العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

النقود الرقمية والثورات الشعبية

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

النقود الرقمية والثورات الشعبية

تمثل البيتكوين نقلة نوعية في النظام المصرفي والمالي العالمي

تعتبر الثورات الشعبية وسيلة قلب الأوضاع السائدة بسبب تسلط وسوء إدارة الحكومات لأعمال ومصالح الناس. فالناس تطالب بمزيد من الرقابة على مديري أعمالهم المتمثلين بحكوماتهم ودولهم، وقد ازداد الضغط على تلك الحكومات بازدياد وسائل الرقابة الالكترونية. فالموازنات مفتوحة المصدر هو بمثابة تدخل شعبي في إعداد الموازنة العامة للدولة، كما أن نشر الأخبار والكتب والمقالات الالكترونية هو ابتعاد عن التسلط الحكومي على هذه الأنشطة الإعلامية.

والآن جاء دور التخلص من الدور الحكومي من التسلط على اصدار النقد والتلاعب بقيمته؛ فالبنوك المركزية لم تعد حيادية في الاقتصاد بل هي تمثل أداة تحقق الكسب للحكومات مستغلة مصالح الناس؛ فعوضاً عن كونها مؤسسات تدير مصالح الناس بحيادية صارت أداة استغلالها؛ فالسياسات النقدية تعمل على إفقار الناس وسحب مدخراتهم وتفريغها من قيمتها الحقيقة. كما أن البنوك عموماً تعمل لتعظيم مصالحها ضاربة مصالح الناس عرض الحائط.

وما ظاهرة (ويكيليكس) إلا أنموذج للحركات الاجتماعية المناوئة للنظام العالمي المتسلط؛ ففي سبتمبر ٢٠١١ نشر موقع ويكيليكس ٢٥٠ ألف وثيقة فيها مراسلات دبلوماسية أمريكية بهدف كشف حقيقة الدبلوماسية الأمريكية؛ فردت الولايات المتحدة على ذلك بمنع شركات (فيزا) و(باي بال) و(ويسترن يونيون) من تحويل التبرعات إلى (ويكيليكس) ما حرمها من ٩٥٪ من مصادر دخلها.

استدعى ذلك قيام ثورة شعبية للخلاص من ذلك التسلط الذي يعتمد على حجج مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال ما جعل التدخل الحكومي بالخصوصيات فاضحاً، حيث لم يعد لأي شخص خصوصية. في هذا الوقت بدأت العملات الافتراضية تمثل أداة لتلك الثورات النقدية، - وقد صدر منها أكثر من نوع تعرضنا لها في مقالات سابقة - ولكون عملة البتكوين أشهرها فسنركز الكلام عليها.

البيتكوين عملة رقمية يصنعها ويحملها ويتداولها مستخدموها، ويمكن لأي مستخدم تحميل أكوادها، كما يمكن لأي مستخدم المساهمة في تطوير ذلك. وقد ذكر (ناثنيل بوبر) في كتابه «الذهب الرقمي» بعض الامتيازات التي تختلف بها هذه العملة عن العملات التقليدية من حيث:

  • سهولة التداول.
  • غياب أي سلطة مركزية لإدارة العملة؛ فقاعدة بياناتها المفتوحة تسمى Blockchain، هي كدفتر حسابات ضخم  تسجل فيه كامل تعداد البيتكوين الموجودة والصفقات التي تتم، وهي متاحة لجميع الأجهزة المرتبطة بشبكة البيتكوين.
  • استخدام الحركات الاجتماعية للهروب من القيود الحكومية.
  • لا يوجد حد أقصى لاقتناء عملات البيتكوين.
  • تجمع هذه العملات في محفظة، وتقتنى من أي بريد الكتروني، ما يعني أنه يسمح للفرد الواحد إدارة أكثر من محفظة، في كل منها عدد غير محدود من البيتكوين.
  • يستخدم نظام البيكتوين مفتاحاً مرمزاً عصياً على أذكى البرمجيات إن رغبت في اختراقه، فهو يتكون من رمزين (كودين)، أحدهما خاص والآخر عام، يسجل الكود العام في قاعدة بيانات blockchain يكون متاحاً للجميع، بينما الكود الخاص يكون حكراً على طرفي الصفقة.

ويضاف لما ذكره (ناثنيل) الآتي:

  • كلما تغيّر مالك العملة الرقمية يتم ادخال القيود آلياً كما هو حال دفتر الحسابات وتعمل شبكات الحواسب على تأكيد كل عملية مشفرة، ما يعزز الثقة بين أطراف الصفقات الذين غالباً لا يعرفون بعضهم بعضاً.  
  • البيتكوين أكثر توافقاً مع طبيعة اقتصاد الإنترنت.
  • هي عملة عابرة للحدود دون وجود أي نوع من الضرائب عليها.
  • يمكن لها أن تنقسم إلى وحدات أصغر قادرة على الوفاء بمتطلبات الخدمات ذات التكلفة المتناهية الصغر، فقراءة صفحة واحدة من كتاب معين مقابل ٠.٠١ سنت يمكن سدادها بالبيتكوين.
  • سرعة نقل الأموال: فقد واجه بنك (جي بي مورجان تشيز) أزمة كادت أن تؤدي لانهياره، وكان في حاجة لدعم نقدي من بنك باليابان، تزامن ذلك مع الإجازات الأسبوعية، ولتجنب ذلك الموقف تم تحرير شيكات ورقية بقيمة ٩ مليارات دولار وإرسالها بالبريد الإلكتروني، بينما لو تم اللجوء للبيتكوين لنقلت الأموال في ثوان معدودة.
  • التخلص من حوادث سرقة البنوك والمتاجر والحافلات للسطو على ما فيها من نقود.
  • التخلص من عمليات نقل النقود بين المصارف وغيرها، مما يعزز سلامة موظفيها.
  • وقف طبع النقود والتخلص من تكاليفها المرتفعة. فقد أوضحت الدراسات أن حجم النقود في الولايات المتحدة الأمريكية ١.٣٠٠.٠٠٠.٠٠٠.٠٠٠ دولار بمعدل ٦٠٠٠ دولار للشخص بينما هو ٣٥٠٠ يورو في أوروبا. وأوضحت الدراسات أن الفرد لا يحمل في محفظته أكثر من ٥٠-٦٠ دولار. وأن ٧٨٪ من النقد الأمريكي يتألف من فئة ١٠٠ دولار وأن واحد من كل عشرين فرد استخدم ورقة ١٠٠ دولار خلال السنة، وأن كل فرد يستخدم ٣٠ دولار من فئة ١٠٠ دولار خارج البلاد. لذلك قإن معظم النقد المطبوع تجهل المصارف المركزية مكان وجوده. وبتتبع تلك الكميات الضخمة من الورق النقدي يتضح أن أغلب وجودها هو في حوزة تجار المخدرات والعصابات المسلحة. لذلك بدأ المركزي الأوربي بدراسة وقف طباعة النقد من فئة ٥٠٠ يورو.
  • تطور المحلات الكبيرة برامج خاصة بعروضها، يسدد الزبائن بموجبها قيمة فواتيرهم من خلال هواتفهم الذكية، وتنشئ هذه المحلات ملفات تعريفية خاصة للزبائن، وفي هذا اختراق للخصوصية؛ فلا أحد يعلم ماذا يُفعل بهذه البيانات؟. بينما العملات الالكترونية تتجنب كل تلك التعقيدات.
  • يساعد إلغاء الأوراق النقدية في تحسن الاقتصادات المتعثرة.
  • يتم التخلص من العملة النقدية باتجاه المزيد من استخدام البطاقات الائتمانية من خلال: تقليل عدد الصرافات من التداول، وخفض الرسوم على سحب المال، وبترويج البطاقات الائتمانية. وهذا كله يساعد المصارف في تحقيق مكاسب من تلك العمليات. لذلك فإن التحول نحو النقود الالكترونية هو الخيار الأفضل من اعتماد البطاقات الائتمانية.

من جانب آخر فإن عصابات الانترنيت والمتطفلين يرتكبون الجرائم الالكترونية عبر المصارف وغيرها في مختلف الدول. ولا تنشر المصارف هذه الخسائر الكبيرة حتى لا تتأثر ربحيتها.

الطريقة الشعبية لإدارة الاموال:

عندما انطلق موقع Silk road  في الشهر الثاني من ٢٠١١ كان سعر البيتكوين دولاراً واحداً، وفي منتصف الشهر الخامس ٢٠١١ أصبح السعر ١٠ دولار، وفي الشهر السادس ٢٠١١، وبعدما نادى أحد أعضاء الكونجرس بتجريم البتكوين ارتفع سعرها إلى ٣٠ دولاراً. وفي منتصف الشهر الثالث ٢٠١٢ أصبح حجم التعاملات بموقع Silk Road حوالي ٣٥٠٠٠ ألف دولار يومياً يشمل ١١ دولة. وتم ايقاف الموقع في الشهر التاسع ٢٠١٣ بعدما أصبحت قيمة البيتكوين ما يقارب الـ ١٤٠ دولاراً. وفي عام ٢٠١٧ وصل سعر صرف قيمة واحدة البتكوين ٥٨٨٦.٠٥ دولار.

 

المصدر: رابط

هناك عاملان محددان لعملة البيتكوين يجعلانها مصدر ثقة الناس:

  • الحفاظ على blockchain.
  • التحديث المستمر للنظام.

ويتم تناول الأمرين شعبياً دون سلطة مركزية، حيث يتم تحديث blockchain دورياً بالصفقات التي عُقدت على شكل كتل Blocks، تضاف هذه الكتل كل ١٠ دقائق؛ ما يعيق أي محاولة لاختراق النظام والحصول على أموال دون وجه حق، فالسجل يقيد فيه:

  • الصفقات التي تمت.
  • من المالك؟
  • الكمية المملوكة.

أما عملية التحديث وتغيير البرتوكول المنظم لهذه العملة؛ فيتطلب موافقة أغلبية المستخدمين على التعديلات المقترحة مهما كان حجم هذا التعديل، ما يمنع سيطرة البعض على البرتوكول لتوجيهه لصالحهم، فمن أراد السيطرة وجب عليه أن يتملك ٥١٪ من إجمالي البيتكوين، وهذا أمر صعب للغاية، لذلك لا يمكن لأحد سرقة أموال الآخرين.

الحركات الاجتماعية والبيتكوين:

تطورت علاقة واضحة بين بعض الحركات الاجتماعية التي ظهرت مؤخراً  وعملة البيتكوين، حيث تعارض هذه الحركات النظام العالمي الحالي خاصة في شقه الاقتصادي.

وطُرحت فكرة تحويل التبرعات لبعض الحركات بالبيتكوين، وناقش مطورو البيتكوين الأمر وانتهوا إلى أن ذلك سيكون خطيراً للغاية، وأنه قد يؤدي إلى ملاحقة أمنية تعيق تطوير العملة وتداولها، إلا أن وقف الحكومة الأمريكية التحويل النقدي لويكليكس لفت انتباه العالم لمدى قدرة الحكومات على توظيف سلطاتها في التحكم في حركة الأموال.

أما حركة (احتلوا وول ستريت) التي ألهمتها الحركات المناوئة لسياسات التقشف في إسبانيا فقد اهتمت  بالبيتكوين كوسيلة لاستقبال التبرعات المحولة لها كي لا تتمكن الحكومات من تجميدها، وكوسيلة للحفاظ على الأموال الخاصة للأفراد من سيطرة وتحكم الأنظمة المالية الحكومية.

كما أظهرت الأزمة المالية الأرجنتينية قدرة البيتكوين على تحويل القوة من الحكومات إلى الفقراء؛ حيث عانى مواطنوها من الأزمات المالية مراراً وتكراراً؛ فأبدى العديد من الأرجنتينين اهتمامهم بالعملة الجديدة التي ستمكنهم من كسر القيود المشددة التي تفرضها الحكومة الأرجنتينية على (البيزو). من أمثلة تلك التقييم غير الواقعي لسعر صرف الدولار مقابل الـبيزو الأرجنتيني، ومنع التحويل عن طريق شركة (باي بال)، إضافة إلى تغريم الاقتصاديين الذي يعارضون السياسات الحكومية بشكل علني، ناهيك عن التأخير الكبير في إتمام أي عمليات شراء عابرة للبحار.

لقد اعتاد الأرجنتيون لفترة من الزمن على الحفاظ على أموالهم سائلة دون وضعها في بنوك نظراً لصعوبات فتح حسابات بنكية، إضافة إلى الصعوبة الشديدة في الحصول على بطاقات الائتمان، لكنهم شهدوا تراجع قيمة أموالهم بحدة مع التضخم المتسارع عدة مرات، ما جعلهم يرحبون بالبيتكوين كوعاء آمن وضامن لقيمة أموالهم، حتى لو لم يتمكنوا من استخدامها بشكل مباشر في الأرجنتين. فقد تراجع سعر صرف البيزو منذ بداية عام ٢٠١٣ مقابل الدولار بحوالي ٢٥٪ بينما ارتفع في حالة البيتكوين إلى حوالى ٨٦٠٪.

إن ما تسمح به النظم الالكترونية من زيادة الضبط والتحكم سيدعم هذا التداول الافتراضي، وفي الوقت نفسه لابد من الالتفات لأخطار أنظمة الدفع الجديدة.

حماة (حماها الله) ٧ صفر ١٤٣٩ هـ الموافق ٢٧ تشرين أول ٢٠١٧ م