العدد الحالي: نوفمبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

العوامل المؤثرة في فن العمارة الإسلاميّة

د. محمد حسان محمد فائز السراج

دكتوراة في تاريخ العمارة الإسلامية - جامعة أريس

الحلقة (٢)

 

إنّ فضل الحضارة الإسلاميّة على كافة الحضارات كفضل القمر على سائر الكواكب، ففي الوقت الذي كانت تعيش فيه أوروبا في بحر الظلمات كان المسلمون يعيشون في نور الهدى والعلوم، فليس فضل المسلمين على غيرهم في مجال دون مجال بل في كل المجالات المختلفة من طب وفلك وجغرافيا وهندسة وجبر ورياضيات وبناء المستشفيات وتطور المكتبات، واكتشافات واختراعات عجز عنها علماء القرون الحديثة، وإنه لحريّ على كل مسلم أن يدرس تاريخ أمّته ليعيش في عزة وكرامة فالأمويون كما هو معروف عنهم، أنهم اعتقدوا على الدوام أن الدين الإسلامي، لن يتمكن من أن يصبح القاسم المشترك لجميع الشعوب التـي دخلت الإسلام، لأن هذه الشعوب وبخاصّة الفرس والترك بقيت وفيه مخلصة لانتمائها القومي الخالص، وظل تأثير الإسلام فيها هامشياً باهتاً، لذلك نرى أن الأمويين تعصبوا لعروبتهم وجعلوها سابقة على كل معتقد، فكانت في نظرهم القاسم المشتركالذي يجتمع عليه العرب، ومن ناحية أخرى كانت المظلة الوحيدة التـي يستظل بظلها كل العرب، وقد أصاب الأمويون في هذه النظرة البالغة النضوج، لأنهم كانوا يعرفون تمام المعرفة أن الشعوب الأخرى من غير العرب والتي دخلت في الإسلام، لا يمكن أن تتخلى عن مشاعرها الوطنيّة والقوميّة الخاصّة، وهذا ما حدث بالفعل في العصور التالية حينما تعصّبت هذه الشعوب ضد العرب، وضربوا هيبة الخلافة والمصالح العربية طوال العصور الوسطى.

وقد ردّ الحاقدون على النظرة العربيّة عند الأمويّين، بأن كالوا لهم التهم الظالمة، التـي كان من أخطرها أنّهم ابتعدوا عن الإسلام ودعوا خلفاءهم بالملوك لنفي الصفة الدينيّة عن فترة حكمهم ولابد أن هذه التهم وهذه الادعاءات ابتعدت عن الحقيقة، لأنه من باب الوفاء للإسلام أن ننفي عن الأمويّين مثل هذه التهم الظالمة، لأنهم رأوا أن مصلحة الإسلام لا تتعارض مع مصلحة العرب، ذلك لأن العرب بشكل عام هم مادة الإسلام وقوته وزخمه، وما كان للإسلام أن ينتشر ويتطور ويبقى دون العرب، ذلك لأن القرآن الكريم الذي يُعد المصدر الرئيسي للشريعة الإسلاميّة، كتب بلغة العرب، وهذا ما أقره وأكده الأمويون في كل تصرفاتهم السياسيّة، وقد بدأ بذلك معاوية بن أبي سفيان، فقام بتمتين صلاته مع بني كلب بالشام، فتزوج امرأة منهم هي ميسون بنت بجدل الكلبية، وقد سارع الكلبيون في الدخول في الإسلام بعد ذلك، وقد أثرت سياستها في نفوس الآراميّين من سكان البلاد الأصليين، وشعروا أن قربهم من الخليفة سيساعدهم كثيراً على تحسين أحوالهم، فأسلم بعضهم وبقي بعضهم الآخر على مسيحيته، فعاملهم برفق ولم يشعرهم أن هناك فرقاً بين مسيحي ومسلم، انطلاقاً من أن الجميع عرب يتساوون في الحقوق والواجبات وحينما جاء عمر بن عبد العزيز إلى الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك، قام بالعديد من الإصلاحات الإداريّة والماليّة، منطلقاً بذلك من أُسس شرعيّة إسلاميّة، لأنه هو الخليفة الأموي الوحيد الذي أراد إحياء الشريعة الإسلاميّة وجعلها الموجه العام لسياسة الدولة، فاعتبره الأمويون نكسة كبيرة لمشروعهم السياسي العربي، الذي يفصل بين السياسة والشريعة، فظلوا يلاحقونه في السر حتـى تمكنوا من قتله بواسطة السم في منطقة حلب بشمال سورية فمن أعمال عمر بن عبد العزيز على سبيل المثال، والتي كان الأمويون يعملون بعكسها، أن قام بتوزيع العطاء على العرب وغير العرب من الموالي، الذين كانوا يحاربون مع العرب في العديد من البلدان، كخرسان والمغرب والأندلس، بينما كان العطاء في الفترة السابقة لحكمه، لا يخضع لقانون معين أو أساس ثابت، بل كان القادة الأمويون في المعسكرات هم الذين يتولون توزيع العطاء وتقسيمه على الجنود، ولكن ذلك كان يخضع في كثير من الأحيان إلى مشيئة القائد ونظرته إلى المقاتلين، فكان يلغي الجنود من غير العرب، ويسجل الجنود العرب في سجلات العطاء، ممّا جعل الكثير من الجند يشعرون بالمرارة والظلم والحرمان، فكانوا يتذمرون ويطالبون القادة بمنحهم حقوقهم، التـي هي حقوق مشروعة في نظرهم بعد وفاة عمر بن عبد العزيز عاد الأمويون إلى سابق عهدهم، من حيث اعتمادهم على الشعور العربي والابتعاد عن الشعور الديني، وكان في مقدمة خلفاء الأمويين في ذلك هشام بن عبد الملك (71-125 هـ) (691م - 741م) كان عاشر خلفاء بني أمية (حكم: 105-125 هـ/724-743 م)، في عهده بلغت الإمبراطوريّة الإسلاميّة أقصى اتساعها، حارب البيزنطيين واستولت جيوشه على ناربونه وبلغت أبواب بواتيه (فرنسا) حيث وقعت معركة بلاط الشهداء.‏

ولد في دمشق، بويع للخلافة بعد وفاة أخيه يزيدعام 723م، وتزايدت في عهده العصبية القبليّة بين المضرية واليمانية، واشتعلت فتن وثورات عديدة في أنحاء الدولة، ثورة الخوارج والشيعةفي الكوفة(بقيادة زيد بن عليبن الحسين)، والبربر في المغرب؛ وكذلك اضطربت الفتن في بلاد ما وراء النهر، وقد قضى عليها جميعاً بحنكته ودهائه وقوته.

في عهده صار للدولة الأمويةإضافة للعاصمة الدائمة ومقر الخلافة دمشق، وعاصمةصيفية وهي مدينة الرصافةعلى نهر الفراتبسوريا تسمى رصافة هشامعرفت بأنها جنات وبساتين مصغرة عن بساتين دمشق، أهتم بتنظيم الدواوين، وعمل على رعاية العلموالثقافة، وترجمت في عهده الكثير من المؤلفات. عمل على إصلاح الزراعةفجفف المستنقعات وزاد مساحة الأراضي المزروعة على ضفاف الأنهار وفي أرجاء الدولة، واهتم بالتوسعات، وحقق العديد من الانتصارات على الروم وفي جنوبي بحر الخزر تميز عهده بسيادة الأمان في بلاد الشاموإرجاء البلاد الإسلامية، توفي بالرصافة، ويعتبر من الخلفاء الأمويين الأقوياء.

الذي ابتعد كثيراً عن الاهتمامات الدينية، واعتبرها من اختصاص المشايخ والفقهاء، وركز على تعزيز مسيرة الدولة على أساس التفوق العربي على جميع الصعد، وتُعد نظرته هذه نظرة متقدمة جداً في هذا الميدان، ويجب أن تعمم في الحياة العربيّة، كما عمّمت في بلدان أوروبا منذ سنين طويلة، مما ساعد الأوروبيين على التخلص من ازدواجيّة السلطة بشكل عام، لكن نظرته المتقدمة هذه جلبت عليه المشاكل، واتهمه المعارضون بتهم قاسية، كان في طليعتها أنه سمح لواليه على العراق خالد القسري بالاستمرار في ولاية العراق، على الرغم من اتهامه بأنه كان يميل إلى المنوية ويصادقهم، واتهمه بعضهم بأنه كان من أوائل الزنادقة في الإسلام، وأنه بنى لوالدته كنيسة بالكوفة قبالة المسجد، وأنه تسامح كثيراً مع اليهود حتـى استخدمهم في جباية الأموال والخراج وما إلى ذلك من أعمال إدارية ومالية مهما كانت صورة الأمر، فلم يكن الأمويون يقصدون من تصرفاتهم الإساءة إلى الإسلام، بقدر ما كانوا يريدون أن يعلموا الناس طريقة في غاية التقدم والنضوج، هي الفصل بين الحكم والدين، أو كما يعرف بالمصطلح المعاصر، الفصل بين الدين والدولة، ولو كان الأمويون ضد الدين كما اتهمهم بعض المؤرخين، لما كانوا قربوا بعض رجال الدين، ففي عصرهم اشتهر الأوزاعي ورجاء بن حيوة وغيرهما لكن الذي عزز عند الناس مبدأ بعد الأمويين عن الإسلام، هو عدم قدرتهم على فهم متطلبات الحكم وقيادة الدولة، فتغافلوا عن أشياء كثيرة عن قصد أو غير قصد، مما أدى في النهاية إلى إحباط وتدمير مشروعهم السياسي العربي والحضاري، فعجزوا عن إقامة أركان العدل بين الناس، وعجزوا عن فهم الحرية التـي نادى بها الإسلام، وهي سيادة القانون وتطبيقه على القوي مثل الضعيف، وذهبوا إلى السعي الحثيث لإكثار ثرواتهم وأملاكهم والاستئثار بخيرات البلاد على حساب أصحاب الحق والحاجة من أهل البلاد، كما وقعوا في غلط كبير حينما جعلوا من آل بيت رسول الله rأعداء ألداء لهم, فتوسعت شقة الخلاف بين الطرفين، ووصل الأمر إلى مستويات محزنة للغاية، تجسدت بسفك الدماء واغتصاب الحقوق، أضف إلى ذلك فقد غلبت عليهم الميول العصبية القبلية في معظم الأحيان، فانقسم الناس في عصرهم إلى عصبتين متناحرتين، هما القيسية واليمانية مهما كانت صورة الأمر، فإن الأمويين على الرغم من أغلاطهم الكبيرة، فإنهم سيظلون في نظر أهل الوعي ومحبي العروبة والمؤمنين بها، رجالاً عظاماً وضعوا للعرب بعامة نظرية خالدة، هي أن بلوغ المجد والرقي، لا يأتي إلا من خلال التعاون العربي الصادق في كل ميادين الحياة، من أجل أن نعود نحن العرب إلى ما كنا عليه في عصر الأمويين من قوة فاعلة وحية بين الشعوب والأمم المختلفة، وهذا لن يتحقق إلا بالتغلب على الإقليمية والفردية والقبلية والأنانية تحت مظلة العروبة، وهذا إن طبقناه في مستقبل الأيام، فإننا نكون قد استفدنا من تجربة الأمويين، التـي تثير في النفس عند ذكرها مشاعر الأسى والحزن على أول دولة عربية قوية، عصفت بها ريح الخلافات وغياب الوعي، وإذا لم نفعل ذلك نكون قد وضعنا أنفسنا أمام مجاز صعب، لن يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى حتمية الفناء والذوبان في محيط الأقوياء.

فالدولة العربية في عصر الأمويين، ذات شخصية واحدة رغم تعدد مراكزها وتباعد أقطارها وظهور التأثيرات المحلية فيها نظرا للتأثير العامل الجغرافي وكانت من أكبر وأهم الدول في العالم بالإطلاق، وقد جاءت أهميتها في المقام الأول من أن حكامها جعلوها عربية خالصة، ولاسيما بعد أن أنجزوا عمليات التعريب في ميدان الإدارة والنقد، التـي عُدت من أعظم المنجزات في العصر الأموي، لأنها ساعدت على تقوية الحكم العربي بعد أن حولت كل شيء في جهاز الدولة إلى العربية، وبخاصة نشر اللغة العربية في الدواوين والتخلص من الموظفين غير العرب، فازدهرت اللغة العربية في هذا العصر، وأصبح مقياس التعلم أن يتمكن الإنسان من قراءة العربية وكتابتها، حتـى أصبحت أداة التفاهم اليومي من بلاد فارس حتـى بواتيه، وحلت كأداة للثقافة محل اللغات القديمة الأخرى.

ومن يطلع على الأحداث السياسية والثقافية في العصر، الذي تلا عصر الأمويين وهو عصر العباسيين، يرَ بوضوح أن ما فعله الأمويون على صعيد التعريب، كان ضرورة استراتيجية ومهمة وطنية وقومية عملاقة، كان من واجب الجميع أن يستمروا في الحفاظ عليها، لا التخلي عنها كما حدث في عصر حكم بني العباس، فقد أدى تخلي العباسيين عن هذه الاستراتيجية الإيجابية، إلى ظهور توصيات أخرى على حساب العرب، وكان في مقدمة هذه القوميات القومية الفارسية التـي تمثلت بحركة الشعوبية، التـي أعلن أصحابها راية الحرب ضد الوجود العربي على كل صعيد، وكذلك فعل الأتراك والسلاجقة، حينما حجروا على الخليفة العباسي وأصبح اسماً لا قيمة له على وجه الإجمال، حتـى جاء المغول في القرن السابع للهجرة/الثالث عشر الميلادي فأتموا عملية التخريب والقضاء على الرمز العربي الأخير، الذي كان يمثله الخليفة العباسي المستعصم بالله، الذي قتله المغول بعد فترة قصيرة من دخولهم بغداد.

وبالجملة فقد نفذ الأمويون زرع جذور ورايات التعريب في كل ميدان من ميادين الحياة العامة، معتمدين في ذلك على إيمانهم الراسخ بأن العرب لن يُكتب لهم الخلود إلا بالاعتماد على أنفسهم من خلال ثرواتهم الكبيرة ومن خلال تعاونهم مع الآخرين على أساس الاحترام المتبادل، وكانت قدوتهم الحسنة على هذا الطريق القويم، أعمال صحابة أجلاء، نذكر منهم على سبيل المثال عمر بن الخطاب والإمام علي بن أبي طالب وغيرهما، فقد عمل هؤلاء الصحابة على تعريب الأقاليم المفتوحة منذ الوهلة الأولى، وذلك من خلال تثبيت العناصر العربية في هذه الأقاليم، وجعل هذه العناصر العربية تشعر بقوة أن مصالح هامة لها قد أصبحت أمراً واقعاً وهاماً في كل ميادين حياتها.

وقد عرف العرب الجاهليون والقدماء أنماطا من فنون العمارة، ففي شبه الجزيرة العربية اعتمدوا على مواد كالحجر والجبس والخشب وما إلى ذلك من مستلزمات البناء، ويمكن اعتبار بناء الكعبة أحد أبرز هذه النماذج، أما في اليمن فكان للعمارة صيت رائع في مجال بناء السدود والقصور العظيمة ومنها قصر غمدان، حيث استعمل اليمنيون الرصاص في أبنيتهم بصهره وصبه بين حجارة الأعمدة وفي أسسها لربطها وتقويتها، واستعمل العرب الجنوبيون القطران في البناء درئا للرطوبة ومنعاً لتسرب المياه إلى أسس الأبنية، كما استعملوا المواد الدهنية النباتية لهذا الغرض،واستعملوا الجص لكسوة الجدران لتبدو بيضاء ناصعة، واتخذوا من الحجارة الملونة أداة للبناء فأبدعوا في تنسيقها وكسوا الأبواب والسقوف والأعمدة وبعض الجدران بصفائح الذهب والفضة والحجارة الكريمة وسن العاج والأخشاب الثمينة وكان في سد مأرب ومباني سبأ من الرقي العمراني ما يبرهن على عراقة العرب في حضارتهم منذ أقدم العصور، وتتضح خطوات التطور العمراني من خلال ما اكتشفته البعثات الأثريّة، حيث تبيّنت أنه تم تجديد بعض المدن، وكشفت الحفريات عن طبقات من البيوت فوق بعضها البعض. وتبين أن اللبن قد استخدم في بعض الأبنية سواء كان مجففا تحت أشعة الشمس أو مشويا بالنار، وقد بني مسجد الرسول الكريم باللبن، ويذكر أن الرسول كان يساعد بنقله، ولعل استخدام اللبن يعود لقلة وجود الأحجار.

وعندما نتأمل الخطة الأساسية التي يقوم عليها بناء المساجد نتبين أنها تمتاز عن غيرها من أنماط دور العبادة بأصالة لا نظير لها، فدور العبادة في الدنيا كلها منشآت ضخمة ذات جدران عالية وقاعات داخلية تضاء بالشموع والقناديل، وتحيط بها أجزاء من الغموض، بل السحر، توقع في النفوس أثرا عميقا ولكنه مصنوع متكلف، ويقوم على خدمتها وقيادة طقوس العبادة فيها كهان ورجال دين لهم هيئات خاصة وملابس مصممة على نحو يراد منه أن يوقع في النفس أبلغ الأثر وهو يستعينون في الصلوات بالبخور والأضواء الخافتة والأناشيد والموسيقى والكلام الغريب المبهم وكل ما يضغط قلب المصلي ويعصره ويجعله خاضعا للكهان ورجال الدين، تستوي في ذلك كنائس المسيحية على اختلاف مذاهبها وبيع اليهودية، ومعابد البوذية بشتى فروعها ومعابد الديانات القديمة جميعا عند المصريين والإغريق والرومان والمعابد الإنكا والأزتيك في العالم الجديد قبل الكشف الكولومبي، أما مساجد الإسلام فليس فيها من ذلك شيء، إنما هي مساحات من الأرض صغيرة أو كبيرة ن تنظف وتسوى وتطهر ويعين فيها اتجاه للقبلة وتخصص للصلاة وقد تسور هذه المساحات أو لا تسور، وقد تفرش بالحصى النظيف أو الحصى الرخيصة أو البسط الغالية، وقد تقام فوقها مبان ضخمة ذات جدران وسقوف وقباب ومآذن، وقد لا يقام من ذلك شيء، فلا يغير ذلك من الأمر شيئا، ويظل المسجد البسيط العادي مكانا مقدسا واضح الشخصية لا يقل في هيبته عن أضخم المساجد، لأن المسجد قبل كل شيء فكرة وروح، فأما الفكرة فهي التي وضعها الرسول rعندما بنى مسجده الأول، وأما الروح فهي روح الإسلام، ولقد نشأ الرسول rمسجده في المدينة بوحي من الإسلام وحده لم ينظر قبل إنشائه إلى عمارة كنيسة أو بيعة، وجاء مسجده على بساطته المتناهية وافيا تماما بكل ما تطلبت الجماعة منه، وهذه هي الأصالة بذاتها.

في الفترة المبكرة للإسلام، مكان الاجتماعات كان بيت الرسول في المدينة، ثم في المصلى الذي كان يشيد خارج المدينة، المسلمون نظموا أنفسهم في قواعد اجتماعية كان فيها الدين المرجع المطلق، الجامع مكان للمناقشات السياسيّة والاجتماعيّة وللتعليم، نظراً للاحتياجات لم يكن هناك مباني ذات حجم كبير، غير المسجد، وطبعاً باستثناء العمارة الروماني التي كانت موجودة آنذاك، التي تكيفت مع الوظيفة الجديدة.

فضل هذه التطورات يعود إلى الأمراء الأمويين. حيث المساجد أصبحت أكثر تفصيليّة بالنسبة للتقشف الذي تميزت فيه المساجد الأولى، المسجد أصبح كمكان منظم ذي مساحة واسعة وتصميم مرن مع مناطق مظللة وعدد قليل من الرموز، هذا النوع من المساجد انتشر آنذاك في الهلال الخصيب، والذي أصبح نموذجا للمساجد في كل الوطن العربي باستثناء إيران وتركيا حيث صمموا أشكال مختلفة، من نماذج المساجد المهمة يوجد:

·                مسجد قرطبة(القرن الثامن - العاشر)

·                مسجد قيروان(القرن 8 - 9)

·                مسجد عمرابن العاص، الحكيم (القرن 7 - 11).

·                مسجد الأقصى(القرن 8)

·                مسجد سامراء(أو الملوية) (القرن 9)

كان هناك القليل من التغيرات في المساجد في الفترة الأخيرة، أي في القرن 12 و13, مثل مسجد الرباط، فاس، مراكش، القاهرة، حلب، الموصل، في مساجد مثل القيروان وقرطبة كان هناك إضافات تتعلق بالزخرفة حول المحراب.

كان المسجد من أبرز معالم الحضارة الإسلاميّة وأكثرها دلالة على الدين الإسلامي، في أوائل القرن الثامن عشر ظهر ما يسمى (ribat) وهي مؤسسة دينية، ظهرت على حدود الأراضي الإسلامية واحتوى الفئات غير المسلمة في الدولة الإسلاميّة وسمي ب (دار الإسلام)

أهم ثلاث معالم للعمارة الإسلاميّة:

·                المساجد: الجوامع الصغيرة التي كان يتم بنائها ورعايتها من قبل أشخاص أو جماعات صغيرة انتشرت.

·                المساجد في كل المدن الإسلاميّة في القرن العاشر والحادي عشر، وأصبحت المساجد نقاط مميزة للدولة الإسلاميّة.

·                اكتسبت المساجد أهميتها دينيا لأنها كانت تعكس اندماج جميع فئات المجتمع معا، كما اكتسبت أهميّة معماريّة.

لأنها كانت تعرض عناصر جمالية مختلفة؛ مثل المآذن والمنارات العالية والواجهات المعالجة.

·                المدافن أو الأضرحة: مبانٍ أعطت خصوصية لمقابر الصحابة والخلفاء، وأكد دورها ظهور الطوائف مثل الشيعة (إذ كان الإمام علي- زوج السيدة فاطمة بنت الرسول عليه الصلاة والسلام-ذا مكانة كبيرة عندهم).

·                المدرسة: كون الإسلام دين جاء ليؤكد مكارم الأخلاق ويرفع من مستوى المسلمين بدراسة القرآن والسنة، ظهرت المدارس والتي كانت بداية جزءاً من الجوامع، كانت تتمركز في ساحة مع إيوانات (غرف) للتدريس.

·                هناك عدد كبير من المعالم الدينية في الأراضي العربيّة لأنها:

كانت تخدم أهداف اجتماعيّة متعددة وبذلك أكدت أحد مبادئ الدين.

·                التجارة أوجدت الخانات أو الفنادق الصغيرة على الطرق الرئيسة وداخل المدن، وأعطت التجارة شكلاً خاصاً للمدينة إذ أحيطت الجوامع بالسوق.

·                القصور كانت من المعالم المميزة مثل الحمراء في غرناطة والقصور العباسيّة في بغداد، وجميعها اشتهرت بالرسومات والفخامة.

كان الاتجاه السائد في إقامة المساجد الأولى هو وقاية جماعات المصلين من تقلبات الجو، ومراعاة نظام الصفوف في الصلاة، والاتجاه فيها إلى جهة الكعبة في مكة، وعلى ذلك كان النموذج القديم للمسجد، بصحته، وحرمه المنخفض المسطح المسقوف، ذي الأروقة الممتدة متوازية مع جدار القبلة. وأكبر الظن أن الشكل الكلي للمسجد مأخوذ عن صحن البيت، وعن المكان المكشوف الذي كان يخصص للصلاة قبل الإسلام وكانوا يطلقون عليه اسم المصلى. وفي البداية كانت بناية المسجد بسيطة جدا، فالجدران من الطين وجذوع النخل، والسقف من الجريد، ثم اقتضت الضرورة أن يكون بناء المسجد أقوى، واستخدمت لتقويته حجارة الدور القديمة المخربة، وتلا ذلك تطور بناية المسجد على أساس البازيليكات المسيحيّة(طراز من العمارة المسيحية)  التي تم تحويل بعضها في سوريا إلى مساجد، بعد نقل اتجاهها من الشرق إلى الجنوب بحيث تصبح الساحة الطويلة المحاطة بالأعمدة صحناً عريضاً، ولا شك أن اتخاذ المحراب في المسجد للدلالة على جهة الكعبة مأخوذة عن حنية الهيكل في صدر الكنيسة. أما منارة المسجد التي أقيمت به للآذان خاصّة، فالمرجح أنها مأخوذة عن الفنارات وأبراج الإشارة المعروفة في العصور السابقة، وبخاصة أبراج القبور التدمرية، ولم يكن الدافع إلى اتخاذها تقليد روعة الأبراج الكنيسة في سوريا. وقد أدى إدخال هذه التجديدات الجوهرية على بنايات المساجد إلى ابتكارات أخرى لإبراز جمال العمارة، مثل زيادة عرض الرواق الممتد إلى المحراب، ونقل المئذنة إلى وسط جدار الصحن المقابل.

وعلى هذا النمط كانت أكثر المساجد التي أقامها الأمويون في المشرق والمغرب، وقد روعي في كثير مما شيد منها في البلاد الحديثة الفتح أن تكون بجانب ذلك رباطات للجنود الفاتحين، ومن هذا القبيل جامعا الكوفة والبصرة في العراق، وجامع القيروان في شمال إفريقيا، وجامع عمرو في الفسطاط بمصر.

وقد شيد هذا الجامع سنة 642 م وزيدت مساحته وأبنيته سنة 673 م. ولم يكن عند إنشائه يحتوي على صحن داخلي ولا محراب، ولا على أروقته ذات الصحن المكشوف. وقد شيدت على غراره بعض المساجد الكبرى بالإسكندريّة لكنها اندثرت كلها.

أما مسجد المدينة فقد أعيد بناؤه وزيدت مساحته مرات، وكان في البداية بيتا للنبي، ومركزا للعبادة، وفي سنة 712 م جدد بناءه الخليفة الأموي الوليد، وجعله نموذجا للجوامع ذات الصحن والأرقة والأبنية الفخمة، وكان لهذا المسجد بوصفه مزارا عاما للمسلمين أثر كبير في تطور عمارة المساجد فيما بعد. ولقد كانت فارس في صدارة من تأثر بها الإسلام، فقد حمل الفن الفارسي مؤثراته الخاصة، وما تأثر به هو كالفن الصيني إلى ميدان التفاعل في الفن الإسلامي، وحاول الفنانون الفارسيون خلق تقاليد فارسية جديدة خاصة بهم (خصوصا في مرحلة مد الشعوبية) ولكنهم لم ينجحوا إذ كان الطابع الإسلامي هو الأقوى والأبرز والأعم.

وبرز أسلوب فني جديد في مدينة تبريز الفارسية الأصل والجغرافيا، الإسلامية الطابع والانتماء، وقدمت أعمالا فنية غاية في الدقة واللطف في تشكيلاتها وألوانها، تبهج العين، بمنتهى المهارة، سواء فن المعمار أو فنون الزخرفة وصناعة السجاد وتزييناتها.

إن تكتيك الألواح الجصية المحفورة والمنقوشة بنماذج متكررة والذي يعتبر أهم وسيلة للزخرفة كان موجودا أصلا في الإمبراطورية الساسانية، ولكنه في الإسلام تطور تطورا كبيرا خاصة في العراق وفارس، والفارسيون بطبيعتهم وثقافتهم، يرون الأشياء بعيون غنائية، حيث نشاطهم الفني وكأنه لحن داخلي. لقد قيلت كلمة في الشرق مؤداها «إن اللغة العربية هي لغة الله، والفارسية هي لغة النعيم»، وهذه الحكمة تبين حقيقة الفرق بين ما هو موجود في فن العمارة في المغرب حيث الهندسة البلورية للأشكال، والعمارة الفارسية بقبابها الزرقاء وديكوراتها ذات الأزهار.

في قصر الجوسق الخاقاني الذي شيده المعتصم تبدو التأثيرات الساسانية كالديوان الكبير والأفنية المكشوفة التي في وسطها نافورات، والبهو الكبير المغطى بعقود نصف دائرية. وامتد الأثر الساساني كذلك في المجالات الأخرى من المعمار فنجد الميل دائما للفسحات المفتوحة في صحن المسجد الأمر الذي نفتقده كثيرا في مناطق بعيدة عن متناول الأثر الساساني.

ويدين فن التخيل (التمثيل) كأحد أنماط الفن في الفترة الأولى إلى فنون المناطق المفتوحة، خاصة مصر وسوريا ووسط آسيا وفارس. وندرك الآن مدى التأثير الفارسي على الفن هذا عند العباسيين حيث أخذوا عنهم طرزا مختلفة في مجال هذا الفن المسرحي غالبا، وحتى فن البروتوكول وقواعده الذي يمكن أن نراه في نسق فن الدبلوماسية نقلت أساليبه من الفارسيين إلى الأمويين أواخر أيامهم ومن ثم العباسيين في أصول التعامل مع القائد والوزير وقائد الجند والشرطة وكيفية تنسيق الدواوين والمراسلات والسفراء وممثلي البلدان، لقد كان لإيوان كسرى شكل من أشكال الحضور في الدبلوماسية.

ونستطيع كذلك أن نجد أصول الأشكال التزيينيّة النباتيّة في الخط العربي في الفن الساساني فلم يكن التطوير الذي تم في أشكال كتابة الخط العربي وزخرفته وتزيينه والذي ساهمت فيه عناصر مسلمة غير عربية بعيدا كثيرا عن هذا التأثير بل إن الفارسيين أخذوا لكتابة لغتهم الفارسية رسم الخط العربي.

اهتم الأمويون وولاتهم ببناء المساجد، فمنذ أن كان معاوية والياً من قبل عثمان بن عفان أخذ يبني المساجد في السواحل الشامية ويوسِّع ما ابتُنِيَ فيها قبل خلافته كما بنى عبد الملك قبة الصخرة وشرع في بناء المسجد الأقصى الذي أكمله الوليد بن عبد الملك، وقد بنى الوليد المسجد الأموي في دمشق الذي ظلَّ العمل قائماً فيه من سنة 87هـ حتى سنة 96هـ وأسهم فيه ألوف العمال الذين جمعوا من أطراف الولايات العربية، وفي خلافة سليمان بن عبد الملك أُسِّست مدينة الرملة ومسجدها الجامع، وبني أول مسجد جامع في حلب، وجهد أن يكون بناء مسجد حلب معادلاً لبناء مسجد دمشق، ولكن هذا المسجد أُحرق كما يقول ابن الشحنة على يد الإمبراطور نقفور فوكاس Nicephorus Phocas عندما دخل حلب سنة 351هـ/962م، ويذكر ابن الفقيه أن زياد بن أبيه بنى سبعة مساجد فلم ينسب إليه شيء منها، وأن كل مسجد بالبصرة كانت رحبته مستديرة فإنه من بناء زياد. وحرص قادة جيوش الفتح والولاة في المشرق كما حرصوا في المغرب على بناء المساجد، كما في مَرو وهَراة ونيسابور وسمرقند وكِرمان وأشهر هذه المساجد مسجدهراه ومسجد بلخوأما الجامع الأموي في دمشق، فقد كان فيما قبل كنيسة يطلق عليها اسم يوحنا، حول المسلمون بعضها إلى مسجد، ثم صارت كلها مسجدا سنة 705 م، وهو يحتوي على بهو أعمدة به ثلاثة أروقة وبوائك عليا، ورواق قاطع، وسطح خشبي. ومنارته الشمالية مكعبة الشكل، ومن فوقها تركيبة أصغر منها على غرارها، تم إدماجها إذ ذاك في الجانب الخارجي من الصحن المستعرض.

وفي المسجد الأقصى بالقدس، استخدمت أجزاء من كنسية قديمة من عهد الإمبراطور جستنيان. وفيه أيضا أدى توكيد وسط البهو إلى تكوين رواق قاطع من فوقه قبة، وعلى جانبيه سبعة أروقة أخرى. وفي سنة 780م، جدد المسجد ثم أدخلت عليه تعديلات مهمة فيما بعد، وكانت تحت القبة مقصورة منفصلة كالتي ترى بجانب بعض المحاريب.

وفي جامع الزيتونة بتونس ما يدل على الاستناد في تخطيطه إلى حد كبير على طراز المساجد الأموية في دمشق، وقد قيل إن تخطيطه تم على معماري سوري، وكذلك مسجد سيدي عقبة بالقيروان، إذ بني على غرار الجامع الأموي...