العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

البدائل الشرعيّة للمشتقّات الماليّة التقليديّة

د. بن علقمة مليكة

أستاذ محاضر قسم ب

الحلقة (٢)

مقدّمة

شهدت السنوات الأخيرة جهوداً كبيرة من أجل تطوير منتجات ومشتقّات ماليّةلإِدارة المخاطر والتحوط منها، كما لجأت بعض المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة إلى استخدام أنواع من المشتقّات الماليّة التقليديّة كالعقود الآجلة والمستقبليات للتحوط ضد التقلب في أسعار العملات وهو ما أوقعها في محاذير شرعيّة؛ وهو ما تطلب البحث عن تطوير مشتقات شرعيّة(**)، ويلاحظ أن انقسام الفقهاء جعل عدد أدوات التحوط في المصارف الإسلاميّة أقلمنه في المصارف التقليديّة، ويرى البعض منهم أنأدوات التحوط الشائعة كعقود التأمين المتقابل على أسعار صرف العملات أو أسعارالفائدة هي أدوات للمضاربة والقمار([1]).

 

أسباب تحريم التعامل بالمشتقات الماليّة التقليديّة واضحة كما سبق، ولكن هذا لا يمنع من إمكانيّة تطوير عقود في ضوء الشريعة الإسلاميّة حتى تكون بديلاً للمشتقّات التقليديّة، وهذا بهدف الاستفادة من المزايا التي تتمتّع بها وتجنب أسباب تحريمها.

                                        

أولاُ: البدائل الشرعيّة للعقود الآجلة والعقود المستقبليّة: يُعد موضوع البدائل الشرعيّة للمشتقّات الماليّة أحد أبرز المواضيع التي تحتاج إلى تطوير واجتهاد، ونظراً لأهميّة العقود الآجلة وعقود المستقبليّات في الأسواق الماليّة وجب إِيجاد بديل شرعي عن هذه العقود.

1-     البدائل الشرعيّة للعقود الآجلة: من بين البدائل المقترحة للعقود الآجلة ما يعرف "بالعقود الآجلة الإسلاميّة": وهي "تعهد من المشتري بالشراء ومن البائع بالبيع لسلعة مثليّة بكميّة محدّدة في تاريخ محدّد في المستقبل بثمن متفّق عليه، وعند الاستحقاق يجب على المشتري أن يدفع الثمن المتفق عليه مُسبقاً، ويجبعلى البائع أن يسلم الأصل (السلعة) في المكان المحدّد، وهو في جوهره شراء مؤجّل لسلع موصوفة بثمن متفق عليه وفي الزمان والمكان المتفق عليهما للتسليم"([2]).

ظهرت العقود الآجلة الإسلاميّة لتحل محل العقود الآجلة المحرّمة شرعاً، ولكن بالرغم من هذا إلّا أنّ هذا العقد تكتنفه مشكلات عديدة من بينها([3]):

أ- مخاطر النكول: قدْ يتسبب تغير الأسعار في تاريخ التسوية في مشكلة تتمثل في تراجع أحد الطرفين عن إِتمام العقد؛

ب- مشكلة التوافق: إنّ إِيجاد الطرف المقابل المناسب الذي تناسبه نفس الشروط واحتياجات الطرف الأول أمر صعب يجعل من التوافق عيباً من عيوب هذه العقود؛

2-البدائل الشرعيّة للعقود المستقبليّة: نظراً للعيوب التي تضمنّها العقد السابق، تم استحداث عقد آخر يراعي النقائص السابقة واعتبر بديلاً شرعيّاً للعقود المستقبليّة؛

أ. المستقبليّات الموافقة للشريعة "عقد التحوط الموافق للشريعة": يقوم هذا العقد على نفس الآليّة التي يعمل بها العقد السابق، إلّا أنّه يتضمن بعض الاختلافات عنه، فالعقود الآجلة الإسلاميّة عقود شخصيّة غير مُنمَطة وطبيعتها هذه سببت مشكلة التوافق بين الأطراف، أمّا المستقبليّات الموافقة للشريعة فهي عقود مُنمَطَة أي موحّدة يتم فيها تحديد كميّة ونوعيّة السلعة التي ستسلم، إضافة إلى أنّه يتم وضع حد أدنى لتقلب السعر وكذا تحديد حد للسعر اليومي، أمّا في تاريخ التسليم يوم التسوية فلا يسري هذا الحد لأن العرض والطلب سيحكمانه([4]).

بالإضافة إلى ما سبق، يمكن إضافة بعض البدائل للعقود المستقبليّة وهي([5]):

ب. البيع بالأجل: ويتم من خلال تعجيل المبيع وتأجيل الثمن، ويحقق غرض المشتري بالحصول على السلعة والتزامه بثمنها في ذمته، مستفيداً من ذلك التأجيل مع حق البائع في زيادة الثمن عن البيع الحال، يسمح هذا البيع بإعطاء فرصة لاستخدام الأموال في المتاجرة أو شراء سلع أخرى على اعتبار أنّ الثمن مُؤجل؛

ج. السلم: وهو بيع يتم فيه تأجيل المبيع وتعجيل الثمن، وهو يحقّق تملك البائع للثمن وانتفاعه به وحصول المشتري لاحقاً على السلعة بثمن أرخص من السوق؛

د. الإِستصناع: يشبه عقد السلم ولكنه يخص السلع المصنّعة صنعاً، وفي هذه الحالة يجوز تأجيل كل أو جزء من الثمن، لأنّه بوجود عنصر العمل للتصنيع تأخذ شبهاً من الإِجارة، وهي منفعة مُؤجلَة مرتبطة بالزمن المستقبل ويجوز تأجيل أجرتها وهذا التأجيل للمبيع يقتضيه عنصر التصنيع وهو غرض مقصود للمشتري، فليس تأجيل تسلمه للمبيع –وهو معين- بل بسبب أنّه موصوف في الذمة؛

3-  بدائل أخرى مقترحة لكل من العقود الآجلة وعقود المستقبليّات: من بين بينها صكوك المضاربة وشهادات الودائع الاستثماريّة.

·       صكوك المضاربة: مالك هذا النوع من الصكوك ليس له الحق في أيّة فوائد، ولكن له الحق في الحصول على نسبة محدّدة من الأرباح الصافية للمشروع في نهاية كل سنة ماليّة؛

·       شهادات الودائع الاستثماريّة أو شهادات الودائع المركزيّة: يقوم المصرف المركزي بإِيداع ودائع لدى المصارف الإسلاميّة تعمل على استثمارها في القطاع الإنتاجي بصيغة المضاربة؛

·       صكوك الإِجارة.

ثانياً: البدائل الشرعيّة لعقود الخيارات:

1-       البيع مع خيار الشرط: يعطي خيار الشرط للمتعاقدين أو لأحدهما حق الاختيار بين الإمضاء والفسخ([6])، ويمكن استخدام خيار الشرط في عمليّات البيع كبديل عن عقود خيار الشراء وخيار البيع رغم الاختلاف القائم بينها، فخيار الشرط لا مقابل له، في حين أن خيار الشراء أو خيار البيع فبمقابل علاوة، إِضافة إلى ذلك يقوم خيار الشرط على أساس أصل حقيقي مملوك وهذا ما لا يتوافر إلا نادرا في عقود الخيارات.

إِضافة إلى ما سبق، هناك بدائل أخرى لعقود الخيارات من بينها([7]):

·    إِجراء العقود بخيار الشرط (مع تحقق الشروط المطلوبة من وجود المعقود عليه ونحوه) ولا مانع من تحديد مدّة خيار الشرط حسب العرف؛

·                      عقد الجُعَالة؛

·                      عقد الإِستصناع يحل مشكلة وجود المعقود عليه وجهالة العمل فيمكن أنْ ترتب عقود وشهادات خاصّة بالإستصناع في المستقبل؛

·                      يحل كل من عقد السلم وبيع الأجل بالتقسيط مشكلة عدم وجود الُمسلَم فيه في العقد الأول وتأجيله المشروط وعدم وجود الثمن وتأجيله في العقد الثاني؛

2-     بيع العربون: بيع العربون من التكييفات المقدّمة لخيار الشراء، وحتّى يكون بديلاً شرعيّاً عن عقود الخيارات يجب توفر بعض الشروط فيه والمتمثلة فيما يلي([8]):

·   أنْ يكون محل العقد الأصل ذاته: أي أن يقع العقد بين الطرفين على شراء الأصل ذاته لا على الحق في شراء الأصل، ويدفع المشتري (حامل الاختيار) للبائع (محرر الاختيار) عربوناً من الثمن المسمّى في العقد، ويكون للمشتري الخيار في إِمضاء البيع أو فسخه خلال مدّة محدّدة تنتهي في تاريخ الاستحقاق، فإنْ أمضى البيع فالعربون جزء من الثمن، وإنّ فسخه فالعربون حق للبائع؛

·           أنْ يكون الأصل مما يقبل في بيعه الخيار: وعليه لا تجوز عقود الاختيارات في الذهب أو الفضة أو العملات، لأنّ عقد البيع فيها لا يكون إلّا باتاً وبشرط التقابض، فلا يدخله الخيار ولا يجري فيه العربون باتِّفاق أهل العلم؛

·          أنْ يكون محل العقد قابلاً لحكم العقد شرعاً: أي أن يكون الأصل متقوّماً شرعاً وجائز التداول، ولهذا لا تصح عقود الاختيارات على السلع المحرّمة ولا عقود الاختيارات على الأوراق الماليّة المحرّمة كالسندات أو الأسهم غير المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلاميّة؛

·                أن تكون مدّة الخيار متّصلة بالعقد: من المتعارف عليه أنّ مدّة الخيار يجب أنْ تكون متّصلة بالعقد، أي أنْ يكون الحق في الفسخ أو الإِمضاء حالا بمجرد إِبرام العقد ويستمر طوال مدّة الخيار، وهذا يعني أنْ نوع الخيارات الممكن العمل به هو الخيارات الأمريكيّة دون الخيارات الأوروبيّة، ذلك أنْ هذه الأخيرة لا يمكن تنفيذ العقد فيها إلا بانتهاء مدّة الخيار؛

ثالثاً: البدائل الشرعيّة لعقود المبادلات: لم يتم وضع تكييفات فقهيّة لعقود المبادلات وذلك لاحتوائها للمخالفات الشرعيّة كالرِّبا والغرر الفاحش، لذا لمْ يتم تصنيفها تحت أي عقد من عقود الشريعة الإسلاميّة، إِلّا أنْ هناك بعض الأساليب التي يُمكن أن تحقق أغراض المبادلات دون أن تتضمّن نفس المخالفات الشرعيّة التي تكتنفها، ومن بين هذه البدائل ما يعرف بالمقايضة المؤقّتة.

1-       تعرف المقايضة المؤقّتة على أنّها "اتفاق بين متعاقدين أو أكثر على مبادلة مجموعة من الأصول أو التدفُّقات النقديّة لفترة زمنيّة قادمة، تتم هذه العقود في الأسواق غير المنظّمة ولا يتم تداولها في الأسواق المنظّمة، ويقوم السماسرة بمهمّة البحث ومطابقة طلبات المقايضة، وفي حال عدم تطابق طلبات المشترين والبائعين يقوم السمسار بدور البائع للمشتري وبدور المشتري للبائع"؛

2-  أنواعها: هناك نوعان من المقايضات المؤقّتة وهي([9]):

أ‌-             مقايضة العملات الأجنبيّة: تبرم هذه العقود في حالة ما إذا كان أحد أطراف العقد جهة أجنبيّة تتعامل بعملة مغايرة، فتتم مقايضة العملات لفترة محدّدة، فهذه العقود تحقّق حاجة الطرفين الحقيقيّة إلى مبالغ بعملات أجنبيّة وتحمي من مخاطرة تقلب أسعار العملات؛ أمّا فيما يخص مشروعيّتها فقدْ تم مناقشة هذا الموضوع، والنتيجة المتوصل إليها كانت "جواز تبادل العملات الأجنبيّة في وقت محدّد في المستقبل وبسعر صرف ثابت متّفق عليه، لكن مع الأخذ بعدم إِلزاميّة الوعد"؛

ب‌-     مقايضة العوائد: يتم هذا الاتفاق بين طرف لديه أصول ذات عوائد ثابتة وبين طرف لديه أصول ذات عوائد متغيّرة، ويقضي الاتفاق بمبادلة العوائد لفترة محدّدة([10]).                  

رابعاً: المشتقّات الماليّة الإسلاميّة وإِدارة المخاطر: يجب أنْ يتم تقييم وقياس وتسعير المخاطر في مختلف صيغوأدوات التمويل ذات المخاطر المرتفعة، كالمضاربة والأدوات المبنيّة علىهذه الصيغة كسندات القراض وشهادات المضاربة، وصيغة المشاركة والأدوات المبنيّة عليهاكالمشاركة والمشاركة المنتهية بالتمليك والمشاركة المتناقصة، والإجارةوالأدوات المبنيّة عليها كشهادات الإِجارة التشغيليّة والإِجارة المنتهية بالتمليك،وصيغة السلم وصيغة الاستصناع.

1-     لقدْ أصبح من الضروري تطوير مشتقّات ومنتجات ماليّة متّفقة مع الضوابط الشرعيّة يمكن استخدامها للتحوط،وذلك عبر خطوات تبدأ بدراسة العقود التقليديّة المستخدمة في التحوط كالعقودالآجلة والمستقبليّات والخيارات والمقايضات، ثم وضع بدائل إِسلاميّة لها مبنيّةعلى العقود المسمّاة كعقد السلم وخيارات الرّضا أو استحداث عقود جديدة لتحقيق غرضالتحوط وإِدارة المخاطر؛

2-      تأتي بعد ذلك خطوة مهمّة وهي وضع التنظيمات والترتيباتاللاّزمة لتحقيق الضوابط الإسلاميّة في المعاملات، بالإِضافة إلى نماذج رياضيّة ديناميكيّةلتقييم وتسعير تلك المنتجات، وأخيراً الاستعانة بمتخصصين في المشتقات الماليّة وبمؤسّسات ماليّة متخصصة كوكالات التصنيف الائتماني في وضع أُسس تقييموتسعير هذهالمنتجات([11])؛

3-     لا تزال صيغالتمويل المضمون منخفض المخاطر كالمرابحة والتأجير التمويلي تهيمن على %90 منغالبيّة أصول المؤسّسات الإسلاميّة، في حين بقي استخدام سندات القراض أو صكوك المشاركةأو شهادات التأجير أو الأدوات الأخرى المبنيّة على المشاركة في المخاطر محدوداًوهامشيّاً؛

4-     أَدّى عدم وجود مشتقّات ماليّة إسلاميّة إلى انسحاب المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة من المعاملاتالماليّة ذات المخاطر العالية، ممّا قلّل من دورها وغيابها عن منافسة المؤسّسات الماليّة التقليديّة، ونتيجة لهذا قرّرت بعض المؤسّساتالماليّة الإسلاميّة اللجوء لاستخدام بعض المشتقّات التقليديّة للتحوط؛

5-      للإِشارة فقدْ أدخلت السوق الماليّة الماليزيّة العديد من أدوات التحوّط الماليّة الإسلاميّة كعقود المبادلات الإِسلاميّة لمعدل الربح (Islamic profit rate swap)،عقود المبادلات الإِسلاميّة عبر العملات (Islamic cross-currency swap)، الاتفاقيّات الإسلاميّة للمعدّلات الآجلة(Islamic forward rate agreement)، بالإِضافة إلى برنامج مرابحة السلع (CMP)(*)ومع الاستخدام الواسع له سوف يؤدّي إلى اتساع وعمق السوق النقديّة الإِسلاميّة([12])؛

6-     تُعد عقود التحوّط عقوداً فاسدة في استخداماتها إذا أراد البعض التحوط بهالما لا يجوز التحوّط منه، بينما أرادها الأكثريّةأدوات للمضاربة والمقامرة ليس غير؛كما أنّ المستثمر له أنْ يتحوّط بتنويع أصوله والمواءمة بين تدفقات حقوقه الماليّةوالتزاماته، لأنّ الاستثمار الإسلامي يتميّز ببعده عن المداينات باللجوءللمشاركة وتوسع قاعدة المخاطرة وهو ما يقلّل من حدّة المخاطر التي تصيب المؤسّساتالماليّة؛

7-      لابد أنْ تخرج الهندسة الماليّة الإسلاميّة من مدار الهندسة الماليّة التقليديّة، لأنّ النظامالإسلامي يتميّز بتوسيع قاعدة المخاطرة بإِشراك الممول مع المستثمر في المغانموالمغارم، كما أنّه نظام قائم على المشاركة في المخاطر. نجحت الهندسةالماليّة الإسلاميّة الصحيحة في إِنتاج كم كبير من الأدوات والحلول المشروعة، ومن بين أدوات تصلح للتحوط ومواجهة المخاطر كقبولمبدأ تسهيم رأس المال وتحويل جهة الالتزام ومكان إبرائه بواسطة حوالات أو كمبيالات،لأنّ الدَين علاقة ماليّة وليست شخصيّة، وعرفت الهندسة الماليّة المعاصرة صناديق الاستثمار والصكوك الإستثماريّة،ومشروعيّتها تقيد بالأبعاد العَقديّة التي تحكم أطرافها أولاً وبطبيعة نشاطها ثانياوبمآلات التعامل بها ثالثا، ويُمكن وجودها المستثمر من خفض المخاطر بتنويع محفظةأصوله([13])؛

 خامساً: تؤدِّي هياكل الوعد دوراً مهمّاً في تطوّر صناعة الخدمات الماليّة الإسلاميّة، وقدانتقدها كثير من المراقبين في الصناعة لأنّها أدخلت معها عدداً من الحلول الماليّةالغربيّة (غير المرغوبة) إلى صناعة المصرفيّة الإسلاميّة والتمويل الإسلامي. مع ذلكفقدْ أثبتت أنّها أداة فاعلة في هيكلة المنتجات الماليّة الإسلاميّة المبتكرة.

1-    تعريف الوعد:

أ‌-          الوعد لغة: يستعمل الوعد في لفظي الخير والشر، قال الفراء وَعَدتُه خيرا ووَعَدتُه شرا...فإذا اسقطوا في الخير "الوعد والعدّة"، وفي الشر "الإبعاد والوعيد".جاء في لسان العرب الوعد من وَعَد يَعِد من باب ضَرَب يَضرِب، عدّة ووعداً وموعود يقال واعدت فلان إذا وعدك ووعدت زيداً إذا كان الوعد منك خاصّة([14])؛

ب‌-            الوعد اصطلاحاً: ما يطلبه الطالب فيعده صاحبه بإنفاذ ما يطلب، ويعرف الوعد أيضا: "إخبار الشخص عن إِنشاء المخبر معروفا في المستقبل"، أو هو "ما يفرضه الشخص على نفسه لغيره بالإِضافة إلى المستقبل لا على سبيل الالتزام بالمال"؛

2-       دور الوعد في هيكلة بعض المشتقّات الماليّة الإسلاميّة:هيكل الوعد كما هو معروف في الشريعة الإسلاميّة هو "تعهد من طرف واحد (الواعد)للقيام بأمر ما (مثل شراء أو بيع أحد الموجودات) لصالح شخص آخر (الموعود) مقابلرسم معلوم خلال (أو عند) فترة معيّنة من الزمن".

أ‌-      تعتبر الوعود في الشريعة الإِسلاميّةهياكل شبيهة بالعقود، وتكون ملزِمة لطرف واحد فقط في الترتيب التعاقدي، وهو الواعد، هذه السمة المثيرة للاهتمام في الوعود تجعلها اتفاقيّة ممتازة يمكن أن تقوم عليهاهيكلة الخيارات الإسلاميّة والأنواع الأخرى من عقود المشتقّات.

والواقع أنّ هذه السمةبالذات في الوعود هي التي استخدمتها عدد من المصارف الاستثماريّة الغربية التي طرحتنطاقاً جديداً من المنتجات المُهَيْكَلة الإسلاميّة. هذا الجانب من الوعود يمكن استخدامهكذلك لهيكلة العقود الآجلة الإسلامي([15]).

ب‌-    للإشارة، فإنّ الوعود الأحاديّة (من جانب واحد) لها أهميّة كبيرة في هيكلةالمنتجات المذكورة آنفاً، أمّا الوعود الثنائيّة التي يتبادلها طرفان اثنان تعد ملزِمةلهما، وبالتالي فإنّها بمثابة عقد لا يعطي خيارات سواء للموعود أو الواعد، لكنحين يتم إِدخال تغييرات طفيفة في عوامل الاتفاقيّة، فإنّ ذلك يساعد على إِنشاء وعودأحاديّة يمكن استخدامها في الهياكل المنسجمة مع الحوافز في منتجات الخيارات والعقودالآجلة والمشتقّات.

على الرغم من أنّ الوعود الثنائيّة جائزة شرعاً، إلّا أنّها لا تعد ملزِمةفي معظم التعاملات المشتملة إمّا على تأخير دفع السعر وإمّا تأجيل تسليم البند الذيهو موضوع البيع([16])؛

ج- يمكن الاستفادة من وعدين أحاديّين والوعود الملزِمة باتجاه واحد في هيكلة بعضالمنتجات الماليّة الإِسلاميّة المتطوّرة، حيث طوّرت بعض المصارف عدداً من الهياكل المتّفقة معالأحكام الشرعيّة كعقود التأمين المتبادل والخيارات ومنتجات مشابهة على أساسالوعود الأحاديّة.

يمكن أنْ تؤدي دوراً أكبر من ذلك في تطويرعدد من المنتجات الماليّة كالمشتقات المرتبطة بالصناديق، كما أن لهاقيمة اقتصاديّة في حالة واحدة فقط وهي حين تكون ملزِمة، وهنا فإنّ الطرف المتراجِع عن الوعد سيكون مطالباً بأنْ يدفع غرامة تعادلالخسارة النقديّة الفعليّة التي يتحملها المَوعُود؛

د-لا يمكن بيع الوعود "العائمة" مقابل مبلغ من المال كما هي الحال في الخيارات التقليديّة، التي بموجبها يدفع مشتريالخيار (الموعود) مبلغاً معيناً مقابل حق الشراء أو البيع في المستقبل، وعلى الرغممن أن بعض الفقهاء المعاصرين يرون أنّ الوعود العائمة يمكن بيعها مقابل سعرمعيّن؛

ه- هناك العديد من الخيارات في حالة هيكلة عقود آجلة إسلاميّة، وعد أحادي مع تبادل فوري ووعد مزدوج (وعدان) مع تبادل فوري ووعد ثنائي ولكن مع تغير الوعد، وقروض متوازية ثنائيّة مع آليّة لتسوية الدين، بالإِضافة إلى استخدام الوعد في هيكلة "عقود مبادلة إسلاميّة" لمعدل الربح والتي تعرف في الماليّة التقليديّة "بعقود مبادلة معدّلات الفائدة"، الخيار الأول هو عقود مبادلة إسلاميّة لمعدل الربح تضم سلعة مرابحة وكالة ووعد، أمّا الخيار الثاني فهو عقود مبادلة إسلاميّة لمعدل الربح مع سلعة مُرابحة واحدة، أمّا في هيكلة خيارات إِسلاميّة، فهناك وعد يُضَم مع سلعة مرابحة والخيار الثاني هو بيع العربون([17])؛

و- الفرق بين الوعد والمُواعَدة: تكون المواعدة من الطرفين، وعليه فلا يكون هناك خيار لأي واحد من الطرفين وبذلك تكون هذه المواعدة عقدا لا وعدا، حيث تجاوزت مرحلة الوعد – الذي يكون فيه خيار لأحد الطرفين- إلى كونها عقدا مستقبليا ملزما للطرفين بلا خيار على الإطلاق؛ بخلاف الوعد الذي يكون مقدما من طرف واحد ويبقى الطرف الثاني بالخيار([18]).

  يوضّح الجدول الموالي، مقارنة بين خيارات البيع التقليديّة والإسلاميّة.

الجدول رقم (1): مقارنة بين خيارات البيع التقليديّة والإسلاميّة

 

الرسم الإضافي

ملكيّة الأسهم

الفائز/الخاسر

 

 

إذا تمّت ممارسة الخيار

إذا لم تتم ممارسة الخيار

إذا تمّت ممارسة الخيار

إذا لم تتم ممارسة

الخيار

خيار البيع

الإسلامي

لا يوجد رسم إضافي مستقل،

وإنما يكون جزءً من سعر المرابحة يدفع في النهاية

يعود السهم إلى بائع المرابحة (بائع خيار البيع الإسلامي)

ينتهي المطاف بالسهم لدى حامل خيار البيع

يكسب حامل خيار البيع الفرق بين سعر الممارسة (الموعود) وبين سعر المرابحة، بائع خيار البيع يخسر مبلغاً مكافئاً

يكسب حامل خيار البيع الفرق بين سعر السوق وبين سعر المرابحة، بائع خيار البيع يتلقى فقط سعر المرابحة

خيار البيع

التقليدي

رسم إضافي مستقل، يدفع مقدما.

ينتهي المطاف بالسهم لدى حامل خيار البيع

يظل السهم مع بائع خيار البيع، الذي يتلقى رسماً إضافياً مقدماً

يكسب حامل خيار البيع الفرق بين سعر السوق وبين سعر الممارسة ناقصاً الرسم الإضافي، بائع خيار البيع يخسر مبلغاً مكافئاً

حامل خيار البيع يخسر المبلغ الإضافي، يكسب البائع المبلغ المكافئ

 

المصدر: همايون دار، الوعود أداة فاعلة في هيكلة المنتجات الماليّة الإسلاميّة، مجلة المصرفيّة الإسلاميّة، 1/03/2010، العدد 11، ص: 58.

خاتمة

Ø  ساهمت الهندسة الماليّة الإسلاميّة في بروز مفهوم جديد يتعلق "بالماليّة الإسلاميّة المُهيكلَة"، وهو ما نتج عنه إبداع أدوات ماليّة إسلاميّة مُستحدثة لم تكن موجودة من قبل؛

Ø    لا يختلف مفهوم الهندسة الماليّة الإسلاميّة عن مفهومها التقليدي من حيث الجوهر وهو الحث على الابتكار والاعتماد عليه لخلق قنوات وأدوات جديدة تناسب التغيرات السريعة في الأسواق الماليّة العالميّة، بينما يختلف عنها من حيث الوسيلة والغاية والأهداف فلابد من شرعيّة الوسائل المستخدمة في عمليّة الابتكار وتكون موجهة لتحقيق أهداف تحقق المصالح العامّة وليس فقط الشخصيّة؛

Ø    بالرغم من اشتراكالهندسة الماليّة الإسلاميّة والتقليديّة في المبادئ العامّة، إلّا أنّه يمكن تمييز الهندسة الماليّة الإسلاميّة من خلال:

v  الالتزام بالنُظم الشرعيّة؛

v  تحقيق مصلحة جميع المتعاملين؛

v  مبدأ التوازن؛

v  مبدأ الحل والتكامل؛

v  مبدأ المناسبة؛

Ø  قام بعض المتخصّصون المعاصرون بتطوير بعض النماذج التمويليّة في الاقتصاد الإسلامي باستخدام أسلوب الهندسة الماليّة ومنها نموذج المرابحة ونموذج الوكالة بأجر ونموذج سندات الإِجارة الموصوفة في الذمة والمغارسة المشتركة والمغارسة المقرونة بالبيع والإجارة والمشتقات الماليّة ومنتجات تمويليّة أخرى كالتورق المصرفي وشهادات الايداع القابلة للتداول؛

Ø    هناك فرق بين المشتقّات الماليّة التقليديّة والإسلاميّة، حيث تستخدم التقليديّة لأغراض التحوط والمضاربة وعمليّات التحكيم، في حين تستخدم الأدوات الإسلاميّة فقط لأغراض التحوط، كما تتم هيكلة المشتقّات الإسلاميّة باستخدام العقود الشرعيّة إضافة إلى أنها لا تتداول كنظيرتها التقليديّة؛

Ø    يفضل تسمية المشتقّات الماليّة الإسلاميّة تحت مُسمَى "اتفاقية التحوط الرئيسيّة" للاتحاد الدولي للمقايضات والمشتقات/ السوق الماليّة الإسلاميّة الدوليّة (tahawwut master agreement).

 



 (**)-تُعد مخاطر الاستثمار في المشتقّات كبيرة جدا، وينشأ ارتفاع هذه المخاطر من حالة عدم التأكد المحيطة بأسعارها كونها لا تتعامل مع الحاضر وإنما مع المستقبل، للمزيد راجع: حاكم الربيعي، ميثاق الفتلاوي وآخرون، المشتقّات الماليّة، عقود المستقبليّات، الخيارات والمبادلات، دار اليازوري للنشر والتوزيع، الأردن، 2011، ص ص:339-340.، مؤيد عبد الرحمن الدوري، سعيد جمعة عقل، إِدارة المشتقّات الماليّة، إثراء للنشر والتوزيع، الأردن، 2012، ص: [37 -40].

([1])-سامي السويلم، غياب المشتقّات الشرعيّة يعطل نمو المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، مجلّة المصرفيّة الإسلاميّة، 1/12/2009، العدد 8، ص:9.

([2])- عبد الرحيم عبد الحميد الساعاتي، مستقبليّات مقترحة متوافقة مع الشريعة، بحث في مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، م15، 2003، ص:63.

([3])- المرجع السابق، ص:65.

([4])-مؤيّد عبد الرحمن الدوري، سعيد جمعة عقل، مرجع سابق، ص: [40-43].

([5])-عبد الستار أبو غدة، ضوابط تطوير المشتقّات الماليّة في العمل المالي: العربون- السلم- تداول الديون، مداخلة في إِطار المؤتمر الثامن للهيئات الشرعيّة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، البحرين، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، 18-19 ماي 2009، ص: [4-6].

([6])- راجع: محمد سليمان الأشقر، محمد عثمان شبير، ماجد محمد أبو رخية، عمر سليمان الأشقر، بحوث فقهيّة في قضايا اقتصاديّة مُعاصرة، الأردن، دار النفائس للنشر والتوزيع، م2، 1998، ص:547.

([7])- عبد الحميد محمود البعلي، المشتقّات الماليّة في الممارسة العمليّة وفي الرؤية الشرعيّة، الأكاديميّة العربيّة للعلوم الماليّة والمصرفيّة، 1999، ص:42.

([8])- محمد يونس البيرقدار، نحو تطوير عقود اختيارات في ضوء مقرّرات الشريعة الإسلاميّة، مداخلة في: المؤتمر الثامن للهيئات الشرعيّة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، البحرين، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، 18-19 ماي 2009،  ص: [18-25].

 ([9])- عبد الرحيم عبد الحميد الساعاتي، مشتقّات إسلاميّة لإِدارة المخاطر التجاريّة، بحث في مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، م11، 1999، ص:84-86.

 ([10])- المرجع السابق، ص:86.

 ([11])-سامي السويلم، غياب المشتقات الشرعيّة يعطل نمو المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، مجلة المصرفيّة الإسلاميّة، 1/12/2009، العدد 8 ، ص:8.

(*)- Commodity Murabaha Programme.

([12])-Mohd. Akbar Ali Khan, Gulam Muntaqua and Mohad. Abdul Samad, Shariah’s Drive Against Derivatives, Islamic Capital Markets Products Regulation & Development, Islamic Research Training Institute, IDB, Saudi Arabia, 2008, p:210.

([13])-سامي السويلم، غياب المشتقّات الشرعيّة يعطل نمو المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة، مرجع سابق، ص:8

([14])- حمد بن عبد الرحمان الجنيدل، إيهاب حسين أبو ديّة، الاستثمار والتمويل في الاقتصاد الإسلامي، دار جرير للنشر والتوزيع، الأردن، الجزء الأول، 2009، ص:110.

([15])- همايون دار، الوعود أداة فاعلة في هيكلة المنتجات الماليّة الإسلاميّة، مجلة المصرفيّة الإسلاميّة، 1/03/2010، العدد 11، ص: 56.

([16])- المرجع نفسه.

([17])-عبد الستار أبو غدة، ضوابط تطوير المشتقّات الماليّة في العمل المالي: العربون- السلم- تداول الديون، مرجع سابق، ص:6.

([18])- بشر محمد موفق لطفي، الوعد الملزم كآلية لإدارة المخاطر في المصارف الإسلاميّة، بحوث وأوراق عمل الندوة الدوليّة حول الخدمات الماليّة وإِدارة المخاطر في المصارف الإسلاميّة، المنعقدة خلال الفترة 18- 20 أفريل 2010، جامعة فرحات عباس – سطيف- كليّة العلوم الاقتصاديّة والتجاريّة وعلوم التسيير، ص:418.