العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

متطلبات نجاح التحول إلى النظام المصرفي الإسلامي في بيئة عالمية متغيرة (ماليزيا أنموذجا)

د. عدنان فرحان الجوارين

باحث في الاقتصاد

يُعدُّ النظامُ المصرفي الإسلامي جزءاً مهمَّاً من النظام الاقتصادي الإسلامي، وقد أثبتت المصارفُ الإسلامية- التي مضى على إنشائها أكثر من ثلاثين سَنة- وُجودَها، واستطاعت أن تحقِّقَ نجاحاتٍ كبيرةً تمثَّلت في ارتفاع أعدادِها بشكلٍ مُطَّردٍ في العديد من الدول الاسلامية وغير الإسلامية؛ إذ تجاوز هــذا العدد حوالي 200 مصرفا تنتشرُ في قارَّات العالم قاطبةً , هذا فضلاً عن إنشاء مؤسَّساتٍ مالية أُخرى؛ مِثل: (شركات تأمين , وصناديق الاستثمار) التي أنشأتها هذه البنوك.

إنّ التحدِّي الكبير الذي يُواجه المصارفَ الإسلامية هو أنها تعمل في بيئةٍ غير متوافقة مع تعاليم الدِّين الإسلامي، وهي البيئةُ الاقتصادية العالَمية التي تبحث عن الرِّبا، وتتوافق مع سعر الفائدة، وقد اتَّجهت أنظارُ العالَم إلى المصارف الإسلامية بعد نجاحِها في تجاوُز الأزمة المالية العالَمية عام 2008 م.

ونتيجةً لهذا النجاح فإنّ العديد من الدول الاسلامية الآن بدأت التفكير في التحوُّل نحوَ الصيرفة الإسلامية، وتُعدُّ (تجرِبةُ ماليزيا في المزْج بين الصيرفة التقليدية والصيرفة الاسلامية وارتفاع معدلات نمو الصيرفة الاسلامية) بشكلٍ أكبر من الصيرفة التقليدية نموذجاً ناجحاً في هذا المجال؛ ممَّا يُوضِّح أنّه في المستقبل قد تكون الصيرفةُ الإسلامية لها اليد الطُّولى في النظام المصرفي لماليزيا، ولقد بدأ العملُ المصرفي الإسلامي في ماليزيا  سَنة 1981  م عندما أنشئ أوَّلُ بنكٍ إسلامي فيها ألَا وهو "بنك إسلام ماليزيا" الذي حقَّق نجاحاً منقطعَ النظير، ثمَّ صدرت تعليماتٌ جديدة تسمح للبنوك بفتح "نوافذَ" إسلامية، فتكاثرت هذه النوافذُ حتى لم يَعُدْ مصرفٌ في البلاد إلّا وقدَّم الخدماتِ المصرفيةَ الإسلامية.

أوَّلاً: الإطارُ المفاهيميّ للنظامِ المصرفيّ الإسلاميّ وعلاقتُه بالنظامِ الاقتصاديّ الإسلاميّ:

اشتقَّت المصارفُ اسمَها من (الصَّرْفِ)، والصَّرْف والصَّرَّافِ في اللغةِ( مَن يُبَدِّلُ نقْداً بِنَقْدٍ)، وفي عِلْمِ الاقتصاد: (الصَّرفُ مبادلةُ عُملةٍ وطنيةٍ بعُملةٍ أجنبيَّة والمصرِف مكانَ الصَّرف([1]).).

المصرف الإسلامي هو مؤسَّسةٌ مصرفية في (مُعاملاتِها ونشاطِها) الاستثماريّ كافّةً، وإدارتها لأعمالها حسب الشريعة الإسلامية، ومَقاصدِها وكذلك بأهدافِ المجتمع الإسلامي داخليّاً وخارجيَّاً(الزحيلي، 1997: 10).

ويُمكِنُ تعريفُ النظامِ المصرفي الاسلامي على أنَّه آليةٌ لتطبيقِ العمل المصرفي على أُسُسٍ تتلاءمُ مع مبادئ الشريعة الاسلامية السمحاء، وبطريقةٍ لا يتمُّ التعامُل فيها بنظامِ الفائدة (أخذاً أو عطاءً)؛ لأنَّ ذلك يُعَدُّ رِباً مُحرَّماً في الإسلام، وإذا ما كان النظامُ المصرفي التقليدي يعتمدُ على نظام القرْض بفائدةٍ؛ وبالتالي فـ(إنّ العلاقةَ التي تربطُ المصرِفَ بزَبائنِه هي علاقةٌ دائنٍ ومَدينٍ)؛ فإنَّنا نجدُ أنّ النظام المصرفي الإسلامي يعتمد على نظام المشاركة في (الربح والخسارة)، ومِن ثمَّ فـ(إنَّ العلاقة التي تربطُ المصرِف بزبائنه هي علاقةُ شراكةٍ)([2]).

وتقوم بِنيةُ النظامِ الإسلامي الذي اشتقت منه الصيرفةُ الإسلامية على ثلاثةِ مبادئ رئيسية هي([3]):

1.                  مبدأُ المِلكية المزدوجة بين القطاعَين (العامِّ والخاصّ).

2.                  مبدأُ الحرية الاقتصادية في نطاقِ حُدود القِيَم المعنوية والأخلاقية التي يُؤمِنُ بها الإسلام.

3.                  مبدأُ العدالةِ الاجتماعية.

تُعَدُّ تَجرِبةُ المصارف الاسلامية حديثةَ العَهْدِ في الدول العربية؛ إذ بدأت في مِصرَ عام 1963  م عندما أسَّس الدكتور "أحمد النجَّار" بُنوكَ الادِّخار المحلية في الريف المصري للتعامُل مع صغار الفلَّاحين من خلال جمع مدَّخراتهم، ثمَّ تمويل مشاريعهم الفلَّاحية على أُسُسٍ إسلامية، وفي عام 1971 م تمَّ إنشاءُ "مصرِف ناصر الاجتماعي" في القاهرة، تَلاه عام 1975 م إنشاءُ أوَّلِ مصرفٍ إسلاميّ في المملكة العربية السعودية وهو البنكُ الاسلامي للتنمية في جُدَّة، وكانت مِلكيَّته وتعامُله أساساً مع الدول والحكوماتِ؛ خُصوصاً الأعضاءَ منها في منظَّمة المؤتمر الإسلامي، وفي العام نفْسِه تمَّ إنشاءُ أوَّلِ مصرفٍ إسلامي يتعامل مع الأفراد وهو "بنك دُبي الإسلاميّ"، وفي عام 1977 م تمَّ إنشاءُ "بيت التمويل الكويتيّ"، ثمَّ إنشاء "مجموعة مصارف فيصل الإسلامية" عام 1977 م، و"مجموعة دلَّة البركة" عام 1980 م. وانتشرت المصارفُ الإسلامية بعدَ ذلك التاريخ.

ثانياً: التحدِّياتُ العالَمية لبيئة العمل للمَصارِف الإسلامية:

تُواجِهُ بيئةُ عمل المصارف الإسلامية العديدَ من التحدِّيات، ومِن أبرزها:

ضعفُ مؤسَّساتِ البحث والتطوير في المصارف الإسلامية:

لقد أدَّى (غِيابُ أو ضَعف) مؤسَّساتِ البحث والتطوير في المصارف الاسلامية نتيجةً لانخفاض مخصَّصاتها من قِبَلِ المصارف نفْسِها إلى عدم تطوير الأدوات المالية الإسلامية، وبالتالي تطوير عمل المصارف الإسلامية؛ إذ أنّ هناك بعض الأدوات المالية التي تستخدم في مصارف الدول المتقدِّمة لم تستخدم إلى الآن في المصارف الاسلامية؛ مِثل الخيارات (Options) والمستقبليات (Futures) على الرغم من أنَّ هذه الأدوات لا تتعارض مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي إلّا أنَّ المصارف الإسلامية ترفضُ التعاملَ بها.

القُدرةُ التنافُسية العالَمية للمَصارِف الاسلامية:تنخفض القدرةُ التنافسية للمصارف الإسلامية في السوق العالمية مقارنةً بالمصارف العالمية التقليدية التي تتميَّزُ بارتفاع مستوى خدماتها؛ خُصوصا بعدَ افتتاحِ بعض المصارف العالمية لأقسامٍ خاصَّة بالمعامَلات السلامية وكان أوَّلها  مجموعة "سيتي جروبCitigroup" "المالية في عام 1996. بينما أسَّس "البنك الألماني-"Deutsche Bank"، ومجموعة البنوك البريطانية"HSBC"، والبنك الهولندي"ABN Amro"، والبنك الفرنسي"BNP Paribas"، فروعاً لها خلال الأعوامِ الأخيرة الماضية تَتقيَّدُ بأحكامِ الشريعة الإسلامية في إدارتها للأموال. كما قام بنكUBS "" بنك الاتحاد السويسري"، إحدى كُبرى مؤسَّساتِ إدارة الأموال في العالم، بتأسيس بنك "نوريبا- Noriba"سَنة 2002 في البحرين؛ بهدف خدمة الزبائن الأثرياء في الشرق. ويقدِّم التطوُّر التدريجيّ لفَرع "أمانة" من البنك البريطانيHSBC منذ عام1998 خدمات مصرفية إسلامية في العالم العربي، وماليزيا([4])، إنَّ افتتاحَ هذه الفروع ساعدَ بسَحبِ العديد من رؤوس الأموال من المصارِف الاسلامية.

نمتْ أصولُ التمويلِ الإسلامي بمعدَّلاتٍ من رقْمَين خلال العقْد الماضي، مِن نحو 200 مليار دولار في عام 2003 إلى ما يُقَدَّرُ بنحْو 1.8 تريليون دولار في نهاية عام 2013  م ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا النموِّ؛ إلّا أنّ أصولَ التمويل الإسلامي لا تزالُ تَتركَّزُ في دول مجلس التعاون الخليجي، وإيران، وماليزيا، وتُمثِّلُ أقلَّ مِن 1 في المئة من الأصول المالية العالمية([5]).

على الرغم من إنشاءِ الهيئات التنظيمية الإسلامية وقيام واضِعي المعايير والتشريعات بوضْع تفاصيل المعايير الفنية للصيرفة الإسلامية؛إلّا أنّه لم يكُن هناك فُرصٌ لتنفيذها من قِبَلِ السُّلطات الوطنية، الذين هُم في كثيرٍ من الأحيانِ أكثر تركيزاً على المعايير المصرفية التقليدية العالمية، فضلاً عن نُدرةِ عُلماء الشريعة ذَوي الخِبرة في القطاع المالي، وبُطءِ وتيرة الابتكار التي تُعَدُّ مِن أهمِّ التحدِيات في هذه الصناعة.

ارتفاعُ نِسَبِ السيولة في المصارف الإسلامية التي لا تستطيع إيداعَ فائضِ السيولة لدَيها لدى البنك المركزي أو البنوك التجارية التقليدية كونَها لا تتعاملُ بنظام الفوائد الربوية؛ ولكنْ تُستثمَرُ الأموالُ في مشروعاتٍ اقتصادية تقومُ على المشاركة في (الربح والخسارة) وتُساهِمُ في التنمية، وهذه المشروعاتُ تحتاج إلى سيولة،ويؤدى ارتفاع نسبة السيولة النقدية عن النسبة المطلوبة إلى ضياع فُرَصٍ ربحية، وبالتالي ضياع عوائد كان من الممكن الحصول عليها لو أنّ هذه الأموال كانت قد استُثمِرت، كما تتأثَّر النقديةُ الزائدة بالتضخم النقدي؛ بسبب انخفاض القوَّة الشرائية للنقد([6]).

نُدرة الأدوات التي تلِّبي الطلبَ من مُتطلَّباتٍ استثماريَّة محدَّدة:واحدةٌ من أكبر التحدِّيات التي تُواجِهُ المصارف الإسلامية هو توفير الأدوات الاستثمارية قصيرة الأمد، وقد حاولت  مصارفُ عديدةٌ تطويرَ أدواتٍ ذات جَودةٍ عالية على المدى القصير؛ الأمرُ الذي يُعرقِلُ قُدرتها على توليد الأصول، ويخفضُ من تصنيفاتها الائتمانية، وقُدرتها على التحكُّم بالسيولة.

ثالثاً: مُسبِّباتُ التحوُّلِ من الصيرفة التقليدية إلى الصيرفةِ الإسلامية:

لقد كانت أفكارُ معظَم (العُلماء والمفكِّرين) المسلمين تقتصرُ على (تحريمِ عمليات تلك المصارف وتوجيه الانتقادات لها دون وَضْعِ البديل المناسب؛ ولكنْ بعدَ ذلك توجَّه الاهتمامُ نحوَ أعمالِ تلك المصارفِ؛ ذلك (أنّ أعمال هذه المصارف لا تخلو من الفائدة والمنفعة وتُحقِّق الكثيرَ من مصالح الناس)،فتركَّزت الجهود على التعرُّف على محرَّماتِ التعامُل مع هذه البنوك، والبحث عن بديل يتوافقُ مع أحكام الشريعة السمحاء.

وتعود أسبابُ الانتقال إلى جُملةٍ من العوامل أهمها([7]):

1.                  عدم الرِّضا عن أداء ونتائج القطاعَين (النقديّ والماليّ) في العالَم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ فضلاً عن خيبة الأمل مع المقاربة غير الأخلاقية لمسألة التمويل التقليدي.

2.                  ظهورُ الحركةِ المالية الاسلامية كجُزءٍ من نهضة الشعوب الإسلامية.

3.                  المقارَبةُ الإسلامية للنقود والصيرفة والتمويل؛ والتي تختلف عن المقارَبة التقليدية؛ فالتمويل الإسلامي يُوجِدُ ترابُطاً مع الاقتصادِ الحقيقي (الإنتاجي) الذي يُولِّدُ قيمةً مُضافة، ولا يُوقِعُ مخاطرَ جديدة من أجل الحصول على الربح.

هذا فضلاً عن أنّ مبادئ الرأسمالية السائدة في العالم حاليَّا قد كرَّست تركيزَ الثروة في أيدي فئةٍ قليلة من الناس، وأسهمت في انتشار (الفقر والبطالة)، والاحتكار للثروات والطبقية الاجتماعية؛ ممّا أدَّى إلى ظهور نداءاتٍ في العديد من دُولِ العالَم تطالب بما عُرِفَ بالمالية الأخلاقية التي تبتعدُ عن كُلِّ تلك السلبيات، وتُحاولُ إيجادَ التوازنِ بين طبقات المجتمع المختلفة، وهذا النوع من المالية متوافرٌ في النظام الإسلاميّ (عُموماً) وفي الصيرفة الإسلامية (خُصوصاً).

رابعاً: تجربةُ ماليزيا في التحوُّل إلى الصيرفةِ الإسلامية:

ما يُميِّزُ التجرِبةَ الماليزية في مجال الصيرفة الإسلامية هو أنها تجربةٌ بدأت لتستمرَّ وتنمو؛ فالهدفُ مرسومٌ ومُحدَّد، والتجرِبةُ تحظى بأولويةٍ ودَعْمٍ حكوميِّين. كما أنّها دُعِمَتْ بإنشاء عددٍ كبير من (الجامعات ومراكز البحث التي تهتم بالتطوير والابتكار) في هذا المجال. بدأت تجربةُ الصيرفة الاسلامية في ماليزيا رسمياً بإنشاء «بنك إسلام» الماليزي في يوليو من عام 1983 م.

في عام 1982  م قامت لجنةٌ مشكَّلةٌ من قِبَلِ الحكومة الماليزية تضمُّ خبراءَ مصرفيِّين بإعدادِ الدِّراسات اللازمة لتأسيس نظامٍ مصرفيّ إسلامي في ماليزيا، وقد أوضحت اللجنةُ في تقريرها أنّ إقامة نظامٍ مصرفي إسلامي هو أمرٌ (مهمٌّ وحيويٌّ) للاقتصاد الماليزي، كما تضمَّن التقريرُ مجموعةً من التوصياتِ أهمّها:

1.                  على الحكومةِ تأسيس نظامٍ مصرفي يعمل وفقَ الشريعة الإسلامية.

2.                  تشريعُ قانونٍ جديد يُناسِبُ أسلوبَ عملِ النظام المصرفي الاسلامي؛ وذلك لأنَّ قانون المصارف لعام 1973 م لا يتلاءم مع أسلوبِ عمل المصارف الإسلامية.

3.                  تُدْرَجُ المصارفُ الإسلامية تحت قانون رعايةِ الشركات لعام 1965 م.

4.                  تأسيسُ مجلسِ الرقابة الشرعية يتولَّى مهمَّة التأكُّد من أنَّ عمليات المصارف الإسلامية لا تتعارض مع قواعد الشريعة الإسلامية ( وهذا ما ميَّز ماليزيا عن غيرها من الدول التي أنشأت المصارف الإسلامية).

ولم يقتصِر النظامُ المصرفي في ماليزيا على المصارف الإسلامية؛ بل إنّ تلك المصارف كانت تعمل جَنْباً إلى جَنْبٍ مع المصارف التقليدية؛ أيّ: أنّ الحكومة الماليزية اعتمدتِ النظامَ المالي المختلط (إسلاميّ + تقليديّ)، وهذا النظام سَعَتْ مِن ورائه ماليزيا إلى (إقامة نظامٍ ماليّ قوّي وتنافُسيّ)، فضلاً عن جعل ماليزيا مركزاً للتمويل الإسلامي في العالَم، ومِن أجْلِ تحقيق ذلك فقَد وضعَ البنك المركزي الماليزي استراتيجيةً تُركِّزُ على ثلاثةِ محاور هي:

1.                  عددٌ كبير من اللاعبِين.

2.                  مجموعةٌ واسعة من الأدوات المالية الإسلامية من خلال( الابتكار والتطوير)؛ مِثل (صكوك وأسُهم وسَندات لا رِبوية).

3.                  زيادةُ وتسهيل التعامُل في سُوق ما بين المصارف.

وفي عام 2001 م قامت الحكومةُ الماليزية بوضْع خطَّةٍ جديدة هدفت إلى زيادةِ مُرونةِ نظامها المصرفي وإعطائه حيويَّةً أكبرَ ضمنَ خطَّةٍ عُرِفَتْ باسْم (Financial Sector Master Plan)، وتضمَّنت هذه الخطَّة إنشاء المؤسَّسات الآتية:

1.                  وحدةُ السُّوق المالية الإسلامية (ICMU).

2.                  وحدةُ الدِّراساتِ والابتكار للمنتجات الإسلامية (IISG).

3.                  إنشاءُ هيئةٍ رقابية عُليا ترجع إليها الهيئاتُ الرقابية في المصارف الإسلامية (SAC).

وفي العامِ نفْسِه أعلنت ماليزيا إنشاءَ سُوق رأس المال الإسلاميّ؛ إذ يُمكِنُ إصدارُ العديدِ من أوراق المال الإسلامية وتداولها في السُّوق الثانوية.

وقد حقَّقت المصارفُ الإسلامية معدَّلاتِ نموٍّ أعلى من المصارف التقليدية في ماليزيا خلال المدَّة (2006-2012)م، وكما هو موضَّح بالجدول الآتي:

جدول (1)

قِيَمُ ومُعدَّلاتُ نموِّ عمليَّات المصارف التقليدية والمصارف الإسلامية خلال المدَّة (2006-2012)م

(مليار رينغت)

السَّنَة

2006

 

2007

2008

2009

2010

2011

2012

معدَّل النموِّ(%)

المصارف الإسلامية

الموجودات

131,9

156,81

192,7

233,6

267,6

335

381,5

19,5

الودائع

99,2

122

154,7

188,8

217

266,4

306,5

20,20

التمويل

78,2

90

107,7

135

162,2

200,3

236,6

21,4

المصارف التقليدية

الموجودات

1092,9

1221,4

1333,0

1426,2

1549,8

1781,9

1909,3

9,3

الودائع

812,3

868,8

972,3

1062,9

1137,9

1298,9

1408,3

10,10

التمويل

593,5

644,2

726,5

783,5

883,3

1003,5

1108,0

11,5

 

Source:Sri Zukri Samatbank, Islamic Banking in Malaysia: Current Trend and Way Forward, Bank Islam,2013, p.15.

يتّضِحُ من الجدولِ أنَّ المصارفَ الإسلامية حقَّقت معدَّلَ نموٍّ في الموجوداتِ يُعادِلُ تقريباً ضِعْفَي مُعدَّلِ نموِّ المصارف التقليدية، والحالُ نفْسُها تقريباً في معدَّل نموِّ الودائع وكذلك التمويل؛ إلّا أنّ المصارف التقليدية تتفوَّق في قيمةِ الموجودات التي بلغت في عام 2012 م حوالي خمسةِ أَضعاف قيمةِ موجودات المصارف التقليدية والحالُ نفْسُها تقريباً في قيمة الودائع والتمويل، إنَّ تحقيق معدَّلاتِ النموِّ المرتفعة هذه في المصارف الإسلامية دليلُ على أنها بدأت تجذبُ (المودِعينَ والمدَّخِرين) بشكلٍ أكبرَ من المصارف التقليدية، وإنّ استمرارَ هذه المعدَّلات سيؤدِّي بعدَ فترةٍ من الزمن إلى تفوُّقِ المصارف الإسلامية على المصارف التقليدية حتّى في قيمة (الموجوداتِ والودائع والتمويل).

وفي بداية العقْدِ الأوَّل من الألفية الثالثة كَثُرَ اهتمامُ العالَم بالصكوكِ الاسلامية وزادَ معدَّلُ إصدار هذه الصكوك بشكلٍ كبير؛ إذ كانت (الصناعةُ المصرفية الإسلامية في ماليزيا تُشكِّلُ المصدرَ الأكبرَ والأكثرَ تنوُّعاً وابتكاراً لتلك الصكوك)، واستطاعتِ الحكومةُ الماليزية من خلال ما تمَّ ذِكْرُه أن تجعلَ ماليزيا أكبرَ سُوقٍ مالية إسلامية في العالم؛ فقد ارتفع حجمُ إصدار الصكوك في العالم والذي تُلاقي فيه الصكوكُ الإسلامية رَواجاً كبيراً من (1172) مليار دولار عام 2001  م إلى (138000) دولار عام 2012 م، وبمعدَّل نموّ (145%) للمدَّة (2001-2012) م[8].(الشطب، 2014: 138).

خامساً: الدُّروسُ المُستفادةُ من التجرِبة الماليزية:

هناك العديدُ من الدُّروس التي يُمكِن للدُّولِ التي لدَيها (الرغبةُ في التحوُّل إلى الاقتصاد الإسلامي أو تحويل نظامها المصرفي من النظام التقليدي إلى النظام الإسلامي) الاستفادة مِنها؛ وأهمّها ما يأتي:

1.            تُعَدُّ تجرِبةُ ماليزيا في تحقيق التنمية الاقتصادية وتطوير القطاع المصرفي الاسلامي ردَّاً مهمَّاً على الزاعمِينَ بأنّ (الإسلام دِينُ التخلُّفِ وعائقٌ أمام التقدُّم والتطوُّر) والواقع يُثبِتُ نقيضَ ذلك وخلافَه .

2.            استطاعت ماليزيا أن تنجحَ في الصيرفة الإسلاميةِ؛ بسبب (الدعم الحكوميّ) أوّلاً، و(إعداد موارد بشريّة مدرَّبةٍ ومؤهَّلةٍ في مجال الصيرفة الإسلامية ومُستعدَّة للتغييِر) ثانياً.

3.                نجحتْ ماليزيا في (الدمْج بين النظام المصرفي التقليديّ والنظام المصرفي الإسلاميّ)، وهذا درسٌ مهمٌّ جِدَّاً لجميع الدول الاسلامية، كما أنّ ماليزيا نجحتْ في إظهار هذا النظام المالي الإسلامي؛ باعتباره نظاماً ليس خاصّاً بالمسلمين وحدَهم، بِقَدْرِ ما هو نظامٌ ثانٍ أو مكملٌ للنظام التقليدي لا يحملُ أيّ ايدلوجية معيَّنة، ولا يهدفُ إلى تحويل غير المسلمين إلى الإسلام وليس هو واجهة أخرى لِما يُسمَّى بـ(التطرُّف أو الدَّولة الدِّينية).

4.            نجحت  ماليزيا -وبشكلٍ كبير- في إظهار النظام المالي الإسلاميّ؛ باعتباره (نظاماً مالياً أخلاقياً وعادلاً)، وأنه (لا يحمل في طيَّاته أيّ ايدلوجية لأسلمةِ المجتمعِ) أو لـ(إجبار غَير المسلمين على تبنِّي نُظُمٍ إسلامية معيَّنة.

5.             لم تقتصرْ ماليزيا على المصارف المحلية؛ بل فتحتْ أبوابَها للمصارف الإسلامية في العالم لتقديم خدماتهِا المصرفية داخل ماليزيا؛ فلدَيها اليوم خمسةُ بنوكٍ إسلامية لا تُقدِّم إلّا المنتجاتِ المتوافقة مع الشريعة؛ ثلاثةٌ منها منخارج ماليزيا ؛مثل: (بيت التمويل الكويتي وبنك الراجحي وبنك قطر الإسلامي)، كما أنّ لدَيها بنكين محليِّين هُما (بنك معاملات، وبنك إسلام)، فضلاً عن العديد من البنوك التقليدية التي تُقدِّم منتجاتٍ متوافقةً مع الشريعة، وهذه البنوكُ مُلزَمةٌ بتعيينِ هيئاتٍ شرعية تُشرِفُ على عملِها، كما أنّ لدى البنك المركزي (هيئةً شرعية مستقلّة تابعة له للإشراف على ما تُقدِّمه البنوكُ من منتجاتٍ ترى أنها متوافقةٌ مع الشريعة)، وهذا ما لم يتوافَرْ في العديد من الدُّول الأُخرى التي فَتحت مصارفَ إسلامية في دُولها.

6.             تُعَدُّ ماليزيا اليومَ من أكثرِ الدُّول في العالم التي تُقدِّم الصكوكَ التي تعتبرها متوافقةً مع الشريعة، والتي تنبني على عقودٍ؛ مِثل: (المشاركة والإجارة والمرابحة)، وما زالت تُبْرِمُ وتُصمِّمُ العقودَ والمنتجاتِ والدَّورات والبرامج الأكاديمية التي لا تستهدف فقط ماليزيا؛ بل لها انتشارٌ أكثرَ في العالَم خُصوصاً في دول الخليج العربي.

7.            أوضحتْ تجرِبةُ ماليزيا أنّ مُتطلَّباتِ نجاح النظام المالي الاسلامي في بيئةٍ عالَميّة متغيِّرة تَمثَّلَتْ في (الدعم الحكوميّ الكبير، والتخطيط السليم، وتأسيس الهيئات الساندة للنظام المصرفي) وأهمّها (الهيئات الرقابية الشرعية، وإصدار الصكوك المتوافقة مع الشريعة، وإنشاء سوق مالية إسلامية).

الخاتمةُ:

أصبح النظامُ المالي الإسلامي في ماليزيا نموذجاً يُحتذَى به في العالَم الإسلاميّ، وأصبح نواةً ناجحة ومتوافقة مع بيئةِ الاقتصاد العالمي، وصورةً مشرقة للاقتصاد الإسلامي المتطوِّر, وساعدَه على ذلك النموِّ الاقتصادي الكبير ووجودِه في بيئةٍ تَتَّصِفُ بمزيدٍ من (الحُرِّيَّة والتنافُس)؛ وذلك تماشياً مع (الاندماج المتزايد بين النظام المالي الإسلامي الماليزي والساحة المالية الإسلامية العالمية). وقد تميَّز نموُّ السوقِ المالية الإسلامية بانفتاحه على العالَمية فأنشأ (مجالسَ وهيئاتٍ ماليةً ونقديةً لها أبعادٌ دُوليةٌ)، ومن ذلك مجلسُ الخدماتِ المالية الإسلامية وفتح فروع لمصارفَ دوليةٍ إسلامية، وقد أوضحت تجربةُ ماليزيا أنّ تطبيقَ الاقتصاد الإسلامي مُمكِنٌ؛ بل وناجحٌ إذا ما توافرتْ له الشروطُ اللازمة لذلك.



([1]) السبهاني ،عبد الجبَّار حمد (2003) ، ملاحظات في فقه الصيرفة الاسلامية، مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد الإسلامي، م 16، ع 1، ص 7.

(2) ناصر، د. سليمان (2006)، تجربة البنوك الاسلامية في الجزائر الواقع والآفاق من خلال دراسة تقيميَّة مختصرة، الجزائر، مجلة الباحث، العدد 4، ص1.

([3]) الصدر، محمد باقر(1981)، اقتصادنا، بيروت، دار الثقلين، ص203.

([4]) للمزيد يُنظر: ختاوي، محمد(2012)، البنوك الإسلامية ودورها في الاقتصاد العالمي، مؤسسة النور للثقافة والإعلام، متوافر على الموقع الالكتروني: http://www.alnoor.se/article.asp?id=177631

([5])Kammer(2015), Alfred and Others, Islamic Finance: Opportunities, Challenges, and Policy Options, IMF,SDN 15/5.

([6]) للمزيد يُنظر: السعد، أحمد محمد و بني خالد، حمود(2014)، التحديات التي تواجه المصارف الإسلاميةمشكلة السيولة أنموذجا،بحث مقدم للمؤتمرالدولي الأول للمالية والمصرفية الإسلامية، متوافر على الموقع الالكتروني: www.darelmashora.com/download.ashx?docid=1860

([7]) Nejatullah, Mohammad, Siddiqi(2002), Comparative Advantages of Islamic Banking and Finance: a lecture presented at Harvard University  Forum on Islamic Finance, 6 April,www.sidiqi.com/mns

 

([8]) الشطب، عدنان هادي (2014)، الدور التنموي للمصارف الإسلامية في بلدان مختارة (السعودية، ماليزيا، العراق) دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، العراق، جامعة البصرة، 2014.