العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

قواعد العرف والعادة وأثرهما في المعاملات

د. أحمد ولد امحمد ولد سيدي

أستاذ متعاون في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلاميّة

للعرف والعادة أثر كبير في القواعد الفقهيّة، فلم يخل كتاب من كتب القواعد من قاعدة أساسيّة في العرف والعادة أو قاعدة من القواعد المتفرعة على قاعدة أساسيّة فيهما، وذلك لأن الأفعال العادية وإن كانت أفعالا شخصيّة حيويّة وليست من قبيل المعاملات والعلائق المدنيّة والحقوقيّة، عندما يتعارفها الناس وتجري عليها عادات حياتهم يصبح لها تأثير وسلطان في توجيه أحكام التصرفات فتثبت تلك الأحكام على وفق ما تقضي به العادة.

وعليه فسوف نتطرق إلى قاعدتي أساسيتين هما قاعدة العادة محكمة وقاعدة العرف كالشرط وأثرهما في المعاملات: 

المطلب الأول: " قاعدة العادة محكمة "

 أولاً: توضيح القاعدة العرف بالضم: يطلق في اللغة على معان عديدة أغلبها يحوم حول" كل ما عرفته النفس واطمأنت إليه، وجاء في لسان العرب: "والعرف والعارفة والمعروف واحد ضد المنكر، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتبأس به وتطمئن إليه".

وأمّا في الاصطلاح فقد عرفه كثير من العلماء والباحثين، ومن ذلك ما ورد في نيل السول على مرتقى الوصول من أن بعض المالكية عرفه بأنه: " كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة ". ولعل أقرب تعريف يمكن أن يستوحى من التعريفات والشرائط التي يذكرها الفقهاء والأصوليون هو أنه: "عادة جمهور قوم في قول أو فعل". 

العادة في اللغة: تطلق على تكرار الشيء مرة بعد أخرى، يدل على ذلك ما جاء في لسان العرب والقاموس المحيط: العادة الديدن، أما كلمة محكمة فهي اسم مفعول من التحكيم القضاء والفصل بين الناس، أي أن العادة هي المرجع للفصل عند التنازع. أما المراد بالعادة عند الفقهاء: فهي عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المقبولة عند ذوي الطبائع السليمة.

الفرق بين العُرف والعادة: اختلف العلماء في ذلك على أقوال: 

القول الأول: أنه لا فرق بينهما، أي: أنهما بمعنى واحد، وهذا هو رأي ابن عابدين الحنفي وغيره، حيث قال في تعريفه للعرف: فالعادة والعرف بمعنى واحد وإن اختلفا من حيث المفهوم ولذلك ورد في منظومة مرتقى الوصول:

العرف ما يغلُب عند الناسي  ومثله العادة دون باس 

وممن اختار هذا القول من المعاصرين العلامة والدكتور السيد صالح في أثر العرف. 

القول الثاني: أن العرف خاص بالأقوال والعادة خاصّة بالأفعال وهذا القصر لا معنى له، لأن الفقهاء من السلف والخلف أجروا العادة في الأقوال والأفعال معا. 

القول الثالث: أن بينهما عموما وخصوصا مطلقاً، فالعادة أعم من العرف مطلقا حيث تطلق على العادة الجماعيّة "العُرف" وعلى العادة الفردية. فكل عرف عادة ولا عكس وهذا القول هو الذي يتناسب مع ما سبق من تعريفات العرف والعادة.  

ثانياً: أدلّة القاعدة استدل العلماء لهذه القاعدة بالآيات التي دلت على مراعاة العرف والعادة منها: قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. فالآية تدل على اعتبار العرف، وهي أصل لهذه القاعدة كما ذكر كثير من العلماء.

وقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فقد فُسر المعروف بالمتعارف في عرف الشرع أو ما تعارف عليه الناس. 

ـ وأشهر ما يستدل به على هذه القاعدة من السنة: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأى المسلمون سيئا فهو عند الله سيء). وقد اعتبره عدد من العلماء أصلا لهذه القاعدة على اعتبار رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ـ وحديث عائشة رضي الله عنها أن هند قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرا؟ فقال: (خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف). 

قال النووي رحمه الله" في هذا الحديث فوائد منها: اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي". 

ولذلك يقول الإمام العيني: " كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي، أو وزني، فيعتبر في عادة كل أهل بلدة على ما بينهم من العرف فيه، لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية ". 

ثالثاً: المعنى الإجمالي للقاعدة يعد موضوع هذه القاعدة غضا يستجيب لحل الكثير من المسائل والحوادث الجديدة، ذلك لأنه يتضمن كثيرا من المسائل التي تتمتع بسعة ومرونة بجانب كونها محيطة بكثير من الفروع والمسائل. فمن أمعن النظر في هذه القاعدة أدرك سعة الآفاق الفقه الإسلامي وكفاءته الكاملة لتقديم الحلول الناجعة للمسائل والمشاكل المستحدثة وصلاحيته لمسايرة ركب الحياة، ومناسبته لجميع الأزمنة والأمكنة وهذا من أعظم عوامل القابلية للخلود في مباني الشريعة وفقهها، وعلى هذا الأساس قرر الفقهاء عليها أحكاما كثيرة.

وهكذا فإنا المعنى الإجمالي لهذه القاعدة أن الفقهاء من هذه القاعدة أنه يرجع في تحديد المراد من الألفاظ الشرعيّة والألفاظ التي يتعامل بها الناس وبناء الأحكام الشرعيّة عليها إلى عادة الناس وما تعارفوا عليه وذلك إذا لم يرد في الشرع تحديده، ولم يتضمن المعنى اللغوي للفظ تحديدا وتقديرا له. وهكذا فإن للعادة في الاعتبار الشرعي حاكمية تخضع لها أحكام التصرفات، فتثبت تلك الأحكام على وفق ما تقضي به العادة أو العرف إذا لم يكن هناك نص شرعي مخالف لتلك العادة.

رابعاً: موقف العلماء من القاعدة تُعتبر قاعدة "العادة محكمة" من القواعد الفقهيّة الكبرى المتفق عليها: يقول الإمام الشاطبي:" لولا أن اطراد العادات معلوم لما عرف الدين أصلا فضلا عن التعرف على فروعه لأن الدين لا يعرف إلا عند الاعتراف بالنبوة، ولا سبيل إلى الاعتراف بها إلا بواسطة المعجزة، ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق للعادة، ولا يحصل فعل خارق للعادة إلا بعد تقرير اطراد العادة في الحال والاستقبال كما اضطردت في الماضي". 

والفقهاء يقولون: في نزع الناس من عاداتهم حرج عظيم لمالها من القوة والتغلغل في الرؤوس. 

وهكذا يتبين مقدار تأثير الأعراف والعادات وسلطانهما في الأحكام وتسليم العلماء بذلك غير منكر، وهو تأثير يظل متجددا ما كان في الناس أعراف وعادات وما تجددت الحياة وبرزت أعراف جديدة كلما تقدّمت بهم وسائل الحياة والإنتاج، وتبدلت أساليب المعيشة واتسع العلم والعمران.

وقدْ وضع العلماء شروطاً للعُرف حتى يكون معتبرا نلخصها فيما يلي:

1 ـ أن يكون العُرف مطرداً أو غالباً.

2 ـ أن يكون العُرف الذي يراد تحكيمه في التصرفات قائما عند إنشائها. 

3 ـ أن لا يعارض العُرف بتصريح بخلافه. 

4 ـ أن لا يعارض الأدلة الشرعيّة بحيث يكون العمل به تعطيلاً لها.

خامساً: الفروع الفقهيّة المبنية على القاعدة 

ـ من الفروع الفقهيّة المبنية على هذه القاعدة: أن لو أراد اليتيم أن يتصدق عن يتيمه لينتفع ببركة الصدقة وذلك في اليسير الذي جرت العادة بالمسامحة فيه والأصل في جواز ذلك قول الله عز وجل: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ لأنه إذا جاز للوصي أن يأكل بالمعروف من مال يتيمه كان أحرى أن تجوز له به الصدقة عن اليتيم لما يرجوه له في ذلك من الأجر والثواب.

ـ ومنها: الحرز في السرقة، والتفرق في البيع، والقبض، ووقت الحيض، وقدره وانتفاع المستأجر بالعين المؤجرة، والحرز في الوديعة ليعلم المتعدي والمفرط، وإحياء الأرض الموات، فكل هذه أمور لم يجعل الشرع لها حدا أو ضابطا، فيكون الرجوع في حدها إلى العرف.

ـ ومنها: ما ورد: من أنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى اعتبار الحرز، في حديث الجرين، ولم يبين صفته ووكله إلى اجتهاد العلماء، ليعظم أجرهم. 

والقاعدة:" أن كلما لم ينص على ضبطه يرجع فيه للعادة كالنفقات وغيرها، فحرز كل شيء على حسبه عادة".

سادساً: مستثنيات القاعدة 

ـ من مستثنيات هذه القاعدة بيع المعاطاة: فقدْ استثناه الشافعيّة عملا بالقياس على النكاح على الرغم من رجوعهم إلى العرف في كل ما ورد به الشرع مطلقا ولا ضابط له في اللغة ولا في الشرع. يقول الإمام السيوطي في الأشباه بعد أن ذكر جملة من الأمثلة التي يرجع فيها الشافعية إلى ضبطها بالعرف وخرجوا عن ذلك في مواضع لم يعتبروا فيها العرف مع أنها لا ضابط لها في الشرع ولا في اللغة، منها بيع المعاطاة على أصل المذهب فلا يصح بيعها ولو اعتيدت. 

" المطلب الثاني قاعدة العرف كالشرط".

أولاً: توضيح القاعدة الشرط في اللغة: فهو من شرط يشرط بالتحريك وهو العلامة والجمع أشراط ومنه قوله تعالى: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا  ومنه الاشتراط الذي يشترط الناس بعضهم على بعض أي هي علاقات يجعلونها بينهم والشين والراء والطاء يدل على علم وعلامة وما قارب ذلك من علم ومنه الالتزام في البيع ونحوه، فالمعروف المعتاد بين الناس، وإن لم يذكر صريحاً، فهو بمنزلة الصريح لدلالة العُرف عليه، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرعا، وجعل العرف بمنزلة الشرط. يدل على أن ما تعارف الناس عليه من أمورهم ومعاملاتهم، فإنه يلزم الوفاء به نفيا أو إثباتا ما لم ينص المتعاقدون على خلاف مقتضى المعروف، وأن شأن ذلك شأن الشروط الجعلية الصحيحة بين المتعاقدين".

ثانياً: أدلّة القاعدة من أهل العلم من يرى أن العرف دليل شرعي، وأصل تبني عليه الأحكام الشرعية التي لم يرد في الشرع تحديد لها، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة والمعقول.

ـ من الكتاب: قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، فقد استدل به القرافي في الفروق، في مسألة اختلاف الزوجين في متاع البيت حيث قال:" فكل ما شهدت به العادة قضي به لظاهر هذه الآية، إلا أن يكون هناك بينة". وقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، قال ابن العربي في هذه الآية:" وحمل على العرف والعادة في مثل ذلك العمل، ولولا أنه معروف ما أدخله الله تعالى في المعروف". ولما كان الأخذ بالأعراف الصحيحة يدفع الحرج والمشقة عن الناس ويلائم حاجاتهم، فقد راعت الشريعة الإسلامية بعض الأعراف العربية كإيجاب الدية في القتل الخطأ على العاقلة. وتقرير الكفاءة في الزواج... أما الأعراف الفاسدة فلم تقرها الشريعة كالربا والميسر وشرب الخمور ووأد البنات وحرمان النساء من الميراث.

ـ من السنة: حديث: (حجم أبو طيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه).

ووجه الاستدلال منه: قال في فتح الباري "ووجه دخوله في الترجمة ــــ وهي باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة ـــ ظاهر من جهة أنه لم يشارطه اعتمادا على الأجرة المتقدمة وزاده بعد ذلك على الأجرة المذكورة على طريق الفضل". 

ـ من المعقول: الشريعة الإسلاميّة هي الشريعة الخالدة، ومقتضى خلودها، أن تكون شاملة صالحة، وهذا الشمول والصلاح يكمن في قواعدها العامة ومقاصدها الكليّة التي يندرج تحتها حكم كل ما وجد وما سيوجد من الجزئيات في كل عصر ومصر وفي كل زمان ومكان، ومن رحمة الله أن كانت كذلك حتى يستطيع المفتي والقاضي بما أوتيا من فهم ثاقب وبصيرة نيرة، تطبيقها على جزئيات الحوادث والوقائع مهما تغير الزمن أو اختلف المكان، والعرف من تلك القواعد التي اعتبرتها الشريعة وأحالت عليها في كثير من الأحكام.

أهميّة قاعدة العرف في هذا العصر.

إنّ أهميّة العرف في هذا الزمان كبيرة؛ إذ صار لكل فن من فنون الحياة أعراف تقوم مقام الشروط، فالتجار لهم أعرافهم، والشركات على شتى أنواعها لها أعرافها، والبنوك لها أعرافها ونظام المرافعات، والمحاكمات لها أعرافها إلى غير ذلك، وهذه الأعراف يلزم المتعامل الالتزام بها لأنها ملزمة، كما أن الشروط المتفق عليها بين الطرفين ملزمة، فالوقوف على هذه الأعراف ومعرفتها يعتبر شرطا للدخول في أية معاملة. كلما ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم أو اعتادوا التعامل عليه لا يحتاج إلى ذكر صريح في العقد، وهو يقوم مقام الشرط في الالتزام والتقييد إذا توفّرت فيه شروط اعتبار العرف المتقدمة. 

ثالثاً: المعنى الإجمالي للقاعدة هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة "العادة مُحكمة" وتتفرع عنها، لأنها تُعبَّر عن سلطان العرف العملي وأثره في إنشاء الحقوق والالتزامات، فالعُرف يُنظَر إليه باعتباره مُكمِّلاً للعقد، ما لم يتفق على خلافه، أمّا إذا صرح المتعاقدان بخلافه فهما على ما اشترطا. 

رابعاً: الفروع الفقهيّة المبنيّة على القاعدة 

ـ ومنها: ما ذكره في كتاب الجوائح " أن البائع إذا باع ثمرة واجتاحتها الجائحة بعد انتهاء طيبها قبل أن يمضي من المدّة ما يمكنه فيه جذها أنها لا تدخل في ضمانة، ويرتفع عن البائع حكم الجائحة حتى يمضي من المدّة بعد انتهاء طيبها ما جرى عليه العرف من التراخي في ذلك، واشترى عليه المشتري، ودخل عليه البائع، لأن العرف البين عندهم كالشرط، وهذه مسألة جيدة مستقصاة محصلة غاية التحصيل لم أرها مجموعة ولا محصلة ملخصة لمتقدم ولا سمعتها من متأخر".

ـ ومنها: لزوم تعجيل الكراء إذا كان عرفا ولم يشترط.

ـ ومن الفروع الفقهية المعاصرة لهذه القاعدة: أن من اشترى سيارة دخل فيها عدتها ومفاتيحها وعجلاتها الاحتياطيّة بدون ذكر، للعرف المتداول والعادة الجارية.

الخاتمة:

في نهاية هذه الورقة يمكن القول بأنّ قواعد العُرف والعادة تشكل أهميّة كبيرة في المعاملات، وذلك لأن الأفعال العاديّة وإن كانت أفعالاً شخصيّة حيويّة وليست من قبيل المعاملات والعلائق المدنيّة والحقوقيّة، عندما يتعارفها الناس وتجري عليها عادات حياتهم يصبح لها تأثير وسلطان في توجيه أحكام التصرفات فتثبت تلك الأحكام على وفق ما تقضي به العادة.

وتظهر أهمية هذه القواعد أكثر في هذا العصر؛ إذ صار لكل فن من فنون الحياة أعراف تقوم مقام الشروط، فالتجار لهم أعرافهم، والشركات على شتى أنواعها لها أعرافها، والبنوك لها أعرافها ونظام المرافعات، والمحاكمات لها أعرافها إلى غير ذلك، وهذه الأعراف يلزم المتعامل الالتزام بها لأنها ملزمة، كما أن الشروط المتفق عليها بين الطرفين ملزمة، فالوقوف على هذه الأعراف ومعرفتها يعتبر شرطا للدخول في أية معاملة.