العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

كيف تتعامل البنوك التشاركية مع مشكلة تأخُّر الوفاء بالديون؟

فاطمة القنبوعي

طالبة باحثة في سلك الدكتوراه - كلية الحقوق - طنجة

يحظى موضوعُ البنوك التشاركية اليوم بأهميةٍ بالغة في المجتمع المغربي؛ إذ يُعتبَرُ صُدورُ القانونِ رقم 103.12 المتعلِّق بمؤسَّساتِ الإئتمان والهيئات المعتبَرة في حُكْمِها نقطةَ تحوُّلٍ في القطاع البنكي الوطني وبدايةَ مرحلةٍ جديدة تُساهِمُ في تمكين المالية الإسلامية وجَعْلِها حقيقةً واقعية؛ وذلك بدخولِ قانون البنوك التشاركية في المنظومة التشريعية المغربية ( الباب الثالث من قانون 103.12 ) بما يُؤسِّسُ لِمنتجاتٍ جديدة تُشكِّلُ ثورةً (رُوحيّة وخُلُقيّة).

وفي سبيلِ تأكيد رغبة المشرع المغربي الجادَّة في تنويع المشهد البنكي المغربي وكذا طمأنةِ انتظارات المواطنين في إقامة بنوكٍ تشاركية تُقدِّمُ (خدماتٍ ومنتجاتٍ) بنكية بما يَتَّفِقُ وتعاليمَ الشريعةِ الإسلامية، جاء ترخيصُ والي بنك المغرب لمجموعةٍ من البنوك التشاركية.

ورغمَ هذه الخُطوةٍ الجريئة؛ فإنَّ البنوكَ التشاركية في المغرِب تدورُ حولَها العديدُ من علاماتِ الاستفهام تجعلُها عُرضَةً للمشاكل والصعوبات.

وتُعدُّ مشكلةُ تأخُّرِ سِداد الديون من أهمِّ المشاكل التي يتداولها المغارِبةُ، فإذا كانت البنوكُ التقليدية تُعالِجُ مشكلةَ الديونِ المتأخِّرة من خلال حَبْسِ فوائدَ عن كلِّ دَينٍ يتأخَّر سِدادُه؛ بل و(تزدادُ وتتضاعفُ) هذه الفوائدُ كلَّما تأخَّرَ وفاءُ الدَّينِ؛ فإنَّه في المقابل نجدُ البنوكَ التشاركية لن تستطيعَ معالجةَ هذه المشكلة بالطريقةِ نفْسِها؛ لأنها (طريقةٌ مُحرَّمةٌ؛ لِما تحتوي مِن رباً صريحٍ لا يُنكِرُ حُرمتَهُ واحدٌ من المسلمينَ).

وأمام هذا الوضع كان من الواجب البحث عن أسبابِ المشكل وآثارِه السلبية، ومِن ثمَّ إيجاد حُلولٍ مشروعة وكافية لحلِّ هذا المشكِل.

تَتعدَّدُ الأسبابُ التي تحولُ دونَ سِداد الديون وبالتالي تأخيرِها، ويُمكِنُ إجمالُها في الآتي:

إفلاسُ المَدِينِ وإعسارُه:والإعسارُ أن لا يكونَ للعميلِ المدينِ أموالٌ معلومةٌ يسدُّ بها دَينَه، أو له أموالٌ؛ ولكن لا تكفي لسِداد دُيونِه، وحتَّى يُحْكَم بأنَّه مُعْسِرٌ، يجب أن يثبتَ إعسارُه بالأدلَّة، أو يُصَّدِقُه الدائنونَ.

فإن لم يَثْبُتْ إعسارُه بالأدلَّة، ولم يُصدِّقْه الدائنونَ لا يُعتبَرُ قضاءً مُفْلِساً، ومِن حقِّ الدائن أنْ يَحبِسَ المدينَ غير المفلِس؛ وذلك عن طريق القضاءِ، فيَحبسَ المدينَ حتَّى يُسدِّدَ الدَينَ الذي حان أجلُ وفائِه أو يَثْبُتَ إعسارُه وفي هذا قال تعالى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ )البقرة 280.

مُماطَلةُ المَدينِ الغنيِّ: فالمدِينُ له مال ٌكافٍ، وقادرٌ على الوفاءٍ؛ ولكنَّه يُماطِلُ في وَفاءِ الدَّين.

ولَرُبَّما ماطلَ؛ لأنَّه يعلمُ أنَّ البنكَ التشاركي لن يفرضَ عليه فَوائِدَ، ولنْ يتّخِذ ضِدَّه إجراءاتٍ مناسبةً تُجبِرُه على السِّدادِ، فيُماطِلَ في السِّدادِ؛ ليستفيدَ من هذه المديونية في استثمارٍ يستفيدُ مِنهُ وحدَه دون البنكِ التشاركي.

ولا شكَّ أنَّ (المماطَلةَ عملٌ محرَّم وظُلْمٌ كبيرٌ)، وهناك عواملُ تساعدُ على تحقيق أحد العامِلين أو كليهِما هي:

1.            عدمُ أخْذِ البنك لِضَماناتٍ كافية تضمنُ وفاءَ المدِين في الوقت المحدَّد من دون تأخيرٍ؛ مِثل (الكفالة، والرهن، وتوثيق الدَّين).

2.            التقصيرُ في دراسة المشاريع بشكلٍ كافٍ، وعدمُ دراسة الجدوى الإقتصادية لها والربْحُ المتوقَّع منه.

3.             عدمُ توفيرِ الطواقمِ الكافية المؤهَّلة (الشرعية والقانونية) التي تحفظُ للبنكِ التشاركي حقَّه عِندَ كُلِّ تعاملٍ.

وينجمُ عن تحقُّقِ هذه الأسباب آثارٌ سلبية تُهدِّدُ (نشاطاتِ ومعاملاتِ) البنك التشاركي تَتمثَّلُ في:

·               تأخُّرِ سِداد الدُّيون يحرمُ البنك التشاركي من المبالِغ المدِينة وعوائدها، ومِن استثمارها خلال فترةِ التأخير.

·               يُقلِّلُ من فُرَصِ التمويل للعُملاءِ؛ بسبب الخوف من التأخُّرِ في السِّدادِ؛ حيث يقتصرُ إعطاءُ هذه الفُرَصِ لفئةٍ من الناس لديهِم ضماناتٌ كثيرةٌ ورُهوناتٌ لا يستطيعُ تقديمها إلّا هذه الفئة، وهذا ما يُخفِّفُ من نشاطِ البنك التشاركي ويجعلُه مُقتصِراً على فئةٍ من الأغنياء فقط، وهذا ما يتعارضُ مع مقاصد إنشاء البنوك التشاركية.

·               قيامُ البنوك التشاركية بِرَفْعِ هوامش الربح؛ خوفاً من التأخُّر في السِّداد؛ ممَّا يمنعُ العملاءَ من التعامل مع هذا النوع من البنوك؛ لأنَّ التكلفةَ عاليةٌ.

·               تضعفُ البنوكُ التشاركية بسببِ عَدمِ قُدرتِها منافسةَ البنوك الربوية التي لا تُوجَدُ عِندَها هذه السلبيَّات، كون هذه الأخيرة تَحتسبُ فوائدَ التأخير فلا تَتأثَّرُ بذلك حسب الظاهر.

 وكما أنَّه لكلِّ مشكلةٍ حلٌّ يأتي معها؛ فإنَّه في إطارِ البحث عن حُلولٍ لمشكلة تأخُّر سِداد الدُّيون ينبغي التمييزُ بين نوعَين من الحلول؛ ( الجزئية و الجذرية).

الحلولُ الجزئيةتُسمَّى كذلك بـ(الحلولِ المساعدةِ)؛ وتَتميَّزُ بكونها تسبقُ عمليةَ التمويلِ وهي كالآتي:

 ١. كتابةُ وتوثيقُ الدَّينِ والاتفاقُ بشكلٍ واضحٍ ومُفصَّلٍ مع الإشهاد:

حتَّى لا يبقى أمامَ المدينِ أيُّ عُذْرٍ في (إنكار الدَّينِ أو جُزءٍ مِنه أو موعد الوفاء)؛ وبالتالي حتَّى لا يكون (الغموضُ أو عدمُ الوضوحِ) بذلك عُذراً قانونيَّاً للمَدينِ أمامَ القضاء، وفي الكتابةِ والإشهاد وَردَتْ أطولُ آيةٍ في كتاب الله تعالى ألَا وهي قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، ( سورة البقرة / 282).

٢. الرَّهنُ: هو جَعْلُ عَينٍ مُتموَّلةٍ وثيقةٍ بِدَينٍ، ويستوفي منها عندَ تَعذُّرِ الوفاء.

ويكون للدائنِ الحقّ بعدَ حُلولِ الأجَلِ وعدم دَفْعِ المدِين للدَّينِ أن يرفعَ الأمرَ إلى المحكمةِ فيَبيع الرهنَ ويُعطي للدائن حَقَّه إنْ لم يستجِب الراهنُ للوفاءِ في الوقت المحدَّد.

 ودليلُ هذا الحديثُ الشريف الذي تَرويه عائشةُ أمُّ المؤمنينَ رضيَ اللهُ عنها: " أنّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اشْتَرَى مِن يَهُوديٍّ طَعاماً إلى أجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ".

٣. الكفالةُ: هي ضَمُّ ذِمَّةِ الكفيل إلى المدِين في تحمُّلِ الدَّينِ.

والكفالةُ جائزةٌ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، وتُصبِحُ واجبةً إذا ما اشترطَها الدائنُ

والدليلُ على مَشروعيَّتِها قولُه تعالى: (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ )،

( يوسف، الآية 72 ). زَعيم؛ أيّ: (كفيل).

وقولُه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (الزَّعِيْمُ غَارِمٌ )، ومعناهُ: (الكفيلُ ضامنٌ).

٤. دراسةُ الشخصِ المُتقدِّم للبيعِ بالأجَل أو للتمويل: حيث يعملُ البنكُ التشاركيّ على دِراسَتِه دراسةً وافيةً؛ لمعرفةِ نزاهتِه، ومدى التزامِه بـ(العُقود والوعود والمواثيق)، وعدم المماطَلةِ في الوفاء؛ والذي يُعرَفُ من خلال مِلَفِّه وسِيرَتِه.

ومن ناحيةٍ أُخرى قد يتمُّ التعاونُ بين البنوكِ التشاركية من أجْلِ أخْذِ المعلومات الكافية عن العميل، ويُطلَقُ على هذا الإجراء عادةً "دراسةُ الملفِّ الخاصِّ بالعميل الذي يَتقدَّمُ للتمويل أو لأيِّ تعامُلٍ مع البنك، ويكون البنكُ من خلالِه دائناً له".

 وتتمُّ هذه المعرفةُ من خلال الرجوعِ إلى سابقِ مُعاملاتِه مع البنوكِ؛ وهُنا لابُدَّ من التعاون المفيد وتَبادُلِ المعلومات الخاصَّة بالشركات والأشخاص بين البنك التشاركي وسائر البنوك والمؤسَّسات المالية الأُخرى؛ بُغْيَةَ معرفةِ العُملاء المماطلِينَ ووَضْعِهم على القائمة السوداء، وفي هذا عُقوبةٌ للمماطِل ورادعٌ لِمَن يُفكِّرُ بالمماطَلةِ؛ حيث سيكون مصيرَه سُوءُ السُّمعة؛ وبالتالي امتناعَ الجميع من التعامُل مَعهُ.

·               دراسة الجَدوى الاقتصادية:بمعنى: أنّ أيَّ مَشروعٍ يَتقدَّمُ العميلُ بطلب تمويله دراسةً عِلميَّة وافية؛ للأخْذِ بالأسباب المطلوبة للقيام بمشروعٍ ناجح ومُربِح وبعيدٍ قَدْرَ الإمكان عن الخسارة، وعدم الدخول في مشاريعَ ليس منها جَدوى اقتصادية، ويغلبُ عليها المخاطرَة التي تتجاوزُ حدَّها المقبولَ.

·               اشتراطُ عدمِ تسليم المَبيعِ إلّا بعدَ الوفاءِ بالثمن: يَشترطُ البنكُ عدمَ قيامِه بتسليم الشيء المبيع باسْم العميل إلّا بعدَ (تسديد جميعِ الثمن أو الانتهاء من تسديد الأقساط).

وأمّا الحلولُ الجذريَّة والتي تُعتبَرُ جوهرَ علاجِ مشكلةِ تأخُّر الوفاء بالدُّيون فهي:

أ) اشتراطُ التعويضِ الماليّ عن التأخيرِ في سِدادِ الدَّين:ذهبَ عُلماءُ المالكية بِصحَّةِ اشتراط الدائن على المدين في العقْد دَفْعِ غرامةٍ إذا ما تأخَّر في الوفاء وكان مُماطِلاً مُوسِراً، وهو ما يُسمَّى "غرامةَ التأخيرِ"؛ ولكنْ لا تكون من حقِّ الدائن؛ وإنَّما تُصرَفُ في وُجوهِ البِرِّ والخَير.

ووفق هذا يجوزُ شرعاً إلزامُ المدينِ المماطِل في الأداء وهو قادرٌ على الوفاء بتعويضِ الدائن عن ضَرَرِه الناشئ عن التأخُّر في الوفاء دونَ عُذرٍ مشروع؛ لأنَّ مِثلَ هذا المدينِ ظالمٌ، وقد وَرَدَ في هذا حديثِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم "مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ".

وتُقدِّرُ المحكمةُ هذا التعويضَ بمعرفة أهل الخبْرةِ تبعاً لِطُرقِ الاستثمار المقبولة في الشريعة الإسلاميةِ؛ حيث تُحدَّدُ قِيمةُ الضَّررِ والتعويض عنه بما فات الدائنَ من رِبْحٍ مُعتادٍ كان يُمكِنُ أن يُنتِجَهُ مبلغُ دَينهِ لو استُثمِرَ بالطُّرق المشروعة خلال مدَّةِ التأخير.

ولا يجوز الاتِّفاقُ بين الدائن والمدينِ مُسبَقاً على تقدير هذا التعويض؛ لكي لا يُتَّخَذَ ذريعةً بينَهُما إلى المراباة بسعرِ الفائدة.

ومن الهيئاتِ الشرعية التي أجازتْ هذا الاشتراطَ:

1.            مجموعةُ دلَّة البركة، وقد قيَّدت التعويضَ بمقدار ما فات على الدائنِ من رِبْحٍ معتاد يُمكِنُ أن يُنتِجَه مبلغُ دَينِه لو استثمَره بالطُّرُقِ المشروعة خلال مُدَّةِ التأخير، وتُقدِّرُه المحكمةُ مُستعِينةً بأهلِ الخِبْرة.

2.             هيئةُ الرقابةِ الشرعية للبنك الإسلامي لغرب السودانِ؛ حيث نصَّت على أنَّه يكون للدائِن أن يُلْزِمَ المدينَ الموسِرَ المماطِل بالتعويضِ عمَّا دَفعَهُ في سبيلِ استخلاصِ دَينِه.

3.            هيئةُ الرقابةِ الشرعية في المصرِف الإسلامي مصر؛ حيث أجازتْ أنه إذا تأخَّرَ المدينُ عن الوفاءِ بالدَّين عند حُلولِ الأجَل، جازَ للدائنِ أن يُطالِبَهُ بالتعويض عمَّا أصابَه مِن ضَررٍ بسببِ هذا التأخير؛ إلّا إذا ثبتَ أنّ التأخيرَ حدثَ بِقوَّةٍ قاهرة.

4.            المستشارُ الشرعي للبنك الإسلامي الأردنيّ؛ حيث أجاز للبنكِ اشتراطَ التعويضِ في حالة المماطَلَةِ في السِّدادِ مع اليُسْرِ عليها، وفي حالةِ وُقوعِ الضَّررِ على البنك.

يتبيَّنُ مِن -هذا وذاكَ- إجماعُ الهيئاتِ الشرعية المذكورة على مبدأِ تعويض الدائن عن ضَرَرِه نتيجةً لِتأخُّرِ المدين عن وَفاءِ الدَّين في مَوعدِه مبدأ مقبولٌ فِقْهاً، ولا يُوجَدُ في الشريعة الإسلامية وأصولها ومقاصدِها العامَّة ما يتنافى معهُ؛ غيرَ أنَّ استحقاقَ هذا التعويض مشروطٌ بأنْ لا يكون للمَدينِ مَعذِرةٌ شرعية في هذا التأخيرِ وإن كانَ مُوسِراً مماطِلاً؛ فهُو هنا ظالمٌ كالغاصِب.

ب) منعُ المُماطلِ المُوسِر مِن السَّفَر: منعُ السفرِ طريقةٌ لِمنْعِ المدينِ من الهروب بأموالِه التي يُخفِيها والتي تعلَّقتْ بها حقوقُ الآخرينِ؛ ومِنها "حقُّ المدين"، وفي هذا حمايةٌ لحقِّ الدائن؛ خُصوصاً وأنَّ السفرَ وسيلةُ بعضِ الناس للتخلُّصِ من مُطالَبةِ أصحاب الحقوق ومِن جُملَتِهم "المدينُ".

وقد اتَّفقَ الفقهاءُ على جوازِ منْع المدينِ الموسِر المماطِل الذي حلَّ أجلُ وَفاءِ دَينِه من السفرِ بدونِ عُذرٍ، وفي هذا قال شيخُ الإسلامِ "ابنُ تيميَّة: "... فيُعاقَبُ الغنيُّ المُماطِلَ بالحبْسِ "، وحديثُ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم:" مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ".

ومادام ظُلْماً فيجبُ على الحاكمِ منعُه من الظُّلم بالتعزيرِ المناسب، ومِن أنسبِه منعُه من السَّفر.

·                التمكينُ للدَّائنِ من فَسْخِ العقْدِ المُوجِب للدَّين:أفتى جمهورُ الفقهاءِ على أنَّه يحقُّ لِلدائنِ فسخُ العقْد الذي ترتَّب عليه الدَّينُ؛ كـ(عَقْدِ بيعِ عقار)، ويستردُّ البدلُ الذي دفعَه؛ وذلك عند مَطْلِ المدينِ بغَيرِ عُذرٍ، بُغيةَ إزالةِ الظُّلْمِ والضَّررِ عن الدائنِ، وليكونَ هذا دافعاً لِلمَدينِ القادر على الوفاء.

·               بيعُ مالِ المَدينِ المُماطِلِ جَبْراً ولو بِغَيرِ إذْنِه: ذهبَ فقهاءُ المذهبِ المالكيّ؛ إلّا أنّه إذا وَجَدتِ المحكمةُ مالَاً للمَدينِ مِن غيرِ جِنْسَي الحقَّ الذي عليه، فإنَّه يبيعُه عليه في الدَّينِ، ويَفي الغُرماءَ؛ وذلك تعجيلاً لرفْعِ الظُّلْمِ وإيصالِ الحقِّ إلى أهله، أمَّا إذا وُجِدَ جِنْسُ مالِ الحقِّ فيُوفي به.

ولابُدَّ من الإشارةِ في هذا الصَّددِ أنَّ المحكمةَ تُراعي مصلحةَ المدينِ المماطِل الموسِر عندَ بيعِ مالِه لوفاءِ الدَّينِ؛ فإنْ كان للمَدينِ مالٌ مِن جنْسِ الدَّينِ قضاهُ مِنهُ، وكذا لو كان عندَه نوعٌ من النقودِ مُخالِفاً لجِنْسِ الدَّين؛ فإنْ لم يَكُنْ عِندَه ذلك باعَ من عُروضِه بِقَدْرِ ما يقضي به الدَّينُ مع مُراعاةِ مصلحةِ المدين.

فيبيعُ ما يتسارعُ إليه الفسادُ أوَّلاً، ثمَّ يبيعُ الأيسرَ فالأيسرَ من المنقولاتِ، وإلَّا باع مِن العقارِ ما يكفي لقضاءِ الدَّين.

ويلزمُ للمحكمةِ أن تتْركَ للمَدينِ ما هو لازمٌ لنَفقتِه ونفقةِ مَن يعولُ؛ لأنَّ حوائجَ المدينِ الأساسية مُقدَّمةٌ على حقِّ الغُرماءِ.

ج) حَبْسُ المَدينِ:وهو حَلٌّ أقرَّه جماهيرُ الفقهاءِ من المذاهبِ الأربعة، وقد جاءَ في كتاب "السياسة الشرعية" لابنِ تيميَّة: (يُعاقَبُ الغنيُّ المماطِلِ بالحبْسِ )، وفي الصحيحِ من مقولاتِ مُعظَم الفقهاءِ أن مدَّة الحبْسِ مُفوَّضةٌ إلى السُّلطةِ التقديرية للقاضي بحسبِ حالِ المحبُوس وما يكفي من الزمنِ لِحملِه على الوفاءِ.

خِتاماً من الضَّروريِ لكي تكونَ هذه الحلولُ نافعةً ورادعةً التأكيد على قيامِ البنوك التشاركية بمَجهُوداتها المقنِعة لحملِ أصحاب القرار والمجالس التشريعيَّة في المغرِب على تبنِّي هذه العُقوباتِ وتفعيلِها، إذا ما أُريد فِعلاً للبنوكِ التشاركية أن يكونَ لها (دورٌ رِياديٌّ في تطويرِ الاستثمار وتحقيقِ التنمية المنشودَة).