العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

صكوك حقوق الانتفاع

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

فرصة كبيرة لإصدار صكوك سياديّة

توفر حقوق الانتفاع فرصة كبيرة لإصدار صكوك سيادية دون التعرض لإشكاليات التخصيص للملكيات العامة، أو الجدل الشرعي بشأن شبهة بيوع العينة والوفاء التي تكتنف إصدارات صكوك الإجارة بآلية الشراء وإعادة الإجارة المنتشرة.

القرار الشرعي لحق الانتفاع بعوض

ويمثل القرار الشرعي الثاني للمؤتمر الفقهي الرابع في دولة الكويت إطارًا شرعيًا ملائمًا لإصدار هذا النوع من الصكوك، فقد جاء في القرار أن «حق الانتفاع بعوض، فيه شبه بعقد البيع من وجه وبعقد الإجارة من وجه آخر، غير أنه لا يمكن إلحاقه بأحدهما لوجود فروق له عن كل منهما» وذكر في القرار «أن من الصور الجائزة شرعًا قيام الحكومة أو إحدى الشخصيات الاعتبارية أو الطبيعية أو سواها بتمليك حق الانتفاع بعين مملوكة لها لشخص اعتباري أو طبيعي لمدة طويلة، مع احتفاظ مالك العين بملكية رقبتها».

ومن أحكام حق الانتفاع

 طبقًا للقرار «يتحمل مالك العين التكاليف غير المعتادة للانتفاع بالعين مثل مصروفات الصيانة الأساسية وكذا الإصلاحات الجسيمة المتعلقة بها، ما لم يشترط على المنتفع تحملها، ولا يتعارض ذلك مع منع تحميل المستأجر في عقد الإجارة الصيانة الأساسية لأن حق الانتفاع ليس إجارة من كل وجه».

يدعم القرار تطبيقات الصكوك على أساس حق الانتفاع

فقد جاء في القرار أنه «يجوز أن يكون حق الانتفاع العقاري محلًا لصكوك قابلة للتداول لمدة مجموعها أقل من مدة حق الانتفاع، لأنه من قبيل بيع المنفعة، ولا يمنع من ذلك كون العقار مؤجرًا لأطراف أخرى، لما فيه من شبه بالبيع». وكذلك جواز «قيام مالك العين ببيع حق الانتفاع بعقار لمطور ليقوم بالبناء عليه وتأجير تلك المباني، سواء كانت إجارة عين بعد البناء، أو إجارة موصوفة بالذمة قبل البناء. وكذلك جواز «بيع حق الانتفاع لعين مؤجرة، مع نفاذ عقد الإيجار في حق المنتفع الجديد، فيحل محل من باعه في حقوق عقد الإجارة والتزاماته» ولكن «لا يجوز لمالك العين أن يبيع حق الانتفاع ثم يشتريه إلا مع انتفاء شروط تحقق العينة».

هندسة نموذج

في ضوء الأسس الشرعية السابقة يمكن للدولة أن تبيع حقوق انتفاع لحملة الصكوك لمدة 20 سنة مثلًا بغرض تطوير الشواطئ والمناطق السياحية والمدن القديمة ونحو ذلك، على أن يدفع حملة الصكوك قيمة الحق محل الصكوك بالكامل. أما الإيراد الدوري واسترداد رأس المال لحملة الصكوك فيمكن أن يتم من خلال عقد إجارة موصوفة في الذمة مع الوعد بالتمليك للمنشآت محل التطوير.

بموجب عقد الإجارة المذكور يكون حملة الصكوك مؤجر، والدولة مستأجر، وتكون مدة الإجارة هي مدة إصدار الصكوك، ومن ثم تؤول -بموجب الوعد بالتمليك- ملكية تلك المنشآت للدولة مقابل استرداد رأس المال أو القيمة الاسمية للصكوك في نهاية مدة الإصدار الموافقة لنهاية عقد الإجارة المنتهية بالتمليك. ولا يشترط للدولة أن تكون هي المستأجر، لأنه يمكن أن يكون الاستئجار مغريًا لأي جهة تشغيلية أخرى لهذه الأماكن، وتكتفي أن تقدم وعدًا بالشراء لأصول تلك المنشآت.

لا تتضمن الصورة المقترضة أي شبهة لبيع العينة، أو بيع الوفاء، لأن المنشآت محل عقد الإجارة المنتهي بالتمليك مملوكة بالفعل لحملة الصكوك ابتداءً، ويجوز إجارتها بالطريقة المذكورة دون أي قيود. أيضًا لم تتم إعادة بيع الحق للدولة وإنما بقي في ملكية حملة الصكوك إلى نهاية مدته وانتهى بطريقة مشابهة لانتهاء عقد الإجارة.

التعليق
هذا النموذج المبتكر لم يتضمن أي إجراءات شكلية بغرض توفير السيولة كما هو الحال في صكوك الموجودات المملوكة للمؤجر على أساس Asset Based Sukukأو Asset Backed Sukuk، وتضمنت قيمة مضافة حقيقية تمثلت في إحداث منشآت حقيقية لم تكن أساسًا في ملك الدولة، وهذه المنشآت مدرة للدخل. ويمكن للدولة أن تحقق منها العائد الدوري نفسه من خلال استمرار التشغيل مع جهة ثالثة بالطريقة الأولى نفسها التي أنشأت بها العائد الدوري لحملة الصكوك خلال مدة الإصدار.

من الضروري الابتعاد عن الصورية، والجدل الشرعي الذي يواجه صكوك الموجودات المؤجرة والتي شاع استخدامها على موجودات مملوكة للمؤجر، وتمثل صكوك حقوق الانتفاع ممرًا آمنًا لتحقيق هذا الهدف الشرعي النفيس.

نموذج ثانٍ مبتكر («أ» و «ب»)

وقد رشحنا حقوق الانتفاع والامتياز كإطار ملائم من الناحية الشرعية لتحقيق هذا الغرض. وكان المحفز لطرح هذه الحلول المبتكرة هو دعم جهود الحكومة في تونس لإصدار صكوك إسلامية لسد عجز الموازنة لعام 2016.

تم تقرير أن حق الانتفاع أقرب إلى حق ملكية الرقبة منه إلى حق ملكية المنفعة، وهو يتوسط بينهما، ويجوز لشخص أن يجمع بين الحقوق الثلاثة، كما يجوز أن يتفرد شخص بحق واحدٍ منها، أو بحقين. فعندما يستعمل مالك حق الانتفاع العين بنفسه فيكون مالكًا لحقيْن هما حق الانتفاع وحق المنفعة، وعندما يؤجر الحق لغيرها يكون مالكًا لحق الانتفاع بينما يكون المستأجر مالكًا لحق المنفعة.

يؤيد هذا الفهم ما جاء في القرار الثاني للمؤتمر الفقهي الخامس في دولة الكويت ونصه: «يجوز أن يكون حق الانتفاع العقاري محلاً لصكوك قابلة للتداول لمدد مجموعها أقل من مدة حق الانتفاع، لأنه من قبيل بيع المنفعة، ولا يمنع من ذلك كون العقار مؤجرًا لأطراف أخرى، لما فيه من شبه بالبيع».

هندسة نموذج

يمكن هندسة نموذج ثان (أ) مبتكر لحقوق الانتفاع على أساس أن تبيع الدولة حقوق انتفاع لحملة الصكوك لمدة 20 سنة في أعيان مملوكة للدولة ومشغولة من قبلها، ولا يشترط أن تكون هذه الأعيان فارغة، على أن يدفع حملة الصكوك قيمة الحق محل الصكوك بالكامل عند الإصدار. أما الإيراد الدوري فيتمثل بالأجرة التي يجب أن تدفعها الدولة على شغلها تلك الأعيان التي أصبح الانتفاع بها من حق حملة الصكوك ويتم تنظيم ذلك بموجب عقد إجارة تشغيلية بين الدولة وحملة الصكوك مالكي حقوق الانتفاع لمدة الإصدار المطابقة لمدة ملكية حملة الصكوك لحق الانتفاع.

ولو فرض أن هذه الأعيان (المرتبطة بحقوق الانتفاع محل التصكيك) مؤجرة من قبل الدولة للغير عند بيع حق الانتفاع، فهذا لا يؤثر على إصدار صكوك حق الانتفاع وفقًا لنموذج ثان (ب) مبتكر، وتستمر عقود الإجارة التشغيلية القائمة على حالها ولكن تكون إيراداتها لصالح حملة الصكوك مالكي حقوق الانتفاع.

جاء في القرار المشار إليه أن من التصرفات الجائزة على أساس حقوق الانتفاع: «التنازل عن حق الانتفاع – بما له من حقوق وما عليه من التزامات – لطرف ثالث، ويحل المنتفع الجديد محل المنتفع السابق في علاقته مع مالك العين». ومن التصرفات الجائزة أيضًا: «بيع حق الانتفاع لعين مؤجرة، مع نفاذ عقد الإيجار في حق المنتفع الجديد، فيحل محل من باعه في حقوق عقد الإجارة والتزاماته».

تعليق

في هذين النموذجين (أ) و(ب) يلاحظ أنه لا توجد أصول جديدة في المحصلة، وأن كل شيء على حاله عدا أن الدولة تمكنت من الحصول على السيولة الكافية لسد العجز في الموازنة الحكومية. ولذا يجب أن تتم هندسة الهيكل وتصميم عقود إجارة المنفعة لتكون بقيمة إيجارية تساوي في جملتها القيمة الاسمية للصكوك والعائد الإيجاري الدوري.

لا يتضمن هذا النموذج المبتكر بصورتيه (أ) و(ب) أي شبهة لبيع العينة، أو بيع الوفاء المثارة على صكوك الموجودات المؤجرة على أساس الشراء وإعادة الإجارة لمالك الموجودات، فلم يتم هنا بيع الموجودات ولا إعادة بيع الحقوق المشتراة لمالكها أيضًا.

هذا النموذج المبتكر لم يتضمن أي إجراءات شكلية بغرض توفير السيولة كما هو الحال في صكوك الموجودات المملوكة للمؤجر على أساس asset based sukukأو asset backed sukuk، غير أن تكلفة هذا النموذج بصورتيه مرتفعة بالمقارنة بالنموذج الأول المبتكر، لأن محصلة النموذج الأول تضمنت ملكية الدولة لأعيان جديدة لم تكن موجودة في ملك الدولة.

اعتراض
يعترض على هذا النموذج في الصورة (ب) والتي تقوم على أساس أعيان مؤجرة فعلًا بأنه من قبيل بيع دين الإجارة، وأنه في الحقيقة خصم لإيرادات هذا العقد، والحقيقة، هذا الاعتراض يرد شكلاً على الصورة الأولى أيضًا لأنه يتم تصميم عقود إجارة مع الدولة تحقق الغرض نفسه، وفي الحالين إن مفاهيم الإجارة وهياكل الصكوك القائمة عليها تسمح بكل أريحية من ناحية شرعية بهذه الحلول دون أي شبهة شرعية.

ولو نظرت على سبيل المثال لصكوك الموجودات المؤجرة المتداولة في الأسواق المالية فإنه يتم تداولها بطريقة الحسم الزمني كالسندات تمامًا...من الضروري الابتعاد عن الصورية، والجدل الشرعي الذي يواجه صكوك الموجودات المؤجرة والتي شاع استخدامها على موجودات مملوكة للمؤجر، وتوفر صكوك حقوق الانتفاع فرصة كبيرة لحلول شرعية خالية من الشبهات.