A- A A+ : حجم الخط

إِشكالات إجارة الخدمات الموصوفة في الذمة وحلولها

د. علي أبو العز

مدير دائرة التدقيق الشرعي الداخلي – البنك الإسلامي الأردني

سأبين في هذا المقال أبرز الإشكالات الشرعيّة الواردة على منتج تمويل الخدمات التعليميّة وفقاً لصيغة الإجارة الموصوفة في الذمة، والحلول المقترحة، كما سيتم التنبيه على بعض الممارسات في هذا الإطار والتي ينبغي العمل على تصويبها وتفاديها.

1-            هل منتج تمويل خدمات التعليم عقد واحد أم مزيج من عدة عقود؟

العقد مع الجامعة مثلاً لا يقع على منفعة التعليم فقط، وإنما يقع على خليط من منافع الأعيان، والأعمال الماديّة والفكريّة؛ فالمحاضرات والدورات، والرحلات، والانتفاع بمرافق الجامعة، والاستفادة من مكتبتها بالقراءة والاستعارة، ينتظمها ككل عقد الإجارة، وتسري عليها أحكامه.

وعليه؛ فالعقد الجامعي المبرم مع الطالب يجمع بين أحكام إجارة الأعيان وإجارة الأعمال، ولكن عنصر الأعمال هو الغالب، وأمّا الأعيان فهي ليست إلّا تابعة للعمل وليست مقصودة لذاتها؛ حيث تصغر قيمة تلك الأعيان إلى حد كبير بالنسبة إلى الأعمال العقليّة، فتكون تابعة لها، ويكون العقد بالجملة إجارة، لكن في بعض التطبيقات الخدميّة قد يكون للأعيان قيمة محسوسة إلى جانب قيمة العمل، حتى لو كانت أقل قيمة منه؛ وذلك كالإقامة في المستشفى للعلاج أو في الفندق في رحلات الحج والعمرة، بالإضافة إلى توفير وجبات الطعام، فيصبح العقد في هذه الحالة مزيجاً من بيع وإجارة، سواء كانت قيمة الأعيان أو المادّة أكبر من قيمة العمل أو أصغر، ويقع البيع على المادّة وتسري أحكامه فيما يتعلق بها، وتقع الإجارة على العمل وتنطبق أحكامها عليه، لكنهما ممتزجان ببعضهما إلى حدٍ يصعب الفصل بينهما، والعقد الذي ينتظمها عقد واحد لا عقدين.

2-           الشخصيّة التعاقديّة ومدى اعتبارها بالنسبة لمزود الخدمة:

يُحدّد مجلس التعليم العالي قبل بداية كل عام دراسي أعداد الطلبة المقبولين في الجامعات الأردنيّة في برنامج البكالوريوس والدراسات العليا وفق شروط محددة، كما يحدد مجلس العمداء الشروط الأخرى الإضافية لقبول الطلبة في بعض التخصّصات.

ومعلوم أن الطالب الذي يقع الاختيار عليه للالتحاق بجامعة ما، لا يمكنه أنْ يتنازل عن حقه في المقعد الجامعي لغيره، ولو فعل لا ينفذ تصرفه، ولا تجيزه الجامعة، فالعبرة بشخص الطالب تحديداً، ولا تقبل الجامعة التعاقد مع غيره بوجه من الوجوه إذا كان ممّن لا تنطبق عليه المعايير المعتمدة لديها.

وبناءً عليه تلوح في الأذهان الأسئلة التالية:

هل تصلح الخدمة التعليميّة التي تقدمها تلك الجامعات لا سيما الحكوميّة أنْ تكون محلاً للتمويل بصيغة إجارة الخدمات الموصوفة في الذمة كون شخص الطالب محل اعتبار لدى الجامعة؟ وهل استئجار البنك لتلك الخدمة بواسطة الطالب من خلال توكيله يبطل العقد ويجعله لاغياً ؟ وهل الخدمة التعليميّة لا سيما الحكومية كحق الانتفاع لا يصح بيعها ولا التصرف فيها؛ لأنها مخصّصة لمنفعة شخص بذاته؟ وهل تمويل تلك الخدمة عن طريق البنوك الإسلاميّة يتعارض مع النصوص القانونيّة أو يتنافى مع المصلحة العامّة للمجتمع؟ وهل يختلف الحكم الفقهي فيما لو كان مقدم الخدمة جهة خاصّة لا حكوميّة؟

للإجابة على الأسئلة السابقة لا بد أولاً من تحديد طبيعة العلاقة التي تنشأ بين الطلبة والجامعات التي يلتحقون بها، لأهمية هذا التحديد في تأصيل الأحكام الشرعيّة لجميع التفاصيل والعلاقات الناشئة والمترتبةعلى المعاملة التمويليّة بصيغة الإجارة الموصوفة في الذمة.

أولاً: تكييف علاقة الطالب بالجامعة:

من البيِّن فقهاً أنَّ العلاقة بين الطالب والجامعة علاقة إيجاريّة واردة على التزام بأداء خدمة تعليميّة خلال فترة محددة مقابل مبلغ معلوم، وتخضع هذه العلاقة لأحكام عقد الإجارة في الفقه الإسلامي والقانون المدني بصفة عامّة، وليست ترخيصاً بالانتفاع، ولا عقداً إداريّاً، ولا منحة مقابل رسم، ولا يغيِّرُ من هذا الوصف كون الجهة التي تقدم الخدمة حكوميّة (عامّة)؛ إذ ليس من شأن ذلك أنْ يغيِّر من صفة العلاقة، كما أن التعاقد مع الجامعات حتى الحكوميّة لا يتضمن قيوداً تنافي طبيعة عقد الإجارة بحيث تخرج العلاقة بين الجامعة والطالب عن نطاقه.

ثانياً: وجود إطار للتفاهم حول صيغة التمويل بين الممول ومقدّم الخدمة:

ينبغي لإنجاح الصيغة التمويليّة من التوصل إلى صيغة تفاهم ما بين البنوك الإسلاميّة (الممول) وبين الجامعات (مقدّم الخدمة)، تحدَّد بموجبها الخطوط العريضة التي يبنى عليها العقد المزمع إبرامه مستقبلاً، بحيث يتم إبرامه بشروطه الشرعية.

وصيغة التفاهم هذه مجرّد إجراء تنظيمي فقط، وليست عقداً باتاً، وبناءً عليها تلتزم الجامعة في حال أراد أحد طلابها أنْ يتمول فصلاً دراسيّاً من خلال البنك الإسلامي، أنْ ترسل للبنك المعني عرض سعر يتضمن تفاصيل المواد والخدمات المصاحبة لها وأجورها، ويعد هذا العرض إيجاباً قائماً حتى يردّ عليه البنك بالموافقة أو الرفض، فإذا وافق البنك عليه حصل الانعقاد والتملك الشرعي، ومن ثم يقوم البنك بإِعادة تمليك خدمات الفصل الدراسي للمتمول بموجب عقد مخصوص.

ولا يلزم ليتملك البنك تلك الخدمات أنْ يسبقه مذكرة تفاهم، ويكفي أنْ يحصل من مقدّم الخدمة على إيجاب باستئجار الخدمة على النحو المبين آنفاً.

وقد يعترض الخطّة التمويليّة السابقة رفض الجامعات التعاون مع البنك الإسلامي وفقاً لإطار التفاهم المشار إليه آنفاً، مما يشكل عائقاً أمام مرور المنتج وتطبيقه، ولا تجد البنوك الإسلاميّة حينئذ بدّاً من اللجوء إلى الحلول البديلة؛ كتوكيل المتمول أو الطالب أو غيرهما ممَّن تسمح لهم الجامعة باستئجار خدماتها، بتملك الخدمات المطلوبة نيابة عن البنك، وبهذا التوكيل يمكن تجزئة التصرفات التي تشتمل عليها صيغة التمويل المصرفي إلى تصرفات ثلاثة؛ كل منها تصرف حدي مستقل متميز عن الآخر؛ الأول عقد وكالة، وعادة ما يكون مع الطالب، فيكون الطالب وكيلاً عن البنك في استئجار المنفعة التعليميّة على النحو المعيَّن والمبيَّن في عقد الوكالة، والثاني يعقده الوكيل/ الطالب مع الجامعة، يستأجر بمقتضاه ساعات دراسيّة لحساب البنك ولكن باسمه هو، فينصرف إليه أثر التصرف –كما سيأتي-، والثالث يعقده الموكل (البنك) إما مع الطالب إنْ كان هو المتمول، وإما مع وليّه أو صديقه أو مَنْ يعنيه أمره.

ثالثاً: مسوِّغات التوكيل:

من الصور التي تقترب إلى حدٍّ ما من صورة التوكيل الذي تلجأ إليه بعض البنوك الإسلاميّة بصفته حلاً يذلل عقبة قائمة، بيع المركبات بالمرابحة بعد شرائها من البائعين بموجب عقود بيع مستترة على الرغم من عدم وجود اعتراف قانوني بأي عقد لا يتم تسجيله في الدائرة الرسميّة، لكن الهيئات الشرعيّة في جميع البنوك الإسلاميّة رأت من باب تخفيف الأعباء الماليّة الاكتفاء بعقد البيع الشرعي بين البائع والبنك كونه يفيد الملكيّة، وتوافرت فيه جميع الشروط اللازمة لصحته، وإنْ كان النظر القانوني لا يعترف به ويبطل جميع آثاره، ولا شك أن الغرض الذي ألجأ إلى العمل بهذا العقد المستتر لدى البنوك تحقيق مصلحة الممول في تنفيذ التمويل والاستفادة من عوائده، ومصلحة المتمول في تقليل أعباء الرسوم المفروضة على كل تنازل، فبدلاً من أنْ يدفع رسوم التسجيل مرتين، يدفعها مرّة واحدة.

وأيضاً من الصور الشبيهة بها؛ أنْ يتنازل شخص لآخر بمركبة استناداً إلى عقد بيع شكلي في دائرة نظاميّة، ويكون الشخص المتنازل له المذكور اسمه في رخصة المركبة ليس هو المشتري الحقيقي، بل المشتري المقصود شخص آخر لا يسمح له القانون بأنْ يسجل تلك المركبة باسمه، فيوسط المشتري الحقيقي بينه وبين البائع شخصاً تكون مهمته تسجيل المركبة باسمه، وتكون تصرفّاته مع البائع مبنية على أساس الوكالة العلنيّة أو الخفيّة.

ومثل هذه الأساليب عادةً ما يكون الغرض منها التغلب على مانع قانوني أو شرعي يحول دون إتمام الصفقة، أو لدفع مضرة، أو لحاجة ملحة، أو لمصلحة بارزة([1])، لكن لا ينبغي أنْ يتوهم بأنها من قبيل عقد التلجئة الذي يتواطأ طرفاه على إظهاره أمام الناس لكنه لا يكون مراداً لهما، ولا يقصدان منه أنْ تترتب عليه آثاره في الواقع؛ فهو عقد صوري هزلي يراد به غير ما وضع له، ولهذا أبطله فقهاء الحنفيّة([2])، ولم يعتبروه موجباً لحكمه، بينما الأساليب المستخدمة في الصور السابقة ومنها التوكيل في منتج إجارة الخدمات تتضمن عقداً حقيقياً تنتج عنه جميع آثاره، وليس فيه مواطأة بين البنك والمتعامل على أنْ يظهرا في العلانيّة خلاف ما تواضعا عليه في السر.

ونجد في بعض التطبيقات الفقهيّة مراعاة واضحة لمثل هذه الموانع سواء كانت حسيّة أو معنويّة، ففي كتاب الوكالة أجاز جمهور الفقهاء للوكيل أنْ يوكِّلَ غيره فيما وكِّلَ به ولو كان غير مأذون له بذلك التوكيل، إذا كان لا يحسنه أو لا يمكنه فعله منفرداً أو يمكنه لكن بكلفة كبيرة، أو لا يليق بمنصبه وبأمثاله، كما إذا وكل شخص شخصاً على بيع دابة مثلاً، وكان الوكيل ممَّن تأنف نفسه أنْ يباشر هذا التصرف بذاته، فله في هذه الحالة أنْ يوكل عنه غيره في بيعها([3]).

وإنْ كان الأصل أنْ يعمل الوكيل باسم الموكل، إلا أنّ الحاجة قد تقتضي أنْ يخفي الموكل اسمه في التصرف الذي فوَّض فيه الوكيل لسبب أنَّ الجهة المنوي التعاقد معها ترفض التعاقد مع شخص الموكل، فيشترط في عقد الوكالة أنْ يعمل الوكيل باسمه الشخصي، وهذه الصورة تدعو الحاجة إليها كثيراً في التطبيقات العمليّة؛ كما لو عَلِمَ البائع باسم المشتري الحقيقي لطلب ثمناً أعلى طمعاً فيه، أو لامتنع عن البيع له نكايةً به، أو لأنه يريد أنْ يخفي صفقاته عن الجمهور لحاجة في نفسه أو لغرض مشروع، وإنما يكون التوكيل محرماً إذا كان لغرض غير مشروع كالتهرب الضريبي، أو لإخفاء المدين الموكل بالشراء أو البيع يساره ومماطلته عن الغرماء.

وللفقهاء في موضوع إضافة الوكيل العقد إلى نفسه أو إلى موكله تفصيلات هامّة، رأينا من الأهميّة إيرادها قبل إسقاط حكمها على مسألة البحث:

في المذهب الحنفي([4])تنصرف حقوق العقد من تسليم المنفعة، ودفع الأجرة وغيرهما إلى الوكيل إذا أضاف العقد إلى نفسه، أما حكم العقد وهو الملك إلى الموكل قولاً واحداً؛ فإذا كان التوكيل مثلاً باستئجار خدمة تعليميّة، فالموكل لا الوكيل هو الذي يصبح مالكاً للخدمة، وكان ينبغي أنْ يكون الوكيل هو المالك، لأنه هو الذي أوجد سبب التملك وهو العقد حقيقةً وشرعاً، إلا أن الشرع أثبت أصل الحكم وهو الملك للموكل؛ لأن الوكيل إنما أنشأ العقد لمصلحته بناء على أمره وإنابته، وفعل المأمور يضاف إلى الآمر، ولا يمكن اعتبار الوكيل مالكاً، وإلحاق حقوق العقد بالموكل؛ لأن الوكيل ما كان لتصرفه أنْ ينفذ لولا الولاية أو النيابة التي أعطاها له الموكل، فالوكيل تابع له، وتصرفاته مستفادة من ولاية موكله له، فكان إثبات حكم العقد وهو الملك للموكل، وإثبات توابعه للوكيل وضع للشيء في موضعه، لأن العقد تمَّ بعبارة الوكيل، وكان ينبغي أنْ يكون أثر العقد منصرفاً إليه، ولو أثبتنا الملك والحقوق للوكيل بطل مضمون الوكالة، ولو أثبتناهما للموكل بطل عبارة الوكيل، ولمَّ كان إعمال الأمرين أولى من إهمالهما أو إهمال أحدهما، أثبت الحنفيّة الملك للموكل؛ لأنه الغرض من التوكيل، وأثبتوا الحقوق للوكيل، لأن حقوق العقد لو لم تتعلّق به يتضرر العاقد الآخر على تقدير كون الموكل مفلساً أو لا يقدر على مطالبته واستيفاء حقه منه.

وقالوا أيضاً بهذا الصدد بأن حكم العقد وهو الملك ينصرف ابتداءً إلى الموكل عن طريق خلافته للوكيل، والخلافة هنا كخلافة الوارث؛ فكما يحل الوارث محل مورثه ويقوم مقامه، يحل الموكل محل الوكيل ويقوم مقامه في حكم العقد، وأما حقوق العقد فتثبت أصالة للوكيل ومن ثم يلتزم بنقلها للموكل.

وأما إذا أضاف الوكيل العقد إلى موكله، فحكم العقد وحقوقه تتعلق بموكله لا به؛ لأنه سفير أو مجرد أداة في يد الموكل يكسب بها حكم العقد وحقوقه.

وفي المذهب الشافعي([5])لا يجوز للوكيل أنْ يضيف العقد إلى الموكل، بل يجب أنْ يضيف العقد إلى نفسه، ولو أضافه إلى نفسه بطل العقد.

 والظاهر من نصوص المذهبين المالكي والحنبلي([6]) جواز إضافة الوكيل العقد إلى نفسه، وهذا هو الأصل والغالب في العمل، وجواز إضافته إلى موكله؛ فإذا أضافه إلى موكله، انصرف حكم العقد وحقوقه إلى الموكل دون الوكيل، وكذلك إذا أضاف العقد إلى نفسه، فليس للجهة التي يتم إسناد أو عطف العقد إليها تلك الأهمية التي بيناها آنفاً في المذهب الحنفي.

وبناء عليه؛ إذا تعاقد الطالب (وكيل البنك) مع الجامعة، وهو في العادة لا يصرح لها باسم موكله وإنما يضيف العقد إلى نفسه، فإنه يكون في علاقته مع الجامعة أصيلاً، وفي علاقته مع الموكل يكون وكيلاً، إلا أنه في علاقته مع الجامعة ينصرف أثر العقد ويضاف إليه لا إلى موكله، وسواء كانت الجامعة تعلم بالتوكيل أو لا تعلم به، لأننا نعلم أن الجامعة إنما تقصد التعاقد مع الطالب لا مع البنك، وليس الأمر كمَن دخل متجراً ليشتري سلعة لا يعنيه أنْ يكون البائع لها أصيلاً أو يكون وكيلاً، كما لا يعني البائع أنْ يكون المشتري لنفسه أو لغيره، إذ في هذه الحالة إذا كشف الموكل عن نفسه، فإنَّ له أنْ يرجع مباشرة على الغير، كما يكون للغير أنْ يرجع عليه، وهذا عملاً بالأحكام التي سبق بيانها لفقهاء المذهب الحنفي، أما على رأي المذاهب الثلاثة الأخرى؛ فإن حكم العقد وآثاره (حقوقه) تنصرف تلقائياً إلى الموكل.

وأما البنك فلا يكون هو المستأجر (المباشر) للخدمة من الجامعة، بل يكون الدائن (المستأجر/الطالب) هو الوكيل، على أنّ الموكل (البنك) إذا لم يستطع الرجوع بحقوقه على الجامعة مباشرة، يستطيع الرجوع عليها بالدعوى غير المباشرة من خلال وكيله (الطالب).

أما عن علاقة الطالب بالبنك؛ فإنها تقوم على الوكالة المستترة التي عقداها معاً، وهذه الوكالة تجعل كلا منهما مرتبطاً بالآخر ارتباط الوكيل بالموكل، ولما كانت تعاقدات الوكيل تنصرف إليه، فإن الوكالة المستترة تقضي بنقل هذا الأثر من الوكيل إلى الموكل، فتنتقل الحقوق والالتزامات من الأول إلى الثاني، وهذا بخلاف الوكالة المعلنة التي يضيفها الوكيل إلى الموكل، فإن الحقوق والالتزامات التي يعقدها الوكيل تنصرف إلى الموكل ابتداءً كما مرَّ معنا.

رابعاً: الوكيل يوكل:

تجدر الإشارة إلى أنَّ التوكيل إنما يعقده البنك مع الشخص الذي يملك أهلية التعاقد، وتكون المنفعة مخصّصة له تحديداً لدى مقدم الخدمة، ومعلوم أن الطالب في المراحل العلميّة الأساسيّة والثانويّة يعقد وليه لصالحه مع مقدم الخدمة الاتفاقات اللازمة لانتفاعه بالخدمة التعليميّة، بينما يتولى الطالب بذاته في المرحلة الجامعيّة إبرام تلك الاتفاقات بنفسه، وعليه فالتوكيل في المرحلة المدرسيّة إنْ لزمت الحاجة إليه ينبغي أنْ يكون بين البنك وولي أمر الطالب أو مَنْ يعنيه شأنه، بينما في المرحلة الجامعيّة يكون بين البنك والطالب سواء كان هو طالب التمويل أو وليه، كما يجوز أنْ يوكل البنكُ في المرحلة الجامعيّة أيضاً ولي الطالب على أنْ ينيب الأخير الطالب عنه في تنفيذ الوكالة، وحينئذ لا يكون المتموّل مسؤولاً أمام البنك إلا عن أخطائه فيما أصدر للطالب من تعليمات، أو أخطائه في اختيار نائبه، وتصبح العلاقة مباشرة بين الموكل ونائب الوكيل، بل يصبح نائب الوكيل كالوكيل المباشر ما دام توكيله تمَّ بإذن الموكل أو بناء على تفويض الأمر للوكيل([7]).

3-           مدى سعة الوكالة وعمليّات السحب والإضافة:

لا يضيّق البنك حرية الطالب حينما يوكله في استئجار الخدمة التعليميّة إلى حد يصبح فيه مجرد رسول ينقل إرادة الموكل إلى الغير، وإرادة الغير إلى الموكل، وليس له إلا أنْ يتبع التعليمات حرفياً، كما لا يترك البنك له مطلق الحريّة في التصرف، وإنما يمنحه حرية إلى حد محدود، وطبقاً لتعليمات محدّدة، فالطالب تتسّع حريّته في أنْ يأخذ من مواد الفصل ما شاء، وأنْ يدع منها ما شاء، لكن ليس له أنْ يتجاوز مبلغ السقف الممنوح له وهو ما يعادل مثلاً خمسة عشر ساعة أو أقل أو أكثر بحسب التخصص الأكاديمي، ومستوى الدراسة.

وبما أنَّ البنك المموّل لا يخرج عن الإطار التنظيمي للخدمة التعليميّة المطبق في سائر الجامعات، وبما أن الجامعات تعطي لطلابها مهلة أسبوع واحد من بداية الفصل الدراسي لسحب المواد التي قاموا بتسجيلها، وإضافة أيِّ من المواد المدرجة ضمن الخطة الدراسيّة للتخصص، فإنَّ هذا الاختيار يستفيده الطالب في علاقته الإيجاريّة مع البنك أيضاً، فبإمكانه تغيير المواد التي تمَّ الاتفاق عليها في عقد إجارة تمليك الخدمات إلى مواد أخرى أكثر مناسبة منها، فهل هذا يوجب جهالة في محل العقد تفضي إلى فساده.

إنَّ الحاجة تدعو إلى اعتبار مثل هذه الاختيارات في عقود استئجار الخدمة التعليميّة؛ لأنَّ الطالب قد يبدو له بعد تسجيل مادة ما ضرورة تأجيلها إلى فصول لاحقة لصعوبتها عليه في الفترة الحاليّة، ولكونها تدرس في مرحلة متقدمة، فيحتاج إلى إتاحة الفرصة له بالعدول عن قراره الأول لاختيار الأرفق بحاله، والعقد بهذا الخيار الذي يعرف بخيار التعيين يلبي هذه الحاجة الماسة لدى جميع الطلبة، وقد أجازه فقهاء الحنفيّة، واشترطوا لجوازه أنْ يكون محدّداً بمدّة معيّنة([8]).

وجهالة المادة الدراسيّة ليست مفضية للنزاع؛ لأن المادّة البديلة التي سيختارها الطالب مدرجة ضمن قائمة الخطة الدراسيّة لمجال التخصص؛ أي تحقق ذات الغرض المنشود من المادة المسحوبة، كما أن البدل المالي لكلِّ منهما لا يختلف وهو معلوم، ويقع على عاتق الطالب خلال الأسبوع المخصص للسحب والإضافة تحديد ما يسحبه من المواد وما يضيفه مكانها، على ألا يزيد إجمالي الساعات عن العدد الذي وافق البنك على تمويله، وما زاد لا يكون البنك بصفته مؤجراً مسؤولاً عنه، ويتحمّله الطالب على نفقته الخاصّة.

ويضرب فقهاء الحنفيّة أمثلة توضيحيّة على هذه الصورة فيقولون بجواز أنْ يقول شخص لآخر: إنْ خطت هذا الثوب فبدرهم، وإنْ خطت هذا الآخر فبدرهم، وعملهما سواء، وكما لو قال إنْ سرت على هذه الدابة إلى موضع كذا فبدرهم، وإنْ سرت إلى موضع كذا فبدرهم، والمسافة سواء، بل أجازوا في بعض الصور تفاوت العمل والأجر، كما لو دفع شخص لآخر ثوباً، وقال له: إنْ صبغت هذا الثوب بعصفر، فلك درهم، وإنْ صبغته بزعفران، فلك درهمان؛ لأنه خيره بين منفعتين معلومتين، وجهالة ما يختاره المستأجر من الخيارين المتاحين له غير مفضية للنزاع([9]).

وكذلك الحال بالنسبة للجامعة مع طلابها، تقول له؛ سجِّل ما شئت من مواد التخصص، وأسعار كل مادة معلنة للطالب، وفي الغالب تكون أسعار التخصص موحدة بحسب الساعة لا بحسب المادة، فاختلاف المادة المسجلة لا يترتب عليه جهالة مفسدة للعقد.

ولكن قد تقوم الجامعة بإغلاق مادة لعدم الكفاية العدديّة، أو لعدم وجود مدرس، وفي العادة لا تفصح الجامعة للطالب عن الأسباب، وتكتفي بإعلامه بإغلاقها، وفي حال اختيار الطالب مادة بديلة عنها تنحل المشكلة، لكن قد لا تكون المواد المطروحة الباقية من مواد التخصص، وعندها يتم ترحيل رصيد المادة المدفوع إلى الفصل القادم، فهل يترتب على هذا الإجراء ضرورة قيام البنك بمعالجة العقد على ضوء هذا الظرف المستجد ؟

بما أن العقد أبرم بين الجامعة والممول (البنك)، فإن الرصيد المرحل يعتبر من حق البنك، ويجب حسمه من الأجرة التي يلتزم الطالب أو المتمول بدفعها للبنك، لأنَّ الأجرة مقابل المنفعة، فإذا نقصت المنفعة نقصت الأجرة بقدرها، وعليه يجب على البنك أنْ يخفض من الأجرة وربحها بما يعادل المبلغ المرحل، وفي حال حصول الطالب على هذا المبلغ يجب عليه إعادته للبنك، وبإمكان البنك الاستفادة منه باعتباره جزءاً من تمويل لاحق بينه وبين الطالب (المتمول)، لكن قد تنشأ خلافات فيما بين البنك والطالب أو وليه المتمول، ولا يرى البنك تجديد التعامل معه في المرّات القادمة، وقد يترك الطالب الدراسة ويفقد حقه في هذا المبلغ، لأجل هذا قد يكون من الأنسب معالجة هذه الإشكاليّة باعتبار المبلغ المرحل قرضاً حسناً على الطالب بعد حسم الأرباح منه، ويسدّده للبنك على وفق الآجال المحدّدة لعقد إجارة الخدمة التعليميّة، وفي المقابل يتنازل البنك له بالمبلغ المرحل لرصيد الطالب في الجامعة.

بقيت بعض الإشكالات المتعلقة بهذا المنتج، ارتأينا متابعتها وتأجيلها إلى المقال التالي لكي لا يطول المقال بالقارئ إطالة مملّة.

 

 (قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة) والحمد لله رب العالمين.



([1])       في باب الزكاة من كتاب العبادات التي هي من الشرائع التوقيفيّة، ومجال الاجتهاد فيها محدود في نطاق ضيق، نجد فقهاء الحنفية يتكئون على مثل هذه الأساليب لمواجهة بعض الأزمات الواقعة، فيذكرون أن الزكاة لا تجوز أنْ تصرف لبناء مسجد ولا في تكفين ميت ولا في قضاء دينه؛ لأن الشريعة نصت على مصارف محدودة، ولكن قد يوجد في بلد ميت غارم وليس في تركته أو في أهل بلده مَنْ يسدد عنه ديونه، وقد يكون أهل البلد محتاجين إلى مسجد، ولا موارد في البلد غير الزكاة، وهنا لجأ فقهاء الحنفية إلى بعض الاجتهادات المقاصدية لدفع الحرج الواقع، ولتوسعة الضيق الذي قد ينشأ عن الالتزام الحرفي بالنصوص الشرعية والمذهبية، فقالوا: يدفع المزكي زكاة ماله للفقير، ثم يأمره بفعل هذه المطلوبات، وبهذا يحصل المزكي على أجر الزكاة، ويسقط الفرض عن نفسه كونه وضعه في مصرفه، ويحصل الفقير على ثواب تلك الأعمال الصالحة التي أنفق أمواله عليها . ابن مازه، أبو المعالي محمود بن أحمد، " المحيط البرهاني " ، الطبعة الأولى ، دار الكتب العلمية ، 1424هـ-2004م، (2/282) .

([2])       الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود ، (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) ، الطبعة الثانية ، 1406هـ-1986م، (5/176).

([3])       المواق ، أبو عبدالله محمد بن يوسف العبدري ، " التاج والإكليل لمختصر خليل " ، دار الكتب العلمية-بيروت، (7/191). عليش، محمد بن أحمد، " منح الجليل شرح مختصر خليل "، دار الفكر - بيروت، 1409هـ-1989م، (6/391). النووي، أبو زكريا محي الدين يحيى بن شرف، " روضة الطالبين وعمدة المفتين " ، المكتب الإسلامي – القاهرة ، الطبعة الثالثة ، 1412هـ - 1991م ، (4/313). ابن قدامة المقدسي، أبو محمد عبد الله بن أحمد، (المغني) ، مكتبة وهبة – القاهرة ، 1388هـ- 1968م ، (5/71). ويشترط المالكية لصحة هذا التوكيل أنْ يكون الموكل عالماً بوجاهة الوكيل، أو يكون مشهوراً بالوجاهة، فإذا لم يتحقق هذا الشرط، وقام الوكيل بتوكيل غيره بدون إذن الموكل، صار متعدياً وتتحول يده من أمانة إلى ضمان، ويكون مسؤولاً عن مال موكله الذي في يده .

([4])       الكاساني، (بدائع الصنائع)، مرجع سابق، (6/36). الموصلي، عبد الله بن محمود، " الاختيار لتعليل المختار " ، مطبعة الحلبي – القاهرة ، 1356هـ- 1937م، (2/158) . ابن نجيم، (البحر الرائق)، مرجع سابق، (7/151،147). البابرتي، (العناية شرح الهداية)، مرجع سابق، (8/17) .

([5])       الشربيني، محمد بن أحمد الخطيب، (مغني المحتاج بشرح المنهاج)، دار الكتب العلمية-بيروت ، الطبعة الأولى ، 1415هـ-1994م، (3/253).

([6])       الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة ، " حاشية الشرح الكبير " ، دار الفكر ، بدون طبعة ولا تاريخ، (3/382). المرداوي ، علاء الدين أبو الحسن بن سليمان ، " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف " ، دار إحياء التراث العربي – بيروت، (13/447) .

([7])       الموصلي، (الاختيار)، مرجع سابق، (2/163). عليش، (منح الجليل)، مرجع سابق، (6/390) . الأنصاري، زكريا بن محمد، " أسنى المطالب في شرح روض الطالب " ، دار الكتاب الإسلامي ، بدون طبعة ولا تاريخ ، (2/271) . ابن قدامة، (المغني)، مرجع سابق، (5/70) .

([8])       علي حيدر، (درر الحكام)، مرجع سابق، (1/312). شاويش، وليد مصطفى أحمد، (أثر الإجارة في تمويل منافع التعليم في الفقه الإسلامي)، بحث منشور في مجلة الشريعة والقانون-كلية القانون-جامعة الإمارات العربية المتحدة، السنة الثامنة والعشرون، العدد (58)، رجب 1435هـ/ابريل 2014م، (ص189) .

([9])       الكاساني، (بدائع الصنائع)، مرجع سابق، (4/185) .

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الاقتصاد الاسلامي العالمية 2017