العدد الحالي: نوفمبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

إشكالات إجارة الخدمات الموصوفة في الذمّة وحلولها (3)

د. علي أبو العز

مدير دائرة التدقيق الشرعي الداخلي – البنك الإسلامي الأردني

أشرت في نهاية المقال السابق إلى أنني في هذا المقال سأستكمل الحديث عن أبرز إشكالات تمويل الخدمات السياحيّة، وخدمات الحج والعمرة المنفذة وفقاً لصيغة إجارة الخدمات الموصوفة في الذمة، وأبدأ بمنتج تمويل خدمات السياحة والسفر:

1- تمويل خدمات السياحة والسفر:

السياحة سمة العصر الذي نعيشه، ويبلغ حجم الإنفاق الإجمالي عليها أو الدخل الناتج منها في أكثر دول العالم مبالغ طائلة، والتغير الذي طرأ على نشاطها انعكس بدوره على الالتزامات التي يولدها العقد، وعلى تشابك وتعدّد العلاقات التي يجمعها.

ومن أبرز إشكالات العقد والتمويل ما يأتي:

1/1 التأصيل الفقهي للعلاقات الناجمة عن عقد السياحة والسفر:

العقد الذي يبرمه البنك مع مكاتب أو وكالات السياحة والسفر ليس عقداً واحداً، وإنما هو مركب أو مزيج من عدّة عقود، وتكييفه أكثر صعوبة من العقد التي يشتمل على التزام واحد محدد، ولا يخفى بأن الغرض الأساسي الذي يقصده المتعاقدان هو تقديم رحلة هادئة لقاء مبلغ معيّن()؛ وهذا هو الوصف الجوهري الذي يتميّز به هذا العقد عن سائر العقود التي قد تختلط به أو تتشابه معه، وهذا الغرض يستتبع التزامات أخرى لازمة له؛ كحجز التذاكر للعميل على وسائل النقل المختلفة، والحصول على التأشيرات، وخدمات الإعاشة والمبيت، ويتعاقد المتعامل مع الوكالة (المكتب السياحي) على الرحلة بمشتملاتها بعقد واحد، وبثمن واحد، ولا يفرد كل واحدة من تلك الخدمات بعقد يناسب موضوعها، فكيف تجتمع عدّة عقود في عقد واحد رغم وجود تعارض فيما بينها؟ وهل تنطبق جميع أحكام هذه العقود في آن واحد؟ أم تطبق أحكام العقد الأساسي على المتعاقدين فقط بحيث لا يكون لأحكام العقود الأخرى أي فاعليّة في هذه العلاقة، وما التسمية المناسبة التي يمكن إطلاقها على هذا العقد المختلط ؟

إنَّ إبرام عقد واحد على مجموعة من الخدمات لا يعني وحدة التكييف في جميع الحالات، ولا توجد صعوبة في التكييف إذا ما اقتصر الدور المنوط بالوكالة (المكتب السياحي) على مجرد التوسط بين العميل وغيره لحجز تذاكر السفر أو لحجز غرفة له في فندق ما، وإنما تثور الصعوبة في الرحلات الشاملة التي يتعدّد فيها دور الوكالة (المكتب السياحي) بين الوكالة والإجارة والبيع، ومع ذلك لا نرى غضاضة في إطلاق اسم العقد الذي يحتضن الغرض الأساسي الذي يقصده المتعاقدان على العلاقة الناشئة بينهما، تطبيقاً لقاعدة فقهيّة مُستقرّة، وهي تبعية الفرع للأصل، والتبع تابع، فيكون العقد إجارة على الرغم من انطوائه على وكالة وبيع، وقد اقترب الفقه الإسلامي قديماً من ذلك عندما غلب عنصر العمل على عنصر الوديعة، فأطلق على العقد الذي يسلم فيه شخص مثلاً قطعة قماش لمَن يخيطها له قميصاً بأنه إجارة، ويكون القماش في يده أمانة (وديعة)، فباعتبار العمل وهو المقصود الأكبر يكون إجارة، وباعتبار أن من لوازم العمل بقاء القماش في يده يكون العقد وديعة، كما أطلقوا على العقد الذي يشتري فيه شخص قمحاً على أنْ يطحنه البائع (بيعاً) على الرغم من انطوائه على عقد إجارة على عمل الطحن، لكنهم غلبوا كونه بيعاً باعتبار البيع هو المقصود الأكبر للمتعاقدين، والعمل تبع له، وقيمته ضئيلة جداً بالنسبة لقيمة المبيع، فالمنطق يقضي إطلاق العقد الذي يمثل الغرض أو المقصود الأكبر للمتعاقدين على المعاملة بينهما، وتخل الالتزامات الأخرى ضمناً في العقد على سبيل التبعية لا الأصالة.

والالتزام الرئيس المتمثّل بتقديم الرحلة يكيف على أساس عقد (إيجار العمل)، باعتبار أن عنصر العمل في هذا العقد غالب على كثير من الالتزامات الأخرى الواقعة على غير العمل، ونزيد الأمر إيضاحاً بإيراد الالتزامات التي يتضمنّها العقد وتوصيفاتها الفقهيّة:

أولاً: عقد وكالة في حال قيام المكتب السياحي بالحصول على تأشيرات الدخول والخروج إلى البلاد التي يتطلّب السفر إليها ذلك.

ثانياً: عقد إجارة (نقل) واقع على نتيجة معيّنة، في حال تعهد المكتب للسائح نقله إلى بلد معين، ولا يختلف الحكم لو كانت وسيلة النقل مستأجرة أو مملوكة للمكتب، والمعقود عليه في عقد النقل إنما يكون معلوماً بأحد وسيلتين: إما بيان مدة معلومة، وإما بتسمية مكان معلوم، وعادة يتم الجمع ما بين المدة والنتيجة في عقد واحد، فيجري إبلاغ المسافر بأن رحلته إلى المكان الفلاني تستغرق بالساعة والدقيقة كذا وكذا، وهذا التحديد الزماني تقريبي لا معياري، وأما التحديد المكاني فهو المعيار الذي يتحدد به محل العقد().

فعقد النقل على عكس عقد الوكالة؛ فالوكالة ترتب على عاتق الوكالة السياحيّة (المكتب) التزاماً بأنْ يبذل في تنفيذ العقد عناية الشخص العادي؛ وبذلك يكون المكتب قد أوفى بالتزامه إذا بذل في تنفيذه العناية المعتادة حتى لو لم يتحقق الغرض المقصود، إلا إذا تضمن العقد المبرم بين المكتب والعميل الاتفاق على غير ذلك، بينما يلتزم المكتب في عقد النقل بتحقيق نتيجة؛ وهي إتمام النقل في الميعاد المتفق عليه أو المنصوص عليه في العقد أو بما يقضي به العرف، فإذا حصل تأخير غير مبرر، فإن الوكالة السياحيّة تكون مسؤولة عن تعويض العميل عن الضرر اللاحق به، ولا مهرب لها من المسؤوليّة ما لم تثبت أنها بذلت الجهد المطلوب بتقليل فترة تأخر المسافرين، كما تلتزم بتوفير الدرجة المتفق عليها في تذكرة الرحلة، فإنْ لم تستطع فإنها تكون مسؤولة عن دفع فرق الأجرة بين الدرجة المتفق عليها والدرجة التي استخدمها العميل فعلاً؛ لفوات وصف مقصود للعميل، وله حظ من الثمن، فإن ثمن التذكرة يتضمّن قيمة المقعد ودرجته، حيث إن قيم التذاكر تتفاوت من درجة لأخرى، وكل ما أوجب نقصان الثمن أو القيمة في العرف، فهو عيب، وللعميل أنْ يرضى بالمقعد مع المسامحة في المطالبة ويعتبر هذا من قبيل حسن الاقتضاء، وله دفعاً للضرر عنه الخيار بالمطالبة ببدل الدرجة الفائتة، أو عدم المضي مع وكالة السياحة ().

ثالثاً: عقد وديعة؛ فالأمتعة المعهود بها إلى شركة الطيران أو وكالة السفر لتتولى نقلها إلى الجهة التي يريد السفر إليها أو ليجدها في غرفته بالفندق، مقابل عمولة محدّدة عادة ما تكون مضافاً إلى أجرة الرحلة أو ثمن التذكرة، تعد وديعة، ويكون العميل مودعاً، ووكالة السفر أو شركة الطيران مودعاً لديه، والعقد وديعة، وتبقى في عهدة الناقل إلى أنْ يتسلمها العميل بمحطة الوصول()، مع ملاحظة أن أي خطأ ترتكبه شركة الطيران ويثبت عليها، تتحمل هي تبعاته، وتكون الوكالة السياحيّة مسؤولة أمام العميل عن الأضرار التي لم تقم شركة الطيران بتعويضه عنها أو في حال كان تعويضها مجافياً للعدالة، كما لو أصيب خلال الرحلة بمكروه، وثبت أن الإصابة وقعت بسبب تقصير الناقل أو تعديه؛ هو أو تابعيه، كعدم فحص وسيلة النقل، أو تجاوز السرعة المقررة قانوناً، على أن المسؤولية محدودة في الفقرة الزمنيّة بين بدء تنفيذ عقد النقل؛ أي من وقت دخول العميل إلى وسيلة النقل وتنتهي بخروجه منها().

رابعاً: عقد إجارة على عين موصوفة في الذمة يتمثل بخدمة حجز الغرف الفندقيّة للسائحين.

خامساً: عقد بيع في حال الالتزام بتقديم وجبات طعام للسائح أثناء السفر والإقامة الفندقيّة.

وفي جميع مراحل الرحلة قد تتعاقد وكالة السياحة والسفر (المكتب) مع مقدمي الخدمة بالأصالة عن نفسها، وقدْ تتعاقد معهم مستخدمة اسم العميل لتسهيل عملية حصوله على الخدمة إذا لم تكن الوكالة حاضرة معه خلال الرحلة، وعادة ما يكون للوكالات السياحيّة المحليّة وكلاء في الخارج يتعاقدون بالنيابة عنها لحجز الخدمات التي تطلبها، ولا يمنع ذلك من أنْ يكون العقد الأول المبرم بين العميل والوكالة السياحية عقد إجارة، وتكون العقود التي تبرمها الوكالة مع مقدمي الخدمات بنفسها أو بواسطة وكلائها موازية للعقد الأول في مراحل التزاماته المختلفة.

وعليه؛ فإذا أخطأ وكيل السياحة الخارجي مع العميل؛ ولم يوف له بحقوقه الناشئة عن العقد السياحي الشامل؛ كأن يختار الوكيل الخارجي للعميل فندقاً يقدم خدمات رديئة، أو دون الدرجة والمواصفات المطلوبة، ففي هذه الحالة يحق للعميل المضرور الرجوع على المكتب (الوكالة المحليّة) لا على الوكيل الخارجي، ما لم يكن حاصلاً على تفويض من الوكالة المحليّة بمطالبته ومقاضاته.

ويظهر بوضوح اشتمال العقد أو الصفقة الواحدة على مجموعة من العقود والالتزامات، وبعض هذه الالتزامات لا يتعدّى كونه التزاماً ببذل عناية بصرف النظر عن النتائج، وبعضها الآخر يتعلق بتحقيق نتيجة، ولا غرابة أنْ يشتمل العقد الواحد على التزامات عدّة من طبيعة مختلفة، وقد أوضحنا سابقاً أن في الفقه الإسلامي أمثلة تؤكد وجود عقود يشتمل الواحد منها على التزامات عدة من طبيعة مختلفة بحيث يكون بعضها ببذل عناية، وبعضها بتحقيق نتيجة؛ كعقد الأجير المشترك الذي يجمع بين عقدي العمل والوديعة؛ فالأعيان التي يتسلّمها ليعمل فيها تكون وديعة لديه، والغاية أو النتيجة التي يتعهد بتحقيقها إجارة.

ويرى الباحث أن تخريج العقد السياحي الشامل على عقد الجعالة باعتباره وارداً على نتيجة معلومة وهي تقديم رحلة هادئة بمواصفات محدّدة؛ يحقق وحدة الصفقة، ويتخطى إلى حد ما عقبات الخلاف الدائر بين الفقهاء حول تداخل العقود وتعددها وتشابكها في الصفقة الواحدة، بالإضافة إلى انخرام شروط بعضها وعدم إمكانيّة تحقيقها، كيع الطعام الفندقي وهو بالنسبة للمتعاقدين غير معين ولا معلوم ولا حتى موصوف، كما أنه بيع للسائح بثمن غير معلوم كونه مدمجاً بالأجرة الإجماليّة.

2/1 ارتفاع التكاليف أو انخفاضها عقب العقد:

قدْ يحدث أحياناً بعد إبرام العقد أنْ ترتفع التكاليف من حجز ونقل ومبيت وغيرها أو تنخفض، والقاعدة العامّة أنه لا يجوز للعميل عند ارتفاع التكاليف أنْ يطلب فسخ العقد والتحلل من التزاماته، كما لا يجوز لمقدم الخدمة أنْ يطلب عائداً زائداً على ما تمَّ الاتفاق عليه ما لم يرض به العميل، إلا إذا كان ارتفاع التكلفة مرهقاً للمؤجر (المدين) بحيث يهدده بخسارة فادحة، وكان حاصلاً بسبب ظروف استثنائيّة لا يد له فيها، ولم يكن في الوسع توقعها، وحينئذ يجوز للقاضي إما إنقاص برامج الرحلة أو زيادة المقابل الذي يدفعه العميل ثمناً للرحلة، كما لا يجوز للعميل عند انخفاض التكاليف أنْ يطالب بإنقاص المقابل.

فالنظريات الفقهيّة مثل: الضرورة، ووضع الجوائح، ورعاية الأعذار()، ونحوها من النظريات المرنة القائمة على مبادئ العدالة والإحسان والمصلحة ودفع الضرر، توجب التخلي عن الالتزام بموجب الاتفاقات المدونة في العقد، والاحتكام إلى القضاء لإنقاذ المضرور بتعديل الالتزامات المرهقة وردها إلى الحد المعقول الذي يتناسب مع حدود استطاعته، فإنْ تعذَّر ذلك؛ فلا مناص حينئذ من فسخ العقد؛ وقد انتهى مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة المنعقدة بتاريخ 10/2/1982 بعد دراسة مستفيضة زاخرة بالنصوص والقواعد التي تنير طريق الحل الفقهي لهذه القضية بالغة الأهميّة إلى القرار التالي:

  1. في العقود المتراخية التنفيذ ( كعقود التوريد والتعهدات والمقاولات) إذا تبدلت الظروف التي تم فيها التعاقد تبدلاً غَيَّرَ الأوضاع والتكاليف والأسعار، تغييراً كبيراً، بأسباب طارئة عامة، لم تكن متوقّعة حين التعاقد، فأصبح بها تنفيذ الالتزام العقدي، يلحق بالملتزم خسائر جسيمة غير معتادة، من تقلبات الأسعار في طرق التجارة، ولم يكن ذلك نتيجة تقصير أو إهمال من الملتزم في تنفيذ التزاماته، فإنه يحق للقاضي في هذه الحالة عند التنازع، وبناء على الطلب، تعديل الحقوق والالتزامات العقديّة، بصورة توزع القدر المتجاوز للمتعاقد من الخسارة على الطرفين المتعاقدين، كما يجوز له أن يفسخ العقد، فيما لم يتم تنفيذه منه، إذا رأى أن فسخه أصلح وأسهل في القضيّة المعروضة عليه، وذلك مع تعويض عادل للملتزم له، صاحب الحق في التنفيذ، يجبر له جانبا معقولاً من الخسارة، التي تلحقه من فسخ العقد، بحيث يتحقق عدل بينهما، دون إرهاق للملتزم، ويعتمد القاضي في هذه الموازنات جميعاً رأي أهل الخبرة الثقات.
  2. ويحق للقاضي أيضاً أن يمهل الملتزم إذا وجد أن السبب الطارئ قابل للزوال في وقت قصير، ولا يتضرر الملتزم له كثيراً بهذا الإمهال.

3/1 إلغاء الرحلة أو تعديلها:

قدْ يحدث أن تقوم الوكالة بإلغاء الرحلة أو تعديل بعض برامجها دون إلغائها بالكامل، فما الذي يرتبه هذا الإجراء على العلاقة الناشئة بين الوكالة وعميلها ؟.

ذكرنا أنَّ عقد الرحلات السياحيّة يدخل في زمرة عقود الإجارة، وهي من العقود الملزمة للجانبين، ولا تفسخ إلا برضا طرفيها، كما لا تنفسخ إلا إذا طرأ ظرف بعد إبرام العقد يجعل تنفيذه غير ممكن أو مرهقاً لطرفيه أو أحدهما؛ كحدوث كوارث أو اضطرابات قانونيّة أو فقدان جواز السفر أو صدور قرارات بمنع استقبال السياح من بلد/ بلاد معينة، ولا يجوز في هذه الحالة للدائن (السائح) مطالبة الوكالة السياحيّة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به بسبب تفويت الرحلة.

أما إذا كان الإلغاء من جانب الوكالة لمجرد تقاعسها عن التنفيذ، أو قامت بتعديل بعض البرامج الأساسيّة في الرحلة، فإن ذلك يسوغ للعميل الذي حصل الإخلال بحقوقه المطالبة فضلاً عن فسخ العقد، بتعويضه عما أصابه من ضرر نتيجة عدم تنفيذ الرحلة؛ كضياع أيام إجازته سدى إذا كانت إجازته بلا راتب، أو ارتفاع أسعار الرحلات بعد فسخ الرحلة الأولى، ويستحق تعويضاً بمقدار الزيادة الحاصلة على أسعار الرحلات؛ قياساً على التعويض الذي يحصل عليه البائع في حال نكول المشتري عن إتمام تنفيذ العقد، وقياساً على الوعد بالاستئجار الذي أجاز هيئة المحاسبة والمراجعة (الأيوفي) بموجبه للمؤسّسة الماليّة أنْ تستوفي من الواعد إذا نكل عن وعده بالاستئجار مبلغاً يعادل الفرق بين تكلفة شراء العقار والثمن الذي بيع به للغير، أو الفرق بين تكلفة العين ومجموع الأجرة الفعليّة التي تم تأجير العين على أساسها للغير()، لأنه إذا جاز تحميل الضرر على الواعد لا العاقد فالعاقد من باب أولى، ولأن المسألة مرتبطة بالضرر الفعلي لا بعقد ولا بوعد. 

وأما تعديل بعض برامج الرحلة؛ كتقصير مدة الرحلة أو تغيير أماكن الإقامة المتفّق عليها أو إلغاء بعض المزارات أو استبدال برنامج ببرنامج، فتطبيقاً للأحكام العامة لعقد الإجارة لا يجوز للوكالة السياحيّة أن تستقل بإرادتها المنفردة بهذا التعديل سواء بالإضافة أو بالحذف أو بالاستبدال؛ لأنها تلعب في العقد دور المؤجر، وعقد الإجارة من العقود الملزمة للمتعاقدين على حد سواء، ولهذا يكون من حق المستأجر في حال التعديل الجوهري إما فسخ العقد أو استرداد ما يقابل الجزء من الرحلة الذي تمَّ إلغاؤه أو تعديله، ويبطل أي شرط تقصد به الوكالة الحد أو إعفاء نفسها من المسؤوليّة؛ لمنافاته لمقتضى العقد.

وإذا كان من ضمن برنامج الرحلة زيارة عدد من المواقع الأثرية والسياحيّة، لكن الشركة أوفت ببعضها فقامت بتمكين المتعامل من زيارة معظمها أو بعضها، فلا يجوز للعميل أنْ يطلب فسخ العقد ويتمسّك بعدم تنفيذ الوكالة لِمَا أوجبه العقد عليها؛ إذ ليس من العدل لمجرد عدم تنفيذ أحد الأداءات أو الخدمات فسخ عقد استمرَّ لمدة طويلة قد تكون أطول من التي بقت، ونفذت بمقتضاه خدمات كثيرة، خاصة إذا كان الذي لم يتم تنفيذه من الأعمال لا يمثل عنصراً أساسياً في العقد، وإنما يفسخ في حدود ما لم ينفذ فقط()، أما إذا كانت الأعمال غير المنفذة هي الباعث على التعاقد وسبب وجوده، فلا مناص حينئذ من فسخ العقد كله؛ لفوات المنفعة التي هي محله ومورده.

كما تكون الوكالة مسؤولة أمام العميل فيما لو حجزت له تذكرة لكنها لم تؤكد الحجز مما أدّى إلى إلغاء الحجز وفوات الرحلة، لكونها لم تبذل العناية الجادة المعتادة، وقصرت تقصيراً أضر بمصلحة عميلها، فوجب عليها أن تعوضه عما لحقه من ضرر؛ لأن فوات الرحلة بسبب تقصيرها، وهي ضامنة ما ينشأ عن ذلك من أضرار بحسب القواعد العامّة لعقد الإيجار في الفقه الإسلامي.

4/1 تعليق الرحلة على شرط:

قد يحدث – في فرض آخر- أنْ تعلق الوكالة تنفيذ العقد المبرم مع عميلها على توافر التأشيرة، أو عدد من المشتركين، فإذا لم يتوافر العدد المطلوب، أو تعذر الحصول على تأشيرة الدخول؛ يفسخ العقد، ويسترجع العميل المبالغ التي سبق له دفعها.

قدْ يطبق على هذا الفرض نظريّة الظروف الطارئة؛ حيث إن تعذر المضي بموجب العقد حدث بسبب خارج عن إرادة المتعاقدين ولا سبيل لهما إلى دفعه، وعليه ينفسخ العقد تلقائياً، ولكن هل يصح الدخول مبدئياً بعقد اشتمل على هذا الشرط؟

التعليق في عقود المعاوضات يفسدها عند جمهور الفقهاء()؛ والإجارة عقد معاوضة تنتقل فيه ملكيّة المنفعة إلى المستأجر، وانتقال الأملاك لا يكون إلا مع الرضا، والرضا يكون مع الجزم، ولا جزم مع التعليق، والتعليق يوجب في العقد غرراً بحصول الأمر المعلق وإتمام العقد، أو بعدم حصوله وفشل الصفقة.

ويرى ابن تيمية وابن القيم() جواز العقد المعلق على شرط؛ لأن الأصل الجواز، وليس في الأدلة الشرعيّة ما يمنع صحته، ولأن ابن مسعود أفتى بجوازه حينما سؤل عمن باع جارية واشترط على مشتريها أنه إنْ باعها فهو أحق بها بالثمن، كما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه علق عقد المزارعة على شرط، وهذا هو الراجح من حيث الأدلّة.

5/1 الإعلانات الترويجيّة للمنتجات السياحيّة:

أريد هنا مناقشة ما إذا كانت الإعلانات السياحيّة إيجاباً أم دعوة للتعاقد ؟

الوثائق الإعلانيّة كالكتالوج والنشرات يتحدد بها محل العقد بدقة، حيث تتضمن في العادة وصفاً دقيقاً للمحل والأسعار، ولها قيمة تعاقديّة كبيرة، وهي ملزمة للمعلن الموجب فيما تتضمنه من بيانات، ويقع عليه عبء الالتزام بتنفيذ ما ورد فيها، ولا يجوز له العدول عما ورد فيها من معلومات محدّدة عن الرحلة أو البرنامج ومواعيده وثمنه وتفاصيله، والقول بغير ذلك من شأنه الإضرار بمصلحة العميل، بل يفقدها المصداقيّة ويجعلها موضع شك لدى الجمهور، ولذا فهي إنْ لم تكن إيجاباً بالنسبة للوكالة إنْ لم تكن هي البادئة به، فهي جزء من إيجاب العميل.

وتقوم بعض الوكالات السياحيّة لدى اتصال العميل بها أو زيارته لها بإجراء حجز مبدئي له على متن رحلة ما، ولا تأخذ منه مقابل ذلك أي مبالغ ماليّة، وتمنحه فترة أو مهلة يتدبر خلالها أمر التعاقد النهائي على الرحلة، ثم لا بد أنْ يقرر إما تأكيد الحجز أو إلغائه دون أي تبعات ماليّة، فإذا مضت المدة ألغي الحجز تلقائياً، فهذه الحيثيّة لا تخرج عن كونها وعداً بالتعاقد تنطبق عليه أحكامه.

وإذا كانت الوكالة خلال هذه الفترة ترفض أي حجوزات معروضة عليها على ذات المقعد الذي حجزه العميل، ولا تمتنع عن تأكيد حجزه عند إرادته ذلك؛ فإنَّ ذلك يعتبر إيجاباً ملزماً من جهتها، وتنطبق عليه أحكامه، وأما إذا كانت الوكالة تقبل أي حجوزات على ذات المقعد، ولا تمتنع عن أي عمل من شأنه الحيلولة دون إبرام العقد النهائي مع العميل، وقد تعتذر له عن عدم تأكيد الحجز فيما لو أراده خلال المدة الممنوحة له، فإنَّ الحجز يعتبر مجرد وعد بالتعاقد، وبالتالي فإنَّ إبداء العميل رغبته بحجز المقعد يعتبر إيجاباً لا يتم به العقد إلا إذا اقترن بقبول الوكالة السياحيّة.

2- تمويل خدمات الحج والعمرة:

يتعاقد البنك مع الجهة المزودة بالخدمة مقابل أجرة تُدفع لتلك الجهة عند توقيع العقد، بحيث تُصبح تلك الجهة ملتزمة بتقديم خدمة معيّنة في زمن معين ولأشخاص يتم تحديدهم من قِبَل البنك (مشتر الخدمة)، على أنْ يقوم البنك بإعادة تأجير خدمات تلك الجهة بأجرة أعلى لمَنْ يرغب في الحصول عليها ممَّن يقصد الحج والعمرة، والشريعة الإسلاميّة تُجيز شراء المنافع ؛ أي الخدمات الموصوفة في الذمة وإعادة بيعها، والمهم هو الالتزام بضوابط وشروط عقود الإجارة التي تباع بها هذه الخدمات.

وما تقدم يمكن أنْ يستخلص منه الإجراءات أو الخطوات التنفيذيّة الآتية:

  1. تقوم الجهة المزودة بالخدمة (مكتب أو شركة) بعد تحديد المتعامل بإعطائه كتاباً موجهاً باسم البنك موضحاً فيه الآتي: نوع الخدمة (حج أو عمرة)، وأجرة الخدمة، وطريقة دفعها (والأجرة يجب أنْ تكون قبل الخصم الممنوح للبنك)، ومدة الخدمة، وأية تفاصيل أخرى لها علاقة بالخدمة.
  2. تُرسل الجهة المزودة بالخدمة للبنك/الفرع كتاباً يتزامن مع الكتاب الذي أرسلته مع المتعامل بأي وسيلة ممكنة توضح فيه جميع التفاصيل بالإضافة إلى بيان أجرة الخدمة بعد إجراء الخصم المتفق عليه والممنوح للبنك.
  3. يقوم البنك /الفرع عند مراجعة المتعامل له بدراسة طلبه ائتمانياً، وأخذ الموافقة الإداريّة اللازمة عليه، ومن ثم يقوم البنك بتوقيعه على نموذج وعد بالاستئجار من البنك.
  4. إعلام الجهة المزودة بالخدمة بالموافقة على التمويل، والتعهد بالدفع وفقاً للطريقة الموضحة في الكتاب الذي أرسله مزود الخدمة إلى البنك أو بالطريقة التي يتم الاتفاق عليها.
  5. بعد قيام مزود الخدمة بتمكين المستفيد الذي حدده البنك من الخدمة أو حجزها له، يُراجع مزود الخدمة البنك لتسلم أجرته، بشرط تقديم ما يُثبت أنَّ المتعامل حصل على الخدمة فعلاً أو حجزت له، والأجرة يجوز تعجيلها وتأجيلها أو تعجيل بعضها وتأجيل الباقي.
  6. على مزود الخدمة أنْ لا يقوم بتسليم المستفيد (المتعامل) أية مبالغ مستردّة ناتجة عن تبديل أو إلغاء أو تعديل الخدمة، ويجب تسليمها للبنك إلا إذا وافق البنك على توكيله بتسليمها للمتعامل.
  7. أية تكاليف أخرى قد تظهر أثناء انتفاع المتعامل بالخدمة بخلاف ما تمّ تحديده يتحملها المتعامل ولا دخل للبنك بها.
  8. لا يجوز للبنك تمويل الخدمات التي تعاقد عليها المتعامل مسبقاً أو كان قد انتهى منها.
  9. يجوز وضع سقف أعلى وأدنى للتمويل.
  10. يُعدّ التزام مزود الخدمة التزاماً بغاية هي نقل الحاج أو المعتمر وفق شروط ومواصفات العقد، وليس التزاماً ببذل عناية، وتتشابه طبيعة هذا العقد مع عقد الرحلة الذي سبق بحثه.
  11. في حال إخلال مزود الخدمة بالتزاماته، يحق لمتلق الخدمة فسخ العقد، والامتناع عن دفع الأجرة له، وله استرداد ما دُفِع منها، إلا إذا كان الإخلال بعد البدء في تقديم الخدمة وقبل إتمامها، فإنَّ حق مزود الخدمة يقتصر على المطالبة بأجرة ما قدَّمه قبل الفسخ.
  12. إذا أخلَّ متلق الخدمة بالتزاماته، فلمزوِّد الخدمة مطالبته بالوفاء بالتزاماته بدفع الأجرة بالطرق القانونيّة.
  13. تثبت الأجرة بمجرد التوقيع على العقد ديناً في ذمة المستأجر، ويلتزم بأدائها في الأوقات المحدّدة.
  14. لا مانع من توقيع إطار عام للتعاقد بين البنك بصفته مستأجراً متلقياً لخدمة معيّنة، وشركات ومكاتب الحج والعمرة بصفتها المزود بالخدمة، ثم يقوم البنك بالتعاقد مع المستفيدين الراغبين في الحصول على هذه الخدمة، ثم تبادل إشعارين بين البنك وشركة الحج والعمرة، أحدهما يُعبر عن الإيجاب، والآخر يعبر عن القبول.
  15. ينبغي عمل دراسة أو تقرير بالعقبات والمشكلات التي قدْ يصادفها هذا النوع من التمويل بقصد وضع الحلول المناسبة لها.

وسأقتصر على تناول إشكاليتين اثنتين فقط لعدم اتساع المقال لتناول جميع الإشكاليّات التي يمكن إيرادها على هذا التمويل، وعلى النحو الآتي:

1/2 الحج بالاستدانة:

هل تسويق البنك لخدمات الحج والعمرة من خلال (منتج لبيك) بأجرة تصبح بالعقد ديناً أو التزاماً مؤجَّلاً يُسدَّد على أقساط محددة أمرٌ مقبول من الناحية الشرعيّة، من حيث كونه يجعل ذمة المستفيدين من هذه الخدمات مشغولة لصالح البنك ؟

وهل يجب على الشخص الذي لا يملك السيولة النقديّة التي تمكنه من أداء فريضة الحج، أنْ يتعاقد مع البنوك الإسلاميّة التي تؤمن له أداء هذه الفريضة بتسهيلات ميسرة، أم يظلُّ فاقداً لشرط الاستطاعة الماليّة فلا يجب عليه ذلك؟

اتفق أهل العلم على أن الاستدانة لأجل الحج غير واجبة، قال النووي: (لا يجب عليه استقراض مال يحج به بلا خلاف) ().

وأما حكم الاستدانة؛ فذهب فقهاء الحنفيّة() إلى أنَّ مَنْ وجب عليه الحج وفرط في أدائه حتى فاته وصف الاستطاعة الماليّة، يجوز له أنْ يستقرض ليحج ولو لم يكن قادراً على الوفاء به حين الاستقراض، لكن يشترط أنْ يغلب على ظنه أنه لو اجتهد حصلت له القدرة على الوفاء، أما إذا لم يغلب على ظنه ذلك فالأفضل ألا يقترض.

وأما المالكيّة() فيرون أن الاستطاعة الماليّة تتحقّق بالاستدانة التي يقدر المدين على الوفاء بالتزاماتها، أما إذا لم يكن له مصادر وفاء، فالاستدانة في حقه مكروهة أو محرمة.

وأما الشافعيّة() فقالوا ولو كان قادراً على اقتراض ما يحج به، لا يجب عليه الحج؛ لأنه غير مالك للزاد والراحلة؛ ولأنه إذا استقرض صار ذلك ديناً في ذمته يمنع وجوب الحج عليه.

وعند فقهاء الحنابلة() لا يلزمه الحج ولو وصل إليه المال بتبرع غيره له، ولا يصير مستطيعاً بذلك، قريباً كان المتبرع أو أجنبياً، ومن باب أولى ألا يلزمه الحج بطريق الاستدانة ولو كان الوفاء بها ميسوراً.

ويظهر ممّا سبق أن الاستدانة أو التمول من أجل أداء الحج جائز لمَنْ يقدر على وفاء الدين عند جميع الفقهاء، بينما اختلفوا في لزوم الاستدانة، ويرجح عندي القول بلزومها؛ لأن الاستدانة وسيلة لغاية وهي الحج وتابعة لها، وبما أن الوسيلة لها حكم مقصدها، فيلزم أنْ تكون الاستدانة واجبة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لا سيما وأنْ البنوك لا تمنح تمويلاً لأحد إلا إذا تأكدت من مصادر الوفاء لديه، كما أن بعض البنوك تقوم بإشراك عميلها بصندوق التأمين التعاوني الذي يسدد في حال حدوث الخطر المؤمن منه جميع التزاماته التي عليه للبنك، ومن ثم لم يعد بوجود هذه التسهيلات الائتمانيّة مستمسك لأحد بإسقاط فريضة الحج عن نفسه بحجة عدم تحقق شرط الاستطاعة الماليّة(). 

2/2 تعليق عقد إجارة خدمات الحج على صدور التأشيرة:

يتم الاتفاق مع مكاتب الحج والعمرة في جميع العقود التي يكون موضوعها الحج على تعليق العقد على صدور التأشيرة، ويسمى هذا التعليق في الفقه الإسلامي بالشرط المعلق، ويسميه القانونيون بالشرط الواقف، ويبرم العقد بصيغة دالة على إنشائه وإمضائه، ولكن بأداة من أدوات التعليق التي تربط وجود العقد بوجود أمر مستقبل، بحيث إنْ وجد الأمر المستقبل وجد العقد وتحقق الالتزام، وإنْ لم يحصل الأمر المستقبلي لم يوجد العقد، وهي باختصار ربط حصول أمر بحصول أمر().

وذهب جمهور الفقهاء() إلى أن عقود المعاوضة لا يصح تعليقها على شرط واقف؛ لأنَّ انتقال الأملاك يعتمد الرضا، والرضا إنما يكون مع الجزم، ولا جزم مع التعليق، فإن الشيء المعلق قد يعترضه ما يحول دون حصوله.

وذهب ابن تيمية وابن القيم() إلى صحة العقد المعلق على شرط مستقبلي؛ لأن الأصل في المعاملات والعقود والشروط الإباحة، ولا محذور في تعليق العقد على شرط مستقبلي، ولا ينجم عنه تنازع، وإنما فيه مصلحة العاقد؛ حيث علق العقد على شرط يقصد أنه إنْ تمَّ لزم وإلا فلا، وقد أمر الله بالوفاء بالعقود مطلقاً سواء كانت منجزة أو معلقة، وورد عن عمر رضي الله عنه تعليق عقد المزارعة على شرط واقف، وتعليق قيادة وولاية غزوة مؤتة على الموت وهو أمر محتمل الوقوع وليس مؤكداً، فإذا جاز التعليق في هذا الأمر الخطير، فجوازه في عقود المعاوضة أولى.

والذي يظهر رجحانه جواز تعليق عقود المعاوضات على شرط واقف، لوجاهة أدلة القائلين بذلك، وقوتها ومنطقيتها، وبناء عليه؛ يصح الاتفاق على تعليق عقد الإجارة المبرم ما بين البنوك ومكاتب الحج والعمرة على حصول المستفيد من الخدمة على تأشيرة الحج، فإذا حصل عليها وُجِدَ الالتزام وانتهى عمل الشرط، وإنْ لم يوجد لا ينفذ العقد.

وبإذن الله تعالى سأتناول في المقال الأخير ما يتعلق بمنتج تمويل الخدمات الطبية وخدمات الصيانة من إشكالات وأقدم الحلول المقترحة بصددها بنفس الطريقة التي سرت عليها في سلسلة المقالات السابقة.                    (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين.