العدد الحالي: سبتمبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

ضوابط الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي

د محمد عوده العمايده

مدير إذاعة القرآن الكريم بالأردن

لقد خلقَ اللهُ سبحانه وتعالى البشرَ، واستخلفَهم في هذا الكونِ لِعمارته، وعبادة اللهِ وَحْدَهَ، ولن يستطيع الإنسانُ تحقيقَ العمارة وعبادةَ الله إلّا إذا قامت حياتُه، ولن تقومَ حياتُه إلّا بالاستهلاك وإشباع حاجاتِه؛ إلّا أنّ للإسلامِ الحنيفِ نظرةً خاصَّةً في (مفهوم الاستهلاك وجُزئيَّاتِه) تختلف عن نظرةِ غيره من الأنظمة الوضعية؛ بل إن له نظرةً مُميِّزة ومفهوماً خاصَّاً لِلسِلَع والخدمات ولِلعقلانية والمنافع ينطلقُ من إيمان المسلم بعيداً عن الحرام وطلباً للحلال؛ ولذلك كان هنالك بعضُ (السِّلع والخدمات والمنافع) المعتبَرة في الاقتصاد الوضعـي وتلبِّي إشباعاً لا أساسَ لها في الإسلامِ لِمُخالفَتها قواعدَ الشريعة الإسلامية، ويُعتبَر إشباعُ الحاجاتِ في الشريعة الإسلامية ـ إن كان في الحلالِ ـ، عِبادةً يُؤجَرُ عليها المسلمُ، وهناك ضـوابطُ للاستهلاك في الإسلام بما يضمنُ سلامةَ نَفْسِ الإنسان وعَقْلِه ونَسلِه ودِينه، وعلى المسلم أن يُراعي هذه الضوابطَ في استهلاكِه.

تعرّفُ السلعةُ اقتصاديَّاً بأنها :كُلّ شيءٍ يُحقِّقُ منفعةً أو إشباعاً لِمَن يستخدِمُه[1]، أمّا في الإسلامِ فيُقصَد بالسلعة تلك التي تحقِّقُ منفعةً حقيقيّة أو إشباعاً حقيقيّاً مُتَّفِقا مع قاعدةِ الحلال والحرام[2]، وتُقسَّم السِّلَع في الإسلام وفقاً للعديد من الاعتباراتِ، أهمُّها:

أوّلاً: من حيث موافقتُها لأحكامِ الشريعة ومُخالفتُها تُقسَّم إلى (طيِّباتٍ وخبائثَ)، تُقسم إلى:

أ_ السِّلَعِ الطَّيِّبة: وهي "الموادُّ النافعة الخيِّرة الممنوحة من اللهِ للعباد؛ والتي يؤدِّي استعمالُها إلى تحسين منفعةٍ (مادية وأخلاقية ورُوحية) للمستهلِك"[3]، وذَوقِ المستهلِكين المسلِمين الذي يترتَّبُ عليه طلبُ السلعة وتفضيلاتُها ينضبطُ بقاعدةِ الحلال والحـرام والطِّيِّبات والخبائِث، فلا يستهلكُ السِّلَعَ المحرَّمة والخبيثة.

ب_ السِّلَعِ الخبيثة: يُقصَد بها تلك السِّلَعُ التي تُؤثِّر سلباً على جسم الإنسان والأخلاق والبيئة، ولا يُقْبِلُ عليها المستهلِكُ المسلِم -مَهما زادَ دخْلُه أو قَلَّ سِعُرها-؛ مِثل (لحم الخِنزير والخَمر)[4]، وينطلق الإسلامُ في تحريمه لبعض السلع واعتبارِهاخبيثةً من حِرصِه على حمايةِ (النفْس والمجتمع والعقيدة والبيئة) بشكلٍ عامٍّ، وحَرَّمَها سبحانه وتعالى ولم يجعلِ التحريمَ خاضعاً لمزاجِ البشر حتَى يبقى محرَّماً أبداً؛ إذ لو تُرِكَ الأمرُ لإرادة البشرَ لحصـلَ تغيُّرٌ حسبَ (الزمانِ والمكانِ)، والإسلامُ لا يَعْتَرِفُ أصلاً بالسِّلَعِ الخبيثة ولا يَعتبِرُ لها قيمةً أو منفعةً[5].

ثانيا: من حيث درجةُ أهمِّيَّتها، وتُقسم إلى (ضروريَّةٍ وكَماليَّةٍ): قسّم كُتّابُ الاقتصادِ الوضعي السِّلَع إلى سِلَعٍ (ضروريةٍ) وأُخْرى (كَمالِيَّة)، بينما اعتبرَ الفقهاءُ قِسماً آخرَ وهو (السِّلَعُ الحاجيَّة)[6]؛ حيث أصبحت السلعُ (ضروريّةً و حاجيَّة وكماليَّة)، قاصِدينَ بذلك أنّ السِّلَعَ (الضرورية) هي التي لا تقوم حياةُ الناسِ بِدُونِها، و(الحاجيَّةُ) هي تلك التي يُمكِـنُ تحمُّلُ الحياةِ بِدُونها؛ ولكن بمَشقَّةٍ، و(الكماليَّةُ) الزائدةُ.

أ_السِّلَعُ الضروريةُ: وهي تلك السِّلَعُ التي لا يُمكِنُ قيامُ الحياة ودَوامُها بدونها؛ كـ(المأكل والملبس والمشرب والمسكن)، ويرى شيخُ الإسلام/من هو؟؟؟؟ أنّ هذه السلَع ضروريةً، وعلى الدولةِ أن تعملَ على تأمينِها للمستهلِكينَ إمَّا بـ(زيادة الإنتاج أو الاستيراد)، وإذا لم يَتحقـَّق ذلك يُجْبِرُ وليُّ الأمْرِ مُنتِجي تلك السلع والخدمات على إنتاجِها. بِـ(لا ضَرَرٍ ولا إضرار ).

ب_ السِّلَعُ الكماليّةُ: وهي التي يُمكِنُ أن تسير الحياةُ دونها، ويُمكِنُ الاستغناءُ عنها؛ ولكنَّ الحياةَ معها أفضلُ.

تفترضُ النُّظُمُ الاقتصادية الوضعية أنَّ المستهلِكَ يسعى للحصولِ على أقصى دَرَجةٍ من الإشباع لحاجاتِه ضِمْنَ دَخْلِه، على افتراضِ أنَّ سُلوُكَه رشيدٌ، قاصِدينَ بالرّشدِ القُدْرَةَ على إشباع أقصى درجةٍ من الحاجات ضِمْنَ الدخْل المتاحِ والمفاضلةِ بين الحاجات، أمّا في الإسلامِ الحنيفِ فأنَّ الرّشدَ يَرْتَكِزُ _أيضاً- على ركائزَ أُخرى غيرِ مَوجُودةٍ في النظام الوضعيّ منها؛* أنَّ غايةَ الإنسان هي عبادةُ اللهِ، وليس مجرَّدَ إشباع الحاجات، و* أنّ الإنسان في نَظرِ الإسلام مُكَوَّنٌ من (عقْل وجسْم وروْح)؛ فالجسمُ يحتاج إلى إشباع شهواتِه من (الأكل والشرب والجنس)، ولكنْ له عقلٌ يُوضحُ ويُبيِّن له طريقَ الخير وطريق الشرِّ، وبعد ذلك يُبيِّن له أفضلَ الطُّرُقِ لإشباع الحاجات، وله كذلك رُوحٌ يستلهِم منها المسلمُ سُلوكَه في إشباع حاجاتِه،

والمحصِّلةُ أنّ العقلانية "الرّشد" في الاقتصاد الوضعيّ تعتمد على الجانب المادِّيِّ فقط، أمّا في الإسلام فهي تربط بين أمرَين هما المادة والعقيدة؛ وذلك لأنفالإسلام لا يقوم إلّا على الأصول العَقَدِيَّةِ/؟؟؟؟ والتعبديةوا  والتعبُّديَّة) والأخلاقية التي يتكون منها الدين الإسلامي، والاقتصادُ جزءٌ من المعاملاتِ المالية التي هي جزءٌ من جوانبِ الدِّين بشكلٍ عامٍّ، وبمعنى أعمّ: فأن الرشد الاقتصادي في الإسلام مرتبط بالرشد الإيماني[7]. وتقوم العقلانية "الرّشد" في الاقتصاد الإسلامي على جانبَين:

1: الجانبِ الذاتيِّ: ويَتمثَّلُ في التزامِ الفرد المسلم عند الاستهلاك بـ(العقيدة وتعاليم القُرآن الكريم وسُنَّة رسولِه مُحمَّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم.

2: الجانبِ الموضوعيّ: ويتمثَّلُ في تنفيذ وليِّ الأمرِ للأحكام والتعاليم في مجال الاستهلاك المنبثقة عن القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية؛ فمَثلاً: أعطى الإسلامُ الحقَّ لِولي الأمر بالحجْرِ على السَّفِيه، ومنعَ استهلاكَ السِّلَعِ المحرَّمةِ، وإجبارَ الباعة على بيعِ السِّلَع الضرورية للناس، والتدخُّل في كلِّ ما مِن شأنه أن يُحقِّقَ الكفاءةَ في عدالة التوزيع والمستوى الاستهلاكيِّ المناسب لِظُروف المجتمع[8].

ويكون سلوكُ المستهلِك وتصرُّفاتُه رشيداً إذا ما تحقَّق فيه العناصِرُ الآتية:

1: تحقيقُ النفْعِ للمسلِم: فإذا كانت السلعةُ تُحقِّق منفعةً للمستهلك المسلم، فإنّ الرّشد يدفعُه إلى استهلاكِها إذا توافرت العناصرُ الأُخرى.

2: الالتزامُ بالحلالِ والحرام واعتمادُ الخير والبُعدُ عن الشَّرِّ؛ أيّ: التزامَ قاعدةِ الحلال والحرام في الاستهلاك، وقاعدةِ عدم الإضرار بالنفْس أو الآخَرين أو العقيدة.

3: أهليَّةُ المستهلِك؛ أيّ: أنْ يكـون عاقلاً ومُدْرِكاً لِما يقومُ به من أعمالٍ وتصرُّفاتٍ؛ فالمسلِمُ الرشيد في سُلُوكِه هو الذي يُنْفِقُ ويَسْتَهْلِكُ ما ينفعُه -لا ما يضرُّه- مُعتمِداً على عَقْلِه ودِينه.

المنفعةُ:تُعرَّفُ المنفعةُ بأنها "قوَّةٌ خفيَّة في الإشباع تستطيع أن تُوجَدَ لإشباع وسعادة الفرد، وهي المجموع الكُلِّيُّ للإشباعاتِ المختلفة التي يحصل عليها"[9]، وتختلف نظرةُ الإسلامِ الحنيف إلى المنافع عنها في الاقتصادِ الوضعي، وهذا الاختلافُ يظهر في الجوانب الآتية:

الجانبِ الأوّل: غاية المستهلك في الاقتصاد الوضعي تحقيقُ أقصى حدٍّ من المنافع دون قيدٍ ولا شرطٍ؛ إلّا دخله وذَوقه، بينما في الاقتصادِ الإسلامي المنافعُ وسيلةٌ لتحقيقِ (غايةٍ أسمى)؛ ألا وهي (عمارة الكون وعبادة الله) سُبحانَه وتعالى.

الجانبِ الثاني: المستهلِكُ في الاقتصاد الوضعيّ يُركِّزُ على جانبٍ واحد هو الجانب المادِّيّ؛ والمتمثِّل في (سِعر السلعة، وكميَّة المنفعة المتحقِّقة، ودرجة الإشباع) التي تُؤدِّيها فقط، أمّا في الاقتصاد الإسلامي فالمستهلِكُ يُركِّـزُ على جانبَينِ مُتلازِمَينِ هما الجانب المادّي -سالف الذِّكْر- والجانب الرُّوحيّ المتمثِّل في العقيدةِ وتعاليم الحلال والحرام في الإسلام[10].

وتختلفُ اهتماماتُ الاقتصادِ الوضعي عن الإسلام بالمنفعةِ وسُلوك المستهلك تُجاهها؛ فالاقتصادُ الوضعيّ يُركِّزُ على تَوازُنِ المستهلِك الذي يسعى لتحقيقِ أكْبَرِ قَدْرٍ من حاجاته على افتراضِ التعظيم؛ الذي يعني أنّ المستهلِكَ سيُوزِّع دَخْلَهُ على السِّلَعِ والخدماتِ المختلفة بِشَكلٍ يُحقِّقُ له أقصى مَنفعةٍ مُمكنَة، أمّا الإسلامُ فيُركِّزُ على توازُنِ سلوك المستهلك؛ الذي يعني التزامَ وتقيُّدَ المستهلك بقواعدَ ضابطةٍ للسلوك من أجْلِ الوفاء بمتطلَّباتِ التوازن (البيولوجيّ والحضاريّ)؛ ولذلك يُمكِنُ التعبيرُ عن إشباع الحاجات بمفهوم الوفاء بالحاجات كون الوفاء يحتملُ معنى الالتزامِ، ومعلومٌ أنّ الإنسانَ مُكلَّفٌ بالسعي من أجْلِ الوفـاء بحاجاتِه، وحتّى أبعدَ من ذلك فهو مُكلَّفٌ بالوفاءِ بحاجاتِ غَيرِه كمَن تَجِبُ عليه نفقةُ مَن يَعُولُه وواجبِ الفقراء والمساكين[11].

في الاقتصاد الوضعي المستهلِكُ يسعى إلى تعظيم منفعته؛ من خلال الحصول على أكبر قَدْرٍ من السِّلَع والخدمات التي تتَّفِقُ مع دَخْلِه والأسعار، ويَتحقَّقُ التوازنُ عندما تتساوى المنفعةُ الحدِّيَّة للنقودِ مع كُلِّ السِّلَع والخدمات التي يحصلُ عليها أو عند النقطة التي يُلامس فيها خطُّ الميزانية أحدَ مُنحنياتِ السواء، وحسب هذه النظرةِ فإنَّ كُلَّ مُستهْلِكٍ يُحقِّقُ توازُناُ مَهما كان دخْلُه؛ حتّى صاحِب الدخْل المتدنِّي

 الذي لا يستطيع تحصيلَ كُلَّ رغباتِه يُحقِّق التوازنَ عندما تتساوى المنفعةُ الحدِّيَّةُ للنقود، أو عندما يُلامِسُ خطُّ مِيزانيَّته أحدَ منحنياتِ السواء، أما في الإسلامِ الحنيفِ فيُعتبَر الدّخْلُ قيداً للتوازن إلى حدِّ الكفاية ؛ لأنَّ الإسلامَ الحنيفَ يكفلُ للأفراد حدَّ الكفاية؛ منخلال (الزكاة والصدقات التطوعية ووجوب النفقات والتكافل الاجتماعـيّ)؛ ممَّا يعني: أنّ المستهلِكَ المسلم صاحب الدخل المتدنِّي أقلّ من حدِّ الكفاية، إذا أُعطِيَ من (الزكاة أو أموال الصدقاتِ) فإنَّ خطَّ مِيزانيَّته المتدنِّي سيرتفعُ إلى خطٍّ أعلى حتَّى يَصِلَ إلى حدِّ الكفاية؛ بل وحتَّى المعدَمِين الذين لا يَملِكُونَ شيئاُ يرتفعُ خطُّ ميزانيَّتهِم إلى أعلى عند بُلوغِهم حدَّ الكفاية، وبذلك يكون الإسلامُ الحنيفُ قد وضعَ مسؤوليةً على الغنيِّ تُجاهَ الفقير، والقريبِ الغنيِّ تُجاهَ قريبِه الفقير[12].

ورغمَ أنّ العالِم الاقتصاديَّ (كارل منجر)[13] قد صاغ قانونَ "تعظيم المنفعة"، وقال: "كلَّما ازداد عددُ الوحدات التي يُمكِنُ للمستهلك الحصول عليها نَقصَتِ المنفعةُ التي تُضيفُها الوحدةُ الأخيرة إلى إشباع المستهلِك "[14]؛إلّا أنَّنا نَجِدُ أنّ شيخ الإسلام"ابنَ تيميَّةَ" -رحمهُ اللهُ-لَدَيهِ ما هو قريبٌ من ذلك[15]؛ حيث يقـولُ: "إذا عُرِفَ ذلك فرغبةُ الناسِ كثيرةُ الاختلافِ والتنوُّع، فإنها تختلفُ بِكَثرةِ المطلوب وقِلَّتِه؛ فعِند قِلَّتِه يُرْغَبُ فيه مالا يُرْغَبُ فيه عِند الكثْرةِ، وبحسبِ قِلَّةِ الحاجةِ وكثْرتِها وقوَّتها وضَعفِها"[16] فهو يُقرِّر أنّ درجة إشباع الوحدة القليلة وهي الأولى من السلعة أكثرُ من الوحدات الكثيرة اللاحقة؛ أيّ: إنّ السلعة كلَّما تناولها المستهلكُ فإنَّ درجة الإشباع التي تؤدِّيها تقلُّ، وقد استخدم "ابنُ تيميَّة" أسلوبَ (القياس الترتيبيّ أو التفضيلـيّ) بين السِّلَعِ، بينما يستخدمُ الاقتصادُ الوضعيّ أسلوبَ (القياس العدديّ المطلَق) الذي يقوم على قياسِ آثار (المنفعة أو اللَّذةِ) بحسب كميَّات النقود التي يكون المستهلكُ على استعدادٍ لِدَفْعِها من أجْلِ الحصول على السلعة[17].

يختلف الاقتصادُ الإسلامي عن الاقتصادِ الوضعي في نظرتِه لِسُلوك المستهلك؛ إذ في النظام الرأسمالي تسودُ قاعدةُ "سيادة المستهلك" التي تعني (حُرِّيَّةَ المستهلك في توزيع دَخْلِه بين السِّلَع والخدمات المختلفة حسب ما يريد دون "قيدٍ أو تدخُّلٍ" من الدولة)، وفي الاقتصادِ الاشتراكي فإنَّ الدولةَ هي التي تتولَّى التخطيطَ للإنتاج والاستهلاك سعياً لتحقيق المستوى المناسب للمجتمع حسب المـوارد المتاحة، فتسعَى لتوفير الحاجات الضرورية للمستهلِكين أوَّلاً بالسعر المناسب، أمَّا الاحتياجاتُ غير الضرورية فترفعُ سِعرَها؛ بهدف تحقيق دَعْمٍ مُناسبٍ للطاقة الإنتاجية للمجتمـع ومساعدة الدولة على القيامِ بواجباتها في النواحي الأُخرى، أمّا (الإسلامُ الحنيفُ فيجمعُ بين حُرِّيَّة الفرد المنبثقة من إيمانه والتزامه بقواعد الشريعـة الإسلامية وبين تدخُّلِ الدولة؛ لِلموازَنة بين مصالح الفرد والمجتمع ومصلحة الفرد والآخَرينَ)؛ فحُرِّيَّةُ الفردِ مُقيَّدةٌ ومُوجَّهةٌ؛ فهي مَبنيَّةٌ على التزامِ المستهلك بالسلوك القائم على الدِّين وتعاليمه وقيام الدولة أو ولي الأمر بتنفيذ ومتابعةِ هذه التعاليم في سلوك المستهلِكين[18]؛ ولذلك وضـعَ الإسلامُ الحنيفُ بعضَ الضوابطِ والقواعد للاستهلاك وهي ضوابطُ متكاملةٌ مع بعضِها وتعمل جَنْباً إلى جَنْبٍ، ومِن هذه الضوابط:

1.   يدعـو الإسلامُ الحنيفُ إلى استهلاكِ ما يُشْبِعُ حاجاتِ الفرد ومَن يَعُولُه؛ وذلك لأنّ اللهَ سبحانه وتعالى خلقَ الإنسان لِـ(عبادته وعمارة الكون)، وهذه لا تتمُّ إلّا بالاستهلاكِ والاستِقْواء على الحياة والعيش، وبما أنّ (عبادةَ اللهِ وعمارةَ الكون واجِبَتانِ)، فـ(ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا به فهــو واجبٌ).

2.   والضابطُ الثاني للاستهلاك هو وُجوبُ استهلاكِ السِّلع والخدمات الحلال والبُعدُ عن السِّلع والخدمات الحرام؛ إذ إن الإسلامَ الحنيفَ حَرَّمَ بعضَ السِّلَعِ والخدمات لإضرارها بـ(المستهلِك أو غيره أو بالمجتمع)، فعَلى المسلِم أن ينظرَ عند استهلاكه للسِّلَع إلى حِلِّها وحُرْمَتِها؛ فإنْ كانت حَراماً لا يجوزُ له استهلاكها، وبيّن "ابن تيميَّةَ" -رحمهُ اللهُ- أنَّ الرِّزْقَ والسِّلَع الاستهلاكية الأصلُ فيها الحلالُ، ولا تُعتبَرُ السلعةُ ذاتَ قيمةٍ إلّا إذا كانت حلالاً.

3.   الاعتدالُ في الاستهلاك وعدم الإسراف والتبذير، والإسراف "مجاوزة الحدِّ في إنفاق المال"[19] وللإسرافِ حالَتانِ:

الإنفاقُ في الحرام والإنفاقُ في المباحِ على وَجْـهٍ غَيرِ مَشروعٍ[20]، والتبذيرُ صَرْفُ المالِ في غير مواقعِه المعتبَرةِ عند العُقلاءِ، أو صرفُ المالِ في غيرِ ما ينفعُ في الدِّين أو الدُّنيا.

4.   عدمُ التقتيرِ والبُخل؛ فالإنسان يجب أن لا يبخلَ على نَفْسِه ويُقتِّرَ عليها ولا على مَن يعولُ أو تجبُ عليه نفقتُه ولا في سبيل اللهِ، والبُخل والشُّحُّ مرضٌ، وللبخلِ مِقياسٌ يُمكِنُ استخلاصُه من أحاديثِ المصطفى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؛ فهُنالك أربعةُ أمورٍ وأعمـالٍ وواجباتٍ مالية، مَن أدّاها انتفى عنه البُخْلُ، ومَن كان فيه واحدةٌ مِنها فهو بخيلٌ؛ ألا وهي:

*دَفْعُ ما يَتَرَتَّبُ عليه مِن زكاةِ أمواله، *وتقديمُ واجبِ الضِّيافة للضَّيفِ،* وَصِلَةُ الرَّحِم، *والتصدُّقُ على مَن وَقعَتْ له نائِبةٌ.



[1]- د. عبد الفتاح محمد فرح. السلع الاقتصادية طيِّبات وخبائث. مجلة الاقتصاد الإسلامي العدد 210 أيلول 1998م ص67.

[2]- عبد الستار إبراهيم رحيم الهيتي. الاستهلاك وضوابطه في الاقتصاد الإسلامي. رسالة  دكتوراه، مقدمة لمجلس كلية العلوم الإسلامية ـ جامعة بغداد ـ إشراف د. حمد الكبيسي ود. فاضل الحسب. شباط 1994م. ص 41

[3]- د. محمد منذر قحف. الاقتصاد الإسلامي. ص 60

[4]- د. حسين غانم. السلعة الخبيثة. مجلة الاقتصاد الإسلامي. العدد 23 شوال 1403هـ ص39.

[5]- عبد الستار إبراهيم رحيم الهيتي. الاستهلاك وضوابطه في الاقتصاد الإسلامي.ص45 ـ 47

[6]- يوسف كمال محمد. فقه الاقتصاد الإسلامي ص 68

[7]- د. حسين غانم. الإسلام والرشد الاقتصادي (1). مجلة الاقتصاد الإسلامي. العدد 44 رجب 1405هـ ص 36 ـ 44

[8]- عبد الستار إبراهيم رحيم الهيتي. الاستهلاك وضوابطه في الاقتصاد الإسلامي ص 162 ـ 179

[9]- د. كامل بكري. مبادئ الاقتصاد. ص 26

[10]- د. حسين غانم. سلوك المستهلك بين الإسلام والفكر الوضعي. مجلــة الاقتصاد الإسلامي. العدد 24 ذو القعدة 1403هـ ص 26 ـ 27

[11]- المرجع السابق. ص 28

[12]- المرجع السابق. ص 28 ـ 31

[13]- مؤسس المدرسة النمساوية في الاقتصاد، ( 1840 ـ 1921م )

[14]- د. علي حافظ منصور ود. محمد عبدالمنعم عفر. مبادئ الاقتصاد الجزئي. ص 93

[15]د. حسين غانم. ابن تيمية وقانون تناقص المنفعة. مجلة الاقتصاد الإسلامي. العدد 68 رجب 1407هـ ص29

[16]- ابن تيمية. الفتاوى. ج 29 ص 523 ـ 524

[17]- د. حسين غانم. ابن تيمية وقانون تناقص المنفعة. مجلة الاقتصاد الإسلامي. العدد 68 رجب 1407هـ ، ص29

[18]- د. محمد عبد المنعم عفر. الاقتصاد الإسلامي. ج1 ص 102 ـ 104

[19]- د. نزيه حمّاد. معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء. ص57

[20]- المرجع السابق. ص 57