العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

اعتبار الخبرة والزمن في تقدير الأجرة والثمن

الحلقة (2)

عَود على بدء  والعَود حسن: لا بد لمتابعة موضوع  الحلقة السابقة المعنونة بـ (اعتبار الخبرة والزمن في تقدير الأجرة والثمن) والصادرة في العدد (58) ؛- والتي شاء الله عزَّ وجلَّ أن انشغل عنها-  من إيراد طائفة من الآيات القرآنية الكريمة مع بيان شيء من تفسيرها، وإيضاح بعض مدلولاتها حسب أقوال المفسرين الأجلاء؛ لتكتمل الصورة في الذهن؛ لأن "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، ويستوعب القارئ الكريم هذا الموضوع بأبعاده المتناسقة قرآنيا والمتكاملة تطبيقيا؛  لير عظمةَ التشريع الرباني ومدى صلاحية الدين الإسلامي لمعاملات الناس الواسعة، وروعة اللطائف القرآنية؛ والتي تنظم حياة الإنسان  مع أخيه الإنسان وفق شرع الله تعالى الحنيف وتعاليم النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل:(إن الله بما تعملون بصير)(البقرة 110)

بصير: ذو بصر وخبرة بكل شيء، لا يدخل تدبيره خلل. مختصر تفسير الطبري ج2/للصابوني473, وقال سبحانه وتعالى:(قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون)(الأنعام 50) وهذا كما قيل: البصير العالم المؤمن ، الأعمى الكافر. مختصر تفسير القرطبي ج2/115وهذا كذلك مَثل للضالّ والمهتدي أو الجاهل والعالم .وهكذا ينبغي الحُكم على الناس وفق هذا الأساس الإلهي الرباني لا على أساس واهٍ هش؛ وذلك باعتبار البشر نُسخا متكرِّرة وأوراق مصوَّرة ؛فلا يميِّز بين المحسن والمسيء، وبين الفقيه والسفيه، وبين الجاهل البسيط والجاهل المركّب، وبين العالم والمتعالم وبين المتواضع والمتكبِّر، وبين الفقيه  والمتفهيق.  ولله در الشاعر القائل: قال حمار الحكيم يوما  لو أنصف الدهرُ كنت أركب

  لأنني جاهل بسيط   وصاحبي جاهل مركَّب

فكم يرى الإنسان الواعي الحصيف أن من أصحاب الشهادات وأرباب الدرجات؛ بل الدركات وأصحاب أماني والأمنيات في الدنيا الزائفة (جاها وإدارة وتشدقا وتكبرا)؛ ولكنهم في ميزان العدل الإلهي الرباني والعمل العلمي والميداني لا يعادلون شيئا (ويحسبون أنهم على شيء) من (ألقاب رنَّانة وصور برّاقة وخدّاعة) فلا يملكون علما أصيلا، وعملا متقنا، وسلوكا قويما وأخلاقا عظيمة، وليس لديهم ثقافة واسعة، ومكنة في التفكير، ومَلكة في الاجتهاد، وقدرة على الاستنباط، وقوة في التطبيق، ودقة في التنفيذ(لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا)، يزعمون أنهم أرباب؛ ولكنهم متفرقون (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) لم يسبروا أعماق الحياة (فكرا وفقها وهندسة وأخلاقا)؛ بل إنهم شبّوا على باطل مزعوم، ووهم زائف، وكلام معسول؛ فهم مخدوعون مخادعون يرى فيهم الناقدُ البصير سوسَ نخرهم في نُحورهم يسوقهم سوقا إلى قبورهم. وكيف يمكن لإنسان عاقل أن يعتبر مَن أتقن وأحسن ,وأجاد وأفاد وجعلَه اللهُ تبارك وتعالى مباركا أينما كان كمَن هو (كَلٌّ على مولاه أينما يوجِّهه لا يأتِ بخيرٍ) والله جلّ جلاله يقول: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض  ورفع بعضكم فوق بعض درجات)(الأنعام165)؛ أي: فاوتَ بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ، وله الحكمة في ذلك؛ كقوله تعالى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) (مختصر تفسير ابن كثيرصـ641)  نرفع درجات : بالجاه  والمال وغير ذلك. (تفسير الجلالين). (نرفع درجات من نشاء  وفوق كل ذي علم عليم)  (يوسف76)؛ أي: نرفع بالعلم منازل من نشاء من عبادنا كما  رفعت شأن يوسف عليه السلام، وفوق كل ذي علم عليم: أرفع منه درجة. (تفسير البيضاوي بتصرف صـ  492)، وفوق كل عالم من هو أعلم منه حتى ينتهي إلى الله عز وجل. (مختصر تفسير الطبري للصابوني صـ406). وكذلك قوله جل جلاله:(ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا)(الزخرف32)؛ أي: فاضلنا بينهم فمِن فاضل ومفضول ورئيس ومرؤوس بالغنى والفقر.(مختصر تفسير القرطبي صـ358) :وجعلنا بعضَهم في الدنيا أرفع من بعض درجة . (مختصر تفسير الطبري ج2/صـ329)؛ فـ (العبرة بالعلم النافع والعمل الهادف المحققين لشروطهما وآدابهما وأخلاقهما) وكذلك بـ (التعليم والتربية والتزكية الربانية ، لا بالوهم  وضحالة الفكر وسَذاجة الرأي). وقال الله تعالى:(بما فضَّل اللهُ بعضهم على بعض)(النساء34)؛ أي: بسبب ما منحهم-الرجالَ- الله من القوامة، والعقل، والتدبير ، وخصَّهم من الرعاية والحفظ. (مختصر تفسير الطبري للصابوني صـ650). ويقول الله عزَّ وعلا:(كتاب أحكمت آياته ثم فصِّلت من لدن حكيم خبير)(هود1) خبير: أي من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه.(مختصر تفسير ابن كثيرج2/صـ210). حكيم: يفعل الأشياء على ما ينبغي. (تفسير البيضاوي صـ477) . ويقول سبحانه وتعالى على لسان نبيه يوسف عليه السلام:(إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم) (يوسف100) الحكيم في تدبيره العليم  بمصالح خلقه. وقال الخطّابي: اللطيف هو البَر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون .(مختصر تفسير القرطبي ج2/461) إنه هو العليم

   بوجوه المصالح والتدابير الحكيم الذي يفعل كل شيء في وقته على وجه يقتضي الحكمة. (تفسير البيضاوي ج1/513) والحكيم الذي لا يضل ولا يهدي إلا لحكمة . (تفسير البيضاوي ج1/صـ513). وقال عزَّ مِن قائل:(ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأنّ الله تواب حكيم) (النور10) حكيم في تدبيره إيّاهم وسياسته لهم.(تفسير الطبري ج8/68) . وهكذا ينبغي أن يتخلَّق صاحب الإدارة أو المسؤول الإداري أيّا كان(أبا ، موجِّها ،مديرا، مستشارا..)بهذا الخُلق الرّبّاني فلا يتصرف إلا بحكمة، ولا يمنع إلا برحمة،، ولا يتكلم إلا بحق، ولا يسوس إلا بحنكة،، ولا يثرثر كما يثرثر الثرثارون قُساة القلوب وغِلاظ الطبع، وأصحاب الخفة والطيش؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (لا تكثر الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي).رواه الإمامان الترمذي والبيهقي. وهذه الأخلاق الرديئة ليست من ديننا، ولا هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ بل الأخلاق العظيمة الواجب تطبيقها في مجالات الحياة كافة فريضة من الله عز و جل ؛ فقد قال سبحانه وتعالى:(فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما) الحكيم الذي يضع الأشياء في محالِّها، ويعطي كُلّاً ما يستحقه؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى:(إن الله كان عليما حكيما)(مختصر تفسير ابن كثيرج1/صـ364) وقال جل وعلا: (وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما)(النساء104) ؛أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدِّره ويقضيه، وينفذه ويمضيه من أحكامه الكونية والشرعية، وهو المحمود على كل حال.(مختصر تفسير ابن كثيرج1/صـ433)؛ فـ (الحكمة تقتضي العدل والعلم والحلم والإتقان). وقد جاء في الآية الكريمة على لسان نبي الله عليه السلام    :(وأمرت لأعدل بينكم) (الشورى15)؛ أي: لأسوِّي بينكم في الدين. قاله ابن عباس وأبو العالية. وكذلك العدل في الأحكام والله تعالى يقول:(قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور)(الرعد16) فهل يستوي الإيمان والشرك، وهل يستوي المشكُّ الذي لا يبصر الحقّ  والبصير المؤمن الذي يبصر الحق. والله تعالى يقول:(وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إنّ الظن لا يُغنِي من الحق شيئا) وهذه حال من يصدر أحكاما وأوامر مستندا إلى خيالاتٍ فارغة وأقيسةٍ فاسدة كقياس الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق بأدنى مشاركةٍ موهومة.(تفسير البيضاوي ج1/435). وقد بيَّن سبحانه وتعالى أنهم لا يتَّبعونَ في دينهم هذا دليلا ولا برهانا؛ وإنما هو ظنٌّ منهم؛  أي: توهُّمٌ وتخيُّل وذلك لا يغني عنهم شيئا. (مختصر تفسير ابن كثير ج2/193)، أو  يتَّبعون ما لا حقيقة له ولا صحة. (مختصر تفسير الطبري للصابوني ج1/ 354) إن نتوهَّم  وقوعَها إلا توهُّما مرجوحا وما نحن بمُستيقنين ولا محقِّقين. وهذه حال كثيرٍ من أصحاب المظاهر الخدّاعة والكلمات المعسولة والشعارات الرّنّانة وديدنها ودندنتها. وقال جلّ في عُلاه:(قل لا يستوي الخبيث والطيِّب ولو أعجبك كثرةُ الخبيث)(المائدة100)؛ أي: أنّ القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار.(مختصر تفسير ابن كثيرج1/553). وقوله عز وجل:(لا يستوي الخبيث والطيِّب) حكم عامّ في نفي المساواة عند الله سبحانه وتعالى بين الرديء ومن الأشخاص والأعمال والأموال وجيِّدها ، وكذلك رغَّب به في مصالح العمل وحلال المال. تفسير البيضاوي ج1/صـ248).

إنّ الضمير الحيّ اليقظ أفضلُ حارسٍ، وأحكم رقيب يصون الحقوقَ بين العباد، وهو الركن الركين لحفظ البلاد وعدم تعريضها للفساد، وإن إعطاء العامل حقه- أيّا كان-لا سيما إن كان (عالما عاملا مُعلِّما)  من تقدير  وتعزير وثناء حسن عطر لما أتقن  وأحسن يعد امتثالا لقول الله تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: (وما أريد أن أشقَّ عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين)(القصص27)، أمّا استغلالُ الإدارة أو المسؤولية  والنفوذ لجرِّ منفعة شخصية أو شهوة خفية مبطنة تُرضي ثروة متأصِّلة ؛كـ(هوىً متَّبع أو نزوة عابرة) تُضيِّع حقوقَ أصحاب الكفاءة والخبرة، ويبدِّد جهود البررة، ويُستبدل بهم أتباع كل ناعق أو الإمَّعات (أنا معك وكما تريد وتهوى). ، ولله درُّ الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه القائل:(من استعمل رجلا لمودَّة أو قرابة  لا يحمله على استعماله إلّا ذلك فقد خان اللهَ ورسوله والمؤمنين). وهذا مقتبَس من هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:(من استعمل رجلا مَن عصابة  وفي تلك العصابة مَن هو أرضى لله منه ؛ فقد خان اللهَ و خان رسولَه وخان المؤمنين)(أخرجه الحاكم برقم 7023 وقال صحيح الإسناد.

إنّ تركيز أرباب المظاهر البرّاقة والشكليات الخدَّاعة دون النظر إلى الجوهر المكنون دليلٌ صارخ على نفسية أصحابها التي تعتنقها أو تتعشقها؛ ممَّا يؤدِّي إلى (تنصيب الغِر الفسْل الجاهل، أو تحكُّم المُسترجِلة الطاووس) في مجالات الحياة قاطبةً- أيَّا كانت- يهدر (الكرامةَ الإنسانية  والأفضلية المهنية أو الحرفية والأحقية الشرعية) ، ويُعتبر تضيعا للخبرة والقيمة المعتبَرة (شرعا وعرفا وقانونا..)؛ولكن على الإنسان العاقل أن يتذكَّر قولَ المولى عزَّ وجلَّ مبيِّنا نفسيَّةَ ونيَّة أهل الأهواء بقَوله سبحانه وتعالى:(قل كلٌّ يعمل على شاكلته فربُّكم أعلم بمَن هو أهدى سبيلا)(   ).

إن (الكفاءة العلمية والخبرة العملية والمقدرة التطبيقية والتنفيذية) تستند إلى (مرتكزاتٍ راسخة، و قواعدَ أصيلة،  وجذور عميقة) لا تتزعزع أمام رياح أهل الأهواء والنزعات الجاهلية- القديمة منها والحديثة- والنزغات الشيطانية؛ لأنّها تستمِدُّ قوَّتها من الحق سبحانه وتعالى، وتستهدي بنورِ السنة النبوية ، وتستنير بمعرفة أهل الذِّكر-كلّ في ميدانه وتخصُّصه- وهي خبرة تراكمية يُمسِك بعضُها بحُجُزِ بعضٍ كسلسلة الذهب المرصَّع بالدُّر والماس والياقوت لا كشبكة العنكبوت؛ والله تعالى يقول في محكم كتابه الحكيم:(فأمّا الزَّبدُ فيذهب جُفاء وأمَّا ما ينفع الناسَ فيمكث في الأرض)، ويقول عزَّ و جل:(وإنَّ أوهنَ البيوتِ لبَيتُ العنكبوت لو كانوا يعلمون)(    ). والرسولُ المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام يُبيِّن هذه الصورةَ بوضوحٍ وجلاء فيقول:(إنَّما الناسُ كإبل المائة لا تكاد تجِدُ فيها راحلةُ).(رواه الإمام البخاري6498). ولله درُّ الشاعر القائل:

دخيلٌ في الكتابة ليس منها  له فِكرٌ تَعِدٌ ولا بَديهُ

تشاكلَ أمرُه خَلقا وخُلْقا  فظاهِره لِباطنه شبيهُ

كأن دُواته مِن ريق فيهِ  تُلاقُ فنَشرُه أبداً كريهُ

إنه لا يخفى على العاقل اللبيب أنّ المستشار الخبير عصبُ أيِّ عملٍ فنِّيّ تخصُّصيّ  ومرتَكز أيِّ ثقل (مهني أو حِرفي)، والناقد البصير يحكم على أيِّ عمل كان - في مجاله وتخصُّصه- فيظهر ما فيه من روعةٍ،  ويفضحُ ما فيه من عوراتٍ وخلل، وإن العالِم المصلِح يُصلِح ما أفسدَه غيرُه(علما وعملا وسلوكا)، ويرى أنّ أيَّ عملٍ لا بُدَّ له من جسد وروح، و(روح العمل الإتقان والإخلاص)، أمّا المتعالِم المفسد فلا يرى إلا القشور، ولا يدري ما هو اللبابُ كالخُشب المسنّدة؛ فإذا ما رأيت –أخيَّ- أي عمل جسدا بلا روح فاعلم أنه يَستمدُّ نِفاقه من صاحبه، ويسقي جسمَه من فِسقه، والله تعالى يقول:(ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)(    )، ويقول جلَّ وعزَّ:(والبلد الطيِّب يخرج نباتُه بإذن ربِّه والذي خبثَ لا يخرج إلّا نكِدا)  وهكذا يكون العَيثُ- بالعَين لا بالغَين- بلا دِين أشد أنواع الفساد، وإن أخطر فساد فساد العلم وتحكُّم أهل الأهواء الفاسدة،  وتسلُّط الأغرار، وإبعاد الخبراء وصنَّاع القرار، وتولية

 الأشرار، واستبعاد الأخيار, وقد سُئل الفاروقُ عمرُ رضي الله عنه:(أتوشكُ القُرى أن تخربَ وهي عامرةٌ؟ قال: إذا علا فجَّارها على أبرارها) والفُجَّار كما قال الله عزّ و جلّ:(أولئك هم الكفرة الفجَرة).

أمّا الأبرار فهم أهل العقل والعدل والعلم والحكمة والمعرفة الصالحون في أنفسِهم المصلِحون لغَيرهم، والله تعالى يقول:(وقفوهم إنهم مسؤولون* ما لكم لا تناصرون* بل هم اليوم مستسلمون).

وإنّ أيّ عمل غيرُ متقنٍ يصدرُ ويُنسب إلى إنسان بريءٍ منه هو زُورٌ وبُهتان عند الله عزّ و جلَّ أوّلا، وعند الملائكة وأولو العلم ثانيا، وعند الأجيال  والتاريخ آخرا، وما يحصل من (تقصير أو تفريط) في حقِّ أحد من الناس يكون المسؤول عنه بالدرجة الأولى هو صاحب القرار وكما قيل: (رمتني بدائها وانسلَّت). ولا يرمي صاحب العمل بهذا إلّا وقد هدر حقُّه، وضُيِّع وقته، وبُخِس أجره، وخسر تقديره عند من ضيَّع حق العلم أوّلا ، وشرف الكلمة ثانيا، ودقَّة الصنعة ثالثا، ومصداقيةَ العمل أخيرا وليس آخرا. فأين الخبرة والمعرفة والغيرة على شرف العمل والحرفة والمهنة أين؟ وأين (إتقان العمل وإكرام العالم وتقدير العامل) أين؟

وليتذكَّر قول المولى عزّ وعلا: (إنّ الإنسان على نفسِه بصيرةٌ ولو ألقى معاذيره) وهذا ما ينبغي على المسؤول –أيّا كان - (شرعيا، علميا، إداريا...) أن يتنبَّه له، وأن يُدرك مصيرَ ما يصدر من عملٍ مسؤول هو عنه أوَّلا وأخيرا، ولا يُلقي التبعةَ على مَن حوله ؛ وإنما عليه (التريث والتثبت)، و(ألا يتفاخر ويتباهى بالتكاثر في علمه وعمله) ، وقد كان الشاعر الجاهلي يعرض قصيدتَه على مَن هو أعقل منه وأكثر شاعرية ورهافة حِسٍّ وإجادة وخبرة منه فيُصحِّح ويُنقِّح، ومن ثَمَّ يعرض قصيدته على الملأ؛ فـ (الكلمة أو الكتابة) إذا ما نُطق بها أو كُتبت كالطلقة لا تعود ،فما بالُك بالعلوم الشرعية والفنون العلمية التخصُّصية ، وليعلم أنَّ (التقيَّ مُلجَمٌ) كما قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وكما أورد الإمامُ ابن فارس اللغويّ النحويّ رحمه الله تعالى أنّ أصل (التقوى) في اللغة (قلة الكلام) وهذا من بدائع اقتصاد اللغة العربية فـ (البلاغة الإيجاز والإعجاز) فالإنسان الحصيف يَقتصِدُ في كلامه؛ لأنّ قلبا مَلكا يحرسه، وعقلا وزيرا يضبطه، وجوارحَ جنودا تحميه ووجدانا يحكمه، ودينا قيّما يُحكّمه.  وقد ورد في التوراة:(ما كان حكيمٌ قطُّ  في قوم إلا بغوا عليه وحسدوه) وروى أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام:(أزهدُ الناس في العالِم أهلُه وجِيرانه) . وأختم بأبياتٍ رائعة بديعة تُبيِّن منهجَ  العاقل الكيِّس الفطن في هذه الحياة؛ ألا وهي أبياتٌ للإمام المُحدِّث محمّد مهدي الرَّوّاس رحمه الله تعالى:

صاحِ خُذ من شِرعة الهادي الهُـ         ـدى واتخذها للمعالي سُلَّما 

 وَدَعِ الأكوانَ لا تعبأ بها   واعبدِ اللهَ وَدعْ مَن ظلما  

 وخُذِ القرآنَ نُوراً بيّنا    وظلوم حادَ عنه في عَما  

 واتَّصِل باللهِ في فُرقانِه      فالذي فارَقهُ قد قُصما 

واجعلِ السُنَّةَ حِصنا عاصِما     عزَّ نهجُ المصطفى مُعتصَما

فعَليهِ اللهُ في أكوانِه     كلَّما صلَّى عليه سلَّما.