العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الائتمان المصرفي من منظور قانوني

Dr. AbdelGadir Warsama Ghalib

Senior Legal Advisor & Head of Legal Dept, Bank of Bahrain & Kuwait – BBK Professor of Law, American University. Bahrain

تلعب البنوك دوراًكبيراًفي دعم الاقتصاد والتجارة عبر الخدمات المصرفيّة المتعددة التي تقدمها للعملاء ولكل المجتمع وفق الضوابط والأعراف والقوانين المصرفية وكذلك وفق الممارسات المصرفيّة السليمة. ومن أهم الخدمات التي تقدمها البنوك خدمة عمليّات الائتمان التي تمثل عصب الحياة للحركة التجاريّة.

وبصفة عامة، يتمثل الائتمان في عمليّات الإقراض والاقتراض وهو في الغالب يتم عن طريق البنوك التي تقوم بدور كبير في هذا الخصوص مع الحرص علىمراعاة القوانين المصرفيّة والضوابط التي تصدرها البنوك المركزيّة بصفتها الجهة الإشرافيّة الرقابيّة المسئولة عن سلامة كل العمليات المصرفية وخاصة عمليات الائتمان المصرفي.

إذا نظرنا للقوانين المصرفيّة السارية، يتم تعريف الائتمان بأنه تلك الثقة التي يوليها البنك لشخص ما سواء أكان طبيعياً أم معنوياً، وبأن يمنحه مبلغاً من المال لاستخدامه في غرض محدد، خلال فترة زمنية متفق عليها وبشروط معينة لقاء عائد مادي متفق عليه وبضمانات تمكّن البنك من استرداد ما قدمه من قرض في حال توقف العميل عن السداد.

وفي نفس الوقت، يتم تعريف القروض المصرفيّة بأنها تلك الخدمات المقدمة للعملاء التي يتم بمقتضاها تزويد الأفراد والمؤسّسات والمنشآت في المجتمع بالأموال اللازمة على أن يتعهد المدين بسداد تلك الأموال وفوائدها والعمولات المستحقة عليها والمصاريف دفعة واحدة، أو على أقساط في تواريخ محددة. ويتم تدعيم هذه العلاقة بتقديم مجموعة من الضمانات التي تكفل للبنك استرداد أمواله في حال توقف العميل عن السداد بدون أية خسائر. وينطوي هذا المعنى على ما يسمى بالتسهيلات الائتمانية ويحتوي على مفهوم الائتمان والسلفيات، حتى إنه يمكن أن يكتفيبأحد تلك المعاني للدلالة عليه.

من هذه التعريفات القانونية ومن الواقع الممارس في البنوك، تتمثل أهمية الائتمان في أنه أصبح ضرورة جوهرية للاقتصاد لأنه يمكن الشركات والتجار وأرباب الأعمال من مباشرة أعمالهم أو توسيعها عبر استخدام الأموال المقدمة لهم، ومن ذلك تأتي زيادة إنتاج رأس المال مع التطوير لكافة الأعمال التجارية والاستثمارية والخدمية.

ويمكن تلخيص أهمية الائتمان المصرفي في عدة محاور منها مثلا: زيادة الإنتاج عبر إنشاء المشروعات الجديدة وتطوير القائم منها وجميعها في حاجة لأموال كثيرة تفوق الموارد الذاتية لهذه المشروعات. أو زيادة الاستهلاك لأن الائتمان المصرفي يمكن المستهلكين من الحصول على السلع الاستهلاكية وغيرها من السلع وذلك بالرغم من عدم قدرتهم على دفع قيمتها وقتيا وفي الحاضر. أو توزيع الموارد المالية على مختلف الأنشطة الاقتصادية حيث يلعب الائتمان المصرفي دوراً هاماً في توزيع الموارد المالية المتاحة لدى الجهاز المصرفي لتأخذ دورتها في مختلف القطاعات التجارية والخدمية. أو تشغيل الموارد الاقتصادية المجمدة عن طريق الائتمان المصرفي حتى يمكن الاستفادة من الأموال المجمدة بالبنوك وذلك عن طريق تمويلات قصيرة الأجل. أو تسهيل عملية التبادل التجاري باستخدام الاعتمادات المستندية والتي تمثل أحد أشكال الائتمان المصرفي لتميزها بتوفير طريقة سهلة للدفع في التجارة الخارجية ومن هذا تتطور التجارة الداخلية لتوفر كل السلع من كل العالم.

وننتهز هذه السانحة لنذكر أن من الأهداف الأساسية للائتمان المصرفي توفير الخدمات المصرفية وفق الأسس السليمة التي تضمن سلامة وقوة ومتانة البنوك، من الجهة الأخرى وفي نفس الوقت أيضا، فإن من هذه الأهداف دعم الشركات المرتبطة بالائتمان المصرفي لتوجيهها للعمل وفق أسس مؤسسية تتماشىمع ضوابط حوكمة الشركات المتبعة. ومن هذا يقوم العمل في هذه الشركات علىوضع أفضل الأسس والسياسات الخاصة بتمويل المخاطر والتأمين عليها، ورسم الخطة الشاملة والرامية إلى توفير أقصى حماية مالية لأصول وموجودات ومسؤوليات الشركة وبأقل كلفة ممكنة والإشراف على تنفيذ كافة الأحكام والإجراءات المنظمة لها بما يحقق الاستخدام الأمثل للميزانية المخصصة لتمويل المخاطر بشتى أنواعها.

أو تطوير وتحديث الأنظمة المالية، ووضع المعايير والأسس المحاسبية بمهنية عالية وبما يضمن تحقيق أقصى درجات المحافظة على مال الشركة. أو مواكبة تطوير الأنظمة المحاسبية وإصدار الحسابات الختامية والتقارير المالية على الأسس والمعايير المعتمدة دوليا بما يوفر أقصى درجات المرونة والدقة والسرعة. أو تحقيق رقابة حقيقية على كافة المصروفات والإيرادات والتسويات وإعداد التحاليل الخاصة بهــا مع تطبيق معايير رقابية تهدف للمحافظة على الأصول والموارد التابعة لإدارة نشاط مشاريع المجموعة المختلفة. ومن تحقيق هذه المتطلبات فإن الائتمان المصرفي يخدم البنوك وكذلك يخدم الشركات المتعاملة معها.

ومن واقع الممارسة المصرفية المتعارف عليها في البنوك، نلاحظ وجود أنواع متعددة للائتمان المصرفي وهي تتشكل حسب نوع الاستثمار، وفي مجملها فإنها تنقسم إلىالائتمان الاستهلاكي أو الائتمان الإنتاجي. فالائتمان الاستهلاكي يسهل للشخص الحصول على المال اللازم للوفاء بحاجاته الاستهلاكية من مأكل أو مشرب مقابل فائدة مترتبة على القرض، أو وفق الضوابط المصرفية الأخرى أما الائتمان الإنتاجي فهو عبارة عن المال الذي يقدم للتجار بقصد استخدامه في المشاريع التجارية أو الصناعية أو الزراعية أو المختلطة، وهذا يعود بالفائدة على المقرض والمقترض وفق الضوابط المصرفية وتفاصيل العقود المبرمة بين الأطراف.

وفي جميع الأحوال ومن واقع اللوائح المصرفية والممارسة المصرفية السائدة، يتم تصنف فترة الائتمان المصرفي وذلك من حيث المدة (مدة القرض) كأن تكون قصيرة أو متوسطة أو طويلة وفق أحكام اللوائح المصرفية، وبموجب هذه المدة يتم احتساب الفائدة التي تزيد أو تنخفض وفق مدة القرض. ومن الأهمية القول بأنه لا بد من مراعاة الشفافية والوضوح فيما يتعلق بموضوع الفائدة وتحديدها وكيفية احتسابها، بل إن الممارسة المصرفية السليمة السائدة الآن تلزم البنوك ببذل كل الجهود لتوفير الإفصاح الكافي مراعاة لتجنب الغرر والتدليس في عقود الائتمان المصرفية. إضافة لما تقدم، فهناك عدة معايير إضافية يتم انتهاجها خاصة عند النظر في منح الائتمان. ومن هذه المعايير تلك المرتبطة بالشخصية أي شخصية المقترض لأن العمل المصرفي أساسا يقوم علىالمعرفة المرتبطة بالثقة الشخصية، وعلىالبنوك مراعاة التعامل مع الشخصيات الموثوقة حتىلا تواجه الضرر والإعسار والتعثر. وهذه النقطة هامة لأن "الشخص" هو الأساس في التعامل ولذا لا بد من جمع كل المعلومات الأساسية عنه وتقييم وضعه بصورة علمية منطقية بعيدا عن العواطف الشخصية والميول الذاتية. ومن المعايير الهامة ضرورة توفر القدرة والمقدرة علىتنفيذ البرنامج المتفق عليه، وكذلك القدرة والمقدرة في إعادة سداد المبلغ وفق الفترة المتفق عليها، وبهذه القدرة نضمن استمرار العمل المصرفي. وكذلك من المعايير توفر رأس المال لتلك الدرجة التي تمكن المقترض من تنفيذ كل التزاماته وأن لديه رأس المال الكافي لتغطية كل هذه الالتزامات حتىنهاية المشروع، وإلا فإن المخاطر ستزيد للدرجة التي تضر بالبنك. وأيضا، من المعايير الهامة جدا، توفر ووجود الضمان الكافي الذي يضمن للبنك تغطية إعادة استرداد كل القرض والتزاماته. والضمانات عديدة منها الشخصية أو العينية أو المؤسسية كتلك التي تقدمها الشركة أو غيرها من الشركات أو المؤسسات المالية الأخرى،والضمانأمان قوي في يد البنك ويوفر الطمـأنينة الكافية للتعامل المصرفي.

وبالرغم من اتباع الممارسات السليمة عند منح الائتمان المصرفي، وبالرغم من انتهاج العديد منالمعايير السليمة والسير وفقها إلا أن هناك بعض الظروف الأخرى التي تنتج عنها بعض العوامل المؤثرة في اتخاذ القرار الائتماني ومن هذا نجد العوامل الخاصة بالعميل أو البنك أو الخاصة بالتسهيل الائتماني. وفي نفس الوقت لا بد أيضا من مراعاة المتغيرات على الساحة الدولية كالاتجاه نحو تحرير التجارة الدولية في الخدمات المالية، الاتجاه الكامل نحو تكنولوجيا المعلومات، والاتجاه نحو اقتصاد السوق... خاصة وأن هذه الأمور ضرورية لمواكبة التطورات العملية.

ومراعاة كل هذا، يؤدي إلى ضرورة الاهتمام بالوظيفة الائتمانية للبنك على اعتبار أن المركز المالي له يتأثر بمتغيرات وعناصر كثيرة يجب أخذها في الحسبان انطلاقا من أن سلامة محفظة القروض يؤدي إلى تحقيق عوائد مرتفعة للمصرف بأقل مستويات ممكنة من المخاطرالمصاحبة لقرارات منح الائتماناتالائتمان المصرفي من الخدمات المصرفية الهامة بل والضرورية لكنها محفوفة بالمخاطر العديدة والمتعددة. ومن أجل العمل علىتجنب أو تقليل آثار هذه المخاطر لا بد من الإلمام بالقوانين واللوائح المصرفية إضافة للممارسات المصرفية السليمة. وما ذكرناه أعلاه، من واقع التجربة ومما ظهر من العديد من الدراسات العديدة، يتضمن الإطار القانوني العام الذي يجب أخذه في الحسبان للوصول بالائتمان المصرفي لبر الأمان وبما يخدم الصناعة المصرفية وفي نفس الوقت يخدم المجتمع الذي تعيش فيه هذه الصناعة الهامة.