العدد الحالي: نوفمبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

إشكالات تطبيقيّة في صكوك المضاربة والمشاركة والوكالة

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

عقود الأمانة:

المضاربة والمشاركة والوكالة من عقود الأمانة، ويد المضارب، والشريك المدير، والوكيل (وهو المصدر المتمول في تطبيقات الصكوك) على ما تحت يده من أموال المضاربة والمشاركة والوكالة؛ يد أمانة، ويجب عليه بموجب ذلك بذل العناية والحرص المهني المعتاد في إدارة الاستثمار، ولا يضمن رأس المال ولا جزءًا محددًا من الربح، عدا أنه يضمن رأس المال إذا تعدَّى أو قصَّر في إدارة الاستثمار. والتعدِّي فعل الممنوع، والتقصير الإهمال في أداء ما يجب.

مخاطر ائتمانيّة عالية:

ولذا فإنَّ الصيغ السابقة تنطوي على مخاطر ائتمانية عالية، قد تؤدي إلى ذهاب رأس المال بالكامل، فضلاً عن عدم الربح، وهذه المخاطر أدت للحد من انتشار هذا النوع من الصكوك، وما طبق منه في غالبه انطوى على محاولات عديدة لتجنب هذه المخاطر بمسالك شرعيّة وعرة، لم تنجح في إضفاء المشروعيّة المنشودة عليها وفق رأي جماهير العلماء. وتركزت تلك المحاولات في ضمان القيمة الاسميّة من قبل المضارب أو الشريك المدير أو الوكيل بالاستثمار بعدة ذرائع.

من ذلك: أن يتعهد المُصدر بشراء أصول الصكوك بقيمتها الاسميّة في نهاية مدّة المضاربة أو المشاركة أو الوكالة، على نحو ملزم. وذلك على أساس أن شخصيّة العقد مستقلة عن شخصيّة المضارب أو الشريك أو الوكيل في الاستثمار، ومن ثم يجوز للمضارب مثلاً أن يبيع للمضاربة، أو يشتري منها بشرط أن يكون السعر محددًا بسعر المثل لنفي التهمة.

ووفقاً لهذه التطبيقات؛ إن تعهد المضارب المستقل ومن في حكمه مما سبق بشراء أصول المضاربة -كما لو أنه أجنبي- بقيمة محددة مسبّقًا، هو صورة مشابهة للوعد الملزم بالمرابحة للواعد بالشراء.

وقد نوقش بأنه لا مانع شرعًا أن يشتري المضارب ونحوه أصول الصكوك بقيمتها السوقية يوم التصفية، أو عند الشراء في أي وقت؛ أما أن يلتزم بالشراء بقيمة محددة مسبقًا وهي القيمة الاسميّة للإصدار فإنه يؤول إلى ضمان رأس مال المضاربة والوكالة وحصة الشريك، وهذا لا يجوز لأنه يتحوّل إلى قرض مضمون. وهذا ما هو مُستقر عليه الرأي في هيئة المحاسبة ومجمع الفقه الإسلامي الدولي.

وقدْ نوقشت هذه المسألة في ندوة الصكوك التي أقامها المجمّع في جدّة بتاريخ 24-25 مايو 2010 واستمعنا إلى الدكتور حسين حامد حسان مدافعًا عن التطبيقات التي قامت على هذا الرأي ومبينًا مؤيداته الشرعيّة التي سبق بيانها، وقدْ سمحت لنفسي أن أعرض في تلك الندوة حالة عمليّة عاصرتها كعضو جديد في الهيئة الشرعيّة للشركة المصدرة.

كانت هذه الشركة أصدرت صكوك مضاربة بمائتي مليون دولار، ووقعت تعهدًا مستقلاً بشراء الأصول بالقيمة الاسميّة (مائتي مليون دولار)، وللتعهد عدة تواريخ لتنفيذه من قبل حملة الصكوك، فمضى التاريخ الأول وجاء الثاني وهو النهائي.

في هذا التاريخ طلب حملة الصكوك تنفيذ التعهد والذي بموجبه يستردون القيمة الاسميّة للصكوك، وهي 200 مليون دولار؛ غير أن القيمة الحقيقيّة لأصول الصكوك في هذا التاريخ كانت قد انخفضت إلى 40 مليون دولار، أي بانخفاض قدره 80% وبموجب التعهد يجب على المصدر أنْ يشتريها بمائتي مليون دولار إذا أراد حملة الصكوك ذلك، وهذا في حقيقته ضمانٌ لرأس المال، فأجاب فضيلته أن هذه الملاحظة في مكانها، وهي تضعف هذا الرأي. 

تعهد مُلزم بضمان رأس المال:

ومن المحاولات التي انتشرت في التطبيق لضمان رأس المال أو القيمة للإصدار من قبل المضارب أو الشريك المدير أو الوكيل بالاستثمار؛ أن يتعهد المُصدر على نحو ملزم بضمان رأس المال في وثيقة مُستقلّة عن عقد المضاربة والوكالة أو عقد إصدار الصكوك.

 ووفقًا لهذه المحاولة يبقى عقد الإصدار قائمًا بشروطه الشرعيّة التي تنص على أن المصدر -مضاربًا كان أو شريكًا مديرًا، أو وكيلاً – هو أمين ولا يضمن إلا بالتعدي والتقصير، غير أن خطابًا جانبيًا أو تعهدًا منفصلًا عن عقد الإصدار ينص على أن المضارب أو الشريك المدير أو الوكيل يضمن القيمة الاسميّة للإصدار بصفته المستقلّة عن عقد الوكالة أو المضاربة أو الشركة رأس المال.

وقد كنت شاهدًا على نقاش بين فريق العمل في إحدى الشركات، وأحد أعضاء هيئة الرقابة الشرعيّة لصكوك المضاربة التي تزمع الشركة إصدارها، وقد أبدى الشيخ عدم موافقته على طلب فريق العمل بشأن إجازة نموذج تعهد مُستقل بضمان القيمة الاسميّة للإصدار. ولكن الشروط الموضوعيّة لنجاح الإصدار من وجهة نظر فريق العمل تقتضي وجود هذا التعهد المستقل، وكان لدى فريق العمل بالشركة المستندات التي تفيد بأنّ الشيخ سبق له الموافقة على مستندات صكوك مضاربة مشابهة تتضمن هذا التعهد، فحاجُّوه بهذا النموذج وطالبوه بالمعاملة بالمثل فاضطر للموافقة والتوقيع وتم إصدار الصكوك بهذا التعهد، وكنت أيضًا شاهدًا على فشل الإصدار وخسارته بعد ثلاث سنوات من إصداره.

 

الحجج الشرعيّة لضمان رأس المال:

 ومن الحجج الشرعيّة لهذه المحاولة هو ما ذهبت إليه المعايير الشرعيّة من جواز أنْ يضمن الوكيل من يشتري منه بالدين شريطة أن يكون الضمان مُستقلاً عن عقد الوكالة، بحيث لو انتهى عقد الوكالة يستمر الضمان. ولم تنجح هذه الحجة في إضفاء المشروعيّة على حالة الاستثمار وتقليب المال لأنه مآلها إلى ضمان رأس المال وهو ممنوع.

 ومن الحجج الشرعيّة أيضًا التي ذكرت في معرض التبرير لهذا المحاولة أن للمالكيّة رأيًا بجواز أن يضمن المضارب رأس مال المضاربة بعد العقد على سبيل التبرع. وقدْ ناقش الدكتور محمد علي القري في بحثه عن الصكوك المقدم لندوة المجمع في عام 2011 هذا القول الفقهي، ورأى أنه لا ينطبق على التطبيقات الحاليّة.

 وأوضح أنّ رأي المالكيّة مقتصر على التبرع بعد العقد وبدء العمل، أمّا في التطبيقات الحاليّة فلا يمكن إطلاق الإصدار دون وجود ذلك التعهد مصاحبًا لحزمة مستندات الإصدار، وفي حال عدم وجوده فإنه لا يمكن بيع الصكوك في السوق. ومن ثمّ، تؤول العمليّة إلى أن يكون التعهد بمثابة الشرط المصاحب لعقد المضاربة وحكمه حينئذ كالشرط في العقد وإن كان في وثيقة مُستقلّة.

وفقًا لأحكام المضاربة والمشاركة والوكالة؛ لا يمكن أن تتضمن الصكوك المبنيّة عليها عائدًا محددًا، ومضمونًا على رأس المال المستثمر، الأمر الذي يشكل عائقًا أمام جودة الإصدار وإمكانيّة تسويقه. 

محاولات لتخفيف المخاطر الائتمانيّة والسوقيّة:

ولذا بذلت بعض المحاولات لتخفيف المخاطر الائتمانيّة والسوقيّة المرتبطة بهذا الضابط الشرعي، من ذلك:

  • أن يتعهد المضارب على نحو ملزم بإقراض محفظة الصكوك بغرض ضمان توزيعات أرباح بمستوى معين متوقع. وذلك على غرار التزام شركة التأمين بإقراض صندوق التأمين عند العجز. ويُنفَّذ التعهدُ بالإقراض في حال نقص الأرباح الفعلية في الفترة الدوريّة عن الأرباح المتوقعة على الصكوك. 
  • أنْ يتعهّد المصدر بتوزيعات أرباح على الحساب دون وجود آليّة للتحاسب المستقبلي بين حملة الصكوك والمضارب أو الشريك المدير، والوكيل، خاصة في الصكوك المتداولة.
  • أنْ يتعهد المصدر بتوفير تمويل مشروع للمضاربة بغرض ضمان توزيعات أرباح بمستوى معين، ويعني أنْ يقوم المصدر بالحصول على تورق مثلاً للغرض المذكور على حساب المصدر وليس على حساب حملة الصكوك.

مآل التعهدات:

 وقدْ لوحظ أن هذه التعهدات آلت إلى نتائج غير شرعيّة؛ رغم وجود أسس شرعيّة لها من حيث الأصل. فقدْ آل التعهدات في التطبيق إلى ضمان فعلي لعائد مُحدّد على المضاربة والوكالة والمشاركة، خاصة في ظل عدم وجود آليات للتحاسب المستقبلي بين المصدر وحملة الصكوك. وفي ظل وجود آليّات أخرى لضمان رأس المال فإنّ صكوك المضاربة والمشاركة والوكالة تتحوّل إلى سندات بفائدة.

وبالإضافة إلى المعايير الشرعيّة وقرارات المجامع التي تمنع أي محاولات لضمان رأس المال، أو أي جزء من الربح فقدْ جاء في بيان المجلس الشرعي للأيوفي بشأن هذه المحاولات ما يأتي: “لا يجوز لمدير الصكوك، سواء أكان مضاربًا أم شريكًا أم وكيلاً بالاستثمار أن يلتزم بأن يقدم إلى حملة الصكوك قرضًا عند نقص الربح الفعلي عن الربح المتوقع.

وجاء في البيان أيضأ: ويجوز (لمدير الصكوك) أن يُكَون احتياطيًا لتغطية حالة النقص بقدر الإمكان، بشرط أنْ يكون ذلك منصوصًا عليه في نشرة الاكتتاب. ولا مانع من توزيع الربح المتوقع تحت الحساب وفقًا للمعيار الشرعي رقم (13) بشأن المضاربة، بند 8/8 أو الحصول على تمويل مشروع على حساب حملة الصكوك».