العدد الحالي: مايو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

فقاعة شركة المسيسيبي أزمة حاكم مفلس تبع محتالاً مالياً فقاد البلاد إلى الخراب

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

يبدو أنّ مدرسة شيكاغو النقديّة لمْ تكن الشره الأوّل في التاريخ في إِصدار النقد الورقي، فقدْ كان جون لو (JohnLaw1671-1729)- المقامر المصرفي الاسكتلندي -، مُتأثِّراً بالمدرسة التجاريّة، ويؤمن بأنّ النقود ليست سوى وسيلة تبادل، لا تُشكّل ثروة في حد ذاتها، فالثروة الوطنيّة تعتمد على التجارة.الوصف: C_F face-enhanced.png

كان(جون لو) قدْ هرب من باريس عام ١٧٢٠م، بعد أنْ غدا واحداً من أغنى الرِّجال فيها بسبب خُططه الاستثماريّة. وكان قبلها قدْ هرب من لندن فيعام ١٦٩٧م، بعد أنْ حكم بعقوبة الإِعدام، وفي السجن شدّ انتباهه وتركيزه الرياضيّات والقمار. وكان متميّزاً بقوة حسابه الذهني؛ فعُرف بفوزه بألعاب البطاقات بسبب تلك المهارات العقليّة. فكان يجيد فهم واستخدام علم الاحتمالات، واستخدمه لمصلحته بالمقامرة مع الأثرياء. ورغم مهارته عانى من خسائر فادحة شأنه شأن كل مقامر؛ ما أجبره على رهن عقارات عائليّة في اسكتلندا لسداد ديون قماره. كما طُرِد من البندقيّة وجنوَة. لكنه أقام صداقة مع الشاب الملكي (دوق أورليانز) وريث حاكم فرنسا قبل هروبه من باريس.

ألّف سلسلة من الكتب والنشرات التي تُعزّز أفكاره الراديكاليّة حول كيفيّة تنظيم نقود البلاد؛ فأرسى - في مقالة عن البنك العقاري والنقود والتجارة - آفاقاً جديدة في النظريّة الاقتصاديّة، وحدّد وظائف النقد، واستخدم تحليل العرض والطلب لشرح (تناقض القيمة)؛ كتفسيره ظاهرة رُخص المياه وارتفاع سعر الالماس، وأطلق (نظريّة نُدرة القيمة)، وأدرك أنّ تغيير عرض النقد يُحدث تغييرات حقيقيّة في الاقتصاد، واعتبر أنّ خلق النقد من شأنه أنْ يُحفِّز الاقتصاد، وأنّ النقود الورقيّة أفضل من المعدنيّة، كما اعتبر السندات شكلاً من أشكال النقد العليا لأنّها تُحقّق أرباحاً.

أدّت الحروب التي شنّها الملك الفرنسي (لويس الرّابع عشر) إلى انهيار الاقتصاد الفرنسي، فنقصت المعادن الثمينة ونقصت القِطع النقديّة المتداولة، ما أدّى لإِنتاج قِطع نقديّة جديدة. ومع وفاة الملك (لويس الرابع عشر)، كانت فرنسا على وشك الإِفلاس؛ فحكومتها مدينة بثلاثة مليارات ليرة (العُملة الفرنسيّة آنداك)، ولم تتمكّن حينئذٍ من تحصيل سوى ١٤٢ مليون ليرة كضرائب. فأحلام الملك التوسعيّة زادت الحاجة إلى مزيد من أموال الخزينة التي لا طاقة لها بتحملها؛ فالحروب المتتالية والإنفاق على مظاهر الترف والسلطان، أدّيا إلى ابتلاع كل ما كان يدخل الخزينة من أموال.

تولى (دوق أورلانز) مقاليد الحكم بعد وفاة (لويس الرابع عشر)، وتذكر أفكار صديقه (جون لو) الطموحة لتحويل النظام النّقدي؛ فاستدعاه إلى باريس. كان (جون لو) قد حاول إقناع حكومة اسكتلندا، ثمّ ولاية سكسونيا لإصدار نقود ورقية جديدة تدعمها أراضي البلاد، لكنّه لم ينجح في ذلك، لكن حاكم فرنسا الجديد - وبسبب يئسه - كان أكثر تقبُّلاً للأمر؛ فأقنعه (جون لو) بأنّ عرض النقود المعدنيّة في فرنسا مقيّد، وأنّ توسيع عرض النقود بعملة ورقيّة جديدة من شأنه أنْ يُحفِّز التجارة والعمالة. مما سمح لـ (جون لو) تطبيق مخططه على نطاق صغير.

فبدأ بإِنشاء (بنك جنرال)، وأصدر ستة ملايين ليرة من الأوراق النقديّة، مدعومة بشكل جزئي. ولأنّ السلطات كانت تقطع العملة الفرنسيّة وتحررها باستمرار؛ فسرعان ما تم تداول النقد الورقي عند ١٦٪ علاوة على قيمتها الاسميّة. ثمّ فتح البنك فروعاً له في جميع أنحاء فرنسا وتمّ توسيع نطاق نظام الائتمان الورقي في جميع أنحاء البلاد؛ فازدادت التجارة وراجت حال العمالة. وهذا ما أعجب الحاكم الجديد.

ثمّ اقترح (جون لو) مخططاً أكثر طموحاً، ففي ذلك الوقت، كانت فرنسا تُسيطر على أراضي نهر المسيسيبي التي تضم ولايات لويزيانا، والميسيسيبي، وأركنساس، وميسوري، وإلينوي، وأيوا، وويسكونسن ومينيسوتا، وكانت مناطق قليلة السكان. فاقترح (جون لو) إِنشاء شركة ومنحها احتكار التجارة في الإقليم الجديد، وأيّد خطته الحاكم الجديد، فكانت ولادة (شركة المسيسيبي) عام ١٧١٧م.

كانت سلطة ونفوذ (جون لو) تنمو بازدياد، فعيّنه الحاكم الجديد مراقبا ماليا عاما، ما جعله ثاني أقوى رجل في فرنسا بحكم الأمر الواقع. وعززت الشركات التجاريّة في الهند الشرقيّة وكندا والصين شركته في المسيسيبي، فاحتكر جميع التجارة الفرنسيّة خارج أوروبا. وبحلول عام ١٧٢٠م كان قدْ جمع الشركات التجاريّة الفرنسيّة ومزارع التبغ والنعناع والشركات الضريبيّة والديون الوطنيّة الفرنسيّة ومصرفاً شبه مركزي تحت مجموعة عملاقة تعرف باسم (شركة المسيسيبي). ومن هذه المنصة المصرفيّة الجديدة، تمكّن (جون لو) متابعة الشركات الاحتكاريّة من خلال قيام فرنسا بتمويل ١٠٠ مليون ليرة على شكل أسهم. وتمّ تمويل مؤسّسة الميسيسيبي، التي سميّت لاحقاً بشركة الغرب، وأصبحت في نهاية المطاف جزءاً من شركة جزر الهند، التي تمّ تمويلها بنفس الطريقة التي قام بها البنك.

القشّة التي قصمت ظهر البعير والفُقاعة التي أنهت جميع الفقاعات

كانت فرنسا قريبة من الإفلاس، وباستخدام الهندسة الماليّة الجريئة التي هي في حقيقة الأمر احتيالاً مالياً، قام (جون لو) بتغيير كل ديون الحكومة الفرنسيّة ذات العائد المرتفع مقابل حقوق ملكيّة في (شركة المسيسيبي). ولم يجرِ أي شيءٍ مماثل على هذا المستوى؛ فقدْ أطلقت الموارد التي لا حدود لها من الإمبراطوريّة الفرنسيّة الجديدة الطلب على أسهم الشركة في فرنسا وعبر أوروبا.

وقدْ تمّ الاكتتاب في الإِصدار الأول، الذي كان ٥٥٠ ليرة للسهم الواحد، وسرعان ما كان يتداول عند ضعف السعر. وقدْ صدرت أسهم لاحقة عند ١٠٠٠ ليرة ثم ٥٠٠٠ ليرة. وأدّى التداول في أسهم (شركة المسيسيبي) إلى واحدة من أكبر هوس المُضاربة في التاريخ؛ فتحقّقت ثروات هائلة بين عشيّةٍ وضُحاها ويعتقد أنّ كلمة (المليونير) نشأت من تجار (شركة الميسيسيبي). وتقريباً فإنّ كل عضو واحد من الأرستقراطيّة الفرنسيّة كان يشارك في شراء أو بيع أسهم الميسيسيبي. ولمْ يكن المستثمرون الأثرياء فقط متورِّطون، بل هرع كثير من الناس من كل فئات المجتمع الفرنسي للانخراط فيها. ويبدو أنّ ثروة (جون لو) قدْ طمست القواعد العاديّة للحياة الاقتصاديّة.

كانت نظريّة (جون لو) حول النقد غير مكتملة؛ فتمّ تجاهل تأثير إِصدار ملايين الحصص على عرض النقد، وعلى التضخم. وازداد النقد والقطع النقديّة المتداولة بنسبة ١٨٦٪ بعد طرح الشركة، وبحلول يناير ١٧٢٠م، ارتفعت الأسعار بنسبة ٢٣٪ شهريا، ليشهد الاقتصاد تضخماً كبيراً.

إثر ذلك فقدَ(جون لو) السيطرة على مخططه؛ فاقترح خفض حصص مجموعة الشركات تدريجياً بنسبة ٥٠٪ على مدى أشهر، وكان هذا الاقتراح هو الذي أنهى القصة برمّتها؛ فانهار كل شيء، وذهبت الثروة التي جمعها (جون لو)؛ بعد أنْ دمّر أمّة بأسرها.

يبدو أنّ السياسات الماليّة هي مربط الفرس، وأنّ مُنقذها هي السياسات النقديّة المتهم الأول في إحداث الأزمات، بوصفها الحل السحري للحكومات وقادتها، ثم سرعان ما تنعكس من جديد على السياسات الماليّة بفرض الضرائب لتغطية عجز موازناتها، لتصب جميع الآثار في نهاية المطاف على السياسات الاقتصاديّة فتعود الكرّة لتظهر على شكل أزمة طاحنة تذهب بكل شيء.

إن (جون لو) حلّ قضية نقص النقود بإصدار نقد ورقي يغطي العجز المزمن للموازنة، فتداولها الناس بأكثر من قيمتها لحاجتهم لنقود تيسر حالهم ولتوقعهم بأنّها مجال للمضاربة وللاستثمار فيها، ما أحدث تضخُّماً في الاقتصاد من خلال انتعاش صوري آني، ثم سرعان ما توجهت أفكار (جون لو) نحو إِنشاء شركة مُتعدِّدة الجنسيّات فباع أسهُمها بأضعاف القيمة المصدرة لأنّها اعتمدت على تجارة احتكاريّة ميزتها عن مثيلاتها من الشركات، لكن التضخم تتالت نسب ارتفاعه معبِّرة عن زيادة كمية النقد المتداول، ولكبح جماح هذه العلّة، بدأ (جون لو) باستهلاك أسهم الشركة التي كانت في مرحلة سابقة هي الحلّ، فاسترد بعضها، ما أحدث ضعف ثقة عند حاملي تلك الأسهم وما سبقها من أدوات نقديّة فانهار العملاق (شركة المسيسيبي) وتبعه انهيار ثروات من استثمر فيها؛ فكانت كالنار التي تأكل بعضها بعضاً، ليُسدل الستار على أوّل أزمة عرفها النظام التقليدي؛ بانهيار اقتصاد دولة كبيرة، وانهيار شركات كثيرة ذات علاقة باقتصادها.

ثمّ تتابعت الأزمات العالميّة بنفس الطريقة والصورة، فالنَّهم والجشع والشره أمراض ماليّة عند الحكومات يجعلها تتوسع في الإِنفاق الترفي والتبذيري دون ضابط، وتتوّسع أيضاً في حروب طاحنة، ولا يشبع ذلك إلا فساد نقدي من خلال حلول عقيمة مؤذية مُدمِّرة، ثمّ يتم اللجوء من جديد إلى السياسات الماليّة والاقتصاديّة لترميم آثار تلك الأمراض لفترة وجيزة من الزمن، ليرسو كل شيء في النهاية في مستنقع نتن لا يبقي ولا يذر.

إنّ الحضارة الإسلاميّة التي سادت أكبر بقعة جغرافيّة في التاريخ وكانت الأموال فيها كثيرة كثيرة، لمْ تشهد مثل هذه الأزمات الطاحنة التي أصابت النظام التقليدي خلال قرونه الثلاثة الأخيرة التي ظهر فيها هذا النظام مراراً وتكراراً.

وهل منْ حلّ اقتصادي إسلامي؟

لقدْ أرست الشريعة الإسلاميّة اقتصاداً منضبطاً، ففي مجال السياسات العامّة اعتمد بيت المال على نظريّة الإيرادات لا نظريّة النفقات (راجع كلمتنا الافتتاحيّة للعدد السابع: كفاءة بيت المال لاعتماده نظريّة الإيرادات، وكلمتنا الافتتاحيّة للعدد الثاني عشر: وزيرا ماليّة واقتصاد يسألان).

وتوجّهت هذه الشريعة نحو المتنفذين من الناس ونحو الحكام الضِعاف بنهيهم عن أكل أموال الناس وحقوقهم من خلال اللجوء إلى الحيل الماليّة مُغلقة بذلك باب فساد عظيم؛ هو في حقيقته مدخل كل فساد إداري واقتصادي، قال الله تعالى في سورة البقرة: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١٨٨﴾. ولقد ذكر التاريخ حرص وعفة كثير من الخلفاء في عدم تجرؤهم على الأموال العامّة لفهمهم العميق للدور الاقتصادي لهذا السلوك.

لقدْ بدا في قصة (جون لو) أنّ سلوك الحاكم والحكومة سلوك خاطئ اعتمد التوسع في الانفاق وذلك لـ:

-      إِرضاء شهوات سلطة حاكمة مالت نحو الترف والتبذير،

-      وإِرضاء رغبات حاكم شن حروباً طاحنة،

ثمّ ظهر شخص (أو أشخاص أو مدرسة) قدّموا حلولاً بدا أنها كذلك في المدى المنظور، ثمّ ما لبثت أنْ ظهرت عورتها في المدى الطويل، وكان سلوك الناس سلوك إمعة - يُسمى بسياسة القطيع في البورصات، فالكبش الكبير الذي يسير في المقدمة يقود القطيع فيذهبون وراءه دون تفكير ووعي -. ثم عند السقوط يسقط الجميع بلا استثناء، لقد ثبت في المدى الطويل أن الغش والخداع والتلاعب بالمصالح على أسس احتياليّة مؤداه خراب الجميع، لقد لحق الحاكم غراباً أوصله إلى الخراب. لقدْ غير المرسوم الملكي الصادر في الخامس من مايو ١٧١٦ عالم النقود إلى الأبد، وهو ما عُرف بمقترح (جون لو) لطباعة النقود.

 

حماة (حماها الله) ٢٩ شعبان ١٤٣٨هـ الموافق ٢٥ أيار/مايو ٢٠١٧

 

المراجع:

- سيان كيس، (جون لو: المقامر الذي كسر فرنسا)، ١٢-٤-٢٠١٢، مجلة MoneyWeek، رابط.

- موسوعة الويكيبيديا، رابط.