العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التورق المصرفي كصيغة تمويليّة تساهم في تطوير أداء مصرف إسلام ماليزيا

د. خنفوسي عبد العزيز

أستاذ محاضر قسم"ب"

المبحث الأول: آليّة التمويل بصيغة التورق المصرفي داخل مصرف إسلام ماليزيا

نجد أن مصرف إسلام ماليزيا(1) يُعتبر واحدًا من أهم المؤسّسات المصرفيّة التي تعمل ضمن هذه المنظومة، وهو كذلك أول مصرف يتأسس بماليزيا ليعمل وفق ضوابط المعاملات الماليّة في الشريعة الإسلاميّة.

المطلب الأول: التعريف بمصرف إسلام ماليزيا

إن مصرف إسلام ماليزيا "بيرهاد" هو أول مصرف تم تأسيسه ليزاول نشاطه في مجال الصيرفة الإسلاميّة في دولة ماليزيا، حيث تم افتتاحه في 01 جويليّة من سنة 1983، وهذا برأس مال قدره حوالي 80 رينجيت ماليزي، ويقع مقره الرئيسي بمدينة كوالالمبور.

وبمجرد تأسيسه بدأ مصرف إسلام ماليزيا في النشاط والتطور، وهذا من سنة إلى أخرى، حيث وصل رأس ماله خلال نهاية ديسمبر 2010 إلى حوالي 2.5 مليار رينجيت ماليزي، وبلغ عدد فروعه ما قدره 119 فرعا مصرفيّا.

يُمكن القول أن مصرف إسلام ماليزيا لعب دورًا هاماً وبالغاً في تدعيم الصناعة المصرفيّة الإسلاميّة في دولة ماليزيا، وهذا باعتباره المصرف الذي حاز ثقة كبيرة جدًا في تقديم الخدمات الماليّة المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلاميّة لمدة ثلاث سنوات متتالية (2009- 2010-2011)(2).

المطلب الثاني: منتجات التمويل والاستثمار المطبقة داخل مصرف إسلام ماليزيا

أولا: صيغ التمويل بالمشاركة.

المضاربة: لقد حظيت المضاربة بالتطبيق في مصرف إسلام ماليزيا منذ نشأته، وقد تنوعت بين مضاربة مقيدة ومطلقة، أما تطبيقاتها فنجدها من خلال صندوق النجاح الذي يُعتبر استثمارًا وفق عقد المضاربة المقيدة، حيث يقوم المصرف (المضارب) بجمع الأموال من المستثمرين لاستثمار ما يعادل 90%منها فقط، وهذا في شهادات إيداع قابلة للتداول موافقة لأحكام الشريعة الإسلامية، وتستحق عائدًا عائما يتم تقاسمه بين الطرفين عند تاريخ استحقاق الشهادات، بينما تعتبر نسبة 10%المتبقية عربونا يتم دفعه للحصول على خيار شراء لمؤشر مالي معين، وعند تاريخ الاستحقاق يحق لمصرف إسلام ماليزيا أن ينفذ العقد اعتبارًا من تاريخ الاستحقاق، وهذا لكي يحصل بذلك على أرباح من الفرق بين ثمن الشراء (العربون + المبلغ المدفوع عند تاريخ الاستحقاق)، وثمن البيع الحاضر يتقاسمها مع العميل، أما في حالة عدم تنفيذ المصرف للشراء، فلا يحصل على العربون، بل يصبح ملكا لبائع الخيار(3).

المشاركة: تعتبرالمشاركة أيضا من صيغ التمويل التي عمل بها مصرف إسلام ماليزيا منذ سنة 1983، حيث يساهم المصرف مع المستثمر كل بنسبة معينة في المشروع، ثم يقومان بعد ذلك بإدارته، وعند الحصول على الأرباح أو حدوث الخسائر يتم تحملها معا.

وتجدر الإشارة إلى أن المصرف قد أطلق آلية المشاركة المتناقصة ليبدأ العمل بها خلال سنة 2009، حيث تستخدم هذه الصيغة بالتنازل التدريجي عن جزء من ملكية أصولها للعميل المشارك، والذي يقوم في كل مرة بشراء جزء من الأسهم إلى غاية نهاية عقد المشاركة.

ثانيا: صيغ التمويل التجاري.

بيع المرابحة: تعتبر المرابحة آلية تمويلية تعتمدها المصارف الإسلامية بصفة عامة، ومصرف إسلام ماليزيا بصفة خاصة، حيث يفوق حجم التمويل وفقها حجم التمويل وفق باقي الصيغ الأخرى، وقد اعتمدت من قبل المصرف منذ تأسيسه، فتعددت تطبيقاتها واختلفت.

البيع بالثمن الآجل: يعتبر هذا البيع من البيوع المطبقة في تمويل السيارات والمنازل، حيث يكون تسديد الثمن في تمويل السيارات بالبيع الآجل وفق أقساط شهرية خلال المدة المتفق عليها، أما تسديد الثمن في تمويل المنازل بالبيع الآجل، فيكون دفعة واحدة في التاريخ المتفق عليه في العقد.

بيع العينة: لقد تبنى مصرف إسلام ماليزيا بيع العينة خلال سنوات التسعينات من القرن العشرين، أي بعد حوالي سبع سنوات من تأسيسه، وتعددت تطبيقات هذه الآلية التمويلية، ونذكر على سبيل المثال استخدامها في تغطية بطاقات الائتمان(4).

التمويل بالتورق المصرفي: يعتبر من أحدث المنتجات التمويلية التي تبناها المصرف، وكان ذلك سنة 2009، وعلى الرغم من حداثته، فقد اختلفت تطبيقاته كثيرًا.

ثالثا: التمويل بالإجارة.

لقد تبنى مصرف إسلام ماليزيا آلية التمويل بالإجارة منذ تأسيسه، حيث يطبق عقد الإجارة بصفته المؤجر، فيقوم بتأجير الأصول بشروط تتحدد فيها مدة الإجازة والأقساط الإيجارية الواجب دفعها من قبل العميل، حيث وخلال هذه المدة يبقى مالكا للأصل، وبنهايتها يمكن للمصرف بالاتفاق مع العميل أن يبيع الأصل المؤجر لهذا الأخير بالثمن المتفق عليه، وبالتالي يكون قد طبق ما يُسمى بالإجارة المنتهية بالتمليك.

المطلب الثالث: آلية التورق المصرفي في مصرف إسلام ماليزيا

أولا: مجال تطبيق التورق المصرفي في مصرف إسلام ماليزيا

لقد رأينا من خلال التعريف السابق أن مصرف إسلام ماليزيا يقوم بتطبيق آلية التمويل بالتورق المصرفي عن طريق بيع السلع الدولية التي تضم المعادن على اختلاف أصنافها(5)، والتي يجري عليها التعامل في الأسواق الدولية، وبالتالي يرجع اختيار المصارف الإسلامية لهذا النوع من السلع بالتحديد إلى كونها من السلع التي يتم فيها التعامل عالميا وبصفة يومية، إضافة إلى سرعة إتمام عمليات بيعها وشرائها، وخلوها من الشروط النظامية المطبقة على سلع غيرها، وكذا سهولة الإجراءات، والتكاليف التي تميز أغلبية السلع الأخرى.

ثم إن مصرف إسلام ماليزيا يستخدم التمويل بالتورق المصرفي لتغطية البطاقة الائتمانية للعميل المخصصة للاستعمال الشخصي، حيث لا تطبق عليه أي نوع من التكاليف، وإنما يستفيد من إلغاء معدل الربح لمدة 20 يوما من تاريخ تعبئة البطاقة.

ثانيا: خطوات التمويل بالتورق المصرفي في مصرف إسلام ماليزيا.

خطوات التورق ببيع المعادن: يُطبق التمويل عن طريق التورق ببيع المعادن وفق مجموعة من خطوات التي يمكن تلخيصها في النقاط الآتية(6):

·               يتقدم العميل بطلب لتمويل سلعة معينة وفق آلية التورق المصرفي، حيث يحصل المصرف على كل الوثائق المطلوبة لإتمام المعاملة.

·               يقوم المصرف بشراء (السلعة المطلوبة- المعدن-) من بورصة لندن للمعادن، وهذا عن طريق المضارب الأول.

·               يقوم المصرف ببيع المعدن للعميل وفق عقد مرابحة، وهذا بثمن يتضمن قيمة السلعة مضافا إليها نسبة من الربح، على أن يتم تسديده في تاريخ لاحق متفق عليه.

·               يقوم العميل بتوكيل مصرف إسلام ماليزيا عن طريق إبرام عقد وكالة، وهذا ببيع السلعة في السوق الدولية(7).

·               يقوم مصرف إسلام ماليزيا ببيع المعدن إلى طرف آخر (مضارب ثاني) غير المضارب الأول.

·               يقوم المصرف بتحويل ثمن بيع المعدن إلى حساب العميل لدى المصرف(8).

·               يقوم العميل بتسديد ما عليه اتجاه المصرف على شكل أقساط.

التورق لتغطية بطاقة الائتمان: أما التمويل بالتورق المصرفي لتغطية بطاقة الائتمان فيتم من خلال مجموعة من الخطوات نعرضها فيما يلي:

·               يتم توقيع اتفاقية بين العميل والمصرف يَعد فيها بشراء سلعة محددة من المصرف.

·               يقوم المصرف بشراء السلعة المطلوبة من التاجر الأول آنيا.

·               يبيع المصرف السلعة للعميل بيعا آجلا، ويقوم العميل بتوكيل المصرف ببيع السلعة لطرف آخر.

·               يقوم المصرف باعتباره وكيلا ببيع السلعة نفسها للتاجر الثاني آنيا.

·               يتم إيداع المبلغ في حساب العميل، وهذا ليصبح المبلغ بمثابة الحد الائتماني للبطاقة.

·               يسدد العميل أقساطا شهرية، أو المبلغ كاملا في نهاية المدة حسب الاتفاق.

المبحث الثاني: دور التورق المصرفي في إدارة السيولة داخل مصرف إسلام ماليزيا

بعد القيام باستحداث منتج التورق المصرفي قامت معظم المصارف الإسلامية، وحتى النوافذ الإسلامية على مستوى المصارف التقليدية بتبني هذه الآلية من أجل حل مختلف المشاكل التمويلية التي تواجه الأطراف المتعاملة في الساحة المصرفية.

وقد كان لهذه الصيغة أهمية في المصارف الإسلامية، سواء في استقطاب عملاء جدد، أو في استخدامها كآلية لحل مشكل السيولة الفائضة لديها.

المطلب الأول: دراسة حجم التمويل بالتورق المصرفي في مصرف إسلام ماليزيا خلال الفترة (2009-2011).

أولا: حجم التمويل بالتورق المصرفي خلال الفترة (2009-2011).

يُمكن القول أن حجم التمويل بالتورق المصرفي في مصرف إسلام ماليزيا كان ضئيلا في أول سنة من اعتماده كآلية للتمويل سنة 2009، وهذا إذا ما قورن بإجمالي حجم التمويل، فقد قدر بـ 167.378.000رينجيت ماليزي، حيث لم يتعد وزنه نسبة 1,56%، أما في السنة الموالية لسنة 2010، فيلاحظ أن هناك زيادة معتبرة في حجم التمويل به مقارنة بالسنة المقارنة، وقد قُدرت بحوالي 2.753.328.000رينجيت ماليزي، كما ارتفع وزنه إلى ما يقارب حوالي 21%، وفي سنة 2011 ارتفع أيضا حجم التمويل بالتورق في المصرف، وقارب حوالي 3.356.190.000رينجيت ماليزي، أي بوزن وصل إلى نسبة 24,42%.

ثانيا: مقارنة بين حجم التمويل بالتورق المصرفي وصيغ التمويل بالمشاركة والإجارة(9).

لقد بدا أن حجم التمويل بالمضاربة في انخفاض مستمر، حيث قُدر سنة 2006 بـ 21.316.000رينجيت ماليزي، ووصل إلى حوالي 6.000.000رينجيت ماليزي سنة 2010، ليبقى ثابتا خلال سنة 2011، وباعتبار أن إجمالي حجم التمويل في زيادة مستمرة، فإن الوزن النسبي للتمويل بالمضاربة انخفض إلى حوالي 0,04%، ويمكن القول عموما أن اعتماد مصرف إسلام ماليزيا على المضاربة في هيكلها التمويلي ضعيف جدًا، ويمكن أن نُرجع سبب ذلك إلى المخاطرة العالية التي تتميز بها هذه الصيغة.

أما خلال سنة 2009، وبعد تبني آلية التمويل بالتورق من قبل مصرف إسلام ماليزيا، فإننا نجد أن نسبة التمويل بالمضاربة إلى التمويل بالتورق منخفضة، حيث تُمل نسبة 5,33%، وانخفض خلال السنتين التاليتين، وهذا على اعتبار أن حجم التمويل بالمضاربة بقي ثابتا في حين ارتفع التمويل بالتورق.

وبخصوص حجم التمويل بالإجارة، فقد كان مرتفعاً جدًا إذا ما قورن بالمضاربة، حيث بلغ سنة 2006 قيمة 320.974.000رينجيت ماليزي، لينخفض حجم التمويل بها سنة 2008 إلى 273.397.000رينجيت ماليزي، ثم عاد إلى الارتفاع في السنوات التالية ليصل إلى 331.791.000رينجيت ماليزي، أما وزن التمويل بالإجارة في سلة صيغ التمويل فنجده يتناقص تدريجيا حتى يصل إلى 2,11%، مع الإشارة فقط لوجود ارتفاعات طفيفة بين سنتي 2007 و2009.

ثالثا: مقارنة بين حجم التمويل بالتورق المصرفي وصيغ التمويل التجاري.

بداية نلاحظ أن هناك انخفاض في حجم التمويل بالبيع الآجل خلال السنوات الثلاث الأولى (2006-2007-2008)، حيث كان يعادل 9.569.669.000رينجيت ماليزيسنة 2006، ووصل إلى 5.526.409.000رينجيت ماليزيسنة 2008، في حين أنه بدأ يرتفع ابتداء من سنة 2009 ليعادل 5.719.629.000رينجيت ماليزي، وبلغ آخر سبتمبر من سنة 2011 قيمة 6.996.023.000رينجيت ماليزي، ويُمثل التمويل بالبيع الآجل ما يفوق نصف إجمالي حجم التمويل بالمصرف، حيث قُدرت أدنى نسبة له بـ 50,55%وكان ذلك سنة 2010، ووصلت أعلى نسبة له 63,71%في سنة 2006، وهذا ما يعني أن مصرف إسلام ماليزيا يعتمد بصفة أساسية على صيغ البيع الآجل في عملياته التمويلية.

أما حجم التمويل بالمرابحة، فقد عرف هو الآخر ارتفاع وانخفاض له، وعليه فقد سجلت أكبر قيمة لها سنة 2008 وقدرت بـ 1.848.075.000رينجيت ماليزي، أما أقل حجم للتمويل بها، فقد كان سنة 2010 بمقدار يُقدر بحوالي 1.120.380.000رينجيت ماليزي، أما حجم التمويل بالمرابحة في هيكل صيغ التمويل فيعتبر منخفضا إذا ما قورن بالبيع الآجل، حيث وصلت أعلى نسبة للتمويل بها إلى 17,67%سنة 2008، وقد يرجع هذا الانخفاض إلى التمويل بالتورق.

كما عرف حجم التمويل وفق عقد للاستصناع انخفاضا خلال الثلاث الأولى (2007-2008-2009)، ثم ارتفع مرة أخرى خلال سنة 2009، في حين نجد أن مصرف إسلام ماليزيا لم يبرم أي عقد للاستصناع خلال سنتي 2010 و2011، وبمقارنة حجم التمويل بالاستصناع إلى إجمالي التمويل، نجد أن نسبته - حتى وإن ارتفعت قليلا خلال سنتي 2007 و2009- تبقى منخفضة جداً إذا ما قورنت بنسبة البيع الآجل.

المطلب الثاني: وضعية السيولة في مصرف إسلام ماليزيا خلال الفترة (2009-2011)

يظهر لنا من خلال التقارير المالية لمصرف إسلام ماليزيا للسنوات (2009 و2010 و2011) أن نسب السيولة لدى مصرف إسلام ماليزيا(10)، قد انخفضت خلال السنتين الأخيرتين مقارنة سنة 2009، حيث نجد أن نسبة النقدية الجاهزة قد انخفضت انخفاضا حادًا خلال سنة 2008، وهذا راجع بالدرجة الأولى إلى الانخفاض الشديد في النقدية الجاهزة من 8.430.872.000إلى 2.862.261.000رينجيتماليزي، أما نسبة التداول، فقد بقيت تقريبا ثابتة عند نفس المستويات للسنوات السابقة(11).

ومنه يمكن القول أن مصرف إسلام ماليزيا عانى كثيرًا من نقص في السيولة خلال سنتي 2010 و2011، وهو الأمر الذي يضعف من قدرة المصرف على تسديد التزاماته اتجاه العملاء عند الطلب(12).

المطلب الثالث: دور التورق المصرفي في إدارة سيولة مصرف إسلام ماليزيا.  

رغم التنوع في صيغ التمويل والاستثمار، إلا أنها لا تأخذ نفس الحظ من الاستخدام، حيث نجد أن البيوع أكثر الصيغ المتعامل بهذا خلال السنوات الست، ويأتي في مقدمها البيع الآجل والمرابحة والعينة والتورق، بالإضافة إلى الإجارة التي لم تختلف نسب استخدامها خلال السنوات الست كثيرا.

إن هذا يدعونا للتساؤل فيما إذا كانت إحدى هذه الصيغ هي المتسبب في امتصاص سيولة المصرف، أو أنها المتسبب كلها ونسب متفاوتة؟

للإجابة على هذا السؤال نقول أنه وبدخول التمويل بالتورق إلى هيكل صيغ التمويل والاستثمار في مصرف إسلام ماليزيا، انخفضت نسبة التمويل بالمرابحة وانعدمت في التمويل بالاستصناع، وهذا بافتراض أنه لا توجد عوامل أخرى أثرت عليها، فيما بقيت نسبة التمويل بالمضاربة والإجارة والبيع الآجل تقريبا عند نفس النسب.

وبالتالي يمكن القول أن التورق المصرفي يُعتبر أداة هامة في إدارة السيولة الفائضة لدى المصارف الإسلامية، وهو من بين الآليات التمويلية التي لا تتميز بتعقيد إجراءاتها، لذا تلجأ إليه معظم المصارف الإسلامية(13)

المبحث الثالث: التقييم الشرعي للتورق المصرفي داخل مصرف إسلام ماليزيا.

تُعتبر مطابقة المنتج المالي لأحكام الشريعة الإسلامية، وخلوّه من المحاذير التي تُدخله ضمن دائرة المعاملات المحرمة الأساس الذي يُميز منتجات الهندسة المالية الإسلامية عن نظيرتها التقليدية(14).

المطلب الأول: قرار هيئة الرقابة الشرعية لمصرف إسلام ماليزيا.

أولا: قرار الهيئة الشرعية للبنك المركزي الماليزي.

يُعتبر البنك المركزي الماليزي الهيئة العليا في الجهاز المصرفي الماليزي، حيث يقوم بدور الرقيب والمشرف على أنشطة مختلف المؤسسات المصرفية، سواء أكانت تقليدية أم إسلامية(15).

ولهذا، فقد قامت هيئة الرقابة الشرعية للبنك المركزي الماليزي بإصدار فتوى بجواز بيع التورق الذي تجريه المصارف الإسلامية العاملة بها في اجتماعها الـ 51 بتاريخ 28 جويلية سنة 2005، وقد جاءت هذه الفتوى استناداً إلى آليات القرآن الكريم(16) أباحت البيع دون الربا، وهذا عملا بالقاعدة الفقهية التي تفيد بأن الأصل في المعاملات الإباحة، ويُستثنى من هذه القاعدة المعاملات التي ورد دليل بعدم جوازها(17).

ثانيا: قرار هيئة الرقابة الشرعية لمصرف إسلام ماليزيا.

استناداً للقرار الصادر من قبل هيئة الرقابة الشرعية للبنك المركزي الماليزي حول بيع التورق، فقد أصدرت هيئة الرقابة الشرعية لمصرف إسلام ماليزيا قرارا شرعيا يُفيد بأن التمويل وفق صيغة التورق المصرفي يجوز شرعا، وهذا باعتباره حسب قرار الهيئة يُوافق ضوابط المعاملات المالية في الاقتصاد الإسلامي، وقد بدأ رسميا العمل به من قِبل المصرف سنة 2009.

المطلب الثاني: قرارات المجامع الفقهية

بعد استحداث التورق المصرفي كآلية تمويلية اختلفت الآراء وتضاربت حول مدى مشروعيته، واحترامه لضوابط المعاملات المالية في الاقتصاد الإسلامي، وهذا لتكون قرارات المجامع الفقهية الفاصلة في هذا الجانب، ونذكر منها ما يلي:

أولا: قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي سنة 1998

جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي سنة 1998 أن بيع التورق (الفقهي) جائز شرعا، حيث يقوم على شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل، ثم يبيعها المشتري لغير البائع للحصول على النقد (الورق)، وقد اشترط المجمع أن لا يبيع المشتري السلعة بثمن أقل مما اشتراها به، وإلا وقع في بيع العينة والربا، وجاءت هذه الفتوى باعتبار أن الأصول في البيوع الحل، ولأن الحاجة داعية له(18).     

ثانيا: قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي سنة 2003

جاء قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي سنة 2003 أن التورق الذي تجريه المصارف، والذي يقوم على " بيع سلعة من غير الذهب والفضة من أسواق السلع العالمية على المستورق بثمن آجل، مع التزام المصرف ببيع السلعة على مشتر آخر بثمن حاضر، وتسليم الثمن للبائع "، غير جائز من الناحية الشرعية، وهذا بسبب(19):

·               التزام البائع بالوكالة من المشتري في بيع السلعة، وذلك ضمن دائرة العينة المحرمة شرعا.

·               عدم تحقق شرط قبض السلعة في كثير من الحالات، وهو شرط أساسي لصحة المعاملة.

·               أنها معاملة صورية فقط يهدف المصرف من ورائها إلى الحصول على زيادة في مقابل ما يدفعه من تمويل، وهذا يختلف عن التورق الحقيقي الذي أجيز في دورته المنعقدة في 1998، والذي يقوم على وجود قبض حقيقي للسلعة ودخولها في ضمانه، ويقوم ببيعها بعد ذلك لحاجته الخاصة، ولا يُعتبر الفرق بين الثمنين زيادة مقابل التمويل المقدم مثل ما يحدث في التورق المصرفي.

ثالثا: قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي سنة 2009.

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي سنة 2009 أن التورقين المنظم والعكسي لا يجوزان باعتبار أن فيهما تحايلا من الطرفين لتحصيل النقد بأكثر منه، وهو عين الربا(20).

ومن خلال عرض مختلف آراء المجامع الفقهية الصادر حول التمويل بالتورق الذي تقوم به المصارف الإسلامية، تبين أنها تقول بحرمة هذا النوع من البيوع، وهذا باعتبار أنه مجرد وسيلة يتم من خلالها توسيط السلع للحصول على الأموال في الوقت الحالي، وهذا مقابل مال أكثر منه في وقت مستقبلي، وهذا الفرق بين الثمنين يُمثل الربا المحرم بالقرآن والسنة النبوية الشريفة.

المطلب الثالث: تقييم المصداقية الشرعية للتورق المصرفي، وأثرها على الكفاءة الاقتصادية.

لقد جاءت قرارات المجامع الفقهية مؤكدة على أن التورق المصرفي لا يُحقق المصداقية الشرعية، وهذا نظرا لما له من آثار اقتصادية، وخدمة مصلحة طرف على حساب طرف آخر، وهذا ما جعله يُصنف ضمن الحيل التي تعتمدها بعض المصارف الإسلامية.

فعلى عكس البيع الذي يهدف إلى الربح، نجد أن التورق ذريعة لتحصيل النقد، وهذا لأن المتورق لا يريد الانتفاع من السلعة ولا بالاستهلاك ولا بالاستثمار، وبهذا تكون الزيادة للأجل المفروضة عليه دون مقابل، وهو الأمر الذي ينزل بالتورق منزلة الربا، ويجعله أسوأ من الربا لتحمل المتورق تكاليف البيع والشراء والقبض والحيازة، والنتيجة هي أن التورق ليس بالوسيلة الكفؤة للحصول على السيولة.

وباعتبار أن الأصل هو أن يكون التمويل تابعا للمبادلات الاقتصادية التي يُمكن من خلالها تغطية تكاليف التمويل، وهو ما قصدته الشريعة من وجوب ربط التمويل بالتبادل، ولكن التورق يقلب القاعدة، ويجعل المبادلات تابعة للتمويل، ليصبح الهدف منها سداد تكاليف التمويل وخدمة الديون، والنتيجة أن لا وجود لأي فرق بين النظام الإسلامي والنظام الربوي(21).

الخاتمة:

من جملة النتائج التي توصلنا إليها من خلال معالجتنا لهذا الموضوع نجد:

1.   يُعتبر مصرف إسلام ماليزيا واحدًا من المؤسسات المصرفية التي تعمل ضمن المنظومة المصرفية الماليزية، وقد كان أول مصرف يتأسس بماليزيا ليعمل وفق ضوابط المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية، وهذا ليلعب دورًا بالغا في تدعيم الصناعة المصرفية الإسلامية في دولة ماليزيا.

2.   لقد نجح مصرف إسلام ماليزيا نجاحا مكنه من البقاء والاستمرار في أداء أعماله على الساحة المصرفية ما يُقارب الثلاثة عقود، وهذه التجربة هي التي أكسبته من الخبرة ما جعله يُحقق انتشارًا في دولة ماليزيا، ويُوسع تشكيلة منتجاته وخدماته المقدمة لتلبي احتياجات مختلف شرائح المجتمع، ووصلت إلى 50 منتجا متنوعا بين صيغ مشاركة وتمويل تجاري.

3.   يأخذ التمويل بالبيع الآجل حصة الأسد في سلة صيغ التمويل والاستثمار المعتمدة في مصرف إسلام ماليزيا، فيما تمثل المضاربة أضعف نسبة.

4.   يُعتبر التمويل بالتورق آلية فعالة في توظيف السيولة الفائضة بمصرف إسلام ماليزيا، وفي هذا الصدد وفرّت الهندسة المالية الإسلامية منتجات لها القدرة على إدارة السيولة الفائضة لدى المصارف الإسلامية.

5.    لا يحقق التورق المصرفي الذي يجربه مصرف إسلام ماليزيا المصداقية والشرعية، وذلك ما يؤثر على كفاءة المنتج من الناحية الاقتصادية، حيث يعتبر مجرد وسيلة للحصول على السيولة التي تشوبها الصورية، أي بمعنى أن منتجات الهندسة المالية الإسلامية لا تحقق كلها المصداقية الشرعية والكفاءة الاقتصادية.

في الأخير يمكن القول أنه بعد دراسة تجربة مصرف إسلام ماليزيا في التمويل بالتورق، توصلنا إلى أنه آلية فعالة في توظيف السيولة الفائضة لدى المصرف، وهذا رغم أنها لا تجوز على السلامة الشرعية، حيث انعكس الأمر سلبا على كفاءة المنتج اقتصاديا، فكان مجرد وسيلة من المصرف لتوفير النقد للمتعاملين، وبالنتيجة أصبح مجرد أداة تمويلية لا تختلف عما يُطبق في المصارف التقليدية.

الهوامش والمراجع:

(1)– يُعتبر مصرف إسلام ماليزيا من المصارف ذات الخبرة في مجال المالية الإسلامية، باعتباره أول مصرف إسلامي تم إنشاؤه بماليزيا، وقد كان له الفضل في تدعيم الصيرفة الإسلامية في ماليزيا، حيث وصل حجم الأصول التي تديرها المصارف الإسلامية في ماليزيا إلى حوالي 70.786.925.000 دولار أمريكي سنة 2010. كما أنه مصرف كباقي المصارف الأخرى بماليزيا التي تقوم بإظهار حجم التمويل بالتورق في ميزانياتها السنوية، وهذا دون إدراجه ضمن التمويلات الأخرى، كما تفعل بعض المصارف في دول أخرى.

(2)– المعلومات متوفرة على الموقع الإلكتروني الخاص بمصرف إسلام ماليزيا:

http://www.bankislam.com.my/en/pages/corporateprofile.aspx?tabs=1

(3)– Voir: Bank Islam Malaysia Berhad, application of shariah contract in Bank Islam's products and services, shariah report, October 2010, P22.

(4)– انظر: آمال لعمش، دور الهندسة المالية في تطوير الصناعة المصرفية الإسلامية (دراسة نقدية لبعض المنتجات المصرفية الإسلامية)، رسالة ماجستير في العلوم التجارية، فرع دراسات مالية ومحاسبية معمقة، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، جامعة فرحات عباس بسطيف، الجزائر، (2011/2012)، ص:150.

(5)- انظر: خالد بن علي المشيقع، التورق المصرفي عن طريق بيع المعادن، مجلة علوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، جامعة أم القرى، السعودية، الجزء 18، العدد 30، جمادى الأولى 1425، ص:134.

(6)- Voir: Bank Islam Malaysia Berhad, op-cit, P10.

(7)- انظر: عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، عقد الإجارة مصدر من مصادر التمويل الإسلامية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، السعودية، ط2، 2000، ص: 22.

(8)- انظر: صالح صالحي، أدوات السياسة النقدية والمالية الملائمة لترشيد دور الصيرفة الإسلامية، بحث مقدم خلال الندوة العلمية الدولية حول: الخدمات المالية وإدارة المخاطر في المصارف الإسلامية، جامعة فرحات عباس، سطيف، الجزائر، 18- 20 أفريل 2010، ص: 44.

(9)- انظر: محمود حسين الوادي وحسين محمد سمحان، المصارف الإسلامية: الأسس النظرية والتطبيقات العملية، دار المسيرة، عمان، الأردن، ط2، 2008، ص، ص: 58، 59.

(10)- انظر: آمال لعمش، دور الهندسة المالية في تطوير الصناعة المصرفية الإسلامية" دراسة نقدية لبعض المنتجات المصرفية الإسلامية"، رسالة ماجستير في العلوم التجارية، قسم العلوم التجارية، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، جامعة سطيف، الجزائر، 2011-2012، ص-ص: 155-158.

(11)- انظر: حسين شحاتة، المصارف الإسلامية بين الفكر والتطبيق، مكتبة التقوى، القاهرة، مصر، ط1، 2006، ص: 65.

(12)- انظر: آمال لعمش، المرجع السابق، ص: 160.

(13)- انظر: نور الدين عبد الكريم الكواملة، المشاركة المتناقضة وتطبيقاتها المعاصرة في الفقه الإسلامي، دار النفائس، عمان، الأردن، ط1، 2008، ص، ص: 41، 42.

(14)– تجدر الإشارة إلى أن مصرف إسلام ماليزيا يحدد قيمة الأجر عن الوكالة والتي تقدر بـ 50,00رنجيت ماليزي، بيانات متوفرة على موقع المصرف:http://www.bankislam.com.my

(15)– قال تعالى:" وأحل الله البيع وحرّم الربا"، الآية 275 من سورة البقرة.

(16)- Voir: Bank Negara Malaysia, shariah resolution in Islamic finance, bank Negara Malaysia, 2nd edition, October 2010, P95.

(17)– قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشر المنعقدة بمكة المكرمة حول حكم التورق، 31/10/1998.

(18)– قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة حول التورق كما تجريه المصارف في الوقت الحاضر، 13-17/12/2003.

(19)– عرّف مجمع الفقه الإسلامي التورق العكسي على أنه:" صورة التورق المنظم نفسها مع كون المستورق هو المؤسسة والممل هو العميل".

(20)- القرار رقم 179 (5/17) الصادر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته التاسعة عشرة في إمارة الشارقة حول التورق، حقيقته، وأنواعه (الفقهي المعروف والمصرفي المنظم)، 26-30 أفريل 2009.

(21)– انظر: سامي بن إبراهيم السويلم، التكافؤ الاقتصادي بين الربا والتورق، ورقة مقدمة إلى ندوة البركة الرابعة والعشرين، مكة المكرمة، 25-27 أكتوبر 2003، ص- ص:12-15.