات أمام المصارف الإسلامية، فقد أثرت هذه الاتفاقية إيجابيا وسلبيا على المصارف الإسلامية، وألزمتها بضرورة الرفع من طاقتها التنافسية وتحسين مستوى منتجاتها المصرفية وزيادة تأهيل مواردها البشرية، لتستطيع مواكبة الوضع والبقاء في الساحة المصرفية.

أولا:الخيارات المتاحة للمصارف الإسلاميّة وفقا لاتفاقية تحرير تجارة الخدمات الماليّة

         تتيح اتفاقية تحرير تجارة الخدمات المالية للدول، ثلاث خيارات أساسية هي1:

أ- الخيار الأول: التحرير الكلي لتجارة الخدمات الماليّة: يشير هذا الخيار إلى عدم فرض أيّ قيود في جداول الالتزامات التي يتمّ تقديمها في هذا القطاع، بمعنى أدق، السماح بالتواجد الأجنبي بكافة أشكاله المبيّنة في جداول الالتزامات، الأمر الذي يؤدي إلى:

-السماح بقبول الودائع بكافة أشكالها (جارية – لأجل – ادخار )، الأمر الذي يسمح بالتعامل بأسعار الفائدة للمصارف التقليدية المحلية والأجنبية (بالنسبة للودائع لأجل والودائع الادخارية)، أما المصارف الإسلامية فإنها تعمل على توزيع العائد المحقق فعلا بالنسبة لودائع الاستثمار، والذي يعتمد بالأساس على ما هو محقق فعلا من أرباح؛

 -السماح بالإقراض بكافة أشكاله، ويشير الواقع هنا أيضا إلى قيام المصارف التقليدية المحلية والأجنبية بالتعامل بأسعار الفائدة الدائنة والمدينة، وبالتالي فإن عمليات الائتمان والإقراض تقوم على أساس أخذ فوائد محددة بالأجل. أما المصارف الإسلامية فإنها تتعامل وفقا لصيغ التمويل الإسلامي، وفقا لقاعدة الغنم بالغرم؛

 - أما الخدمات الأخرى التي جاء تفصيلها في جداول الالتزامات، كخدمات المدفوعات وتحويلات الأموال والضمانات والالتزامات والاتّجار لحساب البنك أو العملاء وغير ذلك، فلا يوجد اختلاف أو تعارض في تقديمها إذا لم تقم على مخالفة شرعية.

ب- الخيار الثاني: التحرير الجزئي أو التدريجي لتجارة الخدمات الماليّة: يستند هذا الخيار على تقييد بعض الخدمات المصرفية من خلال القوانين واللوائح والسياسات والقرارات السارية في هذا القطاع، والتي تصدر من السلطات التشريعية والنقدية، وما يرتبط بها من توجيهات ذات صلة بالقطاع المصرفي، إلا أن هذا التقييد يكون لفترة مؤقتة، يتمّ بعدها التحرير الكامل للخدمات المصرفية، وإزاء ذلك ستنعم المصارف الإسلامية في هذه الدول بفترة حماية مؤقتة بما يمكّنها من تقوية نفسها مؤسسيا وتنظيميا وتقنيا، بهدف الاستعداد للمنافسة الخارجية؛

ج- الخيار الثالث: عدم تحرير القطاع المصرفي أمام المنافسة: على حسب هذا الخيار، لا تتعهد الدولة بفتح قطاع الخدمات المالية المصرفية أمام المنافسة الأجنبية في الوقت الحاضر، مستفيدة من فترة سماح تتيحها الاتفاقية للدول النامية، الأمر الذي يوفر نوعا من الحماية للمصارف الإسلامية والمصارف التقليدية على حد سواء. وقد يكون هذا الخيار في صالح المصارف الإسلامية على اعتبار أنها مؤسسات حديثة النشأة مقارنة بالمصارف التقليدية، حتى تستطيع ترتيب أوضاعها، لكن في حالة عدم تهيئة المصارف الإسلامية واستعدادها للصمود أمام المنافسة، بسبب عدم قدرتها على المواكبة، قد يؤدي بها إلى الزوال، وضعف المصارف الإسلامية غير القادرة على المنافسة في السوق المصرفية العالمية.

         ويعتبر التحرير التدريجي الأنسب للمصارف الإسلامية، بحيث يمكن أن تحرّر بعض الخدمات المصرفية التي تمتلك فيها هذه المصارف ميزة مطلقة أو نسبية في الوقت الحاضر، على أن يتمّ تحرير باقي الخدمات لاحقا.

ثانيا: الآثار الايجابية لاتفاقية تحرير تجارة الخدمات المالية على المصارف الإسلامية

بالرغم من صغر الحجم النسبي للمصارف الإسلامية مقارنة بالمصارف الدولية، إلا أن بعض الباحثين يرون أن بعض المصارف الإسلامية قادرة على المنافسة في سوق مفتوحة، ويستدلّون على ذلك بتزايد وتحسن العديد من المؤشرات المالية للمصارف الإسلامية، الأمر الذي يدلّ على تحسّن وضعيتها في السوق المصرفية. وانطلاقا من ذلك يمكن تلخيص إيجابيات اتفاقية تحرير تجارة الخدمات المالية على المصارف الإسلامية في النقاط الآتية2:

- المنافسة: إن السماح للمصارف الأجنبية للعمل في السوق المحلية، سيؤدي إلى زيادة المنافسة وتطوير العمل في المصارف الإسلامية، نتيجة الوسائل الحديثة في الإدارة واستخدام التكنولوجيا، الأمر الذي يؤدي إلى تحسّن كبير في مستوى الأداء والخدمات، وهو ما يجعل القطاع المصرفي الإسلامي أكثر كفاءة واستقرارا؛

- تكلفة الخدمات: إن ازدياد المنافسة، وما يترتّب عليها من منافسة بين المصارف التقليدية الأجنبية والمحلية والمصارف الإسلامية، يؤدي إلى تخفيض تكاليف الخدمات المصرفية، الأمر الذي يساعد على توفير المزيد من الخدمات للعملاء، حيث يستطيعون المفاضلة بين مختلف المصارف للحصول على الخدمات المصرفية؛

- حجم المعروض من الخدمات المصرفية ومستوى جودتها: لقد أسفر تحرير تجارة الخدمات المصرفية عن إدخال المصارف الأجنبية للعديد من الخدمات الجديدة في مجال التجزئة المصرفية، لا سّيما القروض الشخصية والائتمان الاستهلاكي وخدمات تحويل الأموال، فضلا عن بعض خدمات الصيرفة الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت وأجهزة الهاتف المحمول؛

- تحسين المهارات والتطوير التكنولوجي: إن تواجد المصارف الأجنبية جنبا إلى جنب مع المصارف التقليدية والمصارف الإسلامية المحلية، قد يسهم في تكوين إطارات مصرفية محلية ذات خبرات مهنية عالية وتقنيات متطورة، للعمل وتبسيط الإجراءات وإدارة المخاطر، كما يسهم هذا التواجد أيضا في التعرّف وحفز التطوير التكنولوجي في نظم معلومات الإدارة، وتزايد الاتجاه لمكننة العمليات المصرفية، وتطوير شبكات الحاسبات الالكترونية والاتصالات التي تشكل البنية الأساسية لإمكانيات التوسّع والمنافسة في مجال الخدمات المتطورة للتجزئة المصرفية؛

- تخفيض تكاليف التشغيل: تعدّ مصروفات التشغيل في المصارف الإسلامية مرتفعة قياسا مع نفقات التشغيل في المصارف التقليدية في الدول المتقدمة، ويرجع السبب في ذلك إلى تضخّم العمالة وتدنّي الإنتاجية، ولكن في ظل دخول البنوك الأجنبية لأسواق الدول، تهتم البنوك المحلية بتخفيض نفقات التشغيل، مما يجعلها توظّف أعدادا أقلّ وبمهارات عالية، لأن ذلك يساعدها على تقديم عروض أفضل للعملاء، وهكذا ففي ظل تحرير الخدمات المالية، لا بد على المصارف الإسلامية، أن تقوم بخفض نفقات تشغيلها حتى تتمكن من تقديم خدمات أفضل للمتعاملين معها؛

-تقديم الخدمات المصرفية الإسلامية: يؤدي التحرير المالي إلى سعي المصارف التقليدية المحلية والأجنبية، إلى تقديم خدمات مصرفية إسلامية، بهدف استقطاب العملاء، كما يتيح الفرصة لنفاذ الخدمات المصرفية الإسلامية إلى الدول المتقدمة، مما يؤدي إلى اتّساع رقعة النشاط المصرفي الإسلامي؛

- حجم السوق المصرفية: يؤدي تحرير التجارة في الخدمات المصرفية إلى اتّساع نطاق وحجم السوق المصرفية الإسلامية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تعظيم الاستفادة من وفرات الحجم، نتيجة تزايد عمليات الاندماج المصرفي، وكذلك تعميق المنافسة، نتيجة زيادة عمليات الخصخصة المصاحبة لتحرير القطاع المصرفي.

         تجدر الإشارة إلى أن توزيع تلك المنافع بين هذه الدول لن يكون بالتساوي، فهو مرتبط بحجم قطاع الخدمات المصرفية الإسلامية ودرجة مرونته، والمزايا النسبية التي تتمتّع بها، ومدى قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية المماثلة، وهذا يعني أن المصارف الإسلامية، ستواجه العديد من التحديات والصعوبات نتيجة تواضع إمكانياتها وانخفاض كفاءتها وقدرتها التنافسية.

ثالثا: الآثار السلبية لاتفاقية تحرير الخدمات المالية على المصارف الإسلامية

         يواجه القطاع المصرفي الإسلامي، العديد من التحديات والصعوبات، نتيجة تحرير تجارة الخدمات المالية، أبرز هذه الصعوبات ما يلي3:

- إن تحرير تجارة الخدمات المالية، يحدّ من قدرة المؤسسات المصرفية الإسلامية على الاستمرار بسبب تأثير عوامل المنافسة، والتي تؤدي إلى انخفاض ربحية هذه المصارف، الأمر الذي يتطلّب من المصارف الإسلامية إلى المزيد من التطور والتحديث لكافة أنشطتها وخدماتها، حتى تتمكن من الاستمرار في الساحة المصرفية؛

- تعرّض المصارف الإسلامية لمخاطر المنافسة غير المتكافئة من قبل المؤسسات المصرفية الأجنبية، هذه الأخيرة التي تتمتع بقدرات مالية هائلة وخبرات تكنولوجية بالغة التقدم، بالإضافة إلى قواعد رأسمالية ضخمة، مما قد يؤدي إلى سيطرة تلك المؤسسات على السوق المحلي، مع احتمال إساءة هذه المؤسسات لسيطرتها على السوق مثل تحريك المدخرات وفقا لمصلحتها أو استخدام النقد الأجنبي في أغراض المجازفة، فضلا عن تأثير سياسات المصارف الأجنبية على السياسات الاقتصادية الكلية للدولة، وهو ما يبرز أهمية قيام السلطات الحكومية، بوضع السياسات الملائمة للتصدي لهذه السلبيات؛

- قد يؤدي تحرير التجارة في الخدمات المصرفية، إلى حدوث أزمات مصرفية ومالية، وبالتالي تأثر المصارف الإسلامية، مع احتمال انتقال تأثيرها السلبي إلى الجهاز المصرفي الإسلامي في دول أخرى، الأمر الذي يتطلّب وضع أنظمة متطورة للإنذار المبكّر للأزمات؛

- قد يؤثر تحرير تجارة الخدمات المالية والمصرفية بصورة غير مباشرة على الاستقرار المالي للدولة التي تعمل بها المصارف الإسلامية، وذلك من خلال زيادة قابلية تدفقات رأس المال للتقلب، فدخول المصارف الأجنبية يؤدي إلى حدوث تحول في هيكل النشاط المصرفي، إذ يؤدي ذلك إلى تزايد نصيب البنوك الأجنبية، أو تركّز ملكيتها في مؤسسات تابعة لدولة أو منطقة محدّدة، مقارنة بالمصارف الإسلامية وحتى المصارف التقليدية المحلية، مما يؤدّي إلى تزايد احتمالات التأثر بالتقلبات في الظروف الاقتصادية الخارجية؛

-أدّى تزايد نفاذ البنوك الأجنبية إلى الدول النامية، إلى تراجع كبير في نصيب البنوك المحلية التقليدية والإسلامية في سوق النشاط المصرفي، وظهر ذلك بشكل واضح في بعض دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، حيث استأثر رأس المال الأجنبي ب 60%من حجم العمل المصرفي في المجر، و55%من ذلك النشاط في كل من بولندا والشيلي، و50%في كل من جمهورية التشيك والأرجنتين؛

- قد تندفع المصارف الإسلامية في ظل احتدام المنافسة والرغبة في تحقيق ربحية عالية، إلى قبول مخاطر أعلى دون أن تكون قادرة بالضرورة على إدارة تلك المخاطر، الأمر الذي يمكن أن يهدّد سلامتها المالية ويطيح بربحيتها في آن واحد؛

- إن التهديد الأكبر الذي يهدّد المصارف الإسلامية، هو اكتفاءها بالعمليات الأقلّ ربحية، وشريحة العملاء التي لا تتمتع بمستويات الجدارة المطلوبة في البنوك الأجنبية، مما يهدّد بقاءها؛

- بالرغم من أن تحرير تجارة الخدمات المالية يسير في الاتجاهين، فإنه لا يتوقع أن تكون المصارف الإسلامية التابعة للدول النامية في الأغلب بالعمل أو فتح فروع لها في أسواق الدول المتقدمة، ويرجع ذلك إلى ضعف أصولها وقدراتها المالية مقارنة بالبنوك في الدول المتقدمة، وإلى عدم توافر الموارد الإدارية المؤهّلة لذلك، وعدم قدرتها على المنافسة في الخارج، وبالتالي فإن تحرير الخدمات المالية ستستفيد منه بالأساس المصارف التابعة للدول المتقدمة.

رابعا: التحديات المستقبلية للمصارف الإسلامية في ظل تحرير تجارة الخدمات المالية

         لكي تستطيع المصارف الإسلامية البقاء على مستوى الساحة المصرفية في ظل اتفاقية تحرير تجارة الخدمات المالية، لا بد عليها أن تتبنى العديد من الأمور أهمها:

- النظم المحاسبية الرقابية وإدارة المخاطر: أيقنت المصارف الإسلامية بضرورة وضع معايير للمحاسبة الإسلامية أسوة بالبنوك العالمية، فأنشأت هيأة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، إلا أنه لم يتمّ الالتزام بتلك المعايير حتى الآن، بالرغم من الدعوات المتكررة إلى الالتزام بتلك المعايير4؛

كما تعاني الصناعة المالية الإسلامية من ضعف أدوات القياس ووسائل الرقابة الداخلية على المخاطر، فضلا عن عدم امتلاكها لأدوات إدارة المخاطر بشكل كاف، وسيعتمد النمو في هذه الصناعة بدرجة كبيرة على الطريقة التي ستتعامل بها هذه المؤسسات مع المخاطر، فالعصر الاقتصادي الحالي هو عصر المخاطر، وفي حال لم تطبّق المعايير الرقابية الدولية على المؤسسات المالية الإسلامية، لن تحظ بقبول في الأسواق العالمية، وستنخفض قدراتها التنافسية على المدى الطويل5.حيث يجب6:

         - الاهتمام بمعايير كفاية رأس المال، والتطبيق الحرفي لمقررات لجنة بازل 2 وبازل 3، وما يتطلّبه ذلك من اهتمام لإدارة المخاطر من الناحية الكمّية والكيفية؛

         - تطبيق آليات الحوكمة والإدارة السليمة على المصارف الإسلامية بشكل أكثر إلزاما وتوسعا؛

         ويعدّ الاهتمام بإدارات المخاطر عنصرا حاكما لمستقبل المصارف الإسلامية، حيث تعدّ المصارف الإسلامية أقلّ عرضة للصدمات مقارنة بالمصارف التقليدية، نظرا إلى تحمّل العملاء عبء الخسائر، إلا أن ذلك يتطلّب من المصارف الإسلامية تجنّب المخاطر وسلامة الاستثمارات وتحسين كفاءة التشغيل.

- تحدي التكتل والاندماج: لقد تزايدت الأهمية النسبية للمصارف الإسلامية بصورة ملحوظة على المستوى المحلي والمستوى العالمي، ويظهر ذلك جلّيا من خلال تزايد أعدادها، ونمو موجوداتها وأرباحها بمعدلات تزيد عن نظيرتها التقليدية، وعلى الرغم من التطور الذي شهدته المصارف الإسلامية، من حيث زيادة أصولها ورؤوس أموالها، وبروز مصارف عملاقة في السنوات الأخيرة، إلا أن هذه المصارف ما زالت تعاني صغر أحجامها مقارنة بالمصارف العالمية، حيث أظهرت الدراسات أن قرابة 75% من المصارف الإسلامية، يبلغ رأسمال كل منها أقل من 25 مليون دولار أمريكي، مما يحول دون تحقيقها الأهداف التي أسّست من أجلها، ويعيق من نموّها7.

         بالإضافة إلى ذلك ضعف التنسيق والتحالف بين المؤسسات المالية الإسلامية، حيث أنه من الظاهر على العمل المصرفي الإسلامي بين المصارف العاملة، عدم التعاون والتكاثف والتحالف فيما بينها، حيث يؤكّد هذا، من تفرّد أكثر من مصرف في العمل وفي منطقة واحدة، وبدون أي تحالف يخدم سير العمل، أو يدعّم التكاثف في مواجهة اقتناص الفرص لتمويل المشروعات الكبرى، مما يفقدها القدرة على منافسة المصارف الأجنبية8.

لهذا فعلى المصارف الإسلامية أن تسعى إلى تحقيق الاندماج فيما بينها، لتكوين وحدات أقوى وأكثر فاعلية، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة حجمها، لتكون مؤهّلة وقادرة على تقديم تشكيلة واسعة ومتنوعة من الخدمات والمنتجات المالية المصرفية والاستثمارية، بتقنيات متطورة وتكاليف منخفضة، ونظرا إلى خصوصية المصارف الإسلامية باعتبارها مؤسسات تنموية بالدرجة الأولى، فإن زيادة حجمها من شأنه أن يؤدي إلى تعزيز دورها التنموي، وتحسين قدرتها على الدخول في أسواق التمويل الدولية، وفي الوقت نفسه إيجاد قنوات مناسبة لتوظيف فائض السيولة لدى بعض المصارف، في البلدان الراغبة في المصارف الإسلامية، وخصوصا الجاليات الإسلامية في الدول الغربية9.

- تحديات أخرى: بالإضافة إلى التحديات السابقة، هناك جملة من التحديات الأخرى التي فرضت نفسها أمام المصارف الإسلامية بسبب تحرير تجارة الخدمات المالية، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية10:

أ: تطوير النظم المؤسسية والقدرات البشرية: يعدّ تحسين الهياكل الإدارية للمؤسسات المالية الإسلامية أمرا ضروريا، لتحسين قدرة المصارف الإسلامية على المنافسة، كما أن حوكمة الإدارة تعدّ أمرا رئيسيا، في ظل وجود هيئات الفتوى والرقابة الشرعية، كعنصر حاكم في ترشيد القرارات وتطوير المنتجات، وتعد مسألة توفير الكوادر البشرية المؤهلة علميا ومهنيا، من أهم التحديات التي تواجه المصارف الإسلامية؛

ب:تطوير وابتكار أدوات ومنتجات قادرة على تلبية احتياجات الأسواق العالمية، بشرط أن تتوافق هذه المنتجات والأدوات مع أحكام الشريعة الإسلامية؛

ج: القدرة على استيعاب التطورات التكنولوجية:إذا أرادت المصارف الإسلامية مجاراة التطورات المصرفية العالمية، والمحافظة على دورها في أسواقها المحلية والخارجية، فإن عليها كذلك تطبيق التكنولوجيا المصرفية لمواكبة المنافسة؛

         وقد أدّت اتفاقية تحرير تجارة الخدمات المالية إلى تغيرات أساسية في نماذج العمل القائمة والمتطلّبات الرقابية، مما يفرض على المصارف الإسلامية أعباء تكنولوجية جديدة، مثل نظم إدارة السيولة وإدارة المخاطر، وتطبيق معايير المحاسبة الجديدة، مما يزيد ثقة المستثمرين ورفع قدراتها التنافسية.

د: التحديات التسويقية: وذلك من خلال إرضاء العملاء وإقناعهم بتميّز المنتجات المالية الإسلامية عن نظيرتها التقليدية، خصوصا بعد الشبهات التي أثيرت حول شرعية تعاملات المصارف الإسلامية، لذا لا بد من تنوير العملاء والاستماع إلى آرائهم، لتستطيع المصارف الإسلامية كسب المزيد من الزبائن، وبالتالي البقاء في السوق والقدرة على المنافسة.       

الخاتمة: من خلال ما سبق تمّ التوصل إلى جملة من النقاط يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

- أتاحت اتفاقية تحرير تجارة الخدمات المالية للدول ثلاث خيارات أساسية هي:

         - التحرير الكلّي لتجارة الخدمات المالية: ولن يكون هذا الخيار في صالح المصارف الإسلامية، لأنها غير قادرة على المنافسة ومواكبة المصارف العالمية؛

         - التحرير الجزئي لتجارة الخدمات المالية: ويكون هذا التحرير جزئيا، حتى تستطيع المصارف الإسلامية تهيئة نفسها لمواجهة المنافسة، ويعتبر هذا الإجراء الأنسب للمصارف الإسلامية، حيث يمكن أن تحرّر بعض الخدمات المصرفية التي تمتلك فيها هذه المصارف ميزة مطلقة أو ميزة نسبية في الوقت الحاضر، على أن يتمّ تحرير باقي الخدمات لاحقا؛

         - عدم تحرير القطاع المصرفي: حيث لا تتعهد الدولة بفتح قطاع الخدمات المالية المصرفية أمام المنافسة الأجنبية في الوقت الحاضر، الأمر الذي يوفّر نوعا من الحماية للمصارف الإسلامية، وقد يكون هذا الخيار في صالح المصارف الإسلامية، باعتبار حداثة تجربتها، وبالتالي لها الوقت لترتيب أوضاعها.

- إن لتحرير تجارة الخدمات المالية نتائج ايجابية على القطاع المصرفي الإسلامي، كزيادة المنافسة، وتخفيض تكلفة الخدمات، وزيادة معروض الخدمات المصرفية الإسلامية، وتحسين المهارات، والتطور التكنولوجي، وعولمة المنتجات المالية الإسلامية، إلا أن لها نتائج سلبية، خاصة بالنسبة للمصارف المتواضعة غير قادرة على المنافسة، أضف إلى ذلك ما يسبّبه التحرير المالي من أزمات مالية، وتهديدا للاستقرار المالي للدول، بسبب دخول وخروج رؤوس الأموال بشكل مفاجئ، كما قد يقلّ مستوى نشاط المصارف المحلية مقارنة بالمصارف الأجنبية، واكتفاء المصارف الإسلامية بالعمليات الأقلّ ربحية، أو دخولها في نشاطات أكثر مخاطرة، مما يهدّد سلامتها المالية، كما أن تحرير تجارة الخدمات المالية يعولم من نشاط المصارف في الدول المتقدمة، الأمر الذي لا يكون بالنسبة للمصارف الإسلامية في الدول النامية، بسبب تواضع إمكانياتها، وعدم قدرتها على المنافسة في الدول المتقدمة.

- لكي تستطيع المصارف الإسلامية البقاء في الساحة المصرفية ومواجهة تحديات اتفاقية تحرير تجارة الخدمات المالية، يجب عليها أن تتبنى العديد من الاستراتيجيات منها:

 - تطويروتحديث النظم المحاسبية الرقابية وإدارة المخاطر؛

 - زيادة مستويات التكتل والاندماج بين المؤسسات المالية الإسلامية؛

 - تطوير النظم المؤسسية والقدرات البشرية؛

 - تطوير وابتكار أدوات ومنتجات قادرة على تلبية احتياجات الأسواق العالمية، بشرط أن تتوافق هذه المنتجات والأدوات مع أحكام الشريعة الإسلامية؛

 - استيعاب التطورات التكنولوجية؛

 - إرضاء العملاء وإقناعهم بتميّز المنتجات المالية الإسلامية عن نظيرتها التقليدية.



1عبد المنعم محمد الطيب، أثر تحرير تجارة الخدمات المصرفية على المصارف الإسلامية، ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر العالمي الثالث للاقتصاد الإسلامي، جامعة أم القرى، مكةالمكرمة، 31 ماي - 3 جوان 2005، ص ص.23-26.

2انظر: - محمد صفوت قابل، أثر تحرير الخدمات المالية على البنوك الإسلامية، ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر العلمي السنوي الرابع عشر حول المؤسسات المالية الإسلامية: معالم الواقع وأفاق المستقبل، كلية الشريعة والقانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة، المجلد 5، 15-17 ماي 2005، ص ص.1821-1824؛

 - صفوت عبد السلام عوض الله، الآثار الاقتصادية للعولمة على القطاع المصرفي في مصر، القاهرة، دار النهضة العربية، 2003، ص ص.106-113؛

 - بنك الإسكندرية،النشرة الاقتصادية، إدارة البحوث والترجمة، المجلد 35، 2003، ص.9؛

 - ماجدة أحمد شلبي، مستقبل الصناعة المصرفية الإسلامية في ظل التحديات الدولية، ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر العلمي السنوي الرابع عشر حول المؤسسات المالية الإسلامية: معالم الواقع وأفاق المستقبل، كلية الشريعة والقانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة، المجلد 5، 15-17 ماي 2005، ص ص.1855-1858؛

 - خالد سعد زغلول حلمي، تفعيل أداء المصارف الإسلامية في ظل العولمة، مجلة المال والصناعة، بنك الكويت الصناعي، العدد 23، 2005، ص.37؛

 - أحمد سليمان خصاونة، المصارف الإسلامية "مقررات لجنة بازل، تحديات العولمة، استراتيجية مواجهتها"، أربد، عالم الكتب الحديث، 2007، ص.220.

3انظر: - صفوت عبد السلام عوض الله، مرجع سابق، ص ص.113-120؛

 - ماجدة أحمد شلبي، مرجع سابق، ص ص.1856-1858؛

 - محمد صفوت قابل، مرجع سابق، ص ص.1825-182؛

 - خالد سعد زغلول حلمي، مرجع سابق، ص ص.37-38؛

 - أحمد سليمان خصاونة، مرجع سابق، ص ص.220-221.

5سبائك للإجارة والاستثمار،ما تأثيرات الأزمة العالمية على الصناعة المالية الإسلامية، التقرير الخامس، أكتوبر 2008. من الموقع:

                        http://www.sabaek.com/v1/reports/Oct.2008.pdf

8المرجع نفسه.

9مصطفى العرابي، مرجع سابق، ص ص.19-20.

10انظر: - المرجع السابق، ص ص.21 – 24.

 - المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، مرجع سابق.