العدد الحالي: مايو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

نقد وتصنيف وتنميط الصكوك

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

كل الآراء في «أيوفي»

«معيرة أسواق الصكوك وتجانسها» كان موضوع الجلسة الأولى لمؤتمر «أيوفي» الدولي (مؤتمر العمل المصرفي والمالي الإسلامي) الذي عقد في 6 و7 ديسمبر من هذا العام 2015.

وكان موضوع التصنيف حاضرًا في الجلسة الثالثة وعنوانها «التطوير المستمر للصكوك السياديّة».

 وكذلك الجلسة الرابعة وعنوانها «التصنيف الشرعي في الصناعة الماليّة الإسلاميّة وآليّات التصنيف».

وفي هذه الجلسات الثلاث كان النقد جسرًا للعبور إلى التصنيف أو أن التصنيف كان طريقًا للعودة إلى النقد، فبدا الأمران متلازمين شكلًا ومضمونًا.

في سبيل التوصل إلى معيار دولي شرعي

في سبيل التوصل إلى معيار دولي شرعي ينتظم داخله كل تطبيقات الصكوك الإسلامية يتطلب الأمر تهذيب الاختلافات بين هذه التطبيقات، وعلى وجه التحديد تجنب الآراء التي كثر الجدل حولها، وتمت مناقشتها في أكثر من مناسبة مجمعية، وصدر بشأنها بيان مهم من المجلس الشرعي في «أيوفي» بعد التصريح الشهير لسماحة الشيخ تقي عثماني رئيس المجلس الشرعي في عام 2008 بشأن عدم شرعية نسبة 85% من صكوك المضاربة والمشاركة والوكالة. وبعد تهذيب هذه الاختلافات إلى الحد التي تكون في إطار الاختلافات الشرعية المعتبرة، ويبدو من المقبول شرعًا بناء التطبيقات على أي منها، فإن من الملائم بعد ذلك تنميط تلك الاختلافات في معيار شرعي دولي ينظمها جميعًا.

التوصل إلى الهدف المنشود

في سبيل التوصل إلى هذا الهدف المنشود قام الزميل الدكتور أسيد كيلاني بعرض ورقته التي تفصل أوجه النقد العديدة للصكوك، غير أن هذا أشعر بعض الجمهور، بأن الهدف هو النقد، فبادر فضيلة الدكتور حسين حامد حسان عضو المجلس الشرعي في «أيوفي»، إلى التنبيه إلى وجاهة النقد، وأنه لا ينبغي أن يفهم البعض بأننا نحرم الصكوك التي صدرت وأن الهيئات الشرعية قد أجازت التعامل بالفائدة، أو أن الناس الذين استثمروا في الصكوك قد استثمروا في سندات ربوية سميت باسم الصكوك الإسلامية.

ظن بعض الحضور والمتابعين أيضًا أن هناك تناقضًا بين من يجلس في المنصة سواء صاحب الورقة الدكتور أسيد، أو رئيس الجلسة الشيخ تقي العثماني صاحب التصريح الشهير السابق، ولكن الحقيقة هي خلاف ذلك؛ فالجميع متفقون على صحة النقد، وأن الصكوك التي سبقت تمت باجتهاد، غير أن المقصود الانتقال إلى مرحلة أكثر توافقًا، تسمح باتساع مساحة القبول الشرعي لهذه الصكوك التي أصبحت واحدة من أقوى وأهم الأدوات المالية الإسلامية على المستوى الدولي.

رأي يجمع بين كل الآراء

يؤيد هذا الرأي الذي يجمع بين كل الآراء ما ورد في بحث قدمه فضيلة الدكتور حسين حامد حسان لمؤتمر الهيئات الشرعية في «أيوفي» جمع فيه الملاحظات التي سبق وأبداها سماحة الشيخ العثماني في بحث سابق له حول الصكوك، وعلق عليها بما يفيد توافق الآراء على مضمون النقد. يقول دكتور حسين حامد حسان في تعليقه: «لقد ذكر فضيلة الشيخ تقي عثماني خصائص الصكوك وجميع الأوراق المالية الإسلامية التي تميزت بها عن سندات الدَّين، ثم أثبت بالأدلة والنماذج العملية الخروج (أي خروج الصكوك) عليها».

 ويتابع الدكتور حسين التعليق بقوله: «وأنا وإن كنت أتفق في الجملة إلا أني أرى من الضروري أن أشير إلى حقيقة هامة، وهي أن اجتماع هذه المخالفات جمعيها في الصكوك (عدم تمثيل بعضها لحقوق ملكية، وتعهد بالشراء بالقيمة الاسمية، وتحديد الربح بمؤشر الفائدة، والالتزام بمنح ما يزيد على سعر الفائدة حافزًا لمدير الصكوك، مقابل التزامه بمنح قرض لحملة الصكوك قد يسترده)؛ إن اجتماع كل هذه؛ تجعل الصكوك مناقضة للشريعة قطعًا، حتى إذا تبرَّرَ بعض هذه المخالفات بتخريجها أو قيامها على فروع أخرى، أو الاكتفاء بالاستدلال بحكم الأصل وهو الإباحة أو القواعد العامة، مثل الاستدلال على الوعد بالشراء بأنه لا يساوي ضمان الهلاك والتلف، إلا أن اجتماع هذه العناصر تقطع بأنها نوع من سندات الدين».

 ويقول أيضًا: «قد يُستدلُّ على صحة إلزام مدير الصكوك بالعائد المتوقع في دراسة الجدوى بناء على أن المؤسسة المالية قدمت التمويل معتمدة على هذه الدراسة، فتلزمه به على أساس أن المبدأ القائل بأن التغرير بالقول كالتغرير بالفعل يوجب الضمان.. ومن هنا فإني أتفق معه في أن اجتماع هذه المخالفات يحول الصكوك إلى سندات دين، ولكن أدرس هذه المخالفات واحدة واحدة للوصول إلى الحكم على الصكوك إذا تخلف بعض الخصائص دون بعض». اهـ

اتفاق على وجود محل للنقد والاعتراض

بهذا نتجاوز مسألة النقد، وأن كل الآراء متفقة على وجود محل للنقد والاعتراض على تطبيقات الصكوك، غير أنه من غير المتفق عليه هو الحكم على أن تلك التطبيقات التي تضمنت بعض جوانب النقد لها حكم سندات الدين التقليدية الربوية. والعمل متوجه إلى العمل لمستقبل أفضل وعدم النظر إلى الماضي، هكذا أيضًا كان توجه مجمع الفقه الإسلامي الدولي عندما ناقش صكوك الموجودات المؤجرة التي صدرت على أصول مملوكة للمؤجر، ونص قرار المجمع على أنه لا يشمل الحكم على التطبيقات السابقة.

هذا الأمر من الواضحات لدى أهل الاختصاص، ولدى العاملين في المؤسسات الداعمة والمؤسسات والبنوك الإسلامية، غير أن جمهور الباحثين والمتعاملين قد يلتبس عليهم فلزم وضع الاختلاف في وجهات النظر في مساره الصحيح علميًا.

التنميط والتصنيف الشرعي للصكوك

هناك محاولات دائمًا لأحداث نقلة نوعية على مستوى التطبيق للوصول إلى التنميط والتصنيف الشرعي المنشود للصكوك. لا يوجد بالضرورة ترابط بين المصطلحين غير أن وجود التنميط ربما سيسهل عملية التصنيف.

ما هو التنميط المنشود؟

 التنميط المنشود هو أن تكون جميع الصيغ الممكن تطبيقها في الواقع مؤطرة بمعايير شرعية ومحاسبية ائتمانية، وعلى سبيل المثال لو كان لدينا عشرين صيغة تطبيقية للصكوك في الواقع، فإنه لا بد أن تعود كل هذه الصيغ إلى المعايير المعتمدة من جهات الإشرافية ذات العلاقة. ويمكن أن يطلق على التنميط مصطلح «معيرة» وهي كلمة مشتقة من معيار، أي جعل تطبيقات الصكوك كلها ضمن المعيار المعتمدة. هذا كان موضوع الجلسة الأولى «معيرة الصكوك وتجانسها»، في مؤتمر أيوفي الدولي في 6 و7 ديسمبر.

 أطلقت أيوفي مشروعها لمعيرة الصكوك بحيث يتم تطوير المعيار الشرعي رقم 17 ليكون معيارًا شاملاً تنمط فيه كل التطبيقات، وقد استعرض الزميل الدكتور أسيدكيلانيالمراحل الأساسية لهذه المشروع والتي تتمثل في ضرورة تحديد المفهوم العام للصكوك، ثم الضوابط والموجهات الشرعية العامة، ثم الهياكل العامة في ضوء تلك الضوابط، ثم العقود التي تبنى على ذلك. وقد قدم لنجاح عملية التنميط بأن يتم حسم تلك القضايا الأكثر جدلاً على مستوى التطبيق ويأتي في مقدمتها: تسجيل الأصول محل الصكوك، مسؤولية حملة الصكوك عن مخاطر الأصول، تحديد مرجعية القانون.

تصنيف الصكوك

تصنيف الصكوك لم يطرح بشكل مباشر ضمن جلسات أيوفي الخاصة بالصكوك، وما طرح في الجلسة الرابعة هو تصنيف المؤسسات نفسها وليس المنتجات وأطلق عليه تصنيف الحوكمة، واختلفت وجهات النظر حوله، وكان الرأي المؤيد لتصنيف المؤسسات يصب في دعم أعمال الوكالة الدولية الإسلامية للتصنيف في مملكة البحرين، والتي تقوم على معاييرها للتصنيف على التأكد من تحقق شروط الحوكمة الشرعية للمؤسسة المالية الإسلامية وإعطاء المؤسسة درجة معينة وفقًا لسلم التصنيف بناء على ذلك.

ومن أبرز المفردات، الهيئة الشرعية، التدقيق الشرعي، نظام الرقابة الشرعية الداخلية، آليات عمل الهيئة الشرعية والتدقيق الشرعي دون التدخل في النتائج الخاصة بهما.

أيّهما أهم التصنيف الشرعي للمنتجات أو تصنيف الحوكمة للمؤسسات؟

أما التصنيف الشرعي للمنتجات يبدو أنه أهم من تصنيف الحوكمة للمؤسسات، لكن الجلسة جعلته محل تنازع وتجاذب بين المتداخلين، وهو في الحقيقة كان موضوع الهيئة الشرعية للرقابة والتصنيف التي أسسها المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية بالتعاون مع البنك الإسلامية للتنمية في عام 2008 وهي متوقفة لأسباب تتعلق بالتمويل، وهناك جهود لإعادة بعثها من جديد، كان لي جهد في تقديم الدراسة الأولية للمعايير الشرعية لتصنيف المنتجات، وفي تطوير نموذج سلم درجات التصنيف، وقد نوه الزميل الدكتور عز الدين خوجة بجهد هذه الهيئة وعملها حيث كان أحد المتداخلين على المنصة في الجلسة المذكورة. وتصنيف المنتجات يشمل الصكوك لأنها من المنتجات المالية الإسلامية.

6. استهدف التصنيف الشرعي تعزيز فكرة أن يكون للحلال درجات، ومن ثم دفع التطبيقات إلى المنافسة فيما بينها باتجاه الصيغ الشرعية والآليات التي تحظى بأعلى درجة في التصنيف الشرعي. كانت هذه الفكرة مهمة جدًا للتحول الطوعي نحو الصيغ الشرعية التي تحظى بالقبول الشرعية بأريحية كبيرة ودون اختلافات فقهية كبيرة في الآراء بشأن شرعيتها.

وقد اعتمد التصنيف الشرعي على ثلاثة محاور رئيسة، تستند في جوهرها على مقاصد الشريعة.

·               المحور الأول: الباعث على العقد وتحريم الحيل.

·               المحور الثاني: بنية أو هيكل العقد، ويمكن تسميته بمقصود العقد أو مقتضاه.

·               المحور الثالث: مآل العقد وسد الذرائع.

وقد تم وضع معايير تفصيلية تحت كل محور ومؤشرات لقياس تلك المعايير يقابل كل مؤشر وزنًا نسبيًا في نموذج التصنيف. لا يستهدف نموذج تصنيف المنتجات أن ينظر في المنتجات الربوية المحرمة، وفي الوقت نفسه ينظر إلى كل المنتجات التي صدرت باجتهاد فقهي بأنها حلال، غير أن هذا الحلال تختلف درجته تبعًا لتحقيقه تلك المؤشرات المشار إليها.

ومن ثم يعتقد أن تحظى صكوك الإجارة القائمة على أصول مملوكة للمصدر على تصنيف شرعي متدني إذا كانت تقوم على آليات مترابطة تعزز صورية ملكية حملة الصكوك للأصول وتحول بين حملة الصكوك وتحملهم لمخاطر الأصول فضلاً عن الوعود الملزمة التي تؤول إلى تعزيز صيغة بيع الوفاء في هيكل الصكوك. بينما ستحصل صكوك الإجارة التي تقوم على أصول جديدة على تصنيف شرعي مرتفع. وهكذا. ومن شأن هذا التصنيف أن يدفع طوعيًا التطبيقات للخروج من الصيغ ذات التصنيف الشرعي المتدني.

التعليق

تصنيف الحوكمة للمؤسسات أو التصنيف الشرعي للمنتجات لم يأخذ مكانته المنشودة حتى الآن على مستوى الصناعة، لأسباب منها عدم الحافز لدى المؤسسات بصفة عامة، وعدم إدراكها للنفع الذي يمكن أن يعود عليها إذا ما حصلت على هذا التصنيف، ولذا لا يمكن القول بوجود فاعلية لهذا التصنيف في الوقت الحالي على مستوى الصناعة، أيضًا التصنيف الائتماني من جهات وكالات التصنيف الإسلامية لا يحظى بالجاذبية الكافية وتوليد الحافز للمؤسسات للحصول عليها، في ظل سيطرة وكالات التصنيف الدولية مثل موديز وستاندرز آند بورز وغيرها على هذا التصنيف.

التنميط والتصنيف من أكبر التحديات الحالية والمستقبلية التي تعمل الصناعة المالية الإسلامية على مواجهتها، وهما المدخل إلى الحضور العالمي، وإلى تحقيق الفهم المشترك للصناعة المالية الإسلامية على مستوى اللاعبين في السوق الدولية من مؤسسات دولية ودول جاذبة للمالية الإسلامية.