العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

أساسيّات الفكر الاقتصادي الإسلامي عند أبي الحسن الماوردي

وضّاح نجيب رجب

طالب دكتوراه في الاقتصاد الإسلامي - جامعة الأوزاعي

السلسلة الاقتصاديّة الذهبيّة

أساسيّات الفكر الاقتصادي الإسلامي عند أبي الحسن الماوردي

 (التنمية المُستدامة - التنمية البشريّة - الرّيع)

وضّاح نجيب رجب

ط. دكتوراه في الاقتصاد الإسلامي - جامعة الأوزاعي

"هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي وُلّي القضاء في بلدان كثيرة، ثم جُعل        " أقضى القضاة " في أيام القائم بأمر الله العباسي، صاحب التصانيف الكثيرة النافعة، الفقيه الحافظ"()، ولد في البصرة سنة (٣٦٤ هـ/٨٧٥ م) وتوفي في بغداد سنة ٤٥٠ هـ، لأب يعمل ببيع ماء الورد فنسب إليه فقيل "الماوردي"، ارتحل به أبوه إلى بغداد، وبها سمع الحديث ()، عمل بالتدريس في بغداد ثم بالبصرة وعاد إلى بغداد مرّة أخرى، وكان يُعلّم الحديث وتفسير القرآن، لُقِّب "بأقضى القضاة"، وكانت مرتبته أدنى من قاضي القُضاة، ثم بعد ذلك تولّى منصب " قاضي القُضاة "().

أمّا الخطيب البغدادي فيقول عنه:" إنّ له تصانيف عدّة في أصول الفقه وفروعه وفي غير ذلك"()، ومن كتبه: أدب الدنيا والدين - الأحكام السلطانيّة- كتاب الحاوي الكبير- كتاب نصيحة الملوك- كتاب قوانين الوزارة وسياسة الملك- كتاب أدب القاضي- وكذلك كتاب النُكت والعيون في التفسير، ذكره السبكي في طبقات الشافعيّة "الفقهاء" وذكره السيوطي() في طبقات المُفسرين"()، نقل ابن الجوزي() عن الماوردي قوله: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، واختصرته في أربعين، يريد بالمبسوط: "الحاوي " وبالمختصر: " الإِقناع"().

تحدّث عنه علماء الغرب منهم المُستشرق JOB() حيث كتب بحثاً بعنوان "نظريّة أبي الحسن الماوردي في السياسة والاقتصاد" وقدّمه إلى أحد المؤتمرات العلميّة في نيودلهي عام ١٩٣٧ م().

أولاً: " التنمية المُستدامة (Sustainable development) عند الماوردي:

" التنمية المُستدامة: "هي عبارة عن تواصل الدور التكاملي الفعّال للأجيال المُتعاقبة ضماناً لبقاء الحياة"()، وقدْ عرّفها مؤتمر الأمم المُتّحدة المعنى بالبيئة والتنمية لعام ١٩٨٧م بأنّها: "التنمية التي تلبي احتياجات الجيل الحالي دون الإِضرار بقدرة الأجيال المُقبلة على تلبية احتياجاتها الخاصّة"، فهي استراتيجيّة تواصليّة تقوم على ربط الجيل الحالي بالأجيال المستقبليّة، وتحضّ الجيل الحالي على ضمان الموارد الطبيعيّة حتّى يتسنّى للأجيال المستقبليّة ضمان وجودها وحياتها في استخدام تلك الموارد.

يقول الماوردي في أدب الدنيا والدين: " أرفق الله تعالى خلقه باتساع الآمال إلّا حتى عمر به الدنيا فعمّ صلاحها وصارت تنتقل بعمرانها إلى قرن بعد قرن، فيتم الثاني ما أبقاه الأول من عمارتها، ويرمم الثالث ما أحدثه الثاني من شعثها لتكون أحوالها على الأعصار ملتئمة، وأمورها على ممر الدهور مُنتظمة، ولو قصرت الآمال ما تجاوز الواحد حاجة يومه، ولا تعدّى ضرورة وقته، ولكانت تنتقل إلى من بعده خراباً لا يجد فيها بلغة، ولا يُدرك منها حاجة"().

ويتبيّن من خلال كلام الماوردي أنّ نظرته للتنمية المُطردة نظرة تفاؤليّة تقوم على حفظ الجيل للموارد الطبيعيّة ليتم تسليمها للجيل اللّاحق ليستفيد منها، كما يرى الماوردي في نظريّته الاقتصاديّة أهميّة التجديد للأصول الرأسماليّة الثابتة().

فالجيل الأول يقوم باستخراجها وإنتاجها، ولكنّها تظل صالحة للجيل الثاني ليستكمل الدور التشغيلي التنموي لها، ولكن حين يجيء الجيل الثالث فإنّ هذه الأصول الثابتة تكون قدْ أصابها التهالك وبالتالي يتحوّل الدور الإنتاجي للجيل الأول والإنتاجي الإستكمالي للجيل الثاني إلى دور مختلف للجيل الثالث وهو القيام بعمليّات الترميم والإِصلاح للأصول الثابتة لتصبح جاهزة وصالحة للاستعمال من الجيل اللّاحق وهكذا.. يقول الماوردي: "ويُرمّم الثالث ما أحدثه الثاني من شعثها لتكون أحوالها على الأعصار ملتئمة، وأمورها على ممر الدهور مُنتظمة"().

كما أشار الماوردي للدور الاستثماري الذي يجب أنْ يقوم به أبناء الجيل والذي يتجلّى في الاستفادة المُستمرة من الموارد المُتاحة يقول الماوردي:" وإذا عجِز رب الأرض عن عمارتها قيل له إمّا أنْ تؤجرها أو ترفع يدك عنها لتدفع إلى من يقوم بعمارتها ولم يترك على خرابها وإن دفع خراجها( ضريبتها) لئلا تصير بالخراب مواتاً"()، فذكر الأرض كنموذج لهذا الاستثمار.

فأوضح أنّ على المالك إمّا استغلالها بشكل إيجابي أو تأجيرها في حال لم يستطع استغلالها، كما أوضح الماوردي بأنّ دفع الضريبة عليها لا يعفي المالك من استثمارها إما بنفسه أو من غيره، وبالتالي أشار الماوردي هنا إلى تمويل الخدمات والاستثمارات العامّة بدفع الضريبة، وأشار إلى الدور الاستثماري الآخر للفرد نفسه، وبين أن هذا ليس تبادلياً إنّما تكاملياً، فالاستثمار والتمويل بنظر الماوردي شرطان أساسيّان للتنمية المُطردة..

ثانياً: تنمية الموارد البشريّة (Human Resources ) عند الماوردي:

 يقول الماوردي:" لا يُولى أحد بشفاعة شفيع إذا لم يكن مضطلعاً بثقل ما ولي حتّى لا يختل العمل بعجز عامله"()، ويقول أيضاً: " لا يورث الأبناء منازل الآباء إذا لم يتناسبوا في الطباع ولا يستعمل في الكتبة من كان أبوه كاتباً إذا كان هو غير كاتب"().

هذا الذي يقوله الماوردي جليل وعظيم يؤكد فيه على عدم وراثة الوظائف إذا لم يكن الوارث أهلاً لهذا العمل، لأن فيه فساد العمل وفيه الانهيار، وهذا ما يعرف بمبدأ ( تكافؤ الفرص)، ثم يقدِّم الماوردي أربعة مُقترحات لتنمية الموارد البشريّة وهي():

تمتُّع العامل بحالة الاستقرار الوظيفي، فعندما يضمن العامل أنه لن يستبعد في عمله في أي لحظة مستقبليّة يحثّه هذا على تحسين أدائه بحيث يكون إنتاجه أكبر، وهذا ينعكس على استقرار الحياة الاقتصاديّة يقول الماوردي في هذا الإطار: "إذا سكنت نفس العامل باستقراره في عمله ما دام قائماً به على وجهه الأكمل فكر في صلاح غده قبل فكره في صلاح يومه لعلمه ببقاء العمل عليه وأن خير العاقبة وشرها عائد عليه منسوب إليه"().

كفاءة العمالة: بين الماوردي أسلوباً لرفع سويّة أداء العمالة من خلال استغلال وقت العمل، كما أشار إلى أوقات الاستراحة للعامل لما فيها من تجديد النشاط والقابليّة للعمل، كما أشار إلى بناء العامل العلمي بتثقيفه، وزيادة خبرته ومهارته بتحصيل العلم، يقول الماوردي: "فليس كل الوقت وقت اكتساب فلا بد للمكتسب من أوقات استراحة وأيام عطلة، ومن كانت عطلته في تحصيل العلم فقد نجا"().

الحد الأدنى للأجور (تقدير الأجور): "المراد بتقدير الأجور معرفة الأُسس التي يعرف بها أجرة العامل مقابل قيامه بعمل ما تساوي مبلغ معين, وأجرة القيام بحرفة معيّنة هو مبلغ مُحدّد يوميّاً أو شهريّاً، وأجرة دار في حي من الأحياء مبلغ قدره كذا شهريّاً, ويُعد الحديث عن مسألة تقدير الأجور من جوهر مسائل الاقتصاد الإسلامي, لأنّ تقدير الأجور يقوم أساساً على التحليل الاقتصادي، وفي تقدير الأجور للعمال في القطاع الخاص, والأجير المشترك, وأجور الأعيان, يمكن أنْ ينظر إليها من ناحية تقديرها في ظل الظروف الطبيعيّة لسوق المنفعة ويكون الأجر خاضعاً للعرض والطلب، وكذلك في ظل ظروف استغلال السوق.

إذْ يُمكن أنْ يتلاعب بعض الناس بحريّة سير قانون العرض والطلب, مثل أنْ يتفق أصحاب حرفة معيّنة على رفع مقدار الأجور بشكل لا يتناسب مع قيمة العمل, وإذا ظهر استغلال في القطاع الخاص فإنّ الحاكم مُخوّل بتسعير الأعمال من أجل العودة إلى قيمة المنفعة, فتكون الدولة هي الحكم العدل بين العمّال وأرباب العمل، وأمّا تقدير أجور موظفي الدولة فهي تُقدّر بكفاية العامل, ويخضع هذا الأمر لعدّة ضوابط, فلا بد من الأخذ بمعايير نوع العمل, وكفاءة العامل, ومقدار ما يجلبه من المصالح, ويدرأ من المفاسد"().

وبناءً عليه فقدْ قامت نظريّة الماوردي في الأجور على الكفاية للعامل أي أنْ يتماثل أجر العامل مع حد الكفاية ( وليس الكفاف)()، يقول الماوردي:" تقدير الأجر مُرتبط بالكفاية حتّى يستغنى بها عن التماس ما يحتاجه من ضرورات وهي بقدر كفايته في نفقته وكسوته"(). 

الأجر التقاعدي: قرَّر الماوردي ضرورة إعطاء الورثة حقوقهم من أجر العامل المُتبقي الذي يعتبر ديناً في ذمة الدولة أو صاحب العمل، واقترح أنْ يكون ذلك في شكل معاش دوري يمنح لهم، يقول الماوردي:" إذا مات أحدهم أو قُتل كان ما يستحق من أجره موروثاً عنه وهو دين في ذمة الدولة لورثته"().

ثالثاً: الرّيع ومحدّداته عند الماوردي:

ركَّز الماوردي على الأرض من حيث المُلكيّة ومن حيث العائد (الرّيع)، وذلك على التفصيل التالي():

١. أهميّة الأرض ومُلكيّتها: وما يُبرّر حديث الماوردي عن ملكيّة الأرض قبل الحديث عن الرّيع (العائد) هو تأكيده على أهميّة الأرض، باعتبارها مصدراً مهمّاً من مصادر إنتاج الوسائل الماديّة لإِشباع الحاجات الإنسانيّة، ثم إن مما يضاعف من أهميّتها أنّها لم تكن نتيجة لجهود الإنسان بل هي من خلق الله وليست ممّا عملته أيدي الناس وهي على حد تعبير الوضعيّين هبة من الطبيعة، هذا ماخلا جهود الإنسان في استصلاحها وعمارتها، وتتضاعف أهميّة الأرض من المنظور الإسلامي عموماً ومنظور الماوردي خصوصاً للطبيعة الزراعيّة التي كانت تُهيمن على عموم الأنشطة الاقتصاديّة زمن التشريع وحتى عهد الماوردي، كذلك ركزَّ الفكر الاقتصادي الوضعي على الأرض فيرى الفيزوقراطيون() أنَّ القطاع الزراعي هو القطاع المنتج الوحيد، لأنَّ الطبيعة تتعاون مع الإنسان في هذا المجال أكثر من تعاونها في أي مجال آخر.

فالزراعة - برأيهم - هي القطّاع الوحيد الذي يُحقق ناتجاً صافياً، أمّا القطّاعات الأخرى فهي عقيمة، كما عد الفكر الكلاسيكي الأرض أحد عناصر الإنتاج المُهمّة ورتب لها نصيباً من حصيلة العمليّة الإنتاجيّة، بل حتّى الآراء المُقابلة لآراء ريكاردو التبريريّة للرّيع والداعية إلى فرض ضريبة وحيدة تمتص الريع وتعيده إلى المجتمع كونه السبب في نشوء الريع كما تعكسه كتابات هنري جورج Henry George() في "التقدم والفقر" ما هي إلا اهتمام بملكيّة الأرض من زاوية أخرى بل أن آراء مالتوس() التشاؤميّة إنّما بنيت أساساً على محدوديّة أو ثبات عنصر الأرض وعمل قانون الغلة المتناقصة()، وهذا ممّا يكشف على وجه العموم الأهميّة الاقتصاديّة لهذا العنصر (الأرض)().

٢. عائد الأرض (الريع): "يُميّز الماوردي بين عدّة أنواع من الأرض حسب اعتبارات مُختلفة منها سياسة كطريقة دخول الأرض ضمن إِطار الدولة الإسلاميّة، ومنها اقتصاديّة كما هو الحال بالنسبة للإحياء (العمل)، وسواء كانت الأرض سياسيّة استولى عليها المسلمون (سواء كانت ما ملكت عنوةً أو قهراً، أو ما ملكت من المشركين عفواً لانجلائهم عنها خوفاً أو أن يستولي عليها المسلمون صلحاً) أو كانت اقتصاديّة (إِحياء الموات، تحجير، الحمى، قطائع).

 وفي الحالات كلها فصَّل الإسلام عبر آراء فقهائه بكيفيّة التصرف بها وماهيّة دخولها في الملكيّة الخاصّة أم الملكيّة العامّة أو يعود لولي الأمر الخيار وما إلى ذلك، ولكن في كل الحالات هناك عائد لهذه الأرض ناتج عن التوظيف (ضريبة) جرَّاء دخولها في العمليّة الإنتاجيّة، وهذا يُمثّل جوهر نظريّة الرَّيع في الفكر الاقتصادي الوضعي"() فهاهو ريكاردو يُعرّف "الرّيع" بأنه: ذلك الجزء من ناتج الأرض الذي يدفع للمالك نظير استخدام قوى الأرض الأصليّة التي لا تهلك، وفي اللغة العاديّة فإنَّ الريع هو كل ما يدفع عادةً بواسطة مزارع لمالك أرضه"()، "وطبقاً لريكاردو فإنَّ الرَّيع الاقتصادي هو الفائض الحقيقي الذي يتبقى بعد أن تكون مصاريف الزراعة مدفوعات العمل- رأس المال- التنظيم قدْ قوبلت، وبالتالي لابد لمالك للأرض أنْ يحصل على جزاء نتيجة مساهمة أرضه في العمليّة الإنتاجيّة"()، "وفي هذا يكون للماوردي فضل السبق في طرح أفكاره حول الريع مُتقدماً بذلك على ريكاردو بحوالي ٨٠٠ عام تقريباً"().

أساسيّات الفكر الاقتصادي عند الماوردي:

"أكّد عُلماء الاقتصاد والبيئة() على تبنِّي استراتيجيّة التنمية المُستدامة؛ فقدْ قام كاتبو تقرير لجنة (برونتلاند) المعنون: (مُستقبلنا المشترك) في عام ١٩٨٧م؛ بوضع مصطلح (التنمية المُستدامة) للدلالة على التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر، دون أنْ تؤثِّر في قدرة الأجيال المُقبلة على تلبية احتياجاتها، وعلى هذا فقدْ عرفت التنمية المُستدامة بأنها: " الأعمال التي تهدف إلى استثمار الموارد البيئيّة بالقدر الذي يحقّق التنمية، ويحد من التلوث، ويصون الموارد الطبيعيّة ويطوِّرها، بدلاً من استنزافها ومحاولة السيطرة عليها، وهي تنمية تراعي حق الأجيال القادمة في الثروات الطبيعيّة للمجال الحيوي لكوكب الأرض.

 كما أنّها تضع الاحتياجات الأساسيّة للإنسان في المقام الأول، فأولويّاتها هي تلبية احتياجات المرء من الغذاء والمسكن والملبس وحق العمل والتعليم والحصول على الخدمات الصحيّة وكل ما يتّصل بتحسين نوعيّة حياته الماديّة والاجتماعيّة، وهي تنمية تشترط ألا نأخذ من الأرض أكثر مما نعطي، أي إنها تتطلب تضامناً بين الجيل الحالي والجيل المستقبلي، وتضمن حقوق الأجيال المقبلة في الموارد البيئيّة، وفي قمة الأرض الأولى التي عقدت في ريودي جانيرو Rio de Janeiro)) بالبرازيل في عام ١٩٩٢، وهي القمّة التي حضرها معظم ملوك دول العالم ورؤسائه، والتي تمّ فيها تبني مفهوم التنمية المُستدامة باعتباره قيمة حضاريّة"(). 

"لكن من الطريف أنَّ الماوردي هو رائد هذه النظريّة مُنذ ألف عام تقريباً، حيث يلاحظ من خلال كلام الماوردي الذي سبق ذكره في مقدّمة المطلب أنّه تعرّض لذات النظريّة بجوهرها الرئيسي وهو الاقتصاد الفعّال الذي يجب على كل الأجيال أنْ تلعبه في سبيل الحفاظ على الكون بأكمله، فما توصل إليه علماء البيئة والاقتصاد من تبني مفهوم التنمية المُستدامة سنة ١٩٨٧م، قد طرق الماوردي هذا الباب منذ ١٠٠٠ تقريباً، بقوله: "أرفق الله تعالى خلقه باتساع الآمال إلّا حتّى عمر به الدنيا فعمّ صلاحها وصارت تنتقل بعمرانها إلى قرن بعد قرن، فيتم الثاني ما أبقاه الأول من عمارتها، ويرمم الثالث ما أحدثه الثاني من شعثها لتكون أحوالها على الأعصار مُلتئمة"(). 

١- "إنّ ما طرحه الماوردي حول تنمية الموارد البشريّة ولاسيّما الحياة الوظيفيّة كان في عصر لم تكن فيه طروحات هذه القضايا تخطر على العقل الغربي أو العربي فكان ذلك استباقيّة تاريخيّة تسجل لصالح هذا العالم الكبير في عام ١٠٠٠م، فقدْ تحدّث عن ضرورة تمتع العامل بحالة الاستقرار الوظيفي، ورفع سويّة أداء العمالة من خلال استغلال وقت العمل، وتقدير الأجور معرفة الأُسس التّي يعرف بها أجرة العامل مُقابل قيامه بعمل ما تساوي مبلغ معين.

كذلك تحدّث عن الأجر التقاعدي، في حين أنّه لم تتبلور تنمية الموارد البشريّة في كتابات المُفكرين إلّا حوالي القرن التاسع عشر، فقد أدرك روبرت أوين Robert Oyen))() سنة ١٨١٠م الحاجة إلى مُمارسة الأنشطة الخاصّة بالأفراد بأسلوب مدروس ومسئول؛ فقدْ كان سبّاقاً في اقتراح أفكار كانت تُعتبر ثوريّة في زمانه؛ مثل تحديد الحد الأدنى لسن العمل بالنسبة للأطفال، وتنظيم الإجراءات الخاصّة بشكاوي العمال، وتوفير أماكن إقامة للعمال، وتقديم تسهيلاتٍ تعليميّة وصحيّة للعاملين وُأسرهم، والاهتمام بتدريب العاملين؛ لذلك يُسمّى روبرت أوين Robert Oyen)) من قبل الكثيرين ب "أبو إِدارة الأفراد"().

" كما أصبحت إِدارة الأفراد مهنة، ونمّت المعارف العلميّة الخاصّة بهذا الميدان، وبدأت تتراكم، مع نهاية المرحلة الحرب العالميّة الأولى التي أدت إلى تغير سريع في أسواق العمالة، والانتقال من أسواق تتّسم بوفرة العرض إلى أسواق تتّسم بِندرة العمالة؛ الأمر الذي أدّى إلى الاستخدام المتزايد للتدريب، والذي كان يعكس الاهتمام باتّجاهات العاملين، وكان يهدف بالتالي إلى تقليل معدّل دوران العمالة، واتسع أيضاً نطاق استخدام أساليب تقييم الأفراد"(). 

٢- "ركَّز الماوردي في طرحه ل"الرّيع" على الأرض من حيث الملكيّة ومن حيث العائد (الرّيع)، وميز بين عدّة أنواع من الأرض حسب اعتبارات مُختلفة منها سياسة كطريقة دخول الأرض ضمن إِطار الدولة الإسلاميّة، ومنها اقتصاديّة كما هو الحال بالنسبة للإحياء (العمل)، وأنها كلها لها عائد ناتج عن التوظيف (ضريبة) جرَّاء دخولها في العمليّة الإنتاجيّة.

وهذا يُمثِّل جوهر نظريّة الريع في الفكر الاقتصادي الوضعي، وفي هذا يكون للماوردي فضل السبق في طرح أفكاره حول الرَّيع متقدماً بذلك على ريكاردو بحوالي ٨٠٠ عام تقريباً، حيث تحدّث ريكاردو المتوفى سنة ١٨٢٣ م، عن "الرّيع" ليعرف فيما بعد بنظريّة الرّيع عند ريكاردو فلا يكاد يذكر "الرّيع" إلّا ويقفز الفكر الاقتصادي إلى ريكاردو دون أي ذكر للماوردي أو كلامه في الريع، بل يمكن القول أنّ ريكاردو قدْ اقتبس فكرته من الماوردي وهذا ليس مُستبعداً"().