العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

إِشكالات التمويل بصيغة الإجارة الموصوفة في الذمّة وحلولها (2)

د. علي أبو العز

مدير دائرة التدقيق الشرعي الداخلي – البنك الإسلامي الأردني

إِشكالات التمويل بصيغة الإجارة الموصوفة في الذمّة وحلولها (2)

د. علي محمَّد أبو العز

تناولت في مقال سابق بعض الإشكالات الشرعيّة حول منتج تمويل الخدمات التعليميّة وفق صيغة الإجارة الموصوفة في الذمّة، وأكمل في هذا المقال ما بدأته على النحو الآتي :

  1. إِشكاليّة بيع الدين بالدين :

يَرِدُ على عقدي الإجارة الموازيين اللذين يبرمهما البنك مع الجامعة ومع المتمول على التوالي، الإشكال الآتي:

أنّ البنك يُبرم بواسطة وكيله عقداً على استئجار منفعة تعليميّة من الجامعة بتاريخ مُعيّن، وقدْ يتأخر دفع الأجرة بعد العقد لمدة من الزمان، غير أن البنك حينما يؤديها يدفعها مرة واحدة للجامعة ولا يقسطها، كما أنَّ المنافع المستأجرة لا يبدأ استيفاؤها وقت العقد عليها، وعادة ما يكون الاستيفاء مضافاً إلى زمن مستقبل معلوم .

ووجه الإشكال؛ أنَّ محل العقد ببدليه (المنفعة والأجرة) مؤجلان، وكذلك الحال بالنسبة للعقد المُبرم بين البنك والمتمول؛ حيث يتّفقان بمقتضاه على تقسيط الأجرة على فترات زمنيّة محدّدة، والمنفعة بطبيعة حالها يبدأ استيفاؤها بعد العقد بمدّة، وهي كما مرَّ معنا تظهر شيئاً فشيئاً على حسب المدة و/أو العمل، وبهذا يكون البدلان المكونان لمحل العقد مؤجلين، فهل يُعدُّ هذا من قبيل بيع الدين بالدين (المجمع على تحريمه) أم لا ؟

تجوز في المذهب الحنفي() الإجارة بأجرة حالة أو مؤجّلة، ويعتبر ويراعى فيها كل ما يشترطه العاقدان في تعجيل الأجرة وتأجيلها وتقسيطها، سواء كان العقد واقعاً على منافع أعيان أو منافع متعلِّقة بالذمّة .

وحجتهم: أنّ العقد ينعقد شيئاً فشيئاً على حسب حدوث المنافع كما بينّا سابقاً، وعقد الإجارة من عقود المعاوضات بلا خلاف، ولا بد فيها من المساواة بين البدلين؛ فإذا كانت المنفعة بحكم طبيعتها مُتراخية، ويستحيل استحضارها وقت العقد، وهي أحد بدلي العقد، وجب تحقيقاً للمساواة أنْ يكون البدل الآخر وهو الأجرة مُتراخياً، وبقدر ما يستوفي المستأجر من المنفعة بقدر ما يملك المؤجر من الأجرة، فإذا وافق المستأجر على تعجيل الأجرة أو عجلها بلا شرط، جاز على اعتبار أنه أسقط حقه في المساواة الثابتة له بموجب العقد .

فلسفة فُقهاء الحنفيّة في إباحة هذه الصورة() :

لا شكَّ أنّ المنفعة معدومة وقت انعقاد العقد؛ فكيف أجاز فُقهاء الحنفيّة أنْ ينعقد العقد على غير محل حاضر متيقَّن، وبأجرة مؤجّلة أو مُقسّطة ؟

لقدْ اتّبعوا لذلك إحدى وسيلتين :

الأولى: أقاموا العين المنتفع بها مقام المنفعة؛ من قبيل إقامة السبب مقام المسبّب؛ كإقامة السفر مقام المشقّة؛ لأنّه سببها، وإقامة البلوغ مقام النضوج العقلي، وإناطة التكليف به؛ لأنه سببه، وبذلك يكون المحل حاضراً، فينعقد العقد.

وهذه الوسيلة لا تصلح لإجارة الخدمات الموصوفة في الذمّة؛ لأنّ موردها منفعة مُتعلِّقة بالذمّة لا بالعين .

الثانية: جعلوا العقد مضافاً إلى وقت حصول المنفعة؛ فحينئذ ينعقد العقد في كل جزء من المنفعة على حسب وجودها شيئاً فشيئاً، وهذا معنى قولهم: عقد الإجارة في حكم عقود مُتفرِّقة، يتجدد انعقادها على حسب حدوث المنافع، أي على حسب حضور المحل وبعبارة أخرى؛ فصلوا بين الارتباط (صيغة العقد) وبين حكمه وهو الملك، كما فعلوا في البيع بشرط الخيار، فقالوا بصحة الإيجاب والقبول (الارتباط)؛ إلا أنّ مفعول هذا الارتباط يتراخى سريانه إلى زمان وجود المنفعة؛ وعند حدوثها (أي استيفائها) تصير مقبوضة، فينعقد العقد فيها، ولا يكون ديناً بدين أصلاً، لوجود المنفعة، ولهذا جازت الإجارة في الذمّة أو بالدين المؤجل؛ لأنَّ العقد لم ينعقد على منفعة، وبالتالي فهي لم تستقر ديناً في ذمّة المؤجِّر، فلا يجب بدلها بالمقابل أيضاً، وإنما كان العقد منعقداً في مبتدئه في حق الإيجاب والقبول (الصياغة العقديّة) فقط، ولو كان العقد مُنعقداً في حق المنفعة؛ لَمَا جازت الإجارة بالدين .

ولا يجيز فُقهاء المالكيّة() تأجيل الأجرة؛ لأنها متى تأجَّلت استلزم ذلك تعمير الذمتين؛ أي أبتداء الدين بالدين؛ لأنّ ذمة المؤجر مشغولة بمنفعة العمل، وذمّة المستأجر مشغولة بالأجرة، لكنهم أجازوا تأجيل الأجرة إذا شرع المستأجر في استيفاء المنفعة خلال ثلاثة أيام من تاريخ العقد لأنها مُدّة قريبة وما قارب الشيء يعطى حكمه، ويكون الاستيفاء ولو جزئيّاً خلال هذه المدة بمنزلة استيفاء تام لكامل المنفعة في مجلس العقد تعويلاً على قاعدة فقهيّة مفادها (أنّ قبض الأوائل كقبض الأواخر)() .  

ويرى فُقهاء الشافعيّة() أنَّ الأجرة في الإجارة المتعلِّقة بالذمة لا يجوز تأجيلها، بل يجب تعجيل دفعها في مجلس العقد، وتسري عليها أحكام الثمن في عقد السلم؛ لأنّها سلم في المنافع؛ وذلك بصرف النظر عن الصيغة المستخدمة في التعاقد سواء كانت بلفظ السلم أو بلفظ الإجارة؛ لأنّ الأحكام الشرعيّة تُناط بمعانيها لا بألفاظها، والإجارة الواردة على الذمّة سلم في المنافع من حيث المعنى والمضمون، وإنْ لم تعقد بلفظ السلم، ولا بد فيها من تعجيل الأجرة لئلا تكون من قبيل بيع الدين بالدين والكالئ بالكالئ، ورتبوا على ذلك بطلان العقد إنْ حصل التفرق بين المتعاقدين قبل قبض الأجرة() .

في حين يرى فُقهاء الحنابلة() أنَّ وجوب تعجيل الأجرة أو جواز تأجيلها يعتمد على الصياغة اللفظيّة المُستعملة في التعاقد؛ فإنْ كان العقد مبرماً بلفظ السلم وجب قبض الأجرة في مجلس العقد؛ عملاً بأحكام عقد السلم المعروفة، ولئلا تقع المعاملة في بيع الدين بالدين المتّفق على تحريمه؛ وإنْ كان مبرماً بلفظ الإجارة، جاز تأجيل الأجرة وتقسيطها عملاً بالأحكام العموميّة لعقد الإجارة() .

فإنْ قيل على سبيل الاعتراض: وأي فرق بين هذه المسألة وبين بيع الاستصناع الوارد على موصوف في الذمة؛ أي على معدوم وقت العقد بالنسبة للبائع، ومع ذلك جاز تأجيله ثمنه؟

يجيب البعض على هذا الاعتراض بأنَّ الإجارة الموصوفة في الذمة أضعف من عقد الاستصناع من جهة المحل؛ لأنها واردة على معدوم لا يمكن وجوده قبل استيفائه، بخلاف الاستصناع فإن محله الموصوف في الذمة يمكن وجوده قبل استيفائه، ولهذا جبروا ضعفها باشتراط قبض الأجرة في مجلس العقد() .

وهذه الإجابة ليست كافية في دحض الاعتراض القائم؛ فما دام المحل في الاستصناع وفي الإجارة الموصوفة في الذمّة غير موجود عند العقد؛ فينبغي إجراء ذات الأحكام عليهما سواء من حيث وجوب التعجيل أو جواز التأجيل، أمّا التفرقة بينهما على أساس المحل باعتبار ما يكون، فليست بذلك الاعتبار الذي يوجب التمايز بينهما إلى هذا الحد، ولهذا نرى كثيراً من الفقهاء لم يجيزوا العقد الموصوف في الذمّة استصناعاً أو إجارة  إلا على أساس أحكام عقد السلم باعتباره مقيساً عليه ثابتاً بالنص والإجماع، ولم يأخذوا بالاعتبار (المصير) الذي سيؤول إليه المحل عند تكييف العقد وتنظيم أحكامه .

وقدْ تعقَّبَ أحد الباحثين() رأي الشافعية والحنابلة القائلين بجواز تأجيل الأجرة إذا لم يكن العقد مبرماً بلفظ السلم، بأنَّ الظاهر من عباراتهم أنّ الجواز وعدمه ليس متوقفاً على حد الصياغة اللفظيّة؛ بحيث يجوز تأجيل الأجرة إذا كان العقد بلفظ الإجارة، ولا يجوز إذا كان بلفظ السلم، وإنما هو متوقّف على ما إذا كانت الأجرة أو الثمن معيّناً عند العقد أم لا؛ لأنَّ الثمن أو الأجرة مما يتعيّن بالتعيين عندهم()، وإذا تعيَّنت الأجرة مثلاً لم تُعد في الذمة، ولو حصل التفرق قبل قبضها لا يقع عن دين بدين، بل عن عين (أجرة) بدين، كما لو قال: استأجرتك على عمل كذا وكذا مقابل هذه الدنانير، لكن السلم لا يصح ولو مع تعيين الثمن ما لم ينقده في المجلس؛ فإنْ تفرقا، بطل العقد؛ لا لعلة أنه صار ديناً بدين، وإنما لانتفاء مقتضاه؛ وهو تعجيل الثمن ونقده .

أمّا الحنفيّة والمالكيّة()، فلا فرق عندهم بين كون النقود مُعيّنة أو غير مُعيّنة؛ لأن النقود لا تتعين عندهم بالتعيين، وعليه فلو تفرقا في عقد موصوف في الذمّة سلماً أو إجارة قبل القبض، لم يصح العقد؛ لكونهما تفرقا عن دين بدين، وأورد الباحث بعض النصوص الفقهيّة المؤيدة للتحليل السابق، مثل قول زكريا الأنصاري في أسنى المطالب: (ولكن يجب تعيين رأس المال في المجلس إذا كان (أي المبيع) في الذمة؛ ليخرج عن بيع الدين بالدين) .

ويَرِدُ على التحليل السابق بأنّ العبارات الفقهيّة لدى تتبعها يظهر دورانها حول محور واحد هو اعتبار اللفظ وتقديمه على المعنى لدى بعض الفقهاء، وتغليب المعنى على اللفظ لدى البعض الآخر، فمنْ غلَّب جانب اللفظيّة أجاز في إجارة الذمة تفرق المتعاقدين قبل قبض الأجرة، بينما في السلم يجب تعجيل الثمن إعمالاً لمُقتضاه وإلا بطل العقد، وأما من غلب الجانب المعنوي الذي أراده المتعاقدان بصرف النظر عن لفظيهما، فقدْ أوجب تعجيل الأجرة على اعتبار أن الإجارة في الذمة من حيث المضمون تُعتبر سلماً في المنافع، فتجري عليها أحكامه، وأما مسألة تعيين الأجرة أو الثمن فجاءت عرضاً كأمثلة إيضاحيّة للمسألة، وليس في الأمثلة ما يفيد أن تلك النقود المُعيّنة مؤجلة في الذمة، فثمة احتمال كبير بأنْ تكون في يد المتعاقد عند التعاقد، بناءً على أنّ الأصل في الإجارة تعجيل أجرتها ما لم تتأجل بشرط أو عرف دارج .

وقدْ ذهب إلى جواز تأجيل الأجرة في الإجارة الموصوفة في الذمة المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة كما في البند (2/3) من المعيار الشرعي رقم (8) بعنوان الإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك، .، وندوة البركة الثلاثين (30/2/6)، والهيئة الشرعيّة لمصرف الراجحي (قرار 663 صادر بتاريخ 28/2/1426هـ)() .

  1. تمويل الطالب بأجرة أعلى من الأجرة المدفوعة للجامعة :

هذه من المسائل الخلافيّة في الفقه؛ فعند فُقهاء الحنفيّة() إذا لم يُحدِث المؤجر زيادة على المنفعة المستأجرة، فلم يتعهد بتقديم خدمات إضافيّة زائدة على الخدمات التي يتلقاها من مقدم الخدمة الأصلي، وأجَّرَ المنفعة كما استأجرها، فلا يجوز له أنْ يربح عليها، ولو ربح فيجب عليه أنْ يتصدق به .

وعلّلوا قولهم بما مفاده أنَّ إستيفاء الطالب للمنفعة التعليميّة بمنزلة استيفاء وقبض البنك لها، ولهذا وجب عليه دفع الأجرة، لكن البنك لم يقبضها أو يستوفيها حقيقة، وإنما الذي استوفاها الطالب المستأجر منه، فهو الذي هلكت المنافع تحت يده لا البنك، وبناءً عليه فقد وُجِدَ القبض من وجه أن أستيفاء الطالب للمنفعة بمثابة أستيفاء حكمي للمنفعة من قِبَل البنك، وقد ناب استيفاء الطالب مناب استيفائه، ولم يوجد من وجه أن البنك لم يستوف المنفعة حقيقة؛ حيث إن المنافع لم تحدث تحت يده أصلاً، وبما أنَّ الضمان يتبع القبض، فيكون البنك قدْ ربح ما قدْ ضمن من وجه، وربح ما لم يضمن من وجه، وتكون الأجرة حلالاً من وجه، وحراماً من وجه، فتحرم احتياطاً بترجيح جانب الحرمة .

بينما ذهب جمهور فُقهاء المالكيّة والشافعيّة والحنابلة() إلى جواز أنْ يؤجر المستأجر المنفعة بأكثر ممّا استأجرها به؛ قياساً على البيع، ولأنّ المنافع دخلت في ضمان المستأجر الأول، بدليل أنها لو فاتت ولو بغير استيفائه كانت من ضمانه، وما دامت في ضمانه ولو من وجه، جاز له أنْ يربح عليها عملاً بمفهوم الخبر الذي ينهى عن ربح ما لم يضمن()، ولا يصح قياس المسألة على بيع الطعام قبل قبضه، فإنَّ هذا البيع لا يجوز ولو لم يحصل فيه ربح، فامتنعت المقايسة بينهما، ولا يلزم إحداث زيادة في المنفعة كي يحل له الربح، فإن مجرد دخولها في ضمانه سبب مشروع لأنْ يطيب له الربح .

  1. تمويل مواد دراسيّة مُسجّلة :

يجب شرعاً أنْ يكون طلب التمويل سابقاً على تسجيل المواد الدراسيّة؛ لأنَّ تسجيل المواد يعد استئجاراً للخدمة التعليميّة، ويصبح الطالب بمقتضاه مديناً للجامعة بأجرتها، ولا يجوز للبنك تمويل الالتزامات القائمة في الذمّة؛ لأنه حينئذ يكون تمويلاً ربويّاً، حيث تقاضى من مدينة (المتمّول) بأكثر ممّا أدّى عنه نظير الأجل، ولا يصح التذرع بأن التمويل مقابل منفعة امتلكها البنك عن طريق توكيل الطالب باستئجارها، لأنه ما دامت المنفعة الدراسيّة شغلها أو حجزها الطالب حين قام بالتسجيل والتعاقد عليها مع الجامعة، لم يعد للتوكيل أي معنى، إلا إذا تقايلا العقد،  كما أنَّ تحويل تلك الالتزامات الماليّة إلى البنك ليسددِّها، لا يسوغ للبنك أنْ يربح عليها؛ لأنّ حوالة الدين من عقود الإرفاق والمعونة التي لا يجوز أنْ تكون محلا للتمويل والربح؛ حيث إنَّ موضوعها الدين، والدين يقضى بمثله لا بأكثر منه .

  1. وجود ذمم ماليّة مُستحقّة على الطالب من فصول سابقة :

قدْ تترتب على الطالب ذمم ماليّة بسبب مواد قام بتسجيلها ولم يدفع مقابلها للجامعة، وينتهي فصل ويبدأ فصل جديد، فهل يجوز للبنك أنْ يقوم بتمويل الطالب رسوم التسجيل للفصل الجديد على الرغم من وجود مُستحقّة عليه ناشئة من فصل و/أو فصول سابقة .

يجب التنبه هنا إلى أنَّ عرض السعر أو كتاب الجامعة الذي يوضح تفاصيل المواد المُسجّلة والالتزامات الناشئة عنها ينبغي أنْ لا يتضمن مبالغ ماليّة ترتبت في ذمّة الطالب من فصول سابقة، لأنَّ البنك إذا لم ينتبه لها وقع في ربا تمويل الالتزامات أو الديون، ممّا يؤدي إلى إبطال المعاملة وتجنيب الأرباح الناشئة عنها فيما يخص تلك الالتزامات، وكثيراً ما تشير الكتب و/أو الشهادات و/أو القسائم الواردة للبنك من دائرة الشؤون الماليّة في الجامعة إلى تلك الالتزامات، أو تضمّن في إفادتها أو عرض السعر إجمالي المبالغ المطلوبة من الطالب دون تفصيل ما استحقّ منها من فصول سابقة، وما يخصُّ الفصل الدراسي القادم (محل التمويل)، ولهذا يجب أنْ يكون موضّحاً في تلك الكتب ما يخص الفصل الدراسي الجديد من الساعات الدراسيّة وأجورها، بحيث يقتصر تمويل البنك عليها، إلا أنَّ الجامعة لدى قيام البنك بدفع أجرة الفصل الجديد تقوم بحسم الديون المُستحقّة التي على الطالب من تلك الأجرة إن كان مقدارها يزيد على مبلغ الدين، وتسجل الفرق بين الأجرة المُستحقّة والمدفوعة ذمماً/ ديناً على الطالب، فهل هل لهذا الإجراء المحاسبي أي تأثير على مشروعيّة العقد المبرم بين البنك والجامعة؟

الاحتياط يقضي بعدم منح التمويل للمستفيد إلا إذا قام بإحضار براءة ذمة ماليّة من المستحقّات الواجبة في ذمته للجامعة، سداً لذريعة اختلاط مبالغ الديون المستحقّة بمبلغ المنفعة التعليميّة للفصل الدراسي القادم (محل التمويل)، إلا أنّ المُضي في تمويلها لا يؤثر في مشروعيّة التمويل؛ لأنه ما دام التمويل مُختصّاً بفصل جديد لم تستوف منفعته ولم تستحق أجرته، وقدْ استأجره البنك أو وكَّل الطالب باستئجاره، ودفع مقابله، فقد اكتمل العقد بصورة شرعيّة خالية من الشوائب المؤثرة في صحته، وأما الإجراء الداخلي الذي تتبعه الجامعة المشار إليه آنفاً، فلا يعني أن البنك استأجر الديون المُستحقّة التي في ذمة الطالب، ولا نكون بذلك أمام صورة شراء دين بدين، فإن الذي استأجره البنك منفعة لا دين، ولا تأثير لتلك المحاسبة التي تجريها الجامعة على جوهر العقد .

  1. تمويل التأمينات النقديّة المُستردّة :

تلزم الجامعة طلبتها عند الالتحاق بها لأوّل مرة بدفع تأمينات نقديّة لضمان جدية الطالب في الدراسة، واحترامه لنظامها وتعليماتها، ثمّ تعيده عند تخرجه من الجامعة إليه، ولا يوجد ما يمنع شرعاً من أنْ يكون تمويل البنك مشتملاً على تأمينات نقديّة؛ حيث إن الحقوق والالتزامات الناشئة عن عقد إجارة الخدمات الأول بين البنك بصفته مستأجراً والجامعة بصفتها مؤجراً تنتقل بجميع عناصرها للعلاقة الثانية (الموازية) الناشئة عن عقد إجارة تمليك خدمات الموقع بين البنك بصفته مؤجراً والمتعامل بصفته مستأجراً، ويصبح الأمر وكأنَّ الذي اشترط التأمينات النقديّة على الطالب هو البنك، غير أنّ البنك في العقد الأول دفع التأمينات للجامعة نقداً، وفي علاقته بالمتعامل قسطها عليه، وبناءً عليه وفي حال إنهاء الطالب الدراسة، فإنَّ التأمينات النقديّة يجب إعادتها إلى المتمول، أو تفويض البنك له ابتداءً باستردادها من الجامعة، وإقباضها لنفسه . 

ويثور هنا التساؤل الآتي: هل يجوز للبنك أنْ ينظر بعين الاعتبار لمبلغ التأمين النقدي عند احتساب ربح الإجارة أم يضيفه إلى الأجرة برقمه الصافي دون استيفاء أي ربح عليه؟

التأمينات المُستردّة ليست جزءاً من المنفعة التعليميّة، وبما أنّ البنك دفعها فإنها من حق البنك، وإذا قيَّدها البنك على الطالب فإنما يُقيدها على اعتبار أنه أقرضه إياها أولاً بوصفها تأمينات نقديّة لتحصل بذلك الموازاة بين عقده مع الجامعة وعقده مع المتعامل، وعقد القرض منفصل عن عقد إجارة الخدمة التعليميّة، إلا أنه لغاية تسهيل إجراءات تنفيذ المعاملة محاسبيّاً يتم إضافة مبلغ التأمينات إلى التمويل، لكن عند حساب ربح الإجارة (التمويل) ينبغي ألا تدخل التأمينات في الاعتبار لأنها كما أسلفنا ليست منفعة يصح تقاضي الأجرة في مقابلها، كما أن البنك يقرضها للطالب، وبالتالي لا يصح أنْ يربح زيادة عليها وإلا وقع في الرِّبا، والأولى أنْ يكون التمويل مقصوراً على منفعة واضحة كالساعات الدراسيّة، واستخدام الكمبيوتر، والقاعات المكتبيّة، وأجور النقل ذهاباً وإياباً ونحوها، واستبعاد التأمينات المستردة؛ درءاً لشبهة أنْ يكون إقراضها للطالب جر منفعة على البنك، وهي شبهة ضعيفة؛ لأن إقراض البنك لتلك التأمينات لم يكن مشروطاً، ولا مقصوداً له، وما الذي يجنيه البنك من قرض يقسطه على المتمول لخمس سنوات مثلاً، والتمويل ماض به أو بسواه؟، ففي جميع الأحوال ستتم العمليّة التمويليّة سواء قام البنك بدفع رسوم التأمين أم اعتذر للمتعامل عن عدم دفعها . 

  1. فرض غرامات ماليّة على الطالب جزاء التأخر في السداد :

غرامات التأخير لم يجزها أكثر الباحثين، وعليه لا يجوز أنْ تكون مُشترطة في العقد بين البنك والمتموّل، بينما لا يملك البنك حماية نفسه من هذا الشرط في علاقته مع الجامعة خاصّة إذا لم يكن بينه وبين الجامعة مذكّرة تفاهم بخصوص تمويل مُنتجاتها التعليميّة للطلبة، فهل يفسد هذا الاشتراط العقد الذي باشره البنك بنفسه أو بواسطة وكيله ؟

يجب أنْ يحرص البنك على أنْ يكون استئجاره للخدمة التعليميّة ضمن المدّة الممنوحة من قِبَل الجامعة لدفع الرسوم الدراسيّة خلالها، وبداهة إذا كان الطالب قدْ سجل وتأخر في الدفع وترتبت عليه غرامات تأخير، لا يجوز للبنك تمويله لا لكونه متأخراً وملزماً بدفع غرامة ماليّة، بل لكونه قدْ قام بتسجيل المواد الدراسيّة وصارت مستأجرة له، ولكن قد يحدث أنْ يتأخر الطالب في تسجيل المواد لأسباب شخصيّة أو ظروف طارئة عن الموعد المحدّد، فيؤجل تسجيله إلى موعد السحب والإضافة فتنشأ عليه غرامات تأخيريّة، وحكم هذه الغرامات أنها من قبيل أكل المال بالباطل، وعلى الرغم من أنّ بعض الفُقهاء() يرون بطلان العقد بهذا الشرط الفاسد، إلا أنه لا مندوحة عن الدخول في العقد، لا سيما والحاجة إليه ماسّة، فيمكن الأخذ بقول البعض الآخر من الفُقهاء() ممّن يرى صحة العقد، وبطلان الشرط؛ لحديث بريرة حيث صح العقد وبطل الشرط المنافي لمقتضاه، لكن في حالتنا يعلم المتعاقد أنه سيدفعها لا محالة، ولا مجال لتوقيها، فالتأخير حاصل، والغرامة لا بدَّ من دفعها للحصول على المنفعة .

ما دامت الحاجة داعية إلى هذا التعاقد، وهي تنزل منزلة الضرورة، فيجوز للبنك أنْ يتعاقد مع الجامعة على الرغم من علمه المسبق بأنه سيدفع الغرامة التأخيريّة، ويكون الإثم على الآخذ لا على المعطي، كالضرائب أو المكوس غير المشروعة التي يضطر الأشخاص إلى دفعها، يكون الإثم على آخذها لا على معطيها، ويجدر التنويه إلى أنه لا يجوز أنْ تكون تلك الغرامات محلاً للتمويل؛ لأنها ليست منفعة أو خدمة صالحة لأنْ تكون محلاً للإجارة، إلا إذا دفعها البنك على أساس القرض الحسن على غرار ما وضحناه في التأمينات النقديّة المُستردَّة.

ولكن لمَّا كانت الحاجة المُبيّنة آنفاً متصورة بالنسبة للطالب لا للبنك، فنرى أنَّ من الأسلم أنْ لا يوافق البنك على دفع تلك الغرامة، وأنْ يجعل تمويله في حدود الساعات الدراسيّة ونحوها من المنافع المشروعة . 

وسوف نتطرق بإذن الله تعالى في المقال القادم إلى إشكالات أخرى فيما يتعلق بعقد السياحة والسفر، وتمويل خدمات الحج والعمرة .

 (قُلْ هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين .