A- A A+ : حجم الخط

تحديات تطبيق الهندسة المالية في المؤسسات المالية الإسلامية

د. عيساوي سهام

دكتوراه ل م د

د. حوحو فطوم

دكتوراه ل م د

تمهيد
لا يخفى على أحد النمو الكبير الذي يشهده قطاع التمويل الإسلامي، وهو نمو في رأي الكثيرين "منقوص" وبحاجة إلى مزيد من العمل للإيفاء بمتطلباته، التي لا يمكن تحقيقها إلا بعلاج الأسباب الحقيقية، التي تكمن - في جزء منها - في غياب المهندسين الماليين الشرعيين الذين بإمكانهم القيام بهذه المهمة "غير المنتهية" لهذه الصناعة كما يقول "دعاة" تطبيق الهندسة المالية الإسلامية, التي تتيح تطبيقاتها العملية الإيفاء بكل متطلبات التمويل الإسلامي، فالهندسة المالية وفقاً للتعريفات المتاحة مفهوم يعمل على ابتكار وتطوير أدوات وآليات تمويلية في إطار من الضوابط الشرعية.
ويأتي الاهتمام بقضية هندسة المالية الإسلامية في ظل الضغوط التنافسية الحادة التي تفرضها التغيرات الجذرية التي يشهدها العالم بالتحول للاقتصاد الحر، إضافة إلى ترابط أسواق التمويل الدولية بفضل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وتبقى المنافسة غير متكافئة بالنسبة للخدمات المصرفية والمالية الإسلامية إذا لم تتمكن من تطوير منتجات جديدة تمتاز بالمرونة.
المحور الأول. المؤسسات المصرفية الإسلامية، الهندسة المالية الاسلامية
المؤسسات المصرفية الاسلامية: تجربة المصارف الإسلامية بدأت بشكل متزايد بصورة واضحة في السنوات الأخيرة ولم يعد الاهتمام بها مقصورا على العالم الإسلامي الذي أخذ يطور النظم المصرفية بالكامل وبالتدريج إلى "أسلمة" هذه النظم ولكنه أيضا بدأ ينتشر لتشهد بعض الدول الأوروبية ظهور المصارف الإسلامية لتعمل داخل الكيان المصرفي التقليدي. ولكن ما هي الصيغ الاستثمارية التي تتبعها هذه المصارف المتوافقة والشريعة الإسلامية؟
و تقدم هذه الصيغ نماذجا للعدالة في الاستثمار الإسلامي، إذ تتميز بكفاءة الأداء وعدالة التوزيع. وتقوم جميع صيغ الاستثمار والتمويل في المؤسسات المالية الإسلامية على أساس تحمل المخاطرة والمشاركة في الربح والخسارة، فالمال وفقا لهذه الصيغ لا يكون غانما إلا إذا كان غارما أي أن العائد لا يحل إلا إذا تحمل المال كامل المخاطرة . وهناك عدة صيغ التي تقوم بها المؤسسات المالية الإسلامية وهي التمويل بالمشاركة، المضاربة، المرابحة، الاستثمار عن طريق الإجارة، بيع السلم، الاستصناع وعقود البيع بالآجل
الهندسة المالية الإسلامية: هي إحدى فروع علوم تخمين المخاطر أو علم قياس المخاطر. ظهر للوجود في منتصف الثمانينات بهدف خدمة منشآت في مواجهة المخاطر والتخلص من القيود والضغوط التي يفرضها السوق وبيئة المنشآت. ففي لندن عندما فتحت البنوك كان هناك إدارات لمساعدة المنشآت في مواجهة المخاطر التي يسببها لها عملائها وإيجاد حلول لتلك المشاكل وجرى عدد من المحاولات لتطوير منتجات أسواق المال وكانت تلك بداية ظهور الهندسة المالية.
فقد عرف Don M Chance الهندسة المالية بأنها "عملية خلق منتجات مالية جديدة وتعتبر الابتكار الذي أدى إلى تحسين فرص إدارة المخاطر" .
أما الهندسة المالية الإسلامية:مجموعة الأنشطة التي تتضمن عمليات التصميم والتطوير والتنفيذ لكل من الأدوات والعمليات المالية المبتكرة، بالإضافة إلى صياغة حلول إبداعية لمشاكل التمويل وكل ذلك في إطار حدود الشرع .
ويعرفها بعض المختصين بأنها: التصميم، والتطوير، والتنفيذ، لأدوات وآليات مالية إسلامية مبتكرة، والصياغة لحلول إبداعية لمشكلات التمويل الإسلامي. حيث يشير التعريف أن الهندسة المالية تتضمن ثلاثة أنواع من الأنشطة:
1.    ابتكار أدوات مالية إسلامية جديدة، مثل بطاقات الائتمان الإسلامية.
2.    ابتكار آليات تمويلية إسلامية جديدة من شأنها تخفيض التكاليف الإجرائية لأعمال قائمة.
3.     ابتكار حلول جديدة للإدارة التمويلية، أو إعداد صيغ تمويلية لمشاريع معينة تلائم الظروف المحيطة بالمشروع .
منتجات الهندسة المالية الإسلامية: ومن أهم المنتجات المالية التي ظهرت هي:
    الصكوك كبديل عملي للسندات القائمة على الفائدة: وهي سندات تدعمها أصول (معين الصكوك) مصممة وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية ويمكن تداولها في الأسواق.
    عمليات التوريق للأصول: عملية تحويل جزء أو مجموعة من الأصول - غير السائلة والمدرة لدخل يمكن التنبؤ به التي تمتلكها المؤسسة إلى أوراق مالية قائمة على الشراكة في منافع هذه الأصول خلال فترة معينة .
    عقد السلم: وهو اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلا وفي الثمن آجلا، أي بيع الشيء على وجه يوجب للبائع في الثمن عاجلا وللمشتري في المثمن آجلا، فالمشتري اسمه المسلم أو رب السلم، والبائع المسلم إليه، والثمن المقدم رأس المال السلم، والمبيع هو دين السلم .
    حسابات الاستثمار القائمة على المضاربة، وحسابات الاستثمار القائمة على المرابحة العكسية حيث يكون المصرف مشتريا والعميل بائعا بالمرابحة فيكون مبلغ الاستثمار مع ربحه مضمونا على المصرف لأنه أصبح دينا في ذمته.
    صناديق الاستثمار الإسلامية، والمحافظ الاستثمارية الإسلامية
    البطاقات الائتمانية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية والتي تمكن حاملها من سداد مشترياته من محلات أو مراكز تجارية أو مطاعم وفنادق معينة على مستوى العالم دون الحاجة إلى حمل النقود وتستخدم في السحب النقدي من أماكن الصراف الآلي البنوك المحلية والدولية .
المحور الثاني. دور الهندسة المالية في تطوير الصناعة المصرفية
وتمثل إعادة الهندسة الناجعة في المصارف الإسلامية في ضرورة توقع احتياجات العملاء بشكل مستمر وتلبية هذه الاحتياجات بشكل متطور والتحول نحو زيادة القدرات والإمكانيات التنافسية، وإرساء المعايير المالية التي تكفل تطور وتقدم المصرف، وزيادة درجة ثقة واطمئنان المالكين وأيضا زيادة ثقة عملاء المصرف، مع التأكد على أهمية الحفاظ على توطيد العلاقات مع العملاء في المصرف وتنمية وتطوير المنتجات والخدمات على أساس ابتكاري وإبداعي وتوفير النمو التكنولوجي القوي والالتزام بالإطار الرقابي والمعايير المصرفية الدولية، خاصة وأن هناك نموا واضحا للصناعة المصرفية الإسلامية وتنامي الطلب العالمي على المنتجات المالية الإسلامية مع التأكيد على أهمية توسيع قاعدة الخدمات والمنتجات المصرفية وتنويع قاعدة المخاطر وتقوية الإمكانيات التنافسية .
 ولكن كيف تستفيد المصارف الإسلامية من الهندسة المالية الإسلامية؟
أكد الخبير الأردني ناصر الزيادات أن مقدرة المصارف الإسلامية على تحقيق الاستفادة من "الهندسة المالية" في مجال أعمالها يرتبط بالبيئة التي تعمل فيها هذه المصارف ومدى اهتمامها بالإبداع والبحث والتطوير لأعمالها، حيث إن المصارف الإسلامية جديدة نوعا ما فإن استخدام الهندسة المالية سيجعلها أكثر جذبا وتنافسية من نظيرتها التقليدية".
وعند السؤال عن قدرة الهندسة المالية على إيجاد المنتجات الإسلامية البديلة للمنتجات التقليدية يأتي السؤال عن البيئة التي تحفز الإبداع وتسهله، والأشخاص المبدعين وسماتهم والاهتمام بهم، وثقافة المؤسسات المالية الإسلامية وتفهمها للإبداع، ومدى اهتمامها بعمليات البحوث والتطوير، ومدى إلمام المبدعين المختصين بالمفاهيم الشرعية التي من شأنها تعزيز الإبداع الأصيل.. وغيرها. إنها بيئة متكاملة يجب النظر إليها من خلال كل مكوناتها دون إغفال أهمية أي منها .
كما أشارت التقارير السنوية لأكبر 15 مؤسسة مالية إسلامية في المنطقة منها 12 في منطقة الخليج العربي لم يتم العثور لا من قريب ولا من بعيد على أي إشارة تفيد أن هناك مخصصات تنفقها تلك المؤسسات على البحوث والتطوير، في الوقت الذي أنفقت فيه تسعة بنوك أوروبية ما يربو على مليار دولار على عمليات البحوث والتطوير .
ما مزايا تطبيقها على المؤسسات المالية؟
1.    يحقق تطبيق الهندسة المالية الإسلامية في المؤسسات المالية كثيرا من المزايا، بعضها تستفيد منه هذه المؤسسات ذاتها، وبعضها له أثر على الصناعة المالية الإسلامية ككل. ومن تلك المزايا نجد زيادة قدرتها التنافسية من خلال تلبية الاحتياجات المتزايدة لطالبي التمويل، من خلال هندسة وتصميم فعلى سبيل المثال تمويلات خاصة بالمشروعات الصغيرة، وأخرى خاصة لمشروعات قطاع معين، وتمويلات ممنوحة لمحدودي الدخل... وهكذا. وبذلك تشمل الفائدة جميع الأطراف، وهذه ميزة للهندسة المالية الإسلامية ليست متوافرة في نظيرتها التقليدية التي تجعل همها تعظيم ثروة الملاك فقط. كما تتيح الهندسة المالية الإسلامية للمؤسسات المالية فرصة التعامل مع المخاطر التي أصبحت خاصية مميزة للأنظمة المالية، على اعتبار أن أحد أدوار الهندسة المالية هو ابتكار وتطوير أدوات للتحوط وإدارة المخاطر، وكذا إيجاد التقنيات والاستراتيجيات الملائمة للتعامل مع المخاطر. وأيضا من الموضوعات التي يعاد طرحها في كل مرة والتي لها ارتباط مباشر بالهندسة المالية الإسلامية، قضية المشتقات المالية وإمكانية الاستفادة منها في الصناعة المالية الإسلامية. تساعد الهندسة المالية الإسلامية على ابتكار مشتقات مالية إسلامية تتميز بكفاءة المشتقات المالية التقليدية بنفسها وتتفوق عليها بانضباطها وابتعادها عن المضاربات الوهمية التي كانت سببا في كثير من الأزمات المالية.
2.    أما المزايا التي تتحقق للصناعة المالية الإسلامية، فإننا نجد الاعتماد على الأصالة والابتعاد عن التقليد الذي يمكن أن يجعل الصناعة المالية الإسلامية مهددة بأن تفقد شخصيتها وتصبح تابعة للصناعة التقليدية، تعاني من أمراضها ومشكلاتها، وهي التي يفترض أن تكون حلا لتلك المشكلات.
3.    هناك ميزة أخيرة مهمة جدا وهي تقديم رسالة الاقتصاد الإسلامي، وهو في الأصل موجه للعالم أجمع، فالمتتبع لما يحدث في العالم اليوم خاصة بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة يلاحظ أنَّ الاقتصاد العالمي أصبح اليوم يبحث عن بدائل وحلول جديدة، وهو على استعداد لقبولها ما دامت تحقق أهدافه، وبيان ذلك واضح من خلال توجه كثير من الدول الغربية نحو التمويل الإسلامي... لهذا تبرز الفرصة مواتية لتقديم هذه الرسالة .
ما هو أثر غياب الهندسة المالية عن المصارف الإسلامية؟
التقليد هو البديل الوحيد للإبداع، ومع وجود التقليد تذوب الهوية وتنصهر في هويات أخرى. وسبب ذلك أن المصارف الإسلامية تعمل وفقاً للشريعة ولكن ضمن نظم اقتصادية تقليدية وهو أمر يفرض عدداً من التحديات أمام استخدام بعض المنتجات المالية الإسلامية الأصيلة، ويجبر تلك المؤسسات على استخدام بعض المنتجات التقليدية بعد تأطيرها بإطار شرعي. كما أن المؤسسات السيادية التي من المفترض أن تتحمل جزءا من أعباء البحوث والتطوير لم تقم بواجبها حتى الآن على أتم وجه . فوجود مشاكل كبيرة في المصارف الإسلامية يجب أن تعالج، مثل حجم وكمية التركيز على المخاطر المحيطة، وعدم وجود مفهوم واحد لإطار عمل يوحد طرق البحث والفهم بين المصارف الإسلامية في البلدان المختلفة ووجود قيود معينة تعوق تحقيق الأهداف الاقتصادية، كالربح والسيولة وتقليل المخاطرة، هذا جعل الحاجة إلى أدوات إسلامية مبتكرة مهمة جدا للمصارف الإسلامية تحل المشاكل وتيسر المعوقات التي قد تقف أمام المصرف في تحقيق الأهداف. وبالتالي لا بد من تطوير أدوات مالية إسلامية تحمي المصرف والمستثمر على حد سواء من المخاطر وإيجاد منتجات استثمارية مناسبة مختلفة الآجال في سوقي رأس المال والنقد تراعي اعتبارات إدارة السيولة والموجودات في المؤسسات المالية الإسلامية فمثلا، طور الفقهاء الماليين. وخبراء المؤسسات المالية الإسلامية فكرة الصكوك كبديل عملي للسندات القائمة علي الفائدة.
ومن الأمثلة التي هزت مصارف استثمارية مطابقة للشريعة الإسلامية مثل بيت التمويل الكويتي، والخليجي وبنك آركابيتا، وبنك يونيكورن الاستثماري، القواعد القديمة للتمويل الإسلامي من خلال نماذج تجارية أكثر جرأة لا تزال تواصل نجاحها بقوة حتى الآن. أضف إلى ذلك، ظهور بعض المنافسين الجدد أصحاب الوزن الثقيل مدفوعا بجملة من طموحات حكومات وشركات الخليج، ومنها بنك الريان، والمصرف، وبنك بوبيان، والبلاد وجميعها أمثلة لمؤسسات استطاعت إعادة تشكيل الصناعة الداخلية، وإعادة صناعة أسواق التجزئة مع الأخذ بعين الاعتبار الحكم الكبير لقواعدهم المالية بالمعايير الإقليمية .
المحور الثالث. تحديات المصارف الإسلامية لتطبيق الهندسة المالية:
بالرغم من النجاحات الكبيرة المتحققة، والنمو الكبير، والتطور الكمي الذي حققته الصناعة المالية الإسلامية على مر السنين ما زالت الصناعة المالية الإسلامية تواجه بقوة تحديات ومخاطر تهدد وجودها ومستقبلها وتطوير المنتجات المالية من أهم التحديات. والهندسة المالية أحد أهم الأساليب لتطوير النظام المالي الإسلامي. فالحاجة إلى تصميم وابتكار منتجات مالية جديدة تستجيب لاحتياجات العملاء وتطور الأسواق، يعتبر مطلبا أساسيا لكي تستمر الصناعة في نموها وانتشارها، كون أن تطوير المنتجات المالية:
    تساعد في الوصول إلى شرائح أكبر من العملاء،
    تقلل من مخاطر الاستثمار وتساهم في تنويع مصادر الربحية للمؤسسات، وتدعم المركز التنافسي للمؤسسات المالية الإسلامية .
ولكن ما هي أهم التحديات التي تواجه تطبيق الهندسة المالية في المصارف الإسلامية؟
ثمة تحديات تواجه تطبيق الهندسة المالية في المؤسسات المالية الإسلامية وتتعلق بالجوانب عدة نصنفها كالتالي:
I.    التحديات الداخلية
1.    الإطار المؤسسي السليم والرأس المالي البشري الكفء: إن بناء كيان مؤسسي سليم يعتبر أخطر تحد يواجه تطبيق الهندسة المالية في التمويل الإسلامي، فهي تعاني من انعدام الدعم المؤسسي الذي يوظف خصوصا لخدمة حاجاتها. ولمواجهة هذا التحدي نقترح “منهجا وظيفيا” لبناء هذا الكيان، ويجب فحص المهام التي تقوم بها المؤسسات الموجودة بطريقة تمكنها من توفير دعم أفضل، أو إنشاء مؤسسات جديدة حسب الحاجة . ومن التحديات البارزة أيضا الحاجة الملحة إلى موارد رأس المال البشري التي تتميز بالكفاءة، لسد العجز الذي تعانيه صناعة التمويل الإسلامي في هذا النطاق. ويرصد محمد إيزانيغني -كبير الإداريين الماليين في "خزانة ناشونال"- اقتصار التوجه العالمي العام على مجرد تدوير الوظائف بين المؤسسات المالية. وهو ما يتسبب في تنقل المصرفيين الإسلاميين بين عديد من الجهات بدلاً من استمرارهم في وظائف بعينها، وذلك مرجعه زيادة الطلب عليهم نتيجة انخفاض أعدادهم .
2.    الإطار القانوني المناسب والسياسات الداعمة: وضعت قوانين التجارة والمصارف والشركات في معظم البلدان الإسلامية على النمط الغربي. وتحتوى هذه القوانين أحكاما تضيق من مدى نشاطات العمل المصرفي وتحصره في حدود تقليدية. وفى حين تستطيع الأطراف وضع اتفاقياتها على أساس عقد إسلامي إلا أن تنفيذ هذه الاتفاقيات في المحاكم يتطلب جهودا وتكاليف إضافية، وتقتضي هذه الشروط وضع قوانين خاصة لإقامة وممارسة العمل المصرفي الإسلامي. وتعمل هذه القوانين على تسهيل عمل البنوك الإسلامية إلى جانب البنوك التقليدية. بالإضافة إلى ذلك هناك حاجة للسماح للمؤسسات المالية بالعمل وفق القواعد الإسلامية، وإفساح المجال في الأسواق المالية للمعاملات المالية الإسلامية.
3.    الإطار الإشرافي:الإشراف على البنوك الإسلامية مهم بنفس درجة أهميته للبنوك التقليدية، وفى الوقت الراهن فإن عدم وجود إطار إشرافي فعال يعتبر أحد نقاط ضعف للنظام القائم ويستحق اهتماما جادا. وهناك حاجة لتنسيق وتقوية الأدوار التي تضلع بها كل من هيئات الرقابة الشرعية والبنوك المركزية في الدول الإسلامية.
II.    التحديات التشغيلية: وهنا تعتبر الهندسة المالية من أهم التحديات التي تواجه المصارف الإسلامية.
1.    عدم سيولة الموجودات: مشكلة أخرى يسببها انتشار صيغ التمويل القائمة على أساس الدين، وهي صعوبة تحويل هذه الصيغ التمويلية إلى أدوات مالية يمكن التفاوض بشأنها. فمجرد إحداث الدين لا يمكن تحويله إلى أي شخص إلا بقيمته الاسمية. ويجعل ذلك هيكل السوق المالية الإسلامية غير قابل للتسييل بدرجة عالية. ويمثل ذلك عقبة أساسية في تطوير أسواق الأدوات المالية الإسلامية. حيث أنه ما لم تصبح الصيغ القائمة على الأسهم أكثر شعبية، أو يتم تطوير أدوات أخرى قابلة للتداول، فإن السوق المالية الإسلامية لن تتطور. وهنالك بعض المحاولات التي تبذل حاليا لتطوير أدوات قابلة للتفاوض على أساس الإجارة والسلم. إلا أنها لم تستخدم بدرجة تذكر حتى الآن. والأمل الكبير في تطوير أسواق مالية إسلامية، يكمن من تطبيق أوسع لأدوات التمويل القائمة على الأسهم وتحقيق الأمن في تطبيق الصيغ الحالية.
2.    حشد الودائع وتوظيف الأموال محليا: حققت البنوك الإسلامية نجاحا كبيرا في حشد الودائع في الماضي إلا أن الأمر يتطلب المزيد من الجهود المضنية للحفاظ على معدل متوسط نسبيا للنمو في المستقبل. كما يجب إدراك أن الكثير من الودائع لدى البنوك الإسلامية حاليا لم تأت بسبب جاذبية العوائد المرتفعة بل بسبب الالتزام الديني للعملاء. فالبنوك والمؤسسات التقليدية تستخدم خبرتها الواسعة في إنشاء أدوات مالية تتفق مع الصيغ الإسلامية، فإن المدخرين المسلمين سيسعون وراء بدائل لإيداع أموالهم في البنوك الإسلامية بمعدلات عوائد منخفضة. فالمنافسة من المؤسسات الأخرى تظهر تدريجيا وقائع جديدة لصناعة البنوك الإسلامية . وهنا تظهر أهمية الهندسة المالية الإسلامية في إنشاء منتجات مالية جديدة متوافقة مع الشريعة الإسلامية لجذب عدد أكبر من العملاء حتى لو لم يكن لهم نفس الوازع الديني.
3.    المنافسة: حتى الآن احتكرت البنوك الإسلامية بدرجة كبيرة الموارد المالية الخاصة بعملاء ذوي دوافع إسلامية. ولكن هذا الوضع يتغير بسرعة. حيث أن البنوك الإسلامية تواجه الآن زيادة مستمرة في المنافسة. والتطور الهام الذي حدث في النظام المصرفي الإسلامي فى السنوات القليلة هو دخول البنوك التقليدية في هذا السوق. وبالرغم من أنه من الصعوبة بمكان تحديد عدد البنوك التقليدية في أنحاء العالم التي تمارس النظام المصرفي الإسلامي، فإنه حتى إعداد قائمة قصيرة عشوائية الاختيار قد يشمل بعض عمالقة البنوك الدولية مثل ” تشيس مانهاتن، وسيتى بنك، وايه إن زد جرندلايز، ولكين ورت بينسون، وبنوك أخرى مثل يونيون بنك أوف سويزرلاند، وجيروزنتال أو استراليا والايه بى سى انترناشيونال. بالإضافة إلى هذه البنوك فإن العديد من البنوك التجارية في الكثير من البلدان الإسلامية يقدم خدمات مصرفية إسلامية. فبنك مصر في مصر والبنك الأهلي التجاري في السعودية فتحا فروعا إسلامية، وفي ماليزيا سمح للبنوك التجارية فتح نوافذ إسلامية .
ما هي الاستراتيجيات التي يجب تقوم بها المؤسسات المصرفية لتستمر وتتطور؟
لكي تستمر المصارف الإسلامية في ابتكار وتطوير أدواتها يجب عليها ما يلي:
1.    تفعيل دور الرقابة الشرعية في عملية تطوير المنتجات والمتابعة المستمرة لعمليات التنفيذ.
2.    العمل على تجميع الجهود وتضافرها لوضع معايير شرعية موحدة للصناعة المالية الإسلامية وهذا من ِشأنه أن يقدم رؤية واضحة للضوابط الشرعية للمنتجات المالية الإسلامية ويعزز ثقة الجمهور والمساهمين بها.
3.    تشجيع البحث العلمي وتخصيص عوائد مالية من أرباح المنتجات المالية لأغراض الدراسات والبحوث العلمية التي تهدف لتطوير المنتجات، وإنشاء مراكز تدريب وبحوث متميزة وكبيرة تدرب المصممين الماليين على الأوجه المختلفة لهذا العالم في مجال الصناعة المالية الإسلامية.
4.    العمل على إنشاء سوق مالية إسلامية تضمن تسويق مؤسسات الصناعة المالية الإسلامية منتجاتها من خلالها، وتأمين السيولة اللازمة لها حيث أن هذه المؤسسات تواجه تحديات كبيرة وعوائق عديدة في تسويق منتجاتها وإيجاد التمويل المناسب لها من خلال الأسواق التقليدية.
5.    تأسيس وتفعيل دور مؤسسات البنية التحتية في الصناعة المالية الإسلامية مثل مجلس الخدمات المالية الإسلامية والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية وغيرها في مجال التطوير والابتكار.
6.    الوصول في تكلفة الإنتاج إلى أدنى مستوياتها لتحقيق ميزة تنافسية على مثيلاتها التقليدية .
7.    السعي لإيجاد البيئة المناسبة داخل المؤسسات المالية للتطوير والابتكار مثل تحفيز الموظفين على الابتكار والتطوير وحفظ الحقوق الأدبية لصاحب الفكرة أو الابتكار.
8.    حتى تستطيع المؤسسات المالية الإسلامية الوفاء بمتطلبات السوق فإنها يجب أن تتكيف مع متطلبات الأسواق المالية وتقديم المنتجات المناسبة.
9.    لتحقيق ذلك يجب أن تكون أنظمة هذه المؤسسات وكوادرها مهيئة لتقديم الخدمات المطلوبة وقد استطاع عدد من المؤسسات التكيف بدرجة عالية مع متطلبات السوق حيث قدمت خدمات متنوعة ذات قدرة تنافسية عالية، إلا أن مؤسسات أخرى لا زالت تحتاج إلى التكيف بدرجة أفضل مع السوق وحيث أن تقديم الخدمات المصرفية الإسلامية أصبح موضع اهتمام من قبل عدد من المؤسسات المصرفية والمالية الدولية فإن ذلك يعني أن المنافسة في هذه الأسواق في تصاعد مستمر وأن المؤسسات التي لا تتمكن من تقديم خدمات متطورة سوف تجد صعوبة في استقطاب الأموال والعملاء . لذلك يجب تدريب وتأهيل العاملين في تشغيل هذه المنتجات حيث تلعب خبرة هؤلاء الموظفين دوراً مهماً في تقليل المخاطر ويؤدي فهمهم الدقيق لطبيعة المنتج إلى الاحتراز من الوقوع في المخالفات الشرعية وفهم أكبر لمتطلبات التطوير .
خلاصة:
حضيت الهندسة المالية باهتمام بالغ من قبل المؤسسات المالية، وذلك لدورها الأساسي في ابتكار وتطوير المنتجات المالية التي تحتاجها هذه المؤسسات، لكي تحافظ على ديمومة نموها وزيادة تنافسيتها وربحيتها، فضلا عن ضمان بقاءها في السوق. كما يعمل تطبيق أسس الهندسة المالية الإسلامية على توفير البدائل للمنتجات المالية التقليدية، إذ تعد بمثابة وسيلة للإبداع والتطوير. ويتوقف تحقيق تلك المهمة على توافر محفزات الإبداع، والكوادر المؤهلة كي تحمل على عاتقها مهمة الابتكار. وكذلك تتوقف على مدى تفهم المؤسسة المالية الإسلامية للإبداع، ودرجة اهتمامها بعمليات البحث والتطوير. يضاف إلى هذا ضرورة إلمام المبدعين بالمفاهيم الشرعية التي تعزز عملية الإبداع. وتمتاز الهندسة المالية الإسلامية أيضاً بأنها تعمل على تجنب تقليد منتجات المصرفية التقليدية. وتعمل على سد عجز المؤسسات المالية عن تطوير منتجات مالية إسلامية تنافس نظيرتها التقليدية. ولكنها في المقابل تعاني تطبيق استراتيجات الهندسة المالية في المصارف الإسلامية عدة تحديات سواء تحديات داخلية أو تحديات تشغيلة، ولذلك يجب العمل على تجميع الجهود وتضافرها لوضع معايير شرعية موحدة للصناعة المالية الإسلامية وهذا من ِشأنه أن يقدم رؤية واضحة للضوابط الشرعية للمنتجات المالية الإسلامية ويعزز ثقة الجمهور والمساهمين بها. وتشجيع البحث العلمي وتخصيص عوائد مالية من أرباح المنتجات المالية لأغراض الدراسات والبحوث العلمية التي تهدف لتطوير المنتجات، وإنشاء مراكز تدريب وبحوث متميزة وكبيرة تدرب المصممين الماليين على الأوجه المختلفة لهذا العالم في مجال الصناعة المالية الإسلامية.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الاقتصاد الاسلامي العالمية 2017