العدد الحالي: شباط/فبراير 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دروس من الكساد المنسي

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

يعيش عالمنا العربي حروباً طاحنة بين بعضه البعض، إضافة لتصفيات دوليّة بالوكالة تُدار على أرضه وفي سمائه ومياهه النهريّة والبحريّة على حد سواء. لقد شهد هذا الحال حروباً مباشرة وحروباً غير مباشرة لعقود خلت.

ولما كانت دراسة التاريخ أحد المداخل التي يُبنى عليها تحليلات تمثّل مقدّمات لرسم استراتيجيّات الشعوب ودولها على حد سواء؛ فإنّنا سنستذكر كساداً سُميّ بـ (الكساد المنسي) عاشه العالم إثر الحرب العالميّة الأولى وامتد لفترة غير طويلة للأعوام ١٩٢٠-١٩٢٢ ثم تبعه انتعاش قصير، لحقه كساد عالمي كبير.

كانت السمة الغالبة لتلك الفترة؛ ازدياد الإنفاق الحكومي بشكل ضخم خلال الحرب العالميّة الأولى لتمويل نفقات الحرب، وهذا ما حدث إِثر الحرب العالميّة الثانية إضافة لتوحش الرأسماليّة لتسمّى لاحقاً بـ (الرأسماليّة المتوحِّشة).

كانت السمة الغالبة للفترة الثانية بأنّها أوجدت (فوضى رائعة) - كما يسميها أصحابها -، وتبنّت مدرسة شيكاغو النقديّة حزمة تحفيز مالي ونقدي كطوق نجاة لهذه الفترة، إلا أن ذلك لم ينعكس بشكل صحيح على إرساء حلول سليمة؛ حيث لا يمكن توقع انتعاش اقتصادي في ظل سياسة فوضى خلّاقة لدول ترزح تحت الحرب، أمّا الدول التي تفتعل الحروب وتشنها في أراضٍ غير أراضيها؛ فالانتعاش يمكن تلمسه لفترات غير طويلة فيها.

لقد قفزت البطالة في الولايات المتحدة من ٤٪ إلى ١٢٪ عام ١٩٢٠، وانخفض الناتج القومي الإجمالي بنسبة ١٧٪.  لذلك لا عجب[1]، أنّ وزير التجارة هربرت هوفر - الذي وُصف كذبا بأنه مؤيد لاقتصاديّات عدم التدخل - قد حثّ الرئيس الأمريكي هاردينغ للنظر في مجموعة من التدخلات لتحويل الاقتصاد؛ إلّا أنّ هوفر تم تجاهله؛ فبدلاً من "التحفيز المالي"، خفّض هاردينغ ميزانيّة الحكومة ما يقرب النصف بين عامي ١٩٢٠ و١٩٢٢، وخفض معدّلات الضرائب لجميع فئات الدخل، وانخفض الدين الوطني بمقدار الثلث. وعلاوة على ذلك كان نشاط الاحتياطي الفدرالي ملحوظاً. يقول أحد الاقتصاديّين: "إنّه على الرغم من شدّة الانكماش، لم يتحرّك مجلس الاحتياطي الفيدرالي لاستخدام صلاحيّاته لتحويل المعروض النقدي لمحاربة الانكماش"، وظهرت علامات الانتعاش بنهاية صيف عام ١٩٢١؛ فانخفضت البطالة فى العام التالي إلى ٦.٧٪، و٢.٤٪ بحلول عام ١٩٢٣.

إنّ هاردينغ قدْ أعلن في خطاب ترشحه للرئاسة عام ١٩٢٠ رؤيته الشاملة؛ فقال: (سنحاول الانكماش الذكي والشجاع، ونضرب الاقتراض الحكومي الذي يوسع الشر، وسنقوم بمهاجمة التكلفة العالية للحكومة. ونحن نعد بوقف النفايات والإسراف، وتجديد ممارسة الاقتصاد العام، وهذا سوف يخفف الأعباء الضريبيّة وسيكون مثالاً لتحفيز الادخار والاقتصاد في الحياة الخاصّة).

وتابع هاردينغ: (دعونا ندعو الناس جميعهم:

-     للادّخار والاقتصاد،

-     للتضحية إذا لزم الأمر لأجل حملة وطنيّة ضد البذخ والرفاهيّة،

-     لإِعادة الالتزام ببساطة العيش،

فلا انتعاش من الحرب منذ أنْ كتبت البشريّة قصتها لأوّل مرة، إلّا من خلال العمل والادخار، ومن خلال الصناعة والحرمان؛ ولا داعي للإنفاق والإِسراف).

ولم يلتزم أحد بما قاله هاردينغ؛ بل سعى الجميع نحو الهاوية باستخدام أدوات نقديّة مُدمِّرة رآها البعض - بل وما يزال البعض يراها - ابتكارات ماليّة، لكنها في حقيقة الأمر مهّدت الطريق إلى الكساد الكبير في ثلاثينيّات القرن الماضي.

وإِثر الأزمة الماليّة العالميّة التي انفجرت عام ٢٠٠٨ دخلت كبرى الدول في أزمات ماليّة خانقة، حاولت الخروج منها بتطبيق حزم تحفيز ماليّة ونقديّة؛ لكنها كانت غير فعّالة؛ فكان لابد من تصدير الأزمة للغير بإثارة حروب - مدروسة ومسيطر عليها زمانيّاً ومكانيّاً - لتنشيط الاقتصاد العسكري للدول التي تثير هذه الحروب؛ ليكون مصدر انتعاش لاقتصادها بدل الحزم التحفيزيّة؛ لأنّه يصب مباشرة في اقتصادها الحقيقي، دون أيّة اعتبارات لتدمير البلاد وقتل العباد؛ فالحزم التحفيزيّة لم تؤت أُكُلها.

فمن منا لا يذكر التصريح العلني لوزير الحرب الأمريكي الأسبق (رامسفيلد) ووزيرة الخارجيّة الأسبق (رايس) عندما أشادوا بمصطلح (الفوضى الخلاقة)، وهذا مصطلح سوّقته مدرسة شيكاغو النقديّة إثر الحربين العالميّتين الأولى والثانية؛ ففي الأولى لوحظ أثر التضخم الذي صاحب حجم الإنفاق العسكري، وفي الثانية سُوّق لهذه السياسة التخريبيّة، - وكنا قدْ أشرنا في أكثر من مقال لهذه السياسات -، وبدراسة ما يحصل في بلادنا هذه الأيام يُمكننا الاستنتاج إلى صحة ما ذهبنا إليه سابقاً. لقد طبّقت الولايات المتّحدة الأمريكيّة من خلال نظريّات صقورها سياسة الفوضى الخلّاقة وكانت بلادنا - للأسف - ذات بيئة جاهزة لذلك الاستثمار فأخصبت هذه البلاد حروباً مباشرة وغير مباشرة استنزفت وما زالت تستنزف قدراتها الماديّة والبشريّة.

إنّ خُلاصة ما يحصل هو تحول دول الفائض المالي ودول الاستقرار المالي في المنطقة العربيّة إلى دول مدينة؛ بسبب شرائها الأسلحة بمختلف أنواعها من دول الأزمة الماليّة العالميّة ليُنعش ذلك اقتصاد تلك الدول؛ فتدخل عندئذ دول الفائض في عجز مالي مستمر. وفعلاً اشترت دول المنطقة العربيّة (نقداً وآجلاً) بمئات مليارات الدولارت أسلحة وذخائر أتخمت مستودعات منتجيها وقاربت على التقادم؛ وذلك ليتم استخدامها في أراضيها وسمائها وبحارها وأنهارها، لنكون أمام خراب وتدمير لم يسبق أنْ شهده التاريخ.

هذه هي الحلقة الأولى وقد تمت بنجاح كامل في بعض الدول، وبنجاح جزئي في بعضها الآخر، وما يحصل في سورية والعراق واليمن وليبيا هو أنموذج تخريبي شامل الغرض منه استخدامه فزاعة لجوارهم؛ فيندفعون للسير في خضم الفوضى الخلّاقة دون معاندة، فيكفيهم أن يدفعوا نقداً للعفو عنهم، ومآل كل ذلك: انتقال الفائض النقدي إلى دول الأزمة الماليّة العالميّة.

وهناك دول عربيّة دخلت نفق الديون دون عناء فأخذت قروضاً من مؤسّسة دوليّة خاضعة لشروطها القاسية. وهناك دول عديدة احتجزت أموالها وجمدت، ثم بدأت أحكاماً قضائيّة غربيّة تقرض تلك الأموال رويداً رويداً.

أمّا الحلقة الثانية فستكون في إِعادة الإعمار، حيث تضمن دول الأزمة الماليّة العالميّة خروج اقتصادها من نفق الأزمة بشكل حقيقي دون حزم تحفيزيّة؛ بوصفها المؤهّلة والأفضل عالمياً لإعادة الإعمار؛ فتحقق الانتعاش المنشود للخروج من النفق كلياً، أمّا دول الحرب فستدخل نفق الديون الميئوس من سدادها لسنين طويلة بشكل مباشر.

عندئذ تكون دول الأزمة الماليّة العالميّة قدْ بدأت تكوين فوائضها الماليّة ما يؤهلها كدائن مُفضل عالمياً لدول الحرب ذات الخراب الواسع، فيعتاش اقتصاد دول الأزمة الماليّة العالميّة على خدمة ديون دول العجز أزمنة مديدة.

وبذلك ينتقل التضخم إلى الدول المتحاربة أو التي وقعت الحرب على أراضيها، وترحل البطالة مع التضخم بحكم صداقتهما التاريخيّة - وقد أشرنا في غير مقال لهذه العلاقة الحميميّة -، ومن ثم تُزاد الضرائب على الناس لأنّ الحكومات ليس لها بدائل في تمويل عجزها لسوء إداراتها وميلها نحو التراخي والكسل؛ فالضرائب أسهل طريق للتحصيل؛ حتى لو مات الناس أو قاربوا على الموت، ويكأن الحكومات ليست أحسن حالاً من أعدائها.

إنّ العراق وإيران والكويت كانت الحلقة الأولى في إدارة الحروب على أراضيها، وقدْ استنزفت اقتصاداتها والاقتصادات الداعمة لها في تلك المرحلة.

لكن تلك الجرعة لم تكف لإخراج الدول الكبرى من أزماتها التي كانت اقتصاداتها تترنّح، فاختلقت مزيداً من الحروب لإدخال دول كاليمن وسورية وليبيا كوجبة دسمة لأنّ الحرب أديرت فيها بأسلوب الوكالة. وقدْ شمل ذلك روسيا التي يترنّح اقتصادها ويتهالك بقوّة - وقدْ أشرنا في غير مقال لهذا الأمر -، وبذلك ضمنت تلك الدول انخراط أغلب دول مجلس الأمن لمد أمد الحروب سنوات وسنوات حتى تخرج اقتصادات تلك الدول الكبرى من أزماتها فعلياً دون حِزم تحفيزيّة لأنّ شعوبها لم تعد تطيق آثار تلك الحزم غير المجدية سوى أنها تنقل آثار الأزمة من مكان لآخر ومن زمن لآخر كما نقلتها مؤخراً من الشركات إلى الحكومات؛ فكان لابد من وقف تدحرج كرة الثلج.

وفي الجرعة الثانية انصاعت دول عربيّة للدرس فأخرجت من خزائنها ما كان يُستثمر في دول الأزمة الماليّة العالميّة وما كان مخبأ في خزائنها المحليّة لتكفَّ عن التهديد بسحب فوائضها النقديّة من تلك الدول؛ فصارت في عُسرة ماديّة؛ فلجأت للضرائب غير الجائزة شرعاً، وانكمشت سياساتها الاقتصاديّة وتطلعاتها السياسيّة، وصار الهمّ الشاغل هو التحارب مع الجوار وافتعال أزمات كيديّة، ودخل الجميع في قوقعة الفوضى الخلاقة. أمّا أصحاب النظريّة الشمطاء فيرقبون خروج اقتصاداتهم من عنق النفق الذي طال أمده وثقل ظله بسبب آثام ارتكبتها؛ كالرِّبا والتلاعب بالديون والرهون وبيع ما لا تملك، وبذلك انتقلت الفقاعة لتنفجر في مكان بعيد عنها فأَمِنت بعض شرها، وأوقعت الأقل استراتيجيّة في شِركها.

وبدأت دول الأزمة الماليّة العالميّة سياسات تصحيحيّة لأخطائها التاريخيّة، فدول الشيوعيّة والاشتراكيّة كفرت بما كانت عليه، ولحقت ولو متأخرة بمذاهب الدول الرأسماليّة، أما دول المذاهب الرأسماليّة والرأسماليّة المتوحِّشة فسارعت للكفر ببعض ما آمنت به دهوراً وكان آخر ذلك تصريح (أندريه بالي) المدير التنفيذي لجهاز الرقابة الماليّة البريطانيّة في نهاية الشهر الماضي: بأن مؤشر لايبور العتيد الذي أضحى أحد رموز الماليّين الربويّين وغير الربويّين؛ سيكون في خبر كان بنهاية ٢٠٢١.

وريثما تنتهي دول الأزمة الماليّة العالميّة خروجها من نفق الإِفلاس بشكل كامل ستكون دول الفائض المالي قدْ دخلت النفق تماماً وكأن الأيام دُوَلٌ لمن لا يعي دروس التاريخ.

إنّ مدرسة شيكاغو النقديّة صاحبة شعار الفوضى الخلاقة قدْ فشلت جزئيّاً مع دول شرق آسيا في ثمانينيّات القرن الماضي لأنّ تلك الدول فهمت اللعبة مبكراً؛ فاستطاعت وقفها، وأعادت تصحيح ما أخطأت به، لكن هل ستصحو دولنا العربيّة من الفخ ولو متأخرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ أم أن حُب الأنا وإِثبات الذات لا تكون إلّا على الأخوة وأبناء العمومة؟

ونختم بقوله تعالى على لسان نبيه لوط عليه السلام متسائلين: أليس منكم رجل رشيد؟

حماة (حماها الله) في ٥ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ الموافق ٢٧ آب أغسطس ٢٠١٧ م



[1]Thomas Woods, Jr., Warren Hardingthe Forgotten Depression of 1920The Intercollegiate Review, Fall 2009.