العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

اختلال التوازن في سوق العمل: مُقارنة بين نظرة الاقتصاد الوضعي والاقتصاد الإسلامي

عبد الكريم البشير

أستاذ تعليم عالي، كليّة العلوم الاقتصاديّة والتجاريّة وعلوم التسيير، جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف، الجزائر

عبد الهادي مدّاح

طالب دكتوراه، كليّة العلوم الاقتصاديّة والتجاريّة وعلوم التسيير

مقدِّمة

تُعاني دول العالم عموماً وبلداننا الإسلاميّة خصوصاً من استفحال للبطالة وصعوبة مواجهتها، وقد تصدّت المدارس الاقتصاديّة الوضعيّة لتفسير البطالة في محاولة لفهم أسبابها وتقديم حلول علاجيّة لها لكن دونما جدوى، فالدول الغربيّة على الرغم من تطبيقها لهذه الحلول التي صيغت في ظلال هذه المدارس لم تستطع الفرار من شبح البطالة، ولم يكن لها القدرة على مواجهة آثارها، أمّا الدول الإسلاميّة التي تبنّت نهج الدول الغربيّة في سياساتها العلاجيّة لاختلال سوق العمل ومواجهة البطالة عاشت ظروفا أكثر صعوبة من التي تعيشها الدول الغربيّة، فنتج عن ذلك توسع الفجوة الطبقيّة، وانخفاض المستوى المعيشي وآثار اجتماعيّة يصعب ذكرها بالمجمل في هذه الورقة. وقد تناسى القائمون على صياغة هذه السياسات (مُعالجة الاختلال في سوق العمل) في الدول الإسلاميّة؛ أنّ تقليد الغرب لا ينفع بحال من الأحوال، فوجود اختلافات هيكليّة بين الاقتصاديّات، واختلافات بين الذهنيّات، وبين الرغبات والتفضيلات لدى الشعوب الإسلاميّة والشعوب الغربيّة كفيل بأنْ يكون سبباً في عدم تبني نفس السياسات، وعدم اتباعهم إلى متاهات المجهول وإلى ضيق الحلول (كضيق جحر الضب). وفيما يجدر الإشارة إليه أنّ البلدان الإسلاميّة بخصوصياتها يقتضي من الحاكم فيها تبني سياسات اقتصاديّة خاصّة بها، دون تقليد أو تجريب، ولعلّ لبيب الفكر وسليم الفطرة يُدرك أنّ حلول الأزمات وأسلم السياسات ما ارتكز على الشريعة الإسلاميّة، فهي صورة لنظام رسمه الله لعباده، نظام شامل في كل جوانبه الاقتصاديّة والاجتماعيّة. نظام يعمل على جعل المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، ويجعل المسلمين كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى له عضو تداعى له سائر الجسد. فأنّى لمجتمع تسوده هذه الصفات ويحكمه هذا النظام أنْ تكون مشكلته البطالة أو يكون هناك منفذ لآثارها السلبيّة. وسنحاول من خلال هذه الورقة عرض بعض النظريّات الاقتصاديّة الوضعيّة[1] وتفسيرها لاختلال سوق العمل، كما سنذكر بعض الحلول العلاجيّة التي صاغها الاقتصاد الإسلامي في ظل الشريعة الإسلاميّة لمعالجة مشكلة البطالة وتنجب آثارها السلبيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

مُختلف الآراء النظريّة للاقتصاد الوضعي حول توازن سوق العمل

تختلف النظرة إلى اختلال توازن سوق العمل من مدرسة إلى أخرى، فمنها ما يصرّح بوجود اختلال متمثل في تفاقم ظاهرة البطالة ومنها ما يفترض حالة التشغيل الكامل وأن الاختلال هو اختلال ظرفي سرعان ما يتعدل بتغير الأجور، وأنّ البطالة الوحيدة التي يمكن لها الظهور هي البطالة الإراديّة، أو البطالة الانتقاليّة، لكن الواقع بيّن العكس وشهد شاهد من أهلها على تفنيد ما جاءت به، فظهر  مفهوم البطالة اللاإراديّة (البطالة الإجباريّة).

و نعرض فيما يلي بعض النظريّات التي حاولت تفسير الاختلال في سوق العمل:

1-          نظريّة حد الكفاف أو أجر الكفاف Subsistence Wage Theory

نظريّة حد الكفاف"تُعتبر من أقدم النظريّات المفسرة لظاهرة اختلال سوق العمل من خلال مدخل الأجور، ويقوم جوهر هذه النظريّة أن الأجور سوف تتجه في المدى الطويل نحو ذلك المستوى الضروري لضمان حياة العامل وأسرته وهو أجر الكفاف"[2]. وهو ما يضمن توازن سوق العمل عند هذا المستوى من الأجور.

وعُرفت هذه النظريّة بنظريّة القانون الحديدي للأجور، وأُطلق عليها نظريّة القانون الحديدي لما يلحق العامل في إطارها من ظلم واجحاف وحتمية في تحديد أجره إذ لا يمكن للعامل تجاوز هذا الحد في عيشه[3].

وعلى ضوء نظرية حد الكفاف نجد أيضاأنّ أجور العمال لا يمكن بأي حال من الأحوال أنْ تبقى مُرتفعة عن الحد الأدنى الضروري لبقائهم أحياء في مستوى الكفاف.وقد أوضحكيسناي هذا المبدأ بقوله:إنّ معدل الأجور إذا هبط عن الحد الأدنىالذي يتناسب وحد الكفاف يبدأ العمال في الهجرة وبذلك يقل عرض العمل وترتفع الأجور إلى مستوى الكفاف مرّة أخرى. إلّا أنّكيسناي لم يتعرض إلى حالة الوفاة أو التقليل من النسل عند انخفاض الأجور[4].

نقد النظريّة:

نظريّة حد الكفاف هي نظريّةعرض العمل فقط، وترتكز أساساً على أسس ديموغرافية؛

الطلب على العمل ليس له إلّا دور مؤقت في المدى القصير، ألا وهو تحديد سعر العمل الجاري؛

حسب هذه النظريّة أنّ الطبقة العامّةتستهلك فقط ولا تدخر لأن دخلها لا يزيد عن حد الكفاف (الحد الكافي للبقاء على قيد الحياة) وهذا مخالف للفطرة البشريّة التي توزع الدخل بين الادخار والاستهلاك؛

من الصعب اختبار هذه النظريّةلأنّ حد الكفاف هو مفهوم نسبي ولا يمكن تحديده بدقة؛

2-          نظريّة مُخصص الأجور أو رصيد الأجور Wage fund theory

مع بداية القرن التاسع عشر ظهرت نظريّة رصيد الأجور، والتي في الحقيقة وجدت بذورها في نظريّة حد الكفاف، وتُعتبر نظريّة رصيد الأجور استمرارا لنظريّة حد الكفاف فهي مكلمة لها وليس بديلا عنها، ولعلّ السياق الذي ظهرت فيه النظريّة هو ما دعّم بروزها، فقد ظهرت في وقت كانت فيه المشروعات في أشد الحاجة إلى رؤوس الأموال.

لقد اهتمت نظريّة رصيد الأجور بالعلاقة بين عدد السكان (القوى العاملة) ورأس المال، بحيث أن ازدياد السكان مع ثبات رأس المال (المخصص للأجور) يؤدي إلى زيادة عرض العمل ومنه إلى انخفاض الأجور التي تمثل نسبة ضئيلة من هذا المخصص، ولقد نادى جيمس ميل James Millبهذا الرأي فأشار إلى أن عدد السكان يزيد بمعدل يفوق معدل زيادة رأس المال، خاصة إذا تذكرنا أن عائد رأس المال يميل إلى الانخفاض باستمرار نتيجة زيادة الكمية منه في الإنتاج (قانون تناقص الغلة)، وبذلك يقل الرصيد السنوي الذي تتكون منه المدخرات. فلو زادت حصة الأجور ستؤدي إلى انخفاض حصة رأس المال المخصص لشراء الآلات والمواد الأوليّة فيقل الانتاج وتبعا لذلك ويقل الطلب على العمل وسيترتب عن ذلك انخفاض الأجور مرة أخرى. وبذلك يرى J.Millأن هناك اتجاه قوي، ومستمر نحو انخفاض الأجور. كذلك تأثر جون ستيوارت ميل John Stuart Mill(1816-1873) بفكرة والده، فأشار إلى أنه لا يمكن رفع الأجور حسب هذه النظريّة؛ إذا ارتفع عدد العمال فإن الأجر المتوسط يميل إلى الانخفاض نظرا لتقسيم نفس الحصة (مثل كعكة الحلوى)على عدد أكبر من العمال. إن ذلك الجزء المخصص للأجور يزداد في فترات الرواج ويقل في فترات الانكماش[5].

أي يمكن القول حسبهذهالنظريّة أنمستوىالأجريظلثابتامادامتكميةالأموالالتييخصصهاالمنتجونلرفعالأجورتبقىثابتة،ومادامعددالعماللميتغيّر. وفيمثلهذاالوضعفإنهلايمكنلأيفئةمنالعمالأنْتحصلعلىزيادةفيأجرهاكنتيجةلضغوطالتشريعاتالقانونيّة وكذاالنقاباتالعماليّة،إلاعلىحسابنقصأجورفئاتأخرىمن العمال. مادامتالأموالالمخصّصةلرفعأجورالعمالتظلثابتة،فإنالزيادةفينصيب طبقةالعمالسيكونمنهذاالرصيد،أيلابدأنيكونعلىحسبنقصنصيبباقيالطبقاتالأخرىمنالرصيد،وبالطبعمنأجورهمتبعالذلك[6]. أماإذاتمزيادةمخصّصاتالأجورفسوفيكونذلكعلىحسابأرباحالمنتج[7].

إذا يتحدد التوازن في سوق العمل حسب هذه النظريّة، إما بانخفاض الأجور نتيجة زيادة عرض العمل وبقاء مخصص الأجور ثابتا،أو بقاء الأجور على حالها من خلال زيادة مخصص الأجور بنفس زيادة عرض العمل، أو زيادة الأجور مع زيادة مخصص الأجور بنسبة أكبر من زيادة العمل، والحالة الأخيرة تكون على حساب أرباح المنتجين وهذا غير مقبول لدى المنتجين. ففي كل الحالات يكون التوازن على حساب أجور العمال.

نقد النظريّة:

نظريّة رصيد الأجور هي نظريّة الطلب على العمل؛ والطلب على العمل في ظلها له مرونة لا نهائيّة؛

عرض العمل ليس له دور إلّا دور مؤقت في المدى القصير، من خلال تأرجح سعر العمل الجاري؛

عدم إمكانيّة تحديد مخصص أو رصيد الأجور بدقة واستحالة قياسه؛

3-          نظريّة انتاجيّة العمل والإنتاجيّة الحديّة للأجور

ظهرت في البداية نظريّة عرفتب"نظريّة إنتاجيّة العمل"، ويتقرر أجر العامل بناء عليها بإنتاجيته، فكلما زادت إنتاجيته زاد أجره، حيث يتم دفع حصص عناصر الإنتاج من الإنتاج الصافي أولا، وما تبقى يدفع أجورا للعمال، وبالرغم من أن هذه النظرية تفسّر أسباب اختلاف الأجور بين العمال إلا أنه يؤخذ عليها ما يلي[8]:

أنها أهملت قانون العرضوالطلب وأثره في تحديد الأجر؛

لم يتبيّن المقصود بالإنتاجيّةإن كانت الكميّة، أو القيميّة، أو الحديّة؛

ثم ظهرت بعد ذلك نظريّة الإنتاجيّة الحديّة، وجاءت على أثر ظهور التحليل الحدي في نظرية القيمة، وفكرة تحليل المنفعة الحدية والإنتاجيّة الحديّة، وقد استعمل مدخل الإنتاجيّة الحديّة لعناصر الإنتاج في تحديد أثمان عناصر الإنتاج والتي من بينها عنصر العمل.

نقد النظريّة:من الانتقادات التي وجهت لهذه النظريّة نذكر:

أنّها تُعنى بجانب الطلب وتهملجانب العرض؛

تفترض النظريّة حالة المنافسةالكاملة، بينما سوق العمل في معظم حالاته يكشف عكس ذلك؛

-               النظريّة افترضت ثبات الكثير من العوامل لتحديد الإنتاجيّة الحديّة في حين أنّها في الواقع كلها متغيرة؛

4-          النظريّة الماركسيّة:

تبنّى ماركس فكرة أنّ العمل وحده هو الذي ينتج قيمة، ويقوم تحليل ماركس للعمل على أساس أن العامل في المؤسّسة الرأسماليّة يتكون من جزأين: جزأ يعمله العامل من أجل نفسه ويتقاضى عليه أجر، ويسمى هذا الوقت من العمل ب "وقت العمل الضروري"، والناتج المتحقق خلاله يسمى "الناتج الضروري"، أمّا الجزء الثاني يقوم به العامل دون أن يتقاضى عليه أجر، فهو يقوم به من أجل الرأسمالي (حسب ماركس) من أجل إنتاج فائض القيمة، ويطلق عليه "وقت العمل الفاض" وناتجه المتحقق يسمى "الناتج الفائض"، والفرق بين الأجرين سماه ماركس القيمة المضافة.

وعلى هذا الأساس يتضح ظلم النظام الرأسمالي للعمال من حيث تقييم الأجر. فالأجر في النظام الرأسمالي (حسب ماركس) يخفي ضمنيا تقسيم العمل إلى عمل ضروري وعمل فائض، حيث لا يدفع للعامل سوى مقابل جزء من عمله، ومن ثم فإن العامل الأجير في ظل النظام الرأسمالي يعيش نوعا من العبودية[9]. وفي ظل وجود ما سماه ماركس بالجيش الاحتياطي من العاطلين فإن ذلك يمنع ارتفاع الأجور عن الحد الأدنى الكافي للبقاء[10].

ويتم موازنة سوق العمل في النظام الرأسمالي وفق تحليل ماركس على أساس؛ أما تكثف العمل من خلال إطالة يوم العمل، أو استخدام الآلات التي تحل محل العمل الإنساني, وفي ظل وجود الجيش الاحتياطي من العاملين تنخفض الأجور إلى حدها الأدنى (حد الكفاف). ويرى ماركس أن البطالة جزء لا يتجزأ من أسلوب الإنتاج وشرط لوجوده.

نقد النظريّة:ومن الانتقادات التي يمكن توجيهها لتحليل ماركس نذكر:

يفترض تحليل ماركس إمكانية حصول المنتجين على كمية العمل التي يريدونها بمعدل أجر يساوي حد الكفاف، أي أن عرض العمل لا نهائي المرونة مع بقاء الأجر عند حد الكفاف، وهذا استغلال صريح للعمال لصالح تحقيق مزيد من الأرباح للرأسماليين؛

وجود جيش من العاطلين يمنع الأجور من الارتفاع، وهذا غير صحيح لأن الأجر يتحدد بالعرض والطلب، وليس بإمكان جيش العاطلين دائما تخفيض الأجر عن مستوى أجر التوازن؛

لم يبين ماركس كيفية حساب الوقت الذي يتقاضى عليه العامل أجر (وقت العمل الضروري)؛

5-           النظريّة النيوكلاسيكيّة:

تُعتبر النظريّة النيوكلاسيكيّة امتدادا للنظريّة الكلاسيكيّة في معظم فرضياتها (الحريّة الاقتصاديّة، التوظيف الكامل)، ويعد مبدأ سيادة قانون ساي الذي ينص على أن " كل عرض يخلق الطلب الخاص به" أحد أهم النقائص التي سادت النظريّة وعرضتها للانتقادات، فهذا المبدأ يقوم على تحليل سلوكي يعطي الأهمية للطلب ورغبات الأفراد أكثر مما يعطي لجانب العرض وتكاليف الإنتاج على اعتبار أن كل ما ينتج يباع، ولم يتم اعطاء الاهتمام الكافي لقضية البطالة على اعتبار أن الاقتصاد يعرف حالة التشغيل الكامل، وأنكروا وجود البطالة إلا في حالة البطالة الاختياريّة أو الاحتكاكيّة. وهو ما فنّده كينز بعد ذلك بتوضيح مفهوم البطالة الاجباريّة.

يحدث التوازن في سوق العمل حسب هذه النظرية بصورة تلقائية، بحيث يتساوى عرض العمل مع الطلب عليه عند معدل الأجر الحقيقي، والذي يمثل الأجر التوازني في نفس الوقت.

نقد النظريّة:

إنكار وجود البطالة، والاعتراف فقط بالبطالة الاختياريّة والبطالة الاحتكاكيّة (الانتقالية)؛

افتراض حالة المنافسة التامة، وهي حالة لا وجود لها في الواقع فهي أقرب ما تكون إلى الكمال؛

افتراض المرونة التامة للأسعار والأجور، وأن جمود الأجور هو السبب في البطالة؛

وهناك نظريات أخرى حاولت تفسير الاختلال في سوق العمل، وتقديم آراءها بشأن حقيقة البطالة، ونذكر منها:

النظرية الكينزية في ظاهرة البطالة ومفهوم البطالة الإجبارية؛ البطالة وجمود معدلات الأجور ؛

فجوة (أوكن) وعلاقتها بالبطالة؛

تحليل ظاهرة البطالة في ظل منحنى فيلبس؛ وعقدة المنشار بين البطالة والتضخم[11]، والمعدل الطبيعي للبطالة؛ نظرية اللاتوازن في سوق العمل؛ ونظرية تجزؤ سوق العمل؛ نظرية رأس المال البشري في سوق العمل.

نظرة الاقتصاد الإسلامي لاختلال توازن سوق العمل

يمكن القول أن الاختلال في سوق العمل في نظر الاقتصاد الإسلامي، يعود في الأصل إلى أسباب جزئية مرتبطة بالفرد بحد ذاته، وأسباب كلية تخرج عن نطاق تأثيره، وإذا ما عوجل المشكل من هاذين الجانبين لن يكون هناك تفشي لظاهرة البطالة بالحد الذي هي عليه الآن.

وقد يلومنا القارئ فيقول أن هذه افتراضات لا تنطبق على أرض الواقع، وأنها افتراضات ادعائية للدفاع عن الاقتصاد الإسلامي، لذلك وجب علينا أن نصرف تفكيره إلى الافتراضات التي قامت عليها كل المدارس الاقتصادية الوضعية، ففي غالب هذه الفرضيات (المنافسة التامة، المرونة التامة للأجور والأسعار،....) هي غير واقعية أو قليلة الحدوث وفي بعض الأحيان استحالة وقوعها، ولكن تم الدفاع عنها من قبل المفكرين الاقتصاديين الذين تبنّوها، ونجد في كثير من الأحيان أن اختبار علاقة معينة يفترض ثبات العوامل الأخرى أو المتغيرات الأخرى، وذلك حتى يتسنى توضيح تأثير هذا المتغير على الآخر.

وفي نفس السياق نقول أن الاقتصاد الإسلامي هو نظام رباني، جامع وشامل. لكن لا ننتظر تحقق فعّالية حل واحد لكل المشاكل، فتطبيق جزء من الكل، لنحكم على عدم نجاعة الكل فهذا أمر غير مقبول.

وهنا نأتي إلى ذكر أسباب الاختلال في سوق العمل:

الأسباب الجزئيّة: هذه الأسباب مرتبطة بالأفراد:

أسباب نفسيّة:تعود لميل بعض الأفراد إلى الكسل والخمول، أو الإحباط بعد الكثير من البحث[12]؛

وعدم الانتقال والسفر إلى مناطق بعيدة عن مكان السكن للبحث عن العمل؛ وتفضيل الوظيفة العامة والعمل الحكومي على العمل اليومي الحر، وتفضيل الراتب الشهري على الأجرة؛

أسباب أخلاقيّة:فساد أخلاقي لدى القائمين على اختيار العمال؛ اختيار بالمحسوبية والرشوة؛

الأسباب الكليّة: هذه الأسباب مُرتبطة بالاقتصاد الكلي وسياسات الحكومة:

أسباب سياسيّة:عدم وجود خطة محكمة ذات نظرة استشارفية لعلاج الخلل في سوق العمل؛

أسباب إداريّة: عدم توفر المعلومات الكافية، وضعف التوفيق بين العرض والطلب في سوق العمل؛

أسباب تنافسيّة:منافسة المرأة في سوق العمل في القطاع العام والخاص، وقبولها بأجر أدنى من الأجر التوازني في عملها لدى القطاع الخاص؛ ومنافسة اليد العاملة الأجنبية؛

أسباب هيكليّة:عدم توافق التعليم والتكوين مع متطلبات سوق العمل خاصة متطلبات القطاع الخاص؛ وعدم وجود نظرة استشرافيّة في قطاع التعليم والتكوين لتخريج أفراد بمشاريع إنتاجية وليس بشهادات فقط؛

كما أنّ هناك أسابا أخرى لمشكلة البطالة[13] لم نتطرّق إليها في هذه الورقة.

1-            الإنسان هو مُفترق الطرق بين النظم الوضعيّة والاقتصاد الإسلامي

حاولت النظم الاقتصاديّة الوضعيّة إيجاد الحلول لما سمّته بالمشكلة الاقتصاديّة، وفي سبيل ذلك؛ وضعت مجموعة من المبادئ نادى البعض من خلالها إلى الملكية العامة لوسائل الإنتاج (أي انعدام الحرية الشخصية لتحقيق المصلحة الكلية) وهو ما خلق نظاما استعباديا، فيما نادى آخرون بالحرية المطلقة في الملكية (حرية الملكية الشخصية) مما خلق رأسمالية متوحشة. وهذا ما جعل الإنسان حبيس الصراع المادي في ظل هذه النظريات، ينظر إليه على أنه وسيلة من الوسائل التي تستعمل لزيادة الإنتاج يجب استغلاله بأقصى قدر ممكن، فكان في حكم العبد لزيادة الإنتاج. وقد تربى الكثير للأسف في بلداننا الإسلامية على مبادئ هذه النظم الوضعية فانتشرت بذلك الأنانية البغضاء، واستُبيحت بعدها الأعراض والدماء، وضُيّعت المصالح الشخصية والعامة على حدٍ سواء.

ومن هذا المنطلق نبيّن رؤيتنا لتميّز الاقتصاد الإسلامي عن هذه النظم الوضعية، فقد مثّلالإنسان في نظر الاقتصاد الإسلامي مفترق الطرق بينه وبين باقي النظم، من خلال اعتباره الوحدة الأساسيّة للنشاط والقوة المحركة له، فكان بمثابة الغاية الأولى والوسيلة في نفس الوقت.

ففي حين كان يمثل الإنسان في نظر مدارس الوضعية مجرد وسيلة من وسائل الانتاج يجب أن يستغل في العملية الإنتاجية لتعظيم فائدة أصحاب المشروعات، اهتم الإسلام منذ بدايته بالعنصر البشري، كونه محرك أي نهضة، وأساس أي تنمية، فسعى النظام الإسلامي إلى ترسيخ مجموعة من المبادئ[14] في الأفراد لضمان:

 الموازنة في عدة جوانب: موازنة بين الحرية الشخصية والحرية العامة، وبين الملكية الشخصية والملكية العامة، والمصلحة الشخصية والمصلحة العامة.

 العدل والمساواة في التحصيل، والعدل والمساواة في التوزيع مع مراعاة الأولويات؛

2-           حلول علاجيّة لاختلال توازن سوق العمل: وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي

2-1- حلول على مستوى الاقتصاد الجزئي:

أشار الدكتور سامر قنطقجي في كتابه حول البطالة[15] إلى حلول على مستوى الاقتصاد الجزئي لعلاج البطالة من خلال عرض الخطة الحكيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع رجل من الأنصار، وذلك في مساعدته في الحصول على التمويل، ومن ثم توزيع هذا المال بين الاستهلاك الضروري والاستثمار بشراء أصول منتجة، ومن ثم بذل الجهد والعمل، ليأتي في الأخير تحويل المنتج إلى نقد بالبيع، فعلّمه بذلك الدورة الاقتصادية بصورة مبسطة[16].

ونود أن نضيف في هذه الجزئية نقطة مهمة، وهي أن النظم الوضعية جعلت جانبي ما تسميه بالمشكلة الاقتصادية في تزايد الحاجات، ومحدودية الموارد، وقد ركزت على محدودية الموارد مع ترك الحرية التامة للحاجات والرغبات، ولعل أهم نظرية في الاقتصاد الجزئي؛ هي نظرية التفضيلات والمنفعة[17] (تعكس سلوك المستهلك، وسلوك المنتج) التي دافعت عن الحرية التامة للحاجات وفي نفس الوقت برّرت جزء من البراغماتية.

وفي المقابل نجد أن الاقتصاد الإسلامي وضع ضوابط لرغبات الأفراد (أطّر المحرمات وترك الباب مفتوحا لمجال الابتكار) في حدود تضمن مصلحة الفرد ومصلحة الأمة، وبذلك يعالج الاقتصاد الإسلامي المشاكل الاقتصادية عموما ومشكلة البطالة خصوصا من خلال مدخل الاقتصاد الجزئي بـ:

حث الفرد على العمل وعدم التكاسل والخمول وانتظار المساعدة من الغير، بل عليه السعي في الأرض للعمل، حتى لو اقتضى الأمر السفر لتحصيل الرزق، وتحفيزه على الإنتاج والابتكار؛

العمل على جعل نظرة الفرد المنتج أو المستثمر في الإنتاج أو الاستثمار ليست نظرة منفعة أنانية تقود الفرد لزيادة أرباحه مهما كان مصدرها أو مهما كان أثرها على المجتمع، أو نظرة مركزية لخدمة خطة محددة بصورة ظالمة للحرية الشخصية. بل تكون ذات نظرة لمنفعة شمولية باقتناع شخصي وإيثار نفسي لنفع النفس والغير. مما يزيد من حجم الاقتصاد الحقيقي وزيادة الإنتاج وزيادة فرص للتوظيف، وتقليص الفوارق الطبقية في المجتمع، بدل توجيه الأموال للاستثمار المالي مما يؤدي إلى اتساع أموال الاقتصاد غير الحقيقي وتفاقم آثاره[18]. مما يؤدي إلى هلاك مؤسسات عدة، وضياع مصالح الأفراد، وتفاقم مشكلة البطالة بتسريح العمال، وهلاك اقتصاديات بأكلمها.

2-2-حلول على مستوى الاقتصاد الكلي:

من بين الحلول التي يضعها الاقتصاد الإسلامي على مستوى الاقتصاد الكلي لمعالجة مشكلة البطالة نذكر:

فرض الزكاة، وتوزيعها بشكل عادل، ومتابعة استفادة مستحقيها بما يضمن عدم بقاءهم على نفس الحالة التي كانوا عليها، بل من خلال توجيه جزء مما تحصلوا عليه في الاستهلاك الضروري، وجزء آخر في الاستثمار؛

إعادة هيكلية منظومة التعليم بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل، مع انتهاج فكرة طالب اليوم، منتج الغد، أي استهداف مشروع لكل متخرج على الأكثر، أي لا ينتظر المتخرج فقط العمل لدى الحوكمة؛

تأطير عمل المرأة بما يضمن كرامتها، وبما يضمن عدم تضييع حقوق تربية الأطفال؛ وبما يضمن عدم منافستها للرجل، مما يزيد فرصة الرجل في العمل باعتباره هو أهل القوامة على المرأة وعليه رعايتها والإنفاق عليها؛

توجيه رغبات الأفراد بطريقة مباشرة، لتحقيق أهداف تم تسطيرها على مستوى الاقتصاد الكلي. فيكون الاقتصاد الإسلامي في موقع الوسطية لا هو في جانب الاشتراكية الظالمة، ولا في جانب الرأسمالية المتوحشة؛

خاتمة:

اختلفت المدارس الاقتصادية في تفسيرها للاختلال في سوق العمل؛ فتعددت الافتراضات؛ ومن المدارس ما فسّر الاختلال باختلال في الأجل القصير وسرعان ما يتحقق التوازن بفعل المرونة التامة للأسعار والأجور[19] ؛ وبذلك نفوا وجود بطالة، باستثناء البطالة الاختيارية والبطالة الاحتكاكية (وهذا غير واقعي)، وهناك من فسّر الاختلال باختلال في المدى الطويل يعود لأسباب هيكلية ووجود موانع لتحقق المرونة التامة للأجور خاصة في الاتجاه النزولي لوجود نقابات تدافع عن حقوق العمال لتمنع انخفاض الأجور[20]، ويتم تحقيق التوازن في سوق العمل في ظل هذا الطرح بتوسيع الإنفاق ليسبب ذلك في زيادة المشاريع وزيادة الإنتاج مما يسمح بتشغيل اليد العاملة العاطلة (فكان التركيز على السياسة المالية).

وفي المقابل نجد أن الاقتصاد الإسلامي فسّر بصورة أو بأخرى اختلال سوق العمل من جانبين؛ جانب جزئي يعود للفرد بحد ذاته، وجانب كلي يخرج عن نطاق الفرد ويعود لولي الأمر أو الحاكم بحكم سلطته.

وقد قدم الاقتصاد الإسلامي جملة من الحلول سواء في الجانب الجزئي أو في الجانب الكلي، فكانت هذه الحول متكاملة في جانبيها الجزئي والكلي.

ففي الجانب الجزئي يعمل الدين الإسلامي على غرس مجموعة من المبادئ والأخلاق في الفرد؛ والتي تساعد على بناء الفرد الصالح لمجتمعه في أخلاقه، والمحب للعمل وبذل الجهد فيه، والقادر على تحقيق النهوض لأمته.

وأما في الجانب الكلي فقد أسّس الإسلام لنظام متكامل في حفظ الحقوق وأداء الواجبات، فكانت الزكاة الركن الثالث في الإسلام لأهميتها الاجتماعية والاقتصادية، وكان العدل من أهم الأمور التي على ولي الأمر تحقيقها، فكانت الامارة بذلك من أصعب المسؤوليات ومن أثقل المهمات فكان الصحابة رضوان الله عليهم وحتى التابعين من بعدهم يحسبون ألف حساب لكل أمر يعطونه ولكل قرار يتخذونه، ولكل صغيرة وكبيرة تقع لرعيتهم، لإدراكم أن كل راع مسؤول (وقد حارب الخليفة أبوبكر الصديق رضوان الله عليه من يمنع الزكاة، في صورة تدل على إدراكه لخطورة منعها)، وبهذا يضمن الإسلام العدل في تحصيل الزكاة والعدل في توزيعها بين مستحقيها.



المراجع والهوامش:

[1]   يمكن التطرق للمدارس الوضعية الأخرى ومقارنتها بالاقتصاد الإسلامي  في مقالات قادمة بحول الله.

[2] عمرو محي الدين، عبد الرحمن يسرى، مبادئ علم الاقتصاد، دار النهضة العربية، بيروت،  لبنان،  1974، ص586.

[3] صادقمهديالسعيد،العملوتشغيلالعمالوالسكانوالقوىالعاملة،مؤسسةالعمالة،بغداد،الطبعةالثانية،1987 ،ص 384.

[4]  عبد العزيز فهمي هيكل، أساليب التحليل الاقتصادي، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان،1986، ص419.

[5] عبدالكريم البشير،محدداتالبطالة:  دراسةاقتصاديةقياسية – حالة الجزائر، أطروحةدكتوراه، المعهدالوطنيللإحصاءوالتخطيط،الجزائر،2003، ص14.

[6] محمدبنعبداللهبنعليالنفيسة،الأجوروأثرهاالاقتصاديةفيالاقتصادالإسلامي: دراسةمقارنة،كليةالشريعةوالدراساتالإسلامية،جمعةأمالقرى،المملكة  العربيةالسعودية،1991 ،ص586.

[7] صبحيقريصة،محمديونس،مقدمةفيالاقتصاد،دارالنهضةالعموميةللطباعةوالنشر،بيروتلبنان،1984 ،ص275

[8] دحماني محمد أدريوش، اشكالية التشغيل في الجزائر: محاولة تحليل، أطروحة  دكتوراه، جامعة أبوبكر بلقايد-تلمسان، الجزائر،  2013، ص76.

[9] راشد البراوي، الموسوعة الاقتصادية، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، بيروت، 1971، ص21.

[10] بول أ.سامويلسون، توزيع الدخل ومكافأة عوامل الإنتاج، نقله إلى العربية الدكتور مصطفى موفق، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص108.

[11] سامر مظهر قنطقجي، متلازمتا (البطالة – التضخم) عقدة المنشار للاقتصاد الغربي- فما وجهة نظر الاقتصاد الاسلامي فيهما؟، مجلة الاقتصاد الإسلامي العالمية، العدد 56، يناير 2017. الرابط التالي:

http://giem.kantakji.com/files/issue/Vol_56.pdf

[12] البشير عبد الكريم، تصنيفات البطالة ومحاولة قياس الهيكلية والمحبطة منها خلال عقد التسعينات، مجلة اقتصاديات شمال افريقيا، العدد الأول، ص ص 147_180.

[13] راجع : سامر مظهر قنطقجي، مشكلة البطالة وعلاجها في الفقه الاسلامي، دار احياء للنشر الرقمي، الطبعة الثانية، (النشر الأول 2013)، ص ص 12-13 و ص ص 76-77.

[14] من بين هذه المبادئ: الإيثار باعتباره أسمى مرحلة يصل إليها الفرد مع أفراد مجتمعه، المسؤولية اتجاه الغير بعدم إلحاق الضرر وعدم أكل أموال الناس بالباطل من رشوة  وخداع، الأمانة والصدق، الإتقان في العمل، وكثير من الأخلاق التي تجعل الفرد صالحا لمجتمعه وقادر على النهوض بأمته.

[15] سامر مظهر قنطقجي، مشكلة البطالة وعلاجها في الفقه الإسلامي، دار احياء للنشر الرقمي، الطبعة الثانية، (النشر الأول 2013). يمكن التحميل على الرابط التالي:

http://www.kantakji.com/media/176036/unemp.pdf

[16] لمزيد من التفصيل راجع: سامر قنطقجي، مشكلة البطالة وعلاجها  في الفقه الإسلامي، مرجع سبق ذكره، ص ص 38-41.

[17] ومن المستغرب حسب منظورنا  في ظل هذه النظرية (نظرية المنفعة أو التفضيلات) أن المستهلك يشتري على أساس تحقيقه منفعته وإن كانت المنتجات التي يقتنيها مضرة بصحته، أو غير أخلاقية، أو مضرة لبيئته.

[18] توجيه الأموال الى الاستثمار المالي، أي استثمارات في المنتجات المالية، وفي العقود المستقبلية يخلق اقتصادا غير حقيقي، وكلما اتسعت الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد غير الحقيقي يسبب ذلك في خلق مشاكل عدة، كما حدث في أزمة 2008. ناهيك عن الآثار السلبية للربا التي نحن في غنى عن ذكرها في هذه الورقة، ويكفي ذكرنا لوعيد الله بالحرب، وهذا وعد كفيل لتكون الربا سببا في هلاك أمم بأكملها.

[19] الطرح الكلاسيكي القديم والحديث.

[20] الطرح الكينزي الذي جاء في طياته انتقاد لكثير من الافتراضات في النظرية الكلاسيكية.