العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

قِراءة في التغيير الهيكلي بين تقرير صندوق النقد الدولي (آفاق الاقتصاد العالمي) (أبريل ٢٠١٧) وكلمة مُديره العام كريستين لاغارد (التكنولوجيا الماليّة) (مارس ٢٠١٧)

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

أشارَ تقرير صندوق النقد الدولي المتعلق بِـ (آفاق الاقتصاد العالي) والصادر في أبريل ٢٠١٧ إلى أنّ الاقتصاد العالمي يعيش تعافياً بطيئاً.

وعزا التقرير تفاوت النمو خِلال السنوات العشر الماضية بين الدول الغنيّة والأقل نمواً إلى تفاوت النمو الكُلِّي بين تلك البلدان، وكذا تفاوت الدخل بين أفراد كل منها، ورد التقرير سبب عدم المساواة إلى التجارة الدوليّة، وبالضبط إلى التغيُّرات التكنولوجيّة، هذا إنَّ أمكن الفصل بين مفهوم التقدم التكنولوجي الذي يُسهِّل التجارة، والتجارة نفسها التي تنشر المعرفة التكنولوجية. لذلك حمّل التقرير (القِوى التكنولوجية والتجارة) مسؤوليّة انخفاض حصّة العمالة من الدخل القومي بصورة مباشرة، على الرغم من تأثر هذه الحصة إِيجاباً لتحسن الدخول الحقيقيّة بسبب نمو الإِنتاجيّة السريع. وبرأينا فإنّ هذا النمو يصب في مصلحة أصحاب رؤوس الأموال وليس في مصلحة العمال.

ثمَّ استنتج التقرير أنَّ تزامُن (انخفاض حصّة العمالة، وركود متوسط الدخول، وزيادة سوء توزيع الدخول) يُرتِّب ضغوطاً سياسيَّةً تدفع إلى التراجع عن الاندماج الاقتصادي مع الشركاء التجاريّين.

وبرأينا فإنّ هذا الاستنتاج إِشارة واضحة للحركة الانفصاليّة العالميّة؛ كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وتقوقع الاقتصاد الأمريكي؛ برفعهِ سعر الفائدة مغايراً السياسات العالميّة في خفضِها، الأمر الذي سيرفع سعر صرف الدولار؛ ما سيؤثِّر سلباً على الدول ذات الاقتصادات الضعيفة. وإِنَّ ما سبق يُكرِّس عدم المساواة بين الدول، كما بين أفرادها، ويُفسَّر تراجع العولمة نحو القوميّة، ومن ذلك زيادة احتمال استلام التيَّارات السياسيّة اليمينيّة للحكم في بلدان كانت تصف نفسها بغير ذلك كفرنسا وهولندا. لذلك بدأت دول كثيرة بتحويل سياساتها نحو الداخل، وانتِهاج سياسات حمائيّة، ممَّا يعني بنهاية الأمر تراجُع التجارة، وانخِفاض التدفُقات الاستثماريّة العابرة للحدود. وإِنَّ الاستسلام لهذه السياسات مؤديَّة لمزيد من التضخم بسبب ارتفاع الأسعار، ومزيد من انخفاض الإِنتاجيّة، وصولاً لتدهور الدخول بصورة أكبر.

فما المخرج مِن تلك الضغوط؟

يرى التقرير أنّ الحل يكمُن في انتهاج الحكومات لسياسات تجاريّة تحقق أقصى إِنتاجيّة، ثمّ تطبيق سياسات داخليّة عادلة لمكاسب التجارة الخارجيّة.

لكنَّ هذه النصائح لا تمس الدول الفقيرة لأنَّ هكذا سياسات تُمثِّل وصفة للدول الغنيّة التي لديها قُدرات إِنتاجيّة قابلة للتوسع عاموديَّاً وأُفقيّاً، ولديها إِمكانيّة ولوج عالم التجارة الخارجيّة. لذلك نجدُ أنَّ التقرير سرعان ما يعترف بأنَّ هذه السياسة انتقائيّة تُراعي مصالح بعض البلدان المعنيّة. لذلك فإِنَّ الحل المشار إليه يُعزَّز أيضاً عدم المساواة التي بنى التقرير رؤيته على توصيفها للمراحل التي سبقت آفاق الاقتصاد العالمي، وكأنَّ التقرير قدْ فسَّر الماء بعد الجهد بالماء.

ثمّ ينتقل التقرير إلى طرح مزيد من الحلول، فيُطالب صُنّاع السياسات بإِحداث تغييرات هيكليّة اقتصاديّة لمقابلة مُتطلَّبات بيئة الاستثمارات الجديدة، فيرُكَّز على الموارد البشريّة وسوق عملها بمزيد من الاستثمار في قطّاع التعليم، وزيادة تصاعديّة الضرائب، وإِحداث تغيُّرات في أسواق الإسكان، وفي سوق الائتمان التي تُساعد على تسيير حركيّة قطّاع العمالة.

إِنَّ حزمة الحلول الأولى قدْ طرقت باب الأغنياء مُعترفة بالمحافظة على عدم المساواة كما أوضحنا، أمَّا حزمة الحلول الثانية فقدْ طرقت باب الطبقة الأقل شأناً في الاقتصاد فراهنت على رفع سويَّتها الاقتصاديّة لزيادة مُعدَّلات إِنفاقها لتحريك عجلة الأسواق؛ فهذه طبقات تميل نحو الاستهلاك لكفاية حاجاتها الضرورية، كما تُخفي هذه الحزمة من الحلول اقتراح أداة امتصاص ما قدْ يفيضُ عن طبقة العمال بفرض زيادة تصاعديّة الضرائب عليها. وكأنَّ واضع الحلول لا يستطيع أنْ يشيح بنظره عن مصالح طبقة الأغنياء من دول وأفراد.

إنّ المخاطر المحدقة في آفاق الاقتصاد العالمي في المدى المتوسط ترجَّح كفَّة التطورات السلبيّة، لذلك ناشدَ التقرير الولايات المتَّحدة والصين لإِلغاء دعمها المقدَّم لسياساتهما الانفراديّة، وهذا لنْ يحصل إِلّا إِنّ شعرت تلك القوى الاقتصاديّة العُظمى بمنافع تخصُّ بلادها دون غيرها.

كما وثق التقرير عدم مواكبة الأجور للإِنتاجية في كثير من الاقتصادات في العقود الثلاثة الماضية، ما خفض حصَّة العمالة من الدخل القومي، وكما ذكرنا فقدْ عزا التقرير ذلك (للتغير التكنولوجي والاندماج التجاري) وكلاهما من محرِّكات النمو على المديين المتوسط والطويل.

وبرأينا فإنَّ أفضل ما أشار إليه تقرير صندوق النقد الدولي هو مطالبته صناع السيّاسات بإِحداث تغييرات هيكليّة اقتصاديّة لمقابلة متطلَّبات بيئة الاستثمارات الجديدة، والمقصود بذلك قطاّع الموارد البشريّة وسوق عملها.

ويُمكن تلمس ذلك بتتبع كلمة ألقتها (كريستين لاغارد) مُدير عام صندوق النقد الدولي في القمّة العالميّة للحكومات لعام ٢٠١٧ في دبي بتاريخ ٢٤-٣-٢٠١٧؛ أي قبل أسابيع من نشر التقرير السابق ذكره، تناولت فيها (التكنولوجيا الماليّة) ومتسائلة عمّا إذا كان هذا التوجه يؤذن بدخول عالم جديد شجاع للقطّاع المالي؟

فالتكنولوجيا تُغيّر الأعمال وبيئاتها، فالزراعة والصناعة والخدمات بمُختلف أشكالها قدْ دخلتها التقنيّات وأثَّرت في طبيعتها وجعلت أدواتها مختلفة تماما عمّا كانت قبل سنواتٍ قليلةٍ، ومن عزف عن تلك التقنيّات فقدْ عرّض نفسه وعمله لخطر الخروج من السوق، والأمثلة كثيرة جداً. ويبدو أنَّ التكنولوجيا الماليّة هي الأكثر تأثُّراً وتغيُّراً؛ حتَّى باتَ مُصطلح fintechالذي يختصر كلمتي التكنولوجيا والماليّة، شعار المرحلة الحاليّة. وازدياد استثمارات التكنولوجيا الماليّة بِمقدار أربعة أضعاف من ٢٠١٠ إلى ٢٠١٥ حتّى أصبحت ١٩ مليار دولار سنوياً دليل واضح على أنَّ عالم المال والأعمال يقِف على مرحلة جديدة تماماً، كما ذكرتْ مديرة صندوق النقد الدولي.

إِنّ قطاع التكنولوجيا يعتمد على العنصر البشري، لذلك وجب على الحكومات أنْ تُعير هذا القطاع أهميّة مُميَّزة في هيكليّة قطّاعاتها، وأنْ تمنحه ما يلزم لتطويره والمحافظة عليه، فمنصَّات العمل على الإِنترنيت غيّرت مفاهيم العمل وقدْ أشرنا لذلك في مقال سابق. كما أن تبادل الخبرات واكتسابها لمْ يعُدْ يحدُّه حدود بل إِنَّ الذكاء التقني والمالي يتطوّر بسبب امتزاج العلوم بعضها ببعض، وتمكُّن الناس من مُمارسة ما كان صعباً عليهم بسبب حدود جُغرافيّة وسياسيّة وايديولوجيّة فرضت أشكالاً مُعيّنة من التعامل صارت بالية انقرضت أمام تقنيّات وسائل التواصل.

فالعملة الافتراضيّة قد فرضت نفسها على المؤسَّسات الدوليّة، ونشأت طُرق جديدة لجمع المال بما يُعرَف بالتمويل التحشيدي أو الجماهيري Crowed Fundingوصار له منصات تخصُّه، أمّا تطور وسائل الدفع فقد أزاح عمالقة وأدخل آخرين وزاد من صعوبات المنظِمين في الدول في ضبط حركة الأموال وتمييز جيدها من سيئها، بل

 
   


دخلت أموال كانت توصف بأنَّها خارج الدورة الماليّة الرسميّة إلى التبادل، فلتحركت بسرعة كبيرة وتكلفة مُنخفِضة.

 

أمام ذلك أطلقت مُديرة صندوق الدولي دعوتها للتفكير بصورة أكثر ابتكاراً لدراسة الكيفية التي سيتغيَّر إليها العالم المالي في ظل التغير التكنولوجي.

فهل سيكون التغيير كاملاً في وقت أقصر ممّا نتوقعه؟

وهل ستختفي البنوك لتحلّ محلّها نُظُم ماليّة قائمة على سلاسل مجموعات البيانات blockchainالتي تُسهِّل المعاملات بين المتعاملين؟

وهل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليل الحاجة للمهنيّين المدربين؟

وهل ستستطيع الآلات الذكيّة تقديم مشورة ماليّة أفضل للمستثمرين؟

وهل سيتمكّن المنظمون من السيطرة على المخاطر الجديدة؟ كاستخدام العملات الافتراضيّة المشفَّرة في تحويلات مجهولة المصدر عبر الحدود؟ أو هل سيتمكنون من السيطرة على مُقدمي الخدمات الماليّة الجدد بما يملكونه من قُدرات تقنيّة وفنيّة وماليّة؟

لقدْ قارنت مُديرة صندوق النقد الدولي بشجاعة بين تطبيق نوع من التنظيم والرقابة على اللوغاريتمات التي تقوم عليها التكنولجيّات الجديدة، أو وقف العمل التنظيمي مؤقّتاً لإِعطاء التكنولوجيا الجديدة الوقت اللازم لتتطّور للسماح لقوى الابتكار بأنْ تساهم في تخفيض المخاطر وتعظيم المنافع؟

وبرأينا فإنّ إِثارة هكذا تساؤل صريح من قبل مُديرة أكبر مؤسَّسة ماليّة دوليّة أمر يثير الاعجاب في تلك الوقفة الشجاعة فعلاً، ولا غرابة في أنْ تكون كلمتها بعنوان: التكنولوجيا الماليّةهل تؤْذِن بعالم جديد شجاع للقطّاع المالي؟ وقدْ أشرنا سابقاً في كلمة افتتاحيّة للعدد (٤٠) بمقال عنوانه: شجاعة التغيير تغيير الشجعانأنَّ الشُّجعان الذين يتَّخِذونَ القرارات الشجاعةهُم المغيّرون الحقيقيّون.

ويبدو أنّ بعض الدول الابتكاريّة قدْ أقدمت على حلول أفضل ممّا ذهبت إليه مُديرة الصندوق الدولي، حيث ذكرت في كلمتها أنَّ بعض البلدان اعتمد منهجاً ابتكارياً بعيد النظر في المجال التنظيمي بإِنشاء مُختبرات التكنولوجيا الماليّة (fintech sandboxes)، كالمختبر التنظيمي (Regulatory Laboratory) في أبو ظبي ومختبر رقابة التكنولوجيا الماليّة (Fintech Supervisory Sandbox) في هونغ كونغ، بهدف تشجيع الابتكار والسماح بتطوير التكنولوجيّات الجديدة واختبارها في بيئة خاضعة للرّقابة الدقيقة.

إِنّها رشاقة الابتكار التي صارت تحدٍ يخسره غير المبتكرين كما المتأخرين في قبوله.

 

حماة (حماها الله) ٢٧-٠٧-١٤٣٨ هـ الموافق ٢٣-٠٤-٢٠١٧ م