العدد الحالي: سبتمبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

صكوك الإجارة وإشكالاتها التطبيقيّة

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

صورية الملكيّة

من أهم إشكالات «صكوك الموجودات المؤجرة» صورية تملك حملة الصكوك لموجودات الصكوك المؤجرة على المصدر، وسبب هذا الإشكال مرتبط بإشكالي العينة والوفاء، وهو أن الموجودات محل الإجارة مملوكة في الأصل للمصدر واستخدمت في عملية الإصدار للحصول على السيولة فقط دون رغبة حقيقية في التخلي عنها لحملة الصكوك.

تطبيقات صكوك الإجارة

تمّت عمليّة الإصدار ببيع الموجودات لحملة الصكوك مع التعهد المشترك من الطرفين بإعادتها للمصدر بتكلفتها الأولى خلال فترة معينة يتخللها عقد إجارة. ومن المقتضيات الشرعية لتملك حملة الصكوك للموجودات المذكورة أن يكون لهم حق التصرف فيها بالبيع والهبة والاستغلال والاستعمال، وخاصة في حال إخفاق المصدر المستأجر أو غيره من المستأجرين في دفع الإيجارات الدورية المترتبة عليهم.

لكن الذي تؤيده التطبيقات القائمة أن حملة الصكوك ليس لهم تلك الحقوق ولهذا حالتان:

·               الأولى: أن تتضمن نشرة الإصدار نصًا بعدم أحقية حملة الصكوك في التصرف في العين في حال إخفاق المستأجر في سداد الإيجارات، وكذلك بعدم أحقيتهم في فسخ عقد الإجارة، واقتصار حقوقهم على المطالبة بالإيجارات. وهذا ما تبين عليه الحال في صكوك نخيل – حكومة دبي في أزمة 2008.

·               الثانية: أن تكون موجودات الصكوك أصولاً سيادية كأسطول الطائرات الوطنية، أو مبنى المطار، أو مبنى الحكومة ونحو ذلك، أو حق امتياز لشركة حكومية أو شبه حكومية، ولا يتصور من الناحية القانونية والواقعية إمكانية نقل ملكية هذا الأصول. ومن ثم يكون بيع تلك الأصول السيادية في الخطوة الأولى للإصدار بيعًا صوريًا غير منتج لآثاره. فلا يمكن لحملة الصكوك التصرف بتلك الأصول في حال إخفاق المصدر عن دفع الإيجارات المترتبة.

مظاهر الصورية

ومن مظاهر الصورية في تملك حملة الصكوك لموجودات الصكوك المذكورة هو أن الموجودات تبقى مسجلة في دفاتر المصدر نفسه، وفي أحسن الأحوال يتم إخراجها إلى شركة ذات غرض خاص محدودة المسؤولية مملوكة للمصدر نفسه، وتنقل إليها الموجودات لضمان استمرارية الموجودات بمعزل عن خطر إفلاس المصدر نفسه.

 

 وللخروج من هذا المأزق الشرعي والقانوني والمحاسبي، وجدت المالية الإسلامية نفسها في مواجهة قضية الملكية النفعية لموجودات الصكوك، والملكية القانونية لتلك الموجودات، وأن الفرق بينهما قد يسهم في دعم نوع من الصكوك يقوم على الملكية النفعية وهو المسمى في معيار مجلس الخدمات المالية الإسلامية Asset Based Sukukمتأثرًا بتجربة الصكوك في ماليزيا، ويتناول المقال القادم عرض وتقييم هذه الحلول.

 

صوريّة الملكيّة النفعيّة

يفرق معيار كفاية رأس المال الصادر عن مجلس الخدمات المالية بماليزيا بتاريخ 2005 بين نوعين من الصكوك: النوع الأول: (Asset backed sukuk) ويعني الصكوك المدعومة بأصول، أي أن مخاطر حملة الصكوك مغطاة بموجودات الصكوك. وفي هذا النوع يكون لحملة الصكوك التصرف بالأصول في حال إخفاق المصدر في دفع الإيجارات. وهذا النوع لا يواجه إشكالاً بشأن صورية الملكية.

النوع الثاني: (Asset-based sukuk) ويعني الصكوك القائمة على الأصول. وفي هذا النوع لا تنقل الصكوك باسم حملة الصكوك، ولهم حق الاستعمال والاستغلال، ولكن في حال إخفاق المصدر في دفع الإيجارات لا يكون لهم الحق في التصرف في الأصول محل الصكوك. وهذا النوع يواجه إشكال صورية الملكية لأن مقتضى تملك الأصول محل الإجارة أن يتسلط الملاك حملة الصكوك على الأصول بصفتهم مالكين، ويكون لهم بيعها في حال الإخفاق.

أيهما الأكثر صفقات الصكوك المدعومة بالأصول أو الصكوك القائمة على الأصول؟

أجرت أكاديمية إسراء الإسلامية العالمية في ماليزيا بحثًا في قاعدة البيانات المستقاة من مجلس الخدمات المالية الإٍسلامية بماليزيا طبقًا للزميل الدكتور سعيد بوهراوة من أكاديمية إسراء، فتبين أن عدد صفقات الصكوك المدعومة بالأصول Asset backed sukuk-قليل جدًا بالنسبة للغالبية العظمى من الصكوك التي هي صكوك قائمة على الأصول Asset-based sukuk.

حسب وكالات التصنيف

ووفقًا لتعريفات مجلس الخدمات المالية الإسلامية وموديز والوكالة الماليزية للتصنيف لا يتحقق انتقال الملكية في الصكوك القائمة على الأصول - Asset-based sukuk، والعقود طبقًا لدراسة أكاديمية إسراء تشير إلى انتقال الملكية النفعية دون القانونية، أو أن ما يتم في العقود هو انتقال اسمي أو رمزي (nominaltransfer) لملكية المنفعة وليست ملكية الأصل. وينطبق هذا الإشكال على صكوك دار الاستثمار وصكوك نخيل وغيرها. كما تشير الدراسة إلى أن القانون البريطاني الذي تنص معظم العقود على الرجوع إليه في الأحكام المنظمة لعقد الصكوك في حالة النزاع لا يعترف بملكية حملة الصكوك للأصول محل التصكيك.

الملكيّة النفعيّة والملكيّة القانونيّة

جرت محاولات شرعية لإسقاط تقسيمات القانون العام البريطاني بشأن الملكيّة النفعيّة والملكيّة القانونيّة على نوعي الصكوك السابقين، على أساس أن الملكية النفعية الواردة في الصكوك هي من نوع الملكيّة النفعية في القانون البريطاني العام.

فترى الدكتورة إنكو ربيعة -في بحثها المقدم إلى مؤتمر أكاديمية إسراء السنوي لعلماء الشريعة المنعقد في 11 و12 نوفمبر 2014- أن الصكوك القائمة على الأصولAsset Based، قائمٌ على مفهوم الملكية النفعية أو العدلية، ويخول حملة الصكوك الاستعمال والاستغلال والتصرف مع بعض القيود المقبولة شرعًا رغم أن الملكية القانونية للأصول باسم جهة أخرى.

طبقًا للمحامي رافي حنيف -في بحثه المقدم إلى مؤتمر أكاديمية إسراء السنوي لعلماء الشريعة المنعقد في 11 و12 نوفمبر 2014- الملكية النفعية أو العدلية (Beneficial ownership)، هي ملكية كاملة طبقًا للقانون البريطاني، أي أنها تتيح لصاحبها الحقوق الثلاثة: الاستعمال، الاستغلال، والتصرف، ولكن يكون الأصل مسجلاً من الناحية القانونية باسم شخص آخر على سبيل الأمانة (Trust). أما الملكية القانونية أو الاسمية (Legal ownership) فهي ملكية الشخص الذي سُجل العقار باسمه لمصلحة وفائدة طرف آخر، فهو لا يملك شيئا، وإنما أمين (Trust) على ذلك العقار.

التعليق

وعليه فإن رغم التقارب بين مفهوم الملكية النفعية في القانون البريطاني والملكية النفعية في الصكوك، غير أن هنا فارقًا جوهريًا في الصكوك طبقًا للدراسة التي أعدتها أكاديمية إسراء، وهو أن المالك النفعي في الصكوك ممنوع من التصرف في الأصول، وهذا المنع يتناقض مع أحكام القانون العام البريطاني المصدر لهذا النوع من الملكية، أيضًا لا يحقق الآثار الشرعية للتملك. وفي ضوء هذه الإيضاحات فإن الملكية النفعية في الصكوك القائمة على الأصول - Asset-based sukukليست ملكية معتبرة من الناحية الشرعية، وستكون العلاقات بين حملة الصكوك المصدر علاقة مديونية مشابهة للعلاقة الموجودة في السندات التقليدية.