العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

معيار قياس أداء المعاملات الماليّة الإسلاميّة البديل الرياضي لمؤشرات لايبور وأخواتها

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

- نموذج (أوهاج - قنطقجي) -
- النسخة ٣ المزيدة والمُنقحة -

تنتشر المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة في الأسواق الماليّة مستخدمة الصّيغ الشرعيّة في أعمالها، وهي تركّز على صيغ الدّين كـ (المرابحة والاستصناع والسلم)؛ لأنها صيغ تساعد في تحميل المقترض أو المتموّل المخاطر والعائد المتوقّع من العمليّة الاستثماريّة؛ لكنّ استخدام صيغ الدّين يستلزم وجود ضمانات تقابل الجزء المتبقي دينا بذمّة المتموّل؛ ممّا يجمّد الأصول الضامنة (في أكثر الأحيان)، ويعيق استثمارها فيحرمها من تحقيق عوائد تخصّها.
كما تحجم المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة - ومنها المصارف الإسلاميّة - عن صيغة المضاربة لطبيعة عقد المضاربة الذي يترك فسحة في تحديد مسؤوليّات التعدّي والتقصير من جهة، وتحديد نسب المشاركة من جهة أخرى.
وتلجأ المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة إلى الاسترشاد بمؤشّر (اللايبور ومثيلاته) في معاملاتها طويلة الأجل؛ بوصفه تسعيراً يلقى قبولاً عامّاً ومعترفا به، دون تحريك ساكن لإيجاد بديل يبعدها عن الشّبه الرّبوية بحجّة القبول العامّ لهذا المؤشّر، وبحجّة انشغالها وانغماسها في أعمالها الميدانيّة اليوميّة، وقد ظهرت مدرسة تبريريّة تضمّ بعض الفقهاء؛ يسوّغون لاستخدام هذا المؤشّر لعجزهم عن إيجاد بديل له.
أمّا المصارف الربويّة فتستخدم الفائدة في عمليّات إقراضها واقتراضها؛ فتحمّل المقترض تكلفة الأموال المقترضة بما يعادل سعر الفائدة وكذلك مخاطرها. ويمثّل هذا السلوك إِنهاكاً مُتعِباً للاقتصاد؛ بسبب عدم التوازن بين أطراف عمليّة الاستثمار؛ فأرباب الأموال يحقّقون عائداً مضموناً، بينما يتحمّل أصحاب العمل مخاطر عائد أرباب المال على أقلّ تقدير، فتكون النتيجة صفراً مع بقاء احتمال تحقّق خسارة أصحاب العمل قائما.
ويشترك النوعان كلاهما من المصارف الإسلاميّة (حالة صيغ الدّين) والمصارف الربويّة (عموما) بتحميل المقترض تكلفة تجميد أموال الضمانات، إضافة لتكلفة التمويل نفسه.
كما يشتركان باستخدام مؤشر الفائدة (اللايبور ومثيلاته) بوصفه الأكثر استخداما وفعاليّة (بحسب المعتقد السائد)، لكن إذا كانت المؤسّسات الماليّة الربويّة معذورة في استخدامها له بسبب طبيعة عملها بالمراباة المحرّمة، فليس أمام المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة أي عذر لاستخدام هذا المؤشر الربوي حتى لو سوغت ذلك لهم تلك المدرسة التبريريّة.
تجاه كل ذلك، ونتيجة لنقاشات مستمرة في الوسط المالي فقد ألّفت في عام ٢٠٠٣ كُتيّبا اقترحت فيه معيارا لقياس أداء المعاملات الماليّة الإسلاميّة بديلا عن مؤشر اللايبور يحاكي آليّات اعتماد منهجيّة اللايبور؛ إنما بقياس تكلفة الفرصة البديلة من خلال توزيعات المؤسّسات الماليّة الإسلاميّة لأرباحها بدل تسعير المال بحسب تقنيّات اللايبور.
واليوم وبعد ثلاثة عشر سنة وبسبب إصرار غير الغيورين على استخدام اللايبور بوصفه أداة يتيمة لقياس كفاءة الاستثمارات طويلة الأجل ولقياس جدوى قرارات الاستثمار، فقد تمكنا من طرح بديل لا يحتاج أي من التقنيات الربويّة في عمليّاته وأدائه.
وقد أكد وجهة نظرنا لجوء الاقتصاد التقليدي إلى تطبيق الفائدة السلبيّة في الفترة الماضية؛ ما جعل أدواته الماليّة عاجزة عن تلبية مبتغاه في الدراسات الائتمانيّة.

ما يُميّز النسخة ٣ من (مقام)
تم تصميم مقام بنسخته الأولى عام ٢٠٠٣، وبعد سبعة أعوام - أي ٢٠١٠ - تم إعادة تصميمه بشكل جذري، وقد بدأت بعض الجامعات بإخضاعه لدراساتها ضمن أبحاث ورسائل طلابها العلميّة، وبعد سبعة أعوام أخرى - أي ٢٠١٧ - تم تطويره بشكله الحالي، وهذا فضل الله تعالى.
ولعلّنا نتأسّى بخطط يوسف عليه السلام التي أساسها السبعة أعوام، فنتأمل خيراً من (مقام).
وإنه وعلى الرغم من كون معيار (مقام) بديلا فاعلاً عن لايبور وأدواته؛ كصافي القيمة الحاليّة ومعدل العائد الداخلي ومعدل العائد الداخلي المعدل؛ فإنّ مرونته تكمن في: إمكان تحديده نسب العائد المستهدف؛ من خلال التدفقات النقديّة المتوقعة، وفي تحديد التدفقات النقديّة المتوقعة بناء على نسبة عائد مستهدف، دون اعتماد على لايبور وأخواته.
ويُضيف (مقام) بأنه يُقدم معياراً لتوزيع العوائد بين رب المال والمضارب بالعمل في شركات المضاربة.
وقد أضيفت إليه تحسينات مهمة؛ كإضافة مقياس لجودة كفاءة الاستثمار بدلالة التدفق المتوقع، أو بدلالة الربح، ومقياس لجودة السيولة، وآخر للحساسيّة.
كل ذلك في النسخة ٣ من (مقام).

إن سلطان المؤشّرات الربويّة قد بدأ بالأفول لعدم صلاحيّة كونه أداة تسعير موضوعيّة أو حياديّة، وبرأينا فإن هذا الأفول قد حان وقته حيث أن الأنظمة الشموليّة كلها قد أفلت ولا بد للأدوات الشاملة من نفس المآل أيضاً.
وقد تكلمنا بهذا الأمر منذ سنوات عديدة، وقدمنا الحلَّ الرياضي إثر الحل، لكن شدة إيمان مُطبقي تلك المؤشرات كانت أقوى من أي تغيير يمكن أن يحصل، فكثير من الناس يُحب ما ألفوه حيناً من الدهر وغالباً ما يعارضون تغييره.
أما نموذج (مقام) الذي قدمناه في هذا البحث فيتجاوز مؤشر الربح بين المصارف الإسلاميّة (IIBR) الذي أصدرته (AAOIFI) في تاريخ مقارب لإصدار (مقام) بالتعاون مع شركة (تومسون رويترز)؛ لأن منهجيّة (IIBR) تقوم على محاكاة (لايبور) مع واقعيّة أفضل، وهذا حال المصرفيين في المحاكاة لا الابتكار.
إنّ حاجة المؤسّسات الماليّة وخاصّة الإسلاميّة منها إلى (لايبور) ومثيلاته تفرضها ضرورات عملها (حسب اعتقاد القائمين عليها)، ومثال ذلك أن تلك المؤسّسات تستقطب الأموال من السوق بصيغة المضاربة ثم تعيد ضخها في السوق بصيغ عديدة كالمرابحة وغيرها. لذلك فإن تلك المؤسّسات أمام قيدين متعاكسين اثنين:
-    فمن جهة؛ يتوجب عليها تأمين ربح معقول لأرباب الأموال الذين اُستقطبت أموالهم ضمن حسابات الاستثمار، فذلك يُحسن سُمعتها خاصّة إذا سعت إلى تعظيم ربحيتهم (Maximize)، مما يؤهلها لكسب صدارة مستقطبي السيولة، فتجني بذلك الولاء والسمعة السوقيّة المناسبتين.
-    ومن جهة أخرى، يتوجّب عليها أن تسعّر مرابحاتها بأفضل طريقة، بتحري أقل معدل يكفيها لتحقيق الشرط الأول، لمحافظتها على منافساتها السوقيّة تجاه زبائنها لكسب ولائِهم. وإن تخفيض نسب المرابحة (Minimize) مشروط بمحافظة المؤسّسات على توزيعات أرباحها المتوقّعة.
تُعتبر الحلّول الرياضيّة أداة فاعلة لتحسين القرارات المتّخذة على أُسس عقلانيّة، فالتقدير غالباً ما يشوبه التحيّز وعدم الموضوعيّة، وفضائح (اللايبور) ما فتئت شاهدة حيّة على كل ذلك كما ذكرنا.
وبناء  على ما سبق؛ فإنّ نموذج (أوهاج - قنطقجي) هو بمثابة آليّة مُقترحة يمكن:
-    استخدامها كبديل لعمليّات الاقتراض والاقتراض التقليديّ التي تعتمد الرّبا المحرّم.
-    تطبيقها على المشاركات والمضاربات الإسلاميّة؛ حيث يتحمّل ربّ المال عادة الخسائر إن لم يكن سببها إهمال أو تقصير صاحب العمل؛ لتحديد نسب المشار كة بين فريقي الشراكة أو المضاربة.
-    أن تساعد في تحديد النسبة المستهدفة (كبديل أفضل من اللايبور) بكونها نقطة تعادل، فـ (مقام) هو نقطة التعادل أو الحدّ الأدنى للعائد الذي يستهدفه المموّل على أساس التدفّقات النقديّة المتوقّعة للمشروع المزمع تمويله؛ وليس على أساس الاستئناس بمؤشّرات ربويّة.
-    أن تكون أداة للفصل بمنح قرار التمويل من عدمه.
-    أن تكون أداة مساعدة في رسم وتحديد التدفُّقات النقديّة المُستهدفة.

ممّا سبق: تبيّن قابلية تحقّق نموذج (مقام) وصلاحيّته لأن يكون أداة جديدة في تقييم المشروعات؛ خاصّة بعدما أوضحنا النموذج مدعماً بأمثلة توضيحيّة.
وبحمد الله شرّع باحثون في تبني (مقام) ضمن أبحاثهم ورسائلهم العلميّة تدعمهم جامعات عريقة؛ كجامعة دمشق، والأكاديميّة الليبيّة للدراسات العُليا فرع مصراته. وأعلمني أحد الباحثين بأن جامعة السوربون قد أدرجت (مقام) ضمن أبحاث طلابها ليكون موضوعاً للبحث. وأبدى بعض المهنيين من مصارف إسلاميّة شهيرة - منهم مدراء ائتمان - تقبلهم لـ (مقام) ودعمهم لتطبيقه. وما نرجوه من الله أن يهيئ لهذا الأنموذج من يطوره ويطبقه لنتخلص من الربا وغباره كلياً، فالمسلم الغيور لا يرضى لنفسه الاقتراب من الربا أو من أدواته لأنه وقاف عند حدود الله، وقد حرّم الله تعالى على المسلمين التعامل بالربا وأمرهم بالتوقف عن استخدامه وقد توعدهم بحرب لا طائل لهم بها وليس في القرآن جرم حظي بهكذا وعيد.
وحسبي أني اجتهدت. ألا هل بلغت اللهم فاشهد، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.