العدد الحالي: يونيو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مُقدِّمة في الصكوك

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

لِماذا الصكوك ؟

سؤال هام خاصّة عند المقارنة بالأسهم، والتمويل المجمع، وصناديق الاستثمار، وكثيراً ما يستدعي ذلك أسئلة عن الفروق بين الصكوك وتلك الأدوات الاستثماريّة لما يوجد بينها من مساحات مشتركة.

 أقصر الطُرق للإِجابة على هذا السؤال هو أنَّ الصكوك بديل عن السندات التقليديّة طويلة الأجل أو قصيرة الأجل كأذون الخِزانة. والهدف الأساس منها تمويل الشركات والحكومات. وهذا الهدف كاف لفهم تميُّز الصكوك عن باقي الأدوات.

لا تستهدف زيادة رأس المال

الصكوك كأداة تمويليّة للشركات لا تستهدِف زيادة رأس مال الشركات، وإِنّما تعظيم أرباح حملة الأسهم عن طريق ما يُسمّى بالرافعة الماليّة (leverage)، والتي تعني في التطبيق التقليدي التمول أو الاقتراض على قوّة رأس المال. وبهذا تختلف عن الأسهم والتي تعني زيادة رأس المال.

لا تستهدف نقل مُلكيّة أصول الحكومات

الصكوك كأداة تمويل للحكومات لا تستهدِف نقل مُلكيّة أصول الحكومات إلى حملة الصكوك؛ لأنَّ هذا نوع من الخصخصة، أو الخوصصة؛ لأنّ الصكوك تستهدف التمول مع الإِبقاء على ملكيّة الأصول للحكومات سواء أكان التمويل لتشغيل مشروعات الحكومة أو تلبية احتياجاتها الاستهلاكيّة، أمَّا بيع الأصول الحكوميّة أو الخصخصة فيستهدف التخلص من المشروعات والممتلكات الحكوميّة.

الجنوح بالصكوك إلى الخصخصة

أي جنوح بالصكوك إلى الخصخصة يُفقِد الصكوك جوهرها من الناحية الفنية، وأي تحايل على الخصخصة باستخدام الأصول الحكوميّة في التمويل يحشر الصكوك في إِشكالات شرعيّة جوهريّة هي محور الانحرافات الحاليّة في الصكوك.

الفرق بين الصكوك وصناديق الاستثمار

وتختلف الصكوك عن صناديق الاستثمار لأنَّ الصناديق لا تجمع الأموال بهدف التمويل، وإِنّما تستهدف الاستثمار في تملك المشروعات كتملك الشركات كلياً أو جزئياً، وتملك الأصول وتشغليها، وهذا بخلاف الصكوك التي يكون التملك فيها كمتطلب شرعي فقط وليس غرضاً استثمارياً.

الصكوك والتمويل المُجمَّع

وتتَّفِق الصكوك مع أداة التمويل المجمع من حيث الهدف التمويلي، حيث إنَّ حجم التمويل الضخم يستدعي أن تشترك عدة بنوك في عمليّة التمويل كتمويل محطّة كهرباء كما حدث في عدد من حالات التمويل في السعوديّة، ويُمكن تحقيق الهدف التمويلي عن طريق الصكوك أو التمويل المجمع غير أنّ الميّزة التي تنفرد بها الصكوك في هذه الحال هو التداول وهو أمر جوهري في الصكوك ويسمح بتسهيل عمليّة التسييلوالتخارج بالبيع في سوق الأوراق الماليّة.
بالإِضافة إلى ذلك تتضمَّن الصكوك ميَّزات إِضافيّة عن التمويل المجمع من حيث كونها تسمح بأحجام ماليّة أكبر، وتوسيع دائرة المشاركة من الممولين بشكل أكبر، كما تسمح بتنوع المشاركين في التمويل فيمكن أنْ يكونوا أفراداً أو شركات أو بنوكاً بينما ينحصر التمويل المجمع بين البنوك كما هو مشاهد في أغلب التطبيقات.

الصكوك والسندات وأذون الخِزانة الربويّة

تختلف الصكوك عن السندات وأذون الخِزانة الربويّة أنَّ الصكوك تعتمد في التمويل عقداً شرعياً غير القرض الربوي، وربَّما يكون هذا العقد بيعاً أو إِجارة، أو شركة.

القضايا الرئيسة في هيكلة الصكوك

تمرُّ الصكوك بثلاث مراحل رئيسة، مرحلة الإِصدار، ومرحلة التداول ومرحلة التصفية والإِطفاء، وسيتم تناول القضايا الرئيسة للصكوك في مراحلها الثلاثة.

الطرح الأولي

 يقوم مصدر الصكوك بِطرح الصكوك للاكتتاب في السوق الأولي، وفق آليّات الطرح المعتادة من خلال وكلاء البيع، وذلك بِهدف تجميع القيمة النقديّة الاسميّة لكل الصكوك المطروحة للاكتتاب أو رأس مال الصكوك. وفي أغلب التطبيقات يتم إنشاء شركة ذات غرض خاص تمثل حملة الصكوك كطرف ممول.

عقد الإِصدار

العلاقة بين حملة الصكوك دائماً هي الشركة أو المشاركة، كالعلاقة بين حملة الأسهم في الشركات المساهمة، فهم شركاء في الغنم، والغرم، بقدر حصصهم في هذه الشركة، أمّا العلاقة العقديّة بين حملة الصكوك في مجموعهم (وتُمثِّلهم الشركة ذات الغرض الخاص) والمصدر فهي التي تُحدّد نوع الصكوك هل هي بيع أو إِجارة أو مُضاربة أو شركة.

فإن كانت العلاقة بيعاً أو إِجارةً فتشترى بالقيمة النقديّة للصكوك أعيانٌ قابلة للبيع أو الإِجارة المنتهية بالتمليك، وإنْ كانت مضاربة يتم استثمار القيمة النقديّة في مجال نشاط المصدر الْمُتمول. ومن ثم يكون حملةُ الصكوك طرفاً بائعاً بالأجل، أو مؤجراً، أو ربَّ مال، ويكون المصدر مشترياً، أو مُستأجراً، أو مضارباً.

الإِطفاء

جميع أنواع الصكوك لها عمر للإِطفاء واسترجاع القيمة الاسميّة للصكوك بالإِضافة للعوائد التي يتم تحصيلها خلال فترة الإِصدار أو عمر الصكوك. ويتم إِطفاؤها بانتهاء أجل البيع، أو الإِجارة، أو الوقت المحدد لتصفية المضاربة المؤقَّتة.

مخاطر رأس المال

صكوك البيع أرجى أنواع الصكوك لاسترداد قيمتها الاسميّة؛ لأنّها مجرد دين في ذمة المصدر، أمَّا صكوك الإِجارة إذا تلفت الأعيان المؤجرة خسرت الصكوك قيمتها، فإنْ سلمت أمكن استرداد قيمتها الاسميّة عند الإِطفاء بشراء المُصْدر للأعيان، أمَّا صكوك المضاربة فيخضع استرجاع قيمتها الاسميّة لقيمة أصول المضاربة السوقيّة عند التصفية، فقدْ تكون أكثر أو أقل أو تساوي القيمة الاسميّة التي تمَّ تجميعها عند الاكتتاب.

عائِد الصكوك

العائِد الدوري لصكوك البيع والإجارة سيكون قسطًا دورياً ثابتاً، والأصل في عائِد المضاربة أنْ يكون عند التصفية، لكن يجوز أنْ يتم توزيع عوائد دوريّة ثابتة على حساب الربح في المضاربة، وتتم المحاسبة عليها عند التصفية أو الإطفاء في نهاية عمر المضاربة.

الضمان

تتعرّض الصكوك من حين الإِصدار إلى حين الإِطفاء لمخاطر تُهدِّد نجاح الإِصدار، أو خسارة القيمة الاسميّة للصكوك، ومن أبرز الضمانات المستخدمة لتجنب فشل الإصدار هو وجود متعهد الاكتتاب ابتداءً في طرح الصكوك، ويتعهَّد بأنْ يشتري الصكوك التي لمْ يتم الاكتتاب فيها من قبل جمهور المكتتبين  المستهدفين.
أمّا ضمان القيمة الاسميّة للصكوك فيتم ضمانها في البيع من قبل المصدر بصفته مشترياً لأنَّها دين في ذمَّته، وفي الإِجارة يتعهَّد بِشراء الأصل بقيمته الاسميّة في نهاية فترة الإجارة، أمَّا في المضاربة فلا يجوز للمضارب ضمان القيمة الاسميّة للصكوك أو رأس المال، والمقترح الأكثر قبولاً من الناحية الشرعيّة بالرغم من عدم واقعيّته هو تبرع طرف ثالث بضمان رأس المال.

التداول

أغلب الصكوك المصدَرة يتمْ إِدراجها في سوق الأوراق الماليّة، ويتم تداولها طبقاً لآليّات التداول المعتادة للأسهم، غير أنَّه هنا قيود شرعيّة على التداول تحدُّ من إِدراج بعض الصكوك بغرض التداول. فصكوك البيع تُمثِّل في الجملة ديونًا وهذا ينطبق على صكوك المرابحة أو صكوك السلم أو صكوك الاستصناع ومن ثم لا يجوز تداولها إلّا بضوابط بيع الدين. وصكوك الإجارة تمثل أعياناً مؤجّرة، ويجوز تداولها بسعر السوق، وأمّا صكوك المضاربة فتُمثِّل خلطة من الأعيان والديون والنقود، ويجوز تداولها بسعر السوق بشرط أنْ تبلغ الأعيان 33% فأكثر من إجمالي الخلطة. وهذا ما يُفسِّر نُدرة إِصدار صكوك البيع لأهميّة التداول، ومحدوديّة إِصدار صكوك المضاربة لارتفاع مخاطر الأصل، وكثرة إِصدارات صكوك الإِجارة للتداول ودرجة المخاطر المتوسِّطة.