العدد الحالي: يوليو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التورق كما تجريه المصارف الإسلامية

د. عبد الباري مشعل

المدير العام شركة رقابة للاستشارات، المملكة المتحدة

التورق كما تجريه المصارف الإسلامية

د. عبد الباري مشعل

مدير عام شركة رقابة للاستشارات - بريطانيا

الحلقة (١)

 

تناول البحث أحكام التورق الفردي والمصرفي وتطبيقاتهما. وعرض البحث لتطبيقات التورق المصرفي في المصارف الإسلامية وأحكامها. ومن أبرز تلك التطبيقات التمويل وسداد المديونيات المتعثرة المشروعة للمؤسسة نفسها، وغير المشروعة لمؤسسة أخرى أو للمؤسسة نفسها، وكذلك استخدامه في قلب دين البطاقات الائتمانية أو إصدارها، وفي تصميم الودائع الإسلامية بعائد ثابت، أو توفير السيولة للمؤسسة نفسها وهو ما يعرف بمقلوب التورق.

ثم تناول البحث تقويم التورق المصرفي في ضوء قرارات مجمعي الفقه الإسلامي لرابطة العالم ومنظمة المؤتمر الإسلامي والمعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية وبعض الباحثين من فقهاء العصر.

وتوصل البحث إلى أن التورق المصرفي ومقلوبه كما تجريه المصارف الإسلامية يصدق عليه المنع المنصوص عليه في قرارات المجمعين، والمعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. لسببين مترابطين، ولا يكفي أحدهما للقول بالمنع: الأول: الوكالة الملزمة، والثاني: سلب العميل من القدرة من قبض السلعة من الناحية العملية.

المبحث الأول: مفهوم التورق ومشروعيته.

المبحث الثاني: صور التورق.

المبحث الثالث: تطبيقات التورق في المؤسسات المالية الإسلامية.

المبحث الرابع: تقويم التورق المصرفي المنظم

المبحث الخامس: توجيه الخلاف في التورق المصرفي النظم بين المانعين والمجيزين (وجهةنظر الباحث)

المبحث الأول

مفهوم التورق ومشروعيته

مفهوم التورق:

هو "أن يشتري الرجل السلعة نسيئة ويبيعها نقداً لغير بائعها". وقد عرفه مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بالآتي: هو شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل ثم يبيعها المشتري لغير البائع للحصول على النقد (الورق).

فالعناصر الأساسية للتورق ثلاثة: شراء السلعة نسيئة، وبيعها نقداً (بأقل غالباً)، وبيعها لغير بائعها.

والعنصر الثالث هو الفيصل بين التورق، والعينة المتفق على تحريمها عند جمهور الفقهاء، لأن العينة تتحقق ببيع السلعة لبائعها نقداً بأقل من ثمنها الآجل.

خلاف العلماء في مشروعية التورق[1]:

       1-        مباح، وهو مذهب جمهور الفقهاء. وهو مذهب جمهور المعاصرين.

       2-        محرم، وهو مذهب ابن تيمية وابن القيم.

       3-       مكروه، وهو ما ذهب إليه محمد بن الحسن الشيباني وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز.

أدلة جواز التورق:

واستدل المجيزون بالقرآن والسنة والمعقول:

-        من القرآن قوله تعالى: "وأحل الله البيع" (البقرة-275) والتورق يدخل في عموم البيع، فقد توافرت فيه أركان البيع وشروطه، وإن نية حصوله على النقد لا أثر لها في بطلان العقد، وليست نية محرمة من حيث المبدأ.

-        من السنة: ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً)".

-        ووجه الاستدلال بالحديث: أن الأصل في العقود هو تحقيق الصورة الشرعية. والاحتمالات الواردة لنية العاقد لا أثر لها، وأن الشيء قد يكون حراماً لعدم تحقيق صورته الشرعية كما في هذه المسألة، وأنه يتحول إلى الحلال إذا غيرت صورته المحرمة مع أن المقصد الأساسي واحد، فالشخص لديه تمر رديء يريد الحصول على تمر جيد فما الذي يفعل؟ فإذا باع صاعاً منه بنصف صاع فالعقد محرم، وباطل. ولكن إذا باعه بدرهم ثم باع بالدرهم نفسه نصف صاع فهذا جائز وهذا هو أساس سؤال الجاهليين حينما قالوا: "إنما البيع مثل الربا" (البقرة-275) فرد الله عليهم بإسناد التحليل والتحريم إليه فقال: "وأحل الله البيع وحرم الربا".

-        المعقول: يحقق التورق مصالح كثيرة للناس فهناك الكثيرون ليس لديهم نقود كافية لأداء ديونهم ولا لزواجهم ولا لمصالحهم الأخرى، فيستطيع المتورق من خلال عقد البيع لأجل التورق والحصول على حاجاته الأساسية بل على ضروراته.

رأي المانعين ومناقشته[2]:

ويستخلص من حجج القائلين بتحريم التورق ما يأتي:

أولاً: إنه مسلك اضطراري لا يأخذ به إلا مكره عليه أو مضطر إليه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر. رواه أبو داود.

ثانياً: حقيقته وأيلولته إلى الربا حيث إن غرض طرفي التعامل به الحصول على النقد بنقد زائد مؤجل والسلعة بين النقدين وسيلة لا غاية، فهو منطبق على قول بعض الفقهاء درهم بدرهمين بينهما حريرة.

ثالثاً: إن الغرض من التعامل به الحصول على النقد، والسلعة وسيلة وليست غاية. فهو يشبه العينة التي قال جمهور أهل العلم بتحريمها حيث إن الغرض والوسيلة إليه فيهما واحدة.

ونوقش بأنه ما دام أن السلعة لم تعد إلى بائعها الأول فلا شبه له بالعينة، وأن طلب السيولة أمر مشروع ولا غبار عليه، (وأضاف القرى داغي في بحثه آنف الذكر إلى أنه لا تلازم بين الاضطرار والتورق) وبصفة عامة الحاجة تقتضيه حيث إن محتاج النقد لا يستطيع تأمين حاجته في الغالب إلا بإحدى طرق ثلاث:

(‌أ)أن يقترض قرضاً حسناً ويغلب عدم تيسره.

(‌ب)           أن يقترض بالربا وهو حرام.

(‌ج)             أن يحصل عليه بطريق التورق.

قرار مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في جواز التورق:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، أما بعد:

فإن مجلس الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة التي بدأت يوم السبت 11 رجب 1419 هـ الموافق 31 اكتوبر 1998 م قد نظر في موضوع حكم بيع التورق. وبعد التداول والمناقشة والرجوع إلى الادلة والقواعد الشرعية وكلام العلماء في هذه المسألة قرر المجلس ما يلي:

أولا: أن بيع التورق هو شراء سلعة في حوزة البائع، وملكه بثمن مؤجل، ثم يبيعها المشتري بنقد لغير البائع للحصول على النقد ( الورق ).

ثانيا: أن بيع التورق هذا جائز شرعا، وبه قال جمهور العلماء لأن الاصل في البيوع الاباحة لقول الله تعالى “ وأحل الله البيع وحرم الربا “، ولم يظهر في هذا البيع ربا لا قصدا ولا صورة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك لقضاء دين أو زواج أو غيرهما.

ثالثا: جواز هذا البيع مشروط بألا يبيع المشتري السلعة بثمن اقل مما اشتراها به على بائعها الأول لا مباشرة ولا بالواسطة، فإن فعل فقد وقع في بيع العينة المحرم شرعا لاشتماله على حيلة، فصار عقدا محرما.

رابعاً: إن المجلس وهو يقرر ذلك يوصي المسلمين بالعمل بما شرعه الله سبحانه لعباده من القرض الحسن من طيب أموالهم طيبة بها نفوسهم ابتغاء مرضاة الله لا يتبعه من ولا أذى. ومن أجل أنواع الإنفاق في سبيل الله تعالى لما فيه من التعاون والتعاطف والتراحم بين المسلمين وتفريج كرباتهم، وسد حاجاتهم، وإنقاذهم من الإثقال بالديون والوقوع في المعاملات الربوية، وإن النصوص الشرعية في ثواب القرض الحسن والحث عليه كثيرة لا تخفى. كما يتعين على المستقرض التحلي بالوفاء وحسن القضاء وعدم المماطلة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

المبحث الثاني

صور التورق

الصورة الأولى: التورق الفردي غير المنظم مصرفياً:

وهي الصورة العادية للتورق، والسابق تناولها في التعريف، وتقوم على وجود ثلاثة أطراف هم:

أ- مالك السلعة الأصلي وهو البائع.

ب-مشتري السلعة بالأجل وهو المستورق.

ج-المشتري النهائي للسلعة بالنقد. وهو طرف ثالث غير مالك السلعة الأصلي.

ويمكن أن تتم هذه الصورة العادية خارج البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية أو من خلالها جزئياً هو ما قد يستدعي وجود طرف رابع هو المؤسسة المالية (الممول) وتكون مهمتها شراء السلعة نقدا من مالك السلعة الأصلي، وبيعها بالأجل على المستورق، وبالتالي يكون الأطراف هم:

أ- مالك السلعة الأصلي، وهو البائع على المؤسسة المالية (المورد).

ب-البنك وهو (الممول) الوسيط يشتري من المالك نقداً ويبيع على المستورق بالأجل.

ج-مشتري السلعة بالأجل وهو المستورق، وهو في هذه الصورة (عميل البنك).

د- المشتري النهائي للسلعة بالنقد. وهو ليس البنك، وإنما قد يكون المالك الأصلي أو غيره.

وغالباً ما تطبق هذه الصورة في التمويل الشخصي المحلي للسلع والسيارات من خلال بيوع المرابحة والمساومة (التقسيط)، بحيث يقوم العميل بعد تسلمه للسيارة أو السلعة التي اشتراها مرابحة أو مساومة من البنك ببيعها لطرف ثالث نقداً وقد يكون هذا الطرف هو المورد المالك الأصلي للسلعة.

ويعاب على هذه الصورة للتورق بأن إجراءاتها معقدة بالنظر إلى الهدف من العملية وهو الحصول على النقد، فضلاً عن أنها مكلفة، بالنظر إلى مقدار ما يخسره المستورق عند بيع السلعة بنفسه نقداً. وعلى الرغم من هذه السلبيات استشرى تطبيقها على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية دون أن تكون هذه المؤسسات طرفاً مقصوداً فيها.

الصورة الثانية: التورق المنظم

لجأت المؤسسات المالية إلى تنظيم التورق من خلالها للأسباب الآتية:

1.    تسريع الإجراءات.

2.    تخفيض خسارة العميل.

3.    تلبية لحاجة فعلية للسيولة لا يمكن تلبيتها عن طريق آخر

والجديد في التورق المنظم هو توكيل العميل للبنك ببيع السلعة في السوق نقداً. ومن ثم تصبح أطراف التورق المنظم على النحو الآتي:

أ_ مالك السلعة الأصلي وهو البائع على المؤسسة المالية (المورد).

ب-البنك بصفته ممولا وسيطاً يشتري من المالك نقداً، ويبيع على المستورق بالأجل.

ج-مشتري السلعة بالأجل وهو المستورق، وهو في هذه الصورة (عميل البنك).

د-البنك بصفته وكيلاً عن العميل ببيع السلعة نقداً.

ج-المشتري النهائي للسلعة بالنقد. وهو ليس البنك، وقد يكون المالك الأصلي أو غيره.

وغالباً ما يكون تطبيق هذه الصورة للتورق من خلال مرابحات في سلع مختارة من السلع الدولية، بحيث تتمتع باستقرار نسبي في أسعارها. وقد توجهت بعض البنوك في السعودية إلى إجراء بعض التطبيقات على سلع محلية مختارة كالأرز وأجهزة التكييف، لأغراض تمويل الأفراد دون الشركات. وفي المبحث الآتي بعض تطبيقات التورق المنظم.

المبحث الثالث

تطيبيقات التورق المنظمفي البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية

منتجات التورق المنظم بغرض توفير السيولة للعملاء:

لقد انتشر استخدام التورق من خلال السلع والمعادن الدولية بصفة خاصة على مستوى البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية عامة، إدراكاً منها لوجود حاجة ماسة للسيولة لدى كثير من العملاء، وفي ظل حرمة القرض الربوي، مع قصور الصيغ التمويلية الشرعية المتاحة حالياً عن تلبية احتياج السيولة كما في حالات الزواج والعلاج والدراسة.

وقد اتخذت التطبيقات أسماء شتى منها[3]:

1_ التورق المبارك، كما في البنك العربي الوطني بالسعودية.

2-تورق الخير كما في البنك السعودي الأمريكي.

3- تورق اليسر كما في البنك السعودي الهولندي.

4-تيسير الأهلي كما في البنك الأهلي التجاري السعودي.

5-مال كما في البنك السعودي البريطاني:الأمانة.

6-تساهيل كما في شركة المنار للتمويل والإجارة في الكويت.

7-اليلوة كما في شركة دار الاستثمار في الكويت.

وسبب اللجوء إلى السلع والمعادن الخام الدولية (الزنك-البرونز-النيكل-النحاس..) هو تميزها بثبات نسبي في أسعارها كما أسلفنا. وكما تنص عليه أغلب الأوراق الدعائية لهذه المنتجات. بل إن بعض البنوك تنص على أنها حرصاً على مصلحة عملائها تختار مجموعة من السلع الأساسية التي يتم تداولها بكثرة في الأسواق العالمية بشكل يومي وبذلك يسهل على العميل بيع ما اشترى من البنك بسهولة ودون خسائر مالية كبيرة. (تورق اليسر).

استخدام التورق في سداد مديونية مشروعة ومتعثرة على العميل لنفس المؤسسة:

لا يجوز استخدام التورق إلا بشرط أن يقوم المستورق بسداد ما عليه من دين ناتج عن عملية مشروعة مع المؤسسة نفسها كالمرابحة والاستصناع لكنه متعثر في سداده، وتسمى هذه المسألة بقلب الدين أو بفسخ الدين بالدين في بعض صوره لدى المالكية، وتعني استبدال الدين الحال بدين مؤجل أزيد منه، وتؤول في هذه الصورة إلى ربا الجاهلية (أتقضي أم تربي).

وقد ذكر الشيخ عبد الله المنيع في هذه الصورة ما يأتي[4]:

إذا كان الغرض من التورق إطفاء مديونية سابقة للبائع على المشتري فهذا ما يسمى بقلب الدين على المدين وقد أفتى مجموعة من أهل العلم بمنع ذلك لما يفضي إليه من نتيجة ما يفضي إليه المسلك الجاهلي من أخذهم بمقتضى: أتربي أم تقضي؟.

ولما في ذلك من مخالفة صريحة لأمر الله بقوله تعالى: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة". فالأمر في الإنظار يقتضي الوجوب.

وممن قال بمنع ذلك مجموعة من علماء السلف ومنهم الإمام مالك رحمه الله فقد سئل الشيخ عبد الله البابطين عن حكم قلب الدن فأجاب بإجابات متعددة ومن إجاباته رحمه الله ما نصه:

ونذكر لكم صورة من صور قلب الدين ذكرها مالك في الموطأ يفعلها بعض الناس إذا صار له على آخر مائة مثلا وطلبها منه قال: ما عندي نقد لكن بعني سلعة بثمن مؤجل كما يقول بعضهم العشر اثني عشر فيبيعه سلعة بمائة وعشرين مؤجلة تساوي مائة نقدا ثم يبيعها المشتري ويعطيه ثمنها مائة قال مالك رحمه الله في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال الذي عليه الدين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقداً بمائة وخمسة إلى أجل، قال مالك هذا بيع لا يصلح ولم يزل أهل العلم ينهون عنه قال: إنما كره ذلك لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكره له آخر مدة ويزداد عليه خمسين دينار في تأخيره عنه، فهذا مكروه ولا يصلح وهو تقضي وإما أن تربي، فإذا قضى أخذوا وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل. أهـ. ج 5 ص 68.

أما إذا كان الدين على مليء إلا أنه في حاجة إلى الاستزادة من التمويل لتوسيع نشاطه الاستثماري فهذه الحال محل نظر واجتهاد، وقد أجاز هذه الصورة مجموعة من الهيئات الرقابية الشرعية للمؤسسات المالية لانتفاء المحاذير الشرعية في الاضطرار واستغلال الضعف والحاجة ولانتفاء صورة الربا وحقيقته. ا ه ويعد الشيخ المنيع من أبرز المعاصرين القائلين بهذا الرأي.

وخلافاً لما ذكر الشيخ المنيع انتهت المجامع الفقهية في هذه الصورة من فسخ الدين بالدين هو التحريم مطلقاً سواء أكان المدين موسراً أم معسراً.

فقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة في مكة المكرمة في المدة من 21 - 26/10/1422هـ الذي يوافقه 5 - 10/1/2002م ما نصه:

"يُعَدّ من فسخ الدين في الدين الممنوع شرعاً كل ما يفضي إلى زيادة الدين على المدين مقابل الزيادة في الأجل أو يكون ذريعة إليه ويدخل في ذلك الصور الآتية:

فسخ الدين في الدين عن طريق معاملة بين الدائن والمدين تنشأ بموجبها مديونية جديدة على المدين من أجل سداد المديونية الأولى كلها أو بعضها، ومن أمثلتها: شراء المدين سلعة من الدائن بثمن مؤجل، ثم بيعها بثمن حال من أجل سداد الدين الأول كله أو بعضه.

فلا يجوز ذلك ما دامت المديونية الجديدة من أجل وفاء المديونية الأولى بشرط أو عرف أو مواطأة أو إجراء منظم؛ وسواء في ذلك أكان المدين موسراً أم معسراً، وسواء أكان الدين الأول حالاً أم مؤجلاً يراد تعجيل سداده من المديونية الجديدة، وسواء اتفق الدائن والمدين على ذلك في عقد المديونية الأول أم كان اتفاقاً بعد ذلك، وسواء أكان ذلك بطلب من الدائن أم بطلب من المدين.

ويدخل في المنع ما لو كان إجراء تلك المعاملة بين المدين وطرف آخر غير الدائن إذا كان بترتيب من الدائن نفسه أو ضمان منه للمدين من أجل وفاء مديونيته".

وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم: 158 (7/17) في دورته السابعة عشرة بعمان (المملكة الأردنية الهاشمية) من 28 جمادى الأولى إلى 2 جمادى الآخرة 1427هـ، الموافق 24 – 28 حزيران (يونيو) 2006م، ما نصه:

"يعدّ من فسخ الدين بالدين الممنوع شرعاً كل ما يُفضي إلى زيادة الدين على المدين مقابل الزيادة في الأجل أو يكون ذريعة إليه، ومن ذلك فسخ الدين بالدين عن طريق معاملة بين الدائن والمدين تنشأ بموجبها مديونية جديدة على المدين من أجل سداد المديونية الأولى كلها أو بعضها، سواء أكان المدين موسراً أم معسراً، وذلك كشراء المدين سلعة من الدائن بثمن مؤجل ثم بيعها بثمن حال من أجل سداد الدين الأول كله أو بعضه".

استخدام التورق في سداد مديونية مشروعة أو غير مشروعة على العميل لمؤسسة أخرى أو للمؤسسة نفسها:

يبرز مثل هذا الاستخدام في مراحل التحول إلى النظام المصرفي الإسلامي سواء على مستوى النظام ككل أو على مستوى المؤسسة الواحدة، وبافتراض أن الدين الربوي المرغوب سداده هو لمؤسسة أخرى غير المؤسسة التي يتورق بواسطتها فهذا لا جديد فيه. لكن الجديد فيما لو كان الدين للمؤسسة نفسها، والمؤسسة في مرحلة تحول كما الحال في البنك الأهلي التجاري السعودي، فقد ذهبت الهيئة الشرعية لإدارة الخدمات المصرفية الإسلامية بالبنك الأهلي التجاري إلى جواز استخدام التورق في هذه الحال، ومعنى ذلك أنها ستقوم بقلب الدين على العميل، ولم تتحقق فيها علة تحريم قلب على المدين على أساس أن العميل هو المبادر لطلب التورق وليس المؤسسة وأن الدين الربوي لم يستحق عليه بعد ونص فتواهم:

السؤال: تقدم إلينا أحد العملاء يذكر أن عليه مديونية للبنك من قرض ربوي ويذكر أنه راجع نفسه، وأدرك أنه دخل في معاملة آثمة موجبة للعقوبة، وأنه متألم من هذا الوضع ويجب أن يجد مخرجاً، وظهر له أن المخرج أن يتقدم إلى أحد الفروع بطلب الدخول في برنامج التيسير للحصول على المبلغ الذي يستطيع به سداد ما عليه من مديونية من القرض الربوي حتى يتم له التخلص منه، ومن فوائده الربوية في المستقبل وحيث إن الإدارة الإسلامية لا ما نع لديها من تمويل هذا العميل وفق برنامج التيسير بشرط أن يستخدم العميل ما يحصل عليه من سيولة في سداد القرض الربوي الذي بذمته فهل يجوز ذلك؟

بعد تأمل الهيئة للسؤال والتداول فيما بينها ظهر للهيئة أن هذه المبادرة جاءت من العميل المدين وفيها مخرج شرعي للعميل للتخلص من التعامل الربوي بتقليص مدته ومبلغه وعلى ذلك فإنه لا يظهر للهيئة مانع من إجابة طلبه، وإذا كان نوعاً من قلب الدين على المدين فإن علة منعه لدى من منعه ليست متحققة في هذا التعامل لأن العميل هو المبادر والدين الربوي الذي عليه لم يستحق بعد وإنما قصده التحرج من هذا التعامل الذي أنبه ضميره على الدخول فيه. أهـ من بحث آدم.

ويرى الباحث أن الأولى ألا يربح البنك من التورق في هذه الحالة مادام الدين للمؤسسة نفسها وستؤول الأرباح والفوائد معاً لحساب المؤسسة، وليس هناك فصل في الذمم بين القسم الإسلامي والقسم الربوي في البنك.

استخدام التورق في جدولة دين بطاقات الائتمان عند استحقاقه:

وقد أخذ بهذا التطبيق بعض البنوك السعودية، فقد استعملت بطاقة الخير الصادرة عن البنك السعودي الأمريكي، وبطاقة التيسير الصادرة عن البنك الأهلي التجاري، وهي بطاقة "تشارج كارد" لكنها تكتسب الصفة الائتمانية بأنها تتيح للعميل أن يؤجل الدين الذي حل عليه من خلال الدخول في عملية تورق منظم مع المصرف (مضمونها أن يقوم البنك ببيعه بضاعة بالأجل وهو يوكل البنك ببيع هذه البضاعة بالنقد ليستوفي منها الدين الذي حل، ويثبت في ذمة الحامل الثمن الآجل، ويتم هذا الأمر في كل شهر).

ويمكن أن يوجه النقد إلى هذه البطاقات بأنها من قبيل فسخ الدين بالدين وفقاً لمصطلح المالكية أو من قبيل قلب الدين وفقاً لمصطلح الحنابلة كما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذه البدائل تؤدي إلى سلوك مشابه للسلوك الجاهلي الربوي المعروف بقول الدائن للمدين إذا حل الأجل: أتقضي أم تربي؟. وتنطبق عليها القاعدة المجمع عليها وهي كل قرض جر نفعاً فهو حرام، كما تنتقد من وجه خارجي هو التورق المصرفي نفسه وما لقيه من انتقادات حادة كان آخرها منعه بقرار مجمع الرابطة ومجمع المنظمة.

وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم: 139(5/15) بشأن موضوع بطاقات الائتمان، مانصه "أن على المؤسسات المالية الإسلامية تجنب شبهات الربا أو الذرائع التي تؤدي إليه كفسخ الدين بالدين".

استخدام التورق في إصدار بطاقة الائتمان وإنشائها:

وقد أخذ بهذا التطبيق مصرف أبوظبي الإسلامي، حيث أصدر بطاقات ائتمان مغطاة، ومصدر الغطاء يكون هو محصلة لعملية تورق منظم مع المصرف لكن ليس بالضرورة. وتجرى عملية التورق هذه ابتداء عند منح البطاقة ويودع مبلغها في حساب استثماري، كضمان للثمن الآجل، لكن يتاح للعميل حامل البطاقة باستخدام ذلك الضمان والذي يعد مملوكاً له والذي يمثل غطاء للبطاقة من خلال السحب النقدي بالبطاقة وشراء السلع والخدمات بها أيضاً غير أنه يلتزم بأن يقوم بإيداعات شهرية لا تقل عن 10% من المبلغ المستخدم أو 50 درهما أيهما أكثر).

استخدام التورق في تمول المؤسسات من المؤسسات والأفراد (التورق العكسي):

من المنتجات التي تتمتع بالانتشار الكبير على التعاملات بين المؤسسات لأغراض توفير السيولة "التوكيل بالشراء مع الإذن بالشراء للنفس". وصورة ذلك توكيل مؤسسة لأخرى بشراء سلعة نقداً على أن تقوم المؤسسة الوكيلة بشراء السلعة من الموكلة آجلاً. وهدف الوكيل من ذلك التورق لنفسه. ولذا سمي بالتورق العكسي، أو المرابحة العكسية، أو المرابحة بصفة البنك مشترياً.

واستخدم التورق العكسي في إنشاء منتج الوديعة الإسلامية ذات العائد الثابت في بعض البنوك السعودية كالبنك الأهلي على سبيل المثال. وصورة ذلك أن يقوم البنك توكيل العميل المودع للبنك بشراء سلعة نقداً على أن يقوم البنك بشراء السلعة من العميل الموكل آجلاً. وهدف البنك التورق لنفسه، وإستحداث عائد ثابت للعميل على وديعته كبديل عن منتج الوديعة الآجلة الربوية.



[1]القره داغي، ص473-476.

[2]المنيع، ص445-449.

[3]النشرات الدعائية الصادرة عن هذه البنوك.

[4]المنيع ص 449-450.