العدد الحالي: مايو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

ترامب وإمكانُ إعادة قانون "جلاس ستيغال"

Dr. AbdelGadir Warsama Ghalib

Senior Legal Advisor & Head of Legal Dept, Bank of Bahrain & Kuwait – BBK Professor of Law, American University. Bahrain

لقد رأى العديدُ من قادة العمل (المصرفي والتجاري والصناعي) -قبل فترةٍ من السنينِ في أمريكة- توسيعَ نشاط أعمال البنوك وزيادةَ رساميلها ومِنحَها الصَّلاحيَّات للقيام بالعمليَّات المصرفية وكذلك الاستثمارية والتأمينية.

ولتحقيق هذا تمَّ عملٌ "لوبي" وسطَ رجالِ (السياسة والمال والتجارة والتشريع) وغيرهم؛ خاصَّةً وأنَّ مَنْحَ هذه الصلاحياتِ الواسعة للبنوك يحتاج إلى سياساتٍ جديدة مقرونة بتشريعاتٍ جديدة حتى تتحقَّقَ الفائدةُ.

ونجح "اللوبي" وتعدَّلتِ (القوانينُ والتشريعات) لتمكين القطاع المصرفي من تكوين كياناتٍ مصرفية كبيرة و"البنوك الشاملة"، التي تشملُ داخلَ سقْفِها ممارسةَ النشاطات المصرفية والاستثمارية والتأمينية.

ولقد تحقَّق هذا المرادُ بعد إصدار "قانون جرام ليتش بليلي لعام 1999" الذي ألغى بعضَ أحكامِ "قانون جلاس ستيغال" لعام 1933؛ والذي كان يمنعُ البنوكَ من ممارسةِ أيِّ نشاطٍ عدا المصرفيّ.

وظهر نجاحُ التوجُّهاتِ الجديدة، عند تطبيق الأحكام الصادرة وفقاً لقانون 1999 م وتحديداً عندما تمَّ تأسيسُ "سيتي جروب" كأكبر مجموعةٍ مصرفية في أمريكة؛ بل في العالم باندماج "سيتي بنك" مع "ترافيليرز جروب". وتبعَ هذا الاندماجُ حَراكاً كبيراً أدَّى لقيام وحداتٍ مصرفية عِملاقة في أمريكة وأوروبة واليابان بعدَ اندماجِ العديد من البنوك مع شركات الاستثمار والتأمين.

وخلال حِقْبَةٍ زمنيَّة بسيطة أصبح قيامُ المصارف العملاقة ذات القوَّة المالية والأيادي المتعدِّدة أمراً واقعاً ملموساً وحقيقةً قائمةً بِذاتها. ومن هذه التوجُّهاتِ الجديدة ظهرتِ "البنوكُ الشاملة" وأصبح لدَينا نظرةٌ جديدة تماماً لِمُمارسةِ العمل المصرفيّ.

كانت القوانينُ المصرفية وعلى رأسِها قانون "جلاس ستيغال" لا تسمحُ إطلاقاً للبنوك التجارية بمباشرة أعمال التأمين أو القيام بعمليات استثمارية مالية لصالِح العُملاء أو أعمال الوساطة في أسواق المال والبورصات، وكذلك كانت القوانينُ المصرفية تحظر هذه الممارساتِ تماماً؛ بل تتمُّ معاقبةُ البنوكِ التي تمارِسُها أو تقتربُ منها بأيِّ شكلٍ من الأشكال.

 ولكن تحقيقاً للتوجُّهاتِ وتفاعلاً مع النظرة الجديدة لتوسيع الممارَساتِ المصرفية، تمَّ إلغاءُ هذه القوانين المصرفية "المقيّدة" وأيضاً إلغاء ما صَدرَ بمَوجبِها من اللوائح والقرارات المكبَّلةِ للعمل المصرفي على حسبِ التعريف "الجديد" للمهنة المصرفية.

 ومِن هذا الواقع تمَّ انتهاجُ ما يُعرَفُ بـ(سياسةِ إلغاء القيود القانونية)كافّةً أو الـ (دي ريقيوليشن) التي تسعى جاهدةً لفتْح الأبواب أمام البنوكِ الشرهة للاندفاع الكامل لممارَسة العمل المصرفيِّ في الاتجاهات كافَّةً، والجري خلفَ الأرباحِ؛ حتَّى ولو كانت محفوفةً بالمخاطِر.

وبدأ السباقُ في المضمار الجديد على أشدُّه، وبدأت البنوكُ في ممارسة الأعمال المصرفية وأعمال التأمين والاستثمارات المالية تحت سَقْفٍ واحد وبرُخصةٍ واحدة. وصار العملُ المصرفيّ يسير في الاتجاهاتِ كافّةً وفيما هو منظورٌ أو غيرُ منظورٍ، فيما هو مضمونٌ أو غيرُ مضمونٍ، فيما هو معروفٌ أو غيرُ معروفٍ. وهكذا توسَّعتْ وتداخلتِ الأعمالُ المصرفية ممَّا أدّى لزيادة النشاطات وتشَّعُبها. ولكنْ وكما نَعلَمُ؛ فإنَّ لكلِّ فعلٍ ردَّ فعلٍ مُماثلٍ أو مُعاكسٍ، ومِن وراء هذه النشاطات المتعدِّدة كان ردُّ الفِعل ارتفاعَ وتيرةِ المخاطر المصرفية والمخاطر التشغيلية والمخاطر القانونية وغيره، وإضافةً لهذا الإخفاق في تنفيذ بعض المهامِّ.

وهذا الوضْعُ المصرفيّ الجديد نتجتْ عنه مخاطرُ جمَّةٌ ومتعدِّدة ليس للبنوك؛ وإنّما للصناعة المصرفية كُلِّها وأيضا للسُّلطاتِ (الإشرافية والرقابية) التي جابهتْ أوضاعاً جديدةً صعبةً وغيرَ مألوفةٍ لديها مِن قَبْلُ؛ لأنَّ جُلَّ اهتمامِها كان ينحصر في الممارَسات المصرفية "التقليدية" البحتة.

وبسبب الوضْع الجديد انفرط العِقْدُ في بعض الحالاتِ، ووقعَ المحظورُ، وفشلتْ بعضُ المشروعات، كما فشلَ بعضُ العُملاءِ؛ ممَّا أدَّى إلى حُدوثِ مشاكلَ (قانونيّة ومصرفيّة) قادت بِدَورها لظهور العديد من حالات (التعثُّرِ والمنازعات والقضايا)، وهذا بِدَوره حتماً سيقود إلى (صُعوباتٍ وخسائرَ تتبعُها الانهياراتُ) كما حدثَ في بعض الحالات؛ بسبب النشاط في الاستثماراتِ المالية وخسائر المشتقَّات والعقود المستقبلية ومتاهاتِ صناعة التأمين...

وكردِّ فِعْلٍ -أيضاً- للممارسات الجديدة تحت سقْف "البنوك الشاملة" وكنتيجةٍ لهذه الممارَساتِ، ظهرَ فشلُ العديدِ من البنوك وسقطت المؤسَّساتُ المصرفية العِملاقة تباعاً، وما حَدَثَ من (انهياراتٍ وإفلاسٍ) للكثير من البنوك العالَمية والأمريكية مثل "بنك جي بي مورجان" وليمان برذورز وغيرهم، ليس ببعيدٍ عن البال؛ خاصّةً وأنّ تلك الآثارَ السلبية ما زالت ملموسةً وحتى الآن تَعَضُّ بِنَواجذِها وتَغرزُ أنيابَها في الحركة الاقتصادية والاستثمارية في العالم قاطبةً، وسيستمرُّ هذا الوضْع النَّشاز إلى أوقاتٍ طويلة لا نرى حُدودَها في الأُفق القريب.

ولهذا نلحظُ القلقَ والتملمُل خوفاً ممّا حدثَ، وخوفاً أكثرَ من (المجهول أو مما قد يحدُث) في أيِّ وَقتٍ. وبدأ البحثُ عن المخارج من هذه الورطةِ التي جعلتِ العديدَ من البنوك العملاقة في مهبِّ الريح، ولدرجةٍ يصعبُ السيطرة عليها، أو أنَّ السيطرة عليها قد ينجمُ منها عواقبُ خطيرة. وكَرَدِّ فِعْلٍ مُباشر للانهيارات التي حدثت، هُناك من يُطالِب بالتدخُّل السريع وبالسُّبُلِ المتاحة كلها؛ بما فيها العمليات الجراحية السريعة لِبَعض البُنوك العِملاقة، والعمل على (تجزئتها وتقزيمها قدر المستطاع) وللدرجة التي تُمكِّن من السيطرة عليها عند الضرورة؛ لِمَنعِ الانهيار حتَّى لا تتكرَّر المآسي والانهياراتُ ثانيةً وثالثة... ومِن الملحوظ أنّ "ترامب" وعدَ أثناء حملتِه الانتخابية بالنظر الجادِّ في إعادة قانون "جلاس ستيغال" حتى تعود المصارفُ لصناعتها التقليدية، ولئلَّا تحدثَ انهياراتٌ جديدة تضرُّ بأمريكة، هذا ما وَعدَ به، فهل يفعله بعد أن أصبحَ رئيساً؟!

ومِن الملحوظ -كذلك- أنَّ مَن كانوا وراءَ قيام البنوك الشاملة والمؤسَّسات المالية العِملاقة الآن ينادُون بالعودة للماضي، ويُنادُون بوقْف نشاط "البنوك الشاملة" وتجزئتها والعودة للعمل المصرفي التقليدي كما كان سائداً. وهذا رأيُ أغلبيَّتِهم الآن، وكأنَّهم يقولونَ: "أعطِ الخُبزَ خبَّازَه"، وليعمل كُلٌّ في مجالِه، ولْيَعُدْ أهلُ الصناعة المصرفية لصنعتِهم الأصلية التي يعلمون أسرارَها ويكشفون سراديبَها.

وهذا ما سيُسهِّل مهمَّةَ "ترامب" إذا ما سعى لعودة قانون "جلاس ستيغال".

إنَّ العودةَ للعمل المصرفي التقليدي، التي يُنادي بها الكثيرون –الآن- بالرغم من الآراء المعاكِسة، بالضرورة ستُقلِّصُ عملَ البنوكِ العِملاقة، وهذا سيقود في نظرِهم إلى تجويد العمل وإتقانِه؛ بسبب التخصُّص المهنيّ؛ ممَّا سيُقلِّص مساحةَ المخاطر وما يأتي مِن خلْفِها من مصائبَ غيرِ حميدةٍ قد تقودُ إلى الخروج الكامل من العمل وإصدار شهادة الوفاة.

وعلى أيِّ حالٍ؛ فإنّ البُنوك العملاقة ما زالت قائمةً بالرغم من مُناداة العودة إلى "التقليدية". ومِن دون شك هُناك العديدُ من (الإيجابيّات والسلبيَّات) بالنسبة لكلٍّ من "البنوك الشاملة" أو "البنوك التقليدية". ولكنْ؛ حتَّى يتمَ الوصولُ للصيغة المثلى حول النوعية المصرفية الملائمة للبنوك في المستقبل المنظور، وفي أيِّ شكل من أشكالها، فلا بُدَّ أوَّلاً من الحِرص على (توفير التشريعات المصرفية الضرورية، والأيادي المتدرِّبة مع توفير الضمانات القانونية لتطبيق القوانين بالكفاءة المطلوبة والامتثال التامِّ لها مع تَوفُّرِ بدائل المراقبة والإشراف بالصُّورة المهنية السليمة).

 نأمُل أن تكونَ نظرتُنا لمستقبل المهنة المصرفية نابعةً من الواقع، وفي الوقت نفْسه، ممزوجةً بالمهنية العالية التي تُحقِّق المطلوبَ وفقَ الأُطر المهنية. وفي الأحوالِ كُلِّها، من الحِكمة أن تتمَّ الاستفادةُ من التجارِب سواء البنوك (التقليدية أو الشاملة)، ومهما كان مردودُها (سلباً أو إيجاباً، نجاحاً أو فشلاً)، والعاقلُ الفَطِنُ مَن يستفيدُ من التجارِب؛ لتحقيق الأفضل للمستقبل. فهَيَّا بنا لنعملَ مِن أجْلِ مهنةٍ مصرفية مُتجذِّرة وآمنة وسليمة؛ وبهذا بالضرورة سيتمّ دعمُ وتطوير النشاطات (التجارية والاقتصادية والاستثمارية) بِعَونِ الله وتوفيقه.