العدد الحالي: مايو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الأجور.. عرض وطلب

د. علي أبو العز

مدير دائرة التدقيق الشرعي الداخلي – البنك الإسلامي الأردني

ثَمَّةَ اختلالٌ واضح في عملية توزيع الدخول؛ ففي الوقت الذي يزداد الفقراء فقراً - رغم كدحهم المتواصل لساعات نهارية وليلية طويلة-، يُحلِّقُ دخْل ُالأغنياء في آفاق عالية لا يبلغها الطير، ولعلَّ من أهمِّ الأسباب التي يُعزى إليها هذا الاختلالُ (النظرة الدونية لأرباب العمل والمال تجاه العمَّال، والتحكُّم في رقابهم ولقمة عيشهم، وامتصاص عرقهم، وهضم حقوقهم، وشراء منافعهم بأبخس الأجور)، تماماً كما يتسلَّط السيِّد على عبده، ومَن ظنَّ أنّ نظام الرِّق انتهى، فهو واهمٌ!

لا يزال الرِّق قابعاً في المجتمعات العمَّالية، مع وجود بعض الفوارق البسيطة بين رِقِّ الحاضر والماضي.

1.   في الرِّق الماضي (يعمل العبد في خدمة سيِّده، ويتصدَّق عليه بفضلات الطعام، وببعض الألبسة البالية، ولا يسمح له بمغادرة المنزل)، بينما في الرِّق الحاليِّ؛ يعمل الشخصُ في خِدمة ربِّ العمل، وبدل أنْ يتصدَّق عليه، (يُعطيه أجراً زهيداً لا يُحصِّلُ به قوامَ عيشه).

2.   في نظام الرِّق البائد -كما يقولون-؛ يبيت العبد في غُرفةٍ ضيّقة أسفل الدرج أو خارج البيت، أمّا العامل اليوم؛ فيعمل حتَّى يُنهِكَه التعب، ويذبله السهرُ، ثمَّ ينصرف مترنِّحاً كالسَّكْران ليبيتَ في بيته على أنْ يُسابِقَ الشمسَ في اليوم التالي ليختمَ بطاقةَ حُضورِه قبل أنْ يبزغ شعاعُها.

3.   الرقيق في السابق إذا ارتكب مخالفةً مهنية، يضربُه سيِّدُه، ويحرمه من الطعام في ذلك اليوم، وربَّما يُحمِّله أعباءَ أعمالٍ إضافية شاقّة، وفي أسوأ الأحوال يبيعُه في سُوق النِّخاسة لأوَّلِ مُشترٍ، بينما (الموظَّفُ أو الحِرفيّ) في سوق العمل اليوم؛ يُعاقَب على المخالفة بـ(حرمانِ راتب أسبوعٍ، أو بالعمل لساعاتٍ إضافية، أو بالإبعاد إلى أماكن عملٍ نائية تابعة لربِّ العمل، أو نقْله للعمل في فروع شاقَّةٍ مزدحمة بالأعمال، أو بتأخير الترقية والعلاوات، أو بتنزيل الرُّتبة) والمُسمَّى الوظيفي إلى الدرجة الأدنى، وفي أسوأ الأحوال يطردُه في براري البطالة ليُصارعَ من أجل البقاء.

لكنْ هل الاختلال المشارُ إليه آنفاً يستوجب كردِّ فعلٍ مقابل أنْ يحصل العاملون في وظائفَ متشابهةٍ في بلد واحد على أجور متساوية حتى لو كان (العَرْض والطلب) في السوق يفرض أجوراً مختلفة ؟

لا يلزم من التشابه الوظيفي وجود تساوٍ في الأجر أو قيمة العمل؛ ولنفترض أنَّ شخصَين يعمل كلٌّ منهما في مؤسَّسةٍ مصرفية بوظيفة (محاسب تلر)، فإذا ما قُلنا بوجوب المساواة في الأجر؛ فيجب أنْ يحصل كِلاهُما على الأجر ذاتِه؛ إلّا أنّ الأمر في واقع الحال بخلاف ذلك تماماً! فقد يحصل أحدهُما على ضعف ما يحصل عليه الآخرُ، وقد تكون المؤسَّسةُ التي تدفع أجراً أعلى أصغرَ وأقلّ ملاءةً من المؤسسة الأخرى! وربما يكون السببُ أنَّ المؤسَّسة الصغيرة تنتهج هذا الأسلوبَ لاستقطاب العَمالة المميَّزة، لاسيَّما مع نقص عدد الطلبات المقدَّمة للحصول على وظائف لديها، وقد تكون للشخص الذي يشغل  الوظيفة نفْسَها في المؤسسة الصغيرة مهامُّ إضافية زادت في قيمة عمله، كما أنّ فرضَ مساواة أجور الوظائف التي لها أعمالٌ متشابهة قد يضرُّ بمصالح المؤسَّسات الصغيرة ذات رؤوس الأموال القليلة، والتي لا تستطيع مجاراةَ الكبيرة والمتوسطة؛ لوجود اختلافٍ كبير بينها في (رأس المال والدخل والمهامّ الوظيفية.. ).

والسؤال السابق يتبعُه سؤالٌ آخرُ:

ما الذي يُفسِّر اختلاف مستويات الأجور بين دول العالم، وبين بعض الشركات في البلد الواحد بهذه الفروقات الهائلة التي نراها ونسمع عنها ؟

إنَّ السِّمات البدنية؛ مِثل: (القوة أو الطول)، والسِّمات العقلية؛ مثل: (الذكاء والمهارة)، والسِّمات النفسية؛ مثل: (الطموح والصبر والمثابرة)، تُفسَّر إلى حدٍّ ما أسبابَ الفروقات في كسب الناس، وقد أشارت الآيةُ الكريمة التي يقول المولى سبحانه وتعالى فيها على لسانِ ابنة الرجُل الصالح: { يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِين}[القصص:26]إلى الصفات المعيارية التي تميل الأسواقُ أو يعتمد عليها الناس في اختيار الأجراء بصفتها عاملاً مُرجِّحاً في المفاضلة بينهم.

وعلى الرغم من كون السِّمات السابقة تُساعد كثيراً في تعليل أسباب توزيع الدخل على الوظائف بِكميَّاتٍ مختلفة، فإنه لا يُمكِنُ اعتبارها معياراً لقياس أسباب عدم المساواة في الدخل؛ فقد يعمل (شخصٌ) قوي ذكي سِتِّينَ ساعة عمل شاقّة في الأسبوع، وقد يَصِلُ الليلَ بالنهار، ولا يأخذ إجازةً قطُّ، وقد لا يعمل (أستاذٌ جامعيّ) أكثرَ من عشرين ساعة في الأسبوع، أو (مستشارٌ) أكثرَ من عشرِ ساعاتٍ في العام، وتكون الفروقاتُ بينهم في الدخْل عظيمة!

ولا أدعو إلى أنْ تكون الأجورُ متماثلةً للأستاذ في الجامعة والمدرسة، وللمدير والسكرتير، وللطبيب والممرِّض؛ لأنَّ ذلك يعرقل (مسيرةَ الاقتصاد، ودورة الحياة)، ولا يجعل العمل يسير بكفاءةٍ، فمِن دون فوارق في الأجور على مختلف أنواع العمل، كيف سيقوم الشخص بالعمل المُضني إذا كان بإمكانه أنْ يحصل على الأجر ذاته بالعمل المريح، وصدق اللهُ العظيم القائل: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون}[الزخرف:32]، و{وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ }[النحل:71].

 يقول الإمامُ الزمخشريّ في تفسيره لهذه الآية: (إنّ الله عزّ وعلا هو الذي قسمَ بينهُم معيشتَهم وقدَرها، ودبَّر أحوالهم تدبير العالم بها، فلم يُسوِّ بينهم، ولكنْ فاوَت بينهُم في أسباب العيش، وغاير بين منازلهم؛ فجعل منهم (أقوياء وضعفاء وأغنياء ومحاويج وموالي وخدماً)، ليصرفَ بعضهم بعضاً في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم، ويتسخروهم في أشغالهم؛ حتى (يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى منافعهم ويحصلوا على مرافقهم)؛ ولو وكلهم إلى أنفُسهم و ولَّاهم تدبيرَ أمرهم، لَضاعوا وهلكوا)([1]).

هذا التفاوت بين الناس حقيقة لا يستطيع أحدٌ أنْ يُلغيها([2]) ؛ بل إنَّنا نَجِدُ التفاوتَ بين البشر في الصفات الطبيعية فضلاً عن البدنيّة والديموغرافية؛ فهذا (حادُّ الذكاءِ سريع البديهةِ) وذاك دونه، وهذا يعمل بـ(حركةٍ دؤوبة) ،وآخرُ بينه وبين الأرض جاذبية؛ بل إنّ ثمار الأرض متفاوتةٌ، وكذلك بهائم الأنعام متفاضلة في الأُكُل والقيمة السعرية، وأقصى ما تطمحُ إليه البشرية أنْ يتحقَّق في الواقع الاقتصادي هو المساواة في الفُرص من (تعليمٍ وعلاج، ومستوى مقبول للعيش الكريم)، لا مساواة مِثلية من كُلِّ وَجْهٍ في الأجور والأرزاق !

وقد جعل اللهُ عزَّ وجلَّ من هذا التفاوت بين الأغنياء والفقراء (ابتلاءً واختباراً)؛ فقال عزَّ شأنُه: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}[الفرقان:20]؛ هل سيصبر الفقيرُ على حاله الذي قدّره اللهُ له وقضاهُ؟ أمْ سيجزع ويسخط ويشطُّ؟ وهل سيعطفُ الغنيُّ على الفقير فيجمع بماله شتاتَه؟ وهل سيطعم به الأفواهَ الجائعة، ويكسوا به الأجسادَ العارية المرتعِشة من شِدَّة البرد؟ أم سيُمسِكه خشيةَ الإنفاق والإملاق؟

عرضٌ وطلبٌ، ولكلِّ قاعدةٍ استثناء:

الإنسانُ العامل أحد عوامل الإنتاج في الأسواق الاقتصادية، ولمنافع بَدنِه قيمة وتسعيرة تَتحدَّدُ وفقاً لقانون (العَرْض والطلب) تماماً كالسلع التي يتحدَّد سعرُها نتيجة التفاعل ما بين العرض والطلب عليها، وكما أنَّ الأجرة سعر منفعة العقار، والرسوم والعُمولات سعر الخدمات؛ فالأجرُ أو المُرتَّب سعر منفعة العامل البشري.

ولا أُريد بالموازنة السابقة إثباتَ أنّ الإنسان والسلعة وجهان لعُملةٍ واحدة؛ (يُباع ويشترى، ويروج ويكسد)؛ وإنّما أردتُ إيضاحَ أنّ الإنتاج البشري مهمٌّ جِدّاً، ولولاه لأصبحت الأشياءُ وعوامل الإنتاج الأخرى عديمةَ الفائدة! فالمِنشارُ يحتاج صنعه إلى لمسةٍ بشرية، وقطعُ الخشب بالمنشار يحتاج -أيضاً- إلى لمسةٍ بشرية، ولا يستطيع المنشارُ بمفردِه أنْ يكون مُنتِجاً، والأرض لكي تكون منتجةً تحتاج إلى اليد العاملة، والإنسان لكي يعملَ ويستمتع بثمارِ عمله يحتاج إلى الآلات والأدوات المساعدة التي تستخدم في عملية الإنتاج، وهو بذاته منفرِداً لا يعمل.

وبما أنّ الإنسان يملكُ منافعَ جسمِه، ويتحكَّمُ بطريقةِ استخدامها؛ فإنه يُقرِّرُ عَرْضَ عَمالتِه على حسب السعر (الأجر) الذي يرضاه مقابلاً للمهامِّ المنوطةِ به، وللمُؤهِّلاتِ التي يتميَّز بها، وتلعبُ العوامل الديموغرافية؛ مِثل: (السِّنّ، والجنس، والخِبرة والتعليم) وغيرها، دوراً في تحديد الأجر المناسب، وقد يزيد الأجر لارتفاع دخْل المنشأة التي يعمل لديها؛ كالأشخاص الذين يعملونَ في شركاتِ (النفط والبنوك والمقاوَلات)، وكلَّما زاد الطلبُ على وظيفةٍ أو عامل وقلَّ العَرْضُ، ارتفع الدخْلُ الكُلِّيّ لذلك العامل، وهذا يُفسِّرُ الدخولَ المرتفعة التي يحظى بها سوق الأطبّاء؛ فـ(مُخرجاتهم ضئيلةٌ، ومكاسبهم عالية)؛ فكشفيّة لا تستغرق خمسَ دقائق يتقاضى لقاءها عِشرين ديناراً إنْ كان شبعان قنوعاً، وعملية جراحية لا تتجاوز الساعةَ الواحدة ما بين تحضيرٍ وتخدير.. لا يعدل مزاج طبيبها إلّا أجراً بأرقام أمامها ثلاثة أصفار على الأقلّ بعد الحُسومات! ولو زاد عدد الأطباء وقلَّ الطلب على خدماتِهم، لهبطت أجورُهم بحِدَّةٍ !.

وعلى الرغم من كثرة الأطباء في البلد الواحد؛ إلّا أنَّ الأمراض البدنية زادت الطلب على إنتاجهم، وجعلت المرضى يتزاحمون على أبواب عياداتهم؛ ممَّا أدَّى إلى ارتفاع أسعارهم، وتعود أسبابُ محدوديةِ عرض الأطباء إلى ضرورة حصول المنتسب لِكُلِّيَّة الطِّبِّ على علاماتٍ عالية، بالإضافة إلى طول مدَّة (الدراسة والتدريب)، والإخفاق في إكمال الدراسة بسبب (ارتفاع التكاليف أو صعوبة النجاح) في بعض المواد المعقدة، وضرورة الحصول على ترخيص طبِّيٍّ لمُزاولةِ المهنة، والنتيجة شحٌّ في عدد الأطباء، وتصاعد أسعارهم بسرعةٍ غير معقولة، ويُؤيِّد ما سبق ما جاء في السُّنَّة([3]) مِن أنَّ نفراً من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام نزلوا خلال سفرة سافروها على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبَوا أن يُضيِّفُوهُم! فلمَّا لُدِغ سيِّدُهم، لم يَجِدُوا من الوسائل التي بين أيديهم ما ينفعه (قلَّ العرض)، فرجعوا إلى الصحابة الكرام وسألوهم إنْ كان عِندهم ما يستطيعون به علاجه (زاد الطلبُ)، فشارطوهم في مقابل علاجه على قطيعٍ من الغَنم (ارتفع السعر).

كما أنّ نوعيةَ العمل تُسهِمُ إلى حدٍّ كبير في ارتفاع المكاسب؛ فعلى سبيل المثال: العُمَّال في مراكز الصيانة يتطلَّب عملهم (مهارةُ فنِّيَّةً لا تعليمية)، وبإمكان أيِّ شخصٍ أنْ يصبح عاملَ صيانةٍ، والعُروضُ كثيرةٌ، والطلب عليهم كثير، ويزيد على حجم العروض المتاحة، ويعملون بدوامٍ كامل يَصِلُ إلى نصف اليوم، وأجورهُم هزيلةٌ، وفرقٌ شاسع بين ما يكسبه هذا العامل وذاك الطبيب! والسبب كما ذَكَرنا آنِفاً نوعيَّة العمل.

ثمَّ إنَّ طبيعة الوظائف تتدخَّل في (رفْع أو خفْض) أجور العمالة؛ فالأعمالُ المريحة ذات الأثر النفْسيّ الطيِّب، يكثر الطلب عليها، وبالتالي فإنّ مستوى الأجر يكون متواضِعاً، بينما الوظائف التي لا يَنجذِبُ أحدٌ إلى طلبِها، أو يطلبها على تردُّدٍ ووجلٍ بسبب (مخاطرها أو مَشقَّتها أو انحطاط) مستواها الاجتماعي أو موسميَّتها، يحصل العاملُ فيها على أجورٍ مرتفعة، ومع ذلك فإنّ لكل قاعدةٍ استثناء؛ فمَثلاً: العمَّال الذين يجمعون النفاياتِ، ويكنسون الشوارعَ، لا زالوا يحصلون في بلدان عدَّة على أجورٍ زهيدة بالمقارَنة مع ما يكسبه الأستاذُ في المدرسة أو الجامعة أو المحامي أو الطبيب أو الحارس، مع أنّ هؤلاء جميعاً ينعمون بوظائفَ لطيفةٍ ومحترمة اجتماعياً، وقد يكون السببُ أنّ عامل النظافة لا يَمتلِكُ من القُدرات (العقلية والتعليم والتدريب) والخِبرة ما يمتلكه الطبيبُ أو المحاميّ.. والتي أنفق في سبيل تحصيلها سنواتٍ عديدة ومبالغ طائلة، كما أنّ حساسيّة الأعمال التي يُعالِجُها، ومدى تقدير المجتمع لها، جعل لأعمالهم وخدماتهم ميزةً اقتصادية.

يقول الدكتور محمّد المبارك في هذا الصَّدد ما نصُّه: (إنّ مقدرةَ الناسِ على العمل وجُهودَهم المبذولة كذلك متفاوتة تفاوتاً كبيراً (كمّاً وكيفاً، مِقداراً ونوعاً)،..، فالأجورُ التي تقابل هذه الأعمال لا يُمكِنُ أنْ تكون متساويةً؛ لِمَا في ذلك من ظُلْمٍ للعامِلين، وضرر يلحقُ المجتمع إذا لم يكافأ كُلٌّ بنسبةِ عَمله؛ إذ ينقص الإنتاجُ العامّ، ويهبط كذلك (كمَّاً وكيفاً)،.. إنَّ بعض الأعمال يستطيع القيام به أيُّ واحدٍ من الناس؛ فالذين يعرضون أنفسَهم للقيام بمِثل هذه الأعمال السهلة أو التي لا تحتاجُ إلى مواهبَ خاصَّةٍ كثيرون، وخدمتهم مبذولة، وكلُّ شيءٍ مبذول يرخصُ ثمنُه، وتقل قيمتُه، وخصوصاً إذا كان الطالبون له أقل من العارِضين، ومن الأعمال ما لا يستطيع القيامُ به إلّا قِلَّةٌ من الناس لِمَا يقتضيه من مواهبَ خاصةٍ، فإذا كانت هذه الأعمال التي يقلُّ القادرون عليها مطلوبة من كثيرٍ من الناس للحاجة إليها ارتفع أجرُها؛ لكثرة طالبيها، وقِلَّة العارضين لها، والقادرين على القيام بها).

ويقولُ أيضاً: (إنَّ الأجرَ الذي يتقاضاه الإختصاصيُّ في الطيران والإختصاصي في الذَّرَّة والطبيب الإختصاصي في عمليّات الدماغ يتناسب مع المدَّة الطويلة، والنفقات الكثيرة التي احتاج إليها كلُّ واحد من هؤلاء –على تفاوت درجات اختصاصهم- ليصلَ إلى الخِبْرة التي حصل عليها، بالإضافة إلى مواهبه الفطرية، وليس مِن العدل والإنصاف أنْ يتساوى هذا الأجرُ مع أجرِ مَنْ (يحمل الأثقال أو يُصلِحُ الأحذية أو يخيط الثياب أو يحرس العمارة) على تفاوت هؤلاء أيضاً، ولو فعل ذلك لقلَّ النابغون، وتقاعسَ القادرون، وخسرَ المجتمع؛ بل البشرية عامّة)([4]).

ويَرِدُ في الذِّهن تساؤلٌ مفادُه التالي: إذا كان قانون (العَرْضِ والطلب) في جميع البلاد والأسواق واحد، فكيف نُفسِّرُ ارتفاعَ الأجور للأعمال ذاتها في دول أوروبة الغربية واليابان ودول البترول في حين تتضاءل الأجور إلى أدنى المستويات في الدول الأخرى، والعَرض والطلب هُنا وهُناك ينتظمهما قانونٌ واحد ؟

قد يذكر البعضُ في الإجابة على السؤال السابق بعض المُسوِّغات مِثل: (امتلاك تلك الدول رؤوس أموال ضخمة، وآلات ومعدَّات متطوُّرة) تُتيح للعامل أنْ يكون أكثرَ إنتاجية، وفي الوقت نفْسه تُقدِّم مُخرَجات (إنتاجية) ذات نوعيَّة ممتازة؛ إذ تدنِّي الأجر مرتبطٌ بانخفاض الإنتاجية، ورداءة مستواها؛ فالدول (الفقيرة والمتوسطة) تستخدم في الإنتاج أدواتٍ عتيقةً، وآلياتٍ مهترأةً، وأجهزةً صدأة)، بالإضافة إلى أنّ أُفُقَ العامل قد لا يكون رَحباً بالإبداع والتطوير، وطاقته الإنتاجية غيرُ مشحونة؛ لذلك تهبط الأجور فيها إلى أدنى المستويات، وقد لا يبدو هذا التسويغُ مُقنِعاً؛ فإنّ الصِّين –مَثلاً- بلدٌ صناعيّ، ويملك رؤوسَ أموالٍ كبيرة، وتكنولوجيا عصرية، وأجور العَمالة فيه بالمستوى العامّ بسيطة.

غالباً ما يُشير الناس إلى دَورِ الحظِّ في ظُروفهم الاقتصادية؛ لكن الحظَّ يكون حليفاً جيِّداً في أغلب الأوقات لِذَوي المهارات وأصحاب الكفاءات المهنية، هذا من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أُخرى؛ الحظوظ لا تُعلَّل؛ لأنها من رحمةِ الله البالغة التي لا تُدركُها العقولُ، ولا ينبغي الربطُ بين الحظِّ والاستحقاق؛ أيّ: لا يُقالُ: بأنّ فُلاناً حالفَه الحظُّ كونه يستحقُّه، وغيره حُرِمَ منه كونه لا يستحقُّه؛ بل (اللهُ يرزقُ مَن يشاءُ بِغَيرِ حسابٍ، ويُعطي ويمنع، ويرفعُ ويخفض) وفقَ إرادةٍ حكيمة يستحيل في كثيرٍ من الأحيان على عقول البشر إدراكُ كُنْهِها، قال اللهُ تعالى: {وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ }[النحل:71]، وقال رسولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام: (لا مانعَ لِمَا أعطيتَ، ولا مُعطِيَ لِمَا مَنَعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ، مِنْكَ الجَدُّ).

يقول الشاعرُ في هذا السِّياق:

عِلْمي بِسابقةِ المَقدُورِ ألزمَني        صَبْري وصَمْتي فلمْ أحرصْ ولمْ أسل

لو نِيلَ بالحظِّ مَطلوبٌ لَما حُرِمَ        الرُّؤيا الكليمُ وكان الحظُّ لِلجَبل

وحِكمةُ العقلِ إنْ عزَّتْ وإنْ شَرُفَتْ        جَهالة عِندَ حُكْمِ الرِّزقِ والأجَلِ

وقال أحدُهم:

لا تَحسب الهِمَّةَ العُليا مُوجِبةً     رِزْقاً على قِسمَةِ الأقدار لم يَجِب

لو كانَ أفضلُ مَن في النَّاسِ أسعدَهُم     ما انحطَّتِ الشَّمْسُ مِن عالٍ مِن الشُّهُبِ([5])

          (قُلْ هَذهِ سَبيلي أدعُوا إلى اللهِ على بَصِيرةٍ) والحمدُ للهِ ربِّ العالمِينَ.



[1])) الزمخشري، محمود بن عمرو، "الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل"، ط3، دار الكتاب العربي- بيروت، 1407هـ، (4/248).

[2])) هذه الحقيقة فطرة مركوزة في الوجود، ولا يمكن أنْ تتخلَّف، ولم يحصل على مرّ تاريخ الإنسانية أنْ تساوى البشر في الأعمال وتساوت أجورهم.سيّد قطب، "في ظلال القرآن"، ط17، دار الشروق- بيروت- القاهرة، 1412هـ، (5/3187).

[3])) أخرجه البخاري في الصحيح برقم (2276) من حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه.

[4])) د. المبارك، محمد، (نظام الإسلام –الاقتصاد مبادئ وقواعد عامة)، دار الفكر- بيروت، ط1، 1392هـ/1972م، (ص53 وما بعدها).

[5])) الدميري، كمال الدين محمد بن موسى، (شرح لامية العَجم)، 1429ه/2008م، تحقيق د. جميل عويضة، (ص99).