العدد الحالي: مايو 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

ما الاقتصاد الإسلامي، ولماذا؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّد الأوّلين والآخرين محمّد وعلى آله وصحبه المجتبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين.

قبل الدخول في الموضوع ينبغي التأكيد على حقيقة ايمانية تقول: (أنّ الله لم يحرّم حراما أو يحلّ حلالا إلّا وفيه مصلحة تصبّ في صالح الإنسان)؛ لذا ينبغي التسليم حتّى لو لم تعرف الحكمة أو العلة من التحريم أو التحليل؛ لذا قال أحد العلماء المسلمين: (أينما كانت المصلحة فثمّ شرع الله).

إنّ معظم المعاملات الإسلامية الموجودة في فقه المعاملات، ما هي إلّا معاملات كانت موجودة ومتعامل بها في مكّة المكرّمة؛ باعتبارها حاضرة تجارية- فضلا عن أرجاء الجزيرة العربية- حتّى قبل ميلاد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بقرون عديدة.

ولما أنشأ الرسول الكريم دولته الإسلامية في المدينة المنوّرة فأصبح رسولا وقائدا عامّا لعموم المسلمين، أوحى الله إليه سبحانه وتعالى بأن يقرّ معظم المعاملات التي كان معمولا بها كـ(المضاربة والمشاركة) وأنواع البيوع المختلفة؛ كـ(بيع المساومة، وبيع المرابحة، وبيع الوضيعة، وعقد السّلم، والبيع بالتقسيط) وغيرها، مع ضبطها وتشريعها وفق شرعه سبحانه وتعالى، مع تحريم البعض الآخر والذي أكاد أجزم بأنه المعاملات الرّبوية أو التي فيها شبهة ربا فقط، فضلا عن جميع المعاملات التي فيها ظلم للآخرين كـ(التحايل والغشّ) وغيره ؛أيّ: أنّ نطاق المحرّمات في المعاملات ضيّقل ومحصور في (الرّبا والظلم) وفيما عداها فهي حلال؛ لذا قيل: أن كلّ المعاملات حلال؛ إلّا إذا ورد نصّ في حرمتها.

ويمكن القول أن العرب والمسلمين قد سبقوا غيرهم في مراحل التطوّر وفقا لعالم الاقتصاد (روستو)، وعالم الاقتصاد (ماركس)؛ حيث بدأ العرب قبل الإسلام بـ(المرحلة التجارية)، وانتهى في العصر العباسي بـ(المرحلة الرأسمالية الصغيرة) المتمثّلة بانتشار الورش )المانفاكتورة(كصناعات (الورق والصابون والجلود والأسلحة والسفن) وغيرها، والتي انتقلت عن طريق الحروب الصليبية الى أوربة وخاصّة إيطالية وفرنسة وانجلترة، ولولا الغزو المغولي وسقوط بغداد وما تلاه من غزوات على العراق وغيره من البلاد العربية، لكان التطوّر والتقدم مستمرّا الى الآن.   

لذا يلاحظ أن المذاهب الإسلامية قاطبة إلّا التي أعلنت بنفسها أو عن طريق غلوّها في الدّين خروجها عن الإسلام، متّفقة على فقه المعاملات الإسلامية بـ(ضوابطه وتشريعاته)كافّة، وهذا يعدّ من الركائز الأساسية لوحدة الأمّة الإسلامية، وصلاح تطبيقه على كلّ الأنظمة وفي كلّ الأزمنة.

إنّ مشكلة العالم هي مشكلة النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية). ومن الطبيعي أن تحتلّ هذه المشكلة مقامها الخطير، وأن تكون في تعقيدها وتنوّع ألوان الاجتهاد في حلّها مصدرا للخطر على الإنسانية ذاتها؛ لأنّ النظام داخل في حساب الحياة الإنسانية ومؤثّر في كيانها الاجتماعي في الصميم.

ومن أهمّ المذاهب الاقتصادية التي يقوم بينها الصراع (الفكري أو السياسي) على اختلاف مدى وجودها الاجتماعي في حياة الإنسان هي مذاهب أو أنظمة أربعة، وهي (النظام الرأسمالي، والنظام الاشتراكي، والنظام الشيوعي)، وأخيرا ومهيمنا عليها جميعا(النظام الإسلامي).

ومن المعروف أنّ هناك اتجاهين سائدين في الدراسات الاقتصادية:

الأوّل معياريّ يهتمّ بدراسة ما يجب أن يكون ويسمّى بدراسات المذهب الاقتصادي وهو يعنى بدراسة الاقتصاد (الأخلاقي)، ومن الأمثلة عليه (المذهب الاقتصادي الإسلامي والمذهب الاقتصادي الماركسي) مع الفارق أنّ الثاني مصدره (وضعيّ)، والأوّل مصدره الشريعة الإسلامية السمحاء متمثّلة بالقرآن الكريم وكتب السّنّة المطهّرة وكتب الفقه.

 أمّا الاتجاه الثاني (موضوعيّ) يهتمّ بما هو كائن ويفسّر الواقع الموجود ويكشف عن العلاقات بين المتغيّرات وهو ما يعرف بـ(النظرية الاقتصادية أو التحليل الاقتصادي)، ويضاف إليه الدراسات التي تهتمّ بتطبيق تلك النظريات وهي ما تعرف بـ(السياسات الاقتصادية) وكلاهما يشكّلان (علم الاقتصاد الرأسمالي).

وفي الحقيقة فإنّ المدرستين (الطبيعية والتقليدية) يعتنقان فلسفة اقتصادية واحدة تسمّى (الفكر الاقتصادي الحرّ) والذي يقوم على (فكرة الحرية الاقتصادية ومنع الدولة من التدخّل في الشؤون الاقتصادية)؛ سواء كانت (إنتاجية أو تجارية)، كما وتتبّنى أربعة مبادئ أساسية؛

 المبدأ الأوّل: هو فكرة القانون الطبيعي ويرى أنّ القوانين الاقتصادية (ثابتة)؛ لأنها نتيجة قانون طبيعي يحكم الظواهر الاقتصادية التي تتّصل ببعضها بعلاقات ثابتة وتؤدّي إلى نتائج ثابتة أيضا؛ لذا يسمّى الاقتصاد الحرّ بـ(الاقتصاد المرسل)؛ لإيمانه بالقوانين الطبيعية؛ فالطبيعة لديه أو الله هو اليد الخفيّة وهو الذي أقام هذه القوانين، وما على الإنسان إلّا أن يكتشفها ليعمل بها، فإن حصل نقيض ذلك يكون الاقتصاد حينئذ غير طبيعيّ،

والمبدأ الثاني: هو أنّ المنافع الخاصّة هي العامل الأساس الذي يحرّك النشاط الاقتصادي وهي تتّفق إلى درجة كبيرة مع المنافع العامّة؛ أيّ: أنه ليس هناك تناقضا بين كلّ من المصلحتين (الخاصّة والعامّة)، والمبدأ الثالث: هو عدم تدخّل الدولة في الشؤون الاقتصادية؛ لأن تدخّلها يترتّب عليه التضييق على حرّيّة الفرد وفي ذلك ضرر عامّ وأن النّماء والثراء يرتبطان بالحرّيّة الفردية،

 والمبدأ الرابع والأخير: هو أن تملّك الإنسان لأمواله أو لثمرة نشاطه يحفّزه على استمرار النشاط؛ ولذلك يتمسّك هذا الفكر بـ(الملكية الفردية والميراث).    

وإنّ الباحث يؤيّد وجهة النظر التي تقرّ بوجود مبادئ وأسس في الإسلام الحنيف تؤلّف نظرية اقتصادية متكاملة؛ إذ يؤمن بأنّ في الإسلام نظرية اقتصادية (جزئية وكلّيّة)، وما على الباحث إلّا مهمّة الكشف عنها، فضلا عن محاولة تنظيرها قدر الإمكان وبحيث يجعلها خارج نطاق المذهبية الدينية؛ لتتحوّل هذه (الرّؤى أو النظريات) من حيّز فقه المعاملات الإسلامي المحصور بأتباعه ومريديه، إلى حيّز التطبيق العملي الواسع على الصعيد الإسلامي؛ بل وحتى العالمي كنظام اقتصادي عالمي غير محصور بالدّين فقط؛ بل مرتبط أكثر بنظام الحكم وقوانينه- ولاسيما تشريعاته الاقتصادية-.

يقول العلّامة محمّد باقر الصدر في كتابه اقتصادنا: (إنّ معظم القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي هي قوانين علمية في إطار مذهبي خاصّ وليست قوانين مطلقة تنطبق على كلّ مجتمع وفي كلّ زمان ومكان، كالقوانين الطبيعية في الفيزياء والكيمياء؛ حيث أن جزءا صغيرا من تلك القوانين العلمية هي التي تسير وفقا لقوى طبيعية لا من الإرادة الإنسانية والتي تكاد تنحصر في قانون الغلّة فقط.

أمّا الجزء الثاني من القوانين العلمية في الاقتصاد والذي يشكّل معظم هذه القوانين فهو الجزء الذي يحوي قوانين الحياة الاقتصادية ذات الصلة بإرادة وسلوك الإنسان كقانون العرض والطلب، وبما أن هذه القوانين تتأثر بكلّ المؤثّرات التي تطرأ على الوعي الإنساني، وبكل العوامل التي تتدخّل في إرادة الإنسان وميوله؛ فهي إذن قوانين علمية في إطار مذهبيّ خاصّ وليست قوانين مطلقة تنطبق على كلّ مجتمع وفي كل زمان ومكان ، كالقوانين الطبيعية).

ويمكن أن يصل الباحث من ذلك إلى نتيجة مهمّة تقول : بأنّ شرط إضفاء مبادئ وافتراضات المذهب الاقتصادي الإسلامي على قوانين الحياة الاقتصادية ذات الصّلة بإرادة وسلوك الإنسان، لا يعني خروجا عن علمية الاقتصاد كما هي حال علم الاقتصاد الرأسمالي؛ فعلى قول المثل العربيّ: "بائكم تجر وبائنا لا تجر"، فاذا كان علم الاقتصاد الرأسمالي قائما على أسس وقواعد ومرتكزات وضعية جزء منها أخلاقيّ وحرّ، وجزء منها لا أخلاقيّ، وبالرغم من ذلك أسموه علما، فمن باب أولى أن يكون الاقتصاد الإسلامي علما أيضا؛ لأنه ينطلق من قواعد ومرتكزات مصدرها الله عزّ و جلّ كلّها أخلاقيّة وأصلح للإنسانية من غيرها، فهي بحقّ أن تكون قوانين طبيعية.

يمكن القول: بأنّ (النظام أو المذهب) الاقتصادي الإسلامي يعدّ نظاما خاصّا ومستقلا بذاته عن الأنظمة الاقتصادية الوضعية قاطبة؛لأن مصدره الله عزّ و جلّ، ويقوم النظام الاقتصادي الإسلامي على تصوّر خاصّ للمال ولحقّ الملكية يمكن حصره في (الأسس أو القواعد) الآتية:

القاعدة الأولى: أنّ الله مالك كلّ شيء، والإنسان مستخلف في هذه الملكية.

القاعدة الثانية: المال ليس سلعة؛ وإنّما وسيلة للوصول إلى غايات معيّنة، وملكيّته ما هي إلّا أداة للوصول إلى هذه الغايات؛ ولذلك لا يمكن أن ينتج عنه أيّ مردوديّة؛ إلّا إذا تحمّل مخاطر الربح والخسارة؛ أيّ: إلّا إذا اقترن بالعمل الذي يحتل مكانة مهمّة ورئيسة في الدورة الاقتصادية في هذا النظام.

القاعدة الثالثة: يجب أن يكتسب المال من الحلال، وأن يستخدم في الحلال، والإنسان هو الرقيب الأوّل عليه، وبالتالي تقييد طرق الكسب والاستخدام بتحريم التعامل بـ(الرّبا والاكتناز والإسراف، والغش والاحتكار، وكلّ تصرف ينطوي على الاستغلال أو ظلم).

القاعدة الرابعة: الالتزام بإعادة توزيع (الدخل والثروة) عن طريق الزكاة والخمس والإرث وغيرها؛ لأنّ الغرض من الادّخار هو أن يوظّف فيما يزيد من الإنتاج الموجود، أو يوجد إنتاجا جديدا بغية تغطية متطلّبات الحياة في المجتمع.

والأنظمة الثلاثة سابقة الذّكر كفيلة بإعادة أكبر الدخول خلال أجيال قليلة.

القاعدة الخامسة: الحرية الاقتصادية المقيّدة لأفراد المجتمع؛ حيث يقوم النظام الاقتصادي الإسلامي على أساس (حرّيّة تملّك عناصر الإنتاج، وحرّيّة النشاط الاقتصادي في العمل والإنتاج والتعاقد والاستهلاك والتصرّف في الملكية)؛ بشرط الوفاء باشتراطات معيّنة تكفل اتفاق المسار الاقتصادي مع القواعد التي حدّدتها الشريعة السمحاء.

أيّ: أنّ سوق العمل في ظلّ سوق المنافسة التامّة هو السائد في النظام الإسلامي؛فبالرغم من كون المساومة الحرّة التي يتبعها (قبول وإيجاب) على قيمة الأجر بين العامل وصاحب العمل كشرط أساس من شروط عقد الإجارة هي القاعدة في تحديد الأجر في النظام الإسلامي؛ إلّا أنّ (سعر المثل) وهو السعر التوازنيّ للأجر السائد للعمل نفسه في السوق التنافسي الإسلامي هو الذي يأخذ به في نهاية المساومة في الأغلب.

القاعدة السادسة: ازدواج ملكية وسائل الإنتاج؛ حيث يحدّد النظام الاقتصادي الإسلامي مجالات معيّنة للملكية العامّة لوسائل الإنتاج هي مجالات الثروات الطبيعية والمرافق والمنافع العامّة.

أمّا فيما عدا ذلك فإنه خاضع للملكية الفردية والتي تعتبر حقّا ثابتا لا يمسّ ولا ينزع إلّا لمصلحة راجحة مع التعويض العادل عنها، كما أجاز الإسلام تفاوت الثروات المكتسبة بأساليب مشروعة ولم يضع حدودا أو قيودا عليها.

أيّ: أنّ النظام الاقتصادي الإسلامي هو (نظام اقتصادي تدخّلي)؛ حيث أن تدخّل (الحكومة أو القطاع العامّ) هو ضرورة لأيّ نظام اقتصاديّ، ومنه اقتصاد السّوق، كما سيتبيّن لاحقا بعون الله تعالى، يشابهه في وضعه هذا الاقتصاد الرأسمالي "الكنزي". 

القاعدة السابعة: التوافق بين مصلحة كلّ من الفرد والمجتمع وتحديد حالات تدخّل الحكومة في النشاط الاقتصادي بما يكفل التوافق بين المصلحتين، ويمنع إلحاق الضرر بالفرد وبالمجتمع.

أيّ: أنّ تحقيق المصلحة الخاصّة يجب أن لا يكون على حساب المصلحة العامّة.

القاعدة الثامنة: المنافسة الحرّة مع فرض ضمانات لتوفيرها وإجراءات تصحيحيّة لانحرافات السوق؛ حيث يقوم النظام الإسلاميّ على حرّيّة التعامل في الأسواق، وتفاعل قوى العرض والطلب في حرّيّة تامّة لتحديد الأسعار مع ضمان الحقوق العادلة لكلّ من (البائعين والمشترين) بمنع الاحتكار وتوفير السّلع.

أيّ: أنّ سوق السّلع والخدمات السائد في النظام الإسلامي هو سوق المنافسة التامّة أو المنافسة الاحتكارية؛ بسبب الصعوبة العملية لتحقّق شرط تجانس السّلعة التي يفترضها سوق المنافسة التامّة. حيث يعتقد الباحث أنّ السوق الإسلامي على الصعيد الواقعي هو حالة سوق شبه المنافسة وعلى وجه الخصوص حالة سوق المنافسة الاحتكارية الذي تتفوّق فيه خصائص المنافسة التامّة على خصائص الاحتكار الذي يحاربه الإسلام؛ وبالتالي فهو من أقرب الأسواق لسوق المنافسة التامّة؛ لوجود عدد كبير نسبيا من البائعين والمشترين، مع وجود بعض التمايز في المنتجات أو وحدات السّلعة التي ينتجها المنتجون.

وفي الحديث ارتفعت الأسعار على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا له: سعّر لنا يا رسول الله، قال: "إنّ اللّه هو المسعّر القابض الباسط وما أحبّ أن يطالبني أحد بمال ولا دم"؛ فالرسول الكريم امتنع من التسعير؛ لأنّ ارتفاع السعر ليس نتيجة تلاعب من التّجّار حتّى يمنع؛ إنّما هو من الله؛ بسبب قلّة وجود السّلع.

فمن أجل أن يحقّق(نظام السوق أو نظام الأسعار) التوازن  بين قوى العرضوالطلب يجب أنتسود حاﻟﺔ اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ اﻟﻜﺎملة اﻟﻤﺘﻤﺜّﻠﺔ بشروط أهمّها:

•       وجودعدد كبير منوحداتاﻟﻘراراﻻﻗﺘﺼﺎدي(مستهلكين ومنتجين)؛بحيث ﻻ تستطيع أي من هذه الوحدات منفردة التأثير في السعر السائد في السوق.

•       وحرية الدخول إﻟﻰ السوقوالخروج منه دون أي قيد أو تدخّل طبيعيأو إجرائي؛ ﻓﺎﻟﻤﺴﺘﻬﻠﻜونواﻟﻤﻨﺘﺠونيستطيعونالدخول والخروج حسب ظروف السوق وحدها.

•       وحريّة انتقال ﻋﻨﺎصر اﻹنتاج بين الأسواقوالمناطق والصناعات حسب ظروف سوق عناصر اﻹنتاج. والمعرفة التامّة والمتساوية لوحدات القرار بكلّ الظروف السائدة في السوق؛ ذلك لأن جهل بعض وحدات القرار بظروف السوق سيؤدي ﻟﺘﺤﻘيق وحدات القراراﻷكثر معرفة ﻟﻤﻜﺎسب غير مشروعة. وتجانس السّلع والخدمات الموجودة في السوق. ويقوم نظام السوقأونظام اﻟﻤﻨﺎﻓﺴﺔ اﻟﺘﺎمّة على افتراضات عديدة، يرتبط بعضها بالسلوك الانتاجي والاستهلاكي. ويتعلّق بعضها اﻵخر بإطار السوقالذي يلتقي ﻓﻴﻪ المستهلكونوالمنتجون.

وبشكل عامّ: إنّ من أهمّ الافتراضات التي  يستند عليها نظام السّوق الملكية الخاصّة لوسائل الإنتاج وحرّيّة اﻟﺘﺼرف ﻓﻲ ﻫذﻩ اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ ومواردﻫﺎ. ويتطلّب ذﻟك حرّيّة اتخاذ ﻗرارات اﻹﻨﺘﺎج اﻟﻤﺘﻌﻠّﻘﺔ بنوﻋﻴّﺔ وحجم عوامل الانتاج. وهذه الحرّيّة ليست مطلقة؛ ولكنّها مقيّدة بإمكانات اﻹنتاج واﻷسعار اﻟﻨّﺴﺒﻴﺔ ﻟﻌﻨﺎصر اﻹنتاج من جهة وبتحقيق اﻟﻬدف اﻷساس مناﻟﻌﻤﻠﻴﺔ اﻹنتاجية؛ ألا وهو تحقيق أعظم ربح ممكن من جهة أخرى.

ومن خلال آليّة اليد الخفيّة بالتوفيق بين رغبات (المنتجين والمستهلكين)؛ لتحقيق أهدافهم المتداخلة في تعظيم الأرباح وتعظيم المنافع (مبدأ سيادة المستهلك) ففي هذا النظام يعدّ المستهلك ملكايسعى اﻟﻤﻨﺘﺠون ﻟﺘﻨﻔﻴذ أوامرﻩ اﻟﺘﻲ تحقّق ﻟﻪ في نهاية المطاف ﻫدﻓﻬم اﻟﻨﻬﺎئيّ وﻫوتعظيم اﻟربح. كما تقود رﻏﺒﺎت اﻟﻤﺴﺘﻬﻠﻜﻴن عبر آليّة الأسعار، توجيه المنتجين في استخدام الموارد اﻻﻗﺘﺼﺎدﻴﺔ ﺒﻤﺎ يضمن اﻻﺴﺘﺨدام اﻷﻤﺜل ﻟﻠﻤوارد. وﻴﻔﺘرض نظام اﻟﺴّوق إضافة إﻟﻰ ﺴﻴﺎدة اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ اﻟﻔردية، وحرية اﻟﻤﻨﺘﺞ واﻟﻤﺴﺘﻬﻠك، سيادة المنافسة الكاملة في سوق السّلع والخدمات وﻋﻨﺎصر اﻹنتاج. كمايفترض قابلية عناصر الإنتاج للتجزئة. ونتيجة لهذه الافتراضات يؤدّي نظام السوق دوره كموّزع للموارد، ويخصّصها تخصيصا أمثل بما يضمن الاستخدام الكامل والتوازن الأمثل؛ أيّ: أنّ اﻟطﻠﺏ اﻟﻜﻠّﻲّ يساوي العرض الكلّيّ.

وﻻ يكون ﻫﻨﺎك أيّ داﻓﻊ ﻟﻠﻤﻨﺘﺠﻴن أو ﻟﻌﻨﺎصر اﻹنتاجﻟﻼنتقال من نشاط إﻟﻰ آخر.

وعندما تخرق الفرضيّات التي يقوم ﻋﻠﻴﻬﺎ نظام اﻟﺴّوق ومن أهمّها سيادة سوق المنافسة التامّة بوجود أسواق احتكارية، ﻓﺈنّ ﻫذا اﻟﻨظﺎم ﻻ يؤدّي دورﻩ ﻓﻲ اﻟﺘﺨﺼﻴص اﻷمثل ﻟﻠﻤوارد، وﻻ يمكن تحقيق اﻟﺘواﺯن اﻟﺸﺎمل، وبالتالي تحقيق الرفاهية (الاقتصادية والاجتماعية).

ومن أﻫمّ أسباﺏﻓﺸل اﻟﺴوق وبالتالي ضرورة تدخّل الحكومة أو القطاع العامّ ما يأتي، وهذا هو نفس ما توصّلت إليه القاعدة السادسة الإسلامية أنّ النظام الاقتصاديّ الإسلامي هو نظام اقتصادي تدخّلي؛ حيث أنّ تدخّل الحكومة أو القطاع العامّ هو ضرورة لأيّ نظام اقتصادي، ومنه اقتصاد السّوق:

1.   وجود التأثيرات الخارجية (اللاوفورات أو التكاليف الخارجية)؛سواءأكانت(إيجابية)وبالأخصّ إذا كانت(سلبية).

2.   اختلاف اﻟﺘﻜﺎﻟيف اﻻجتماﻋﻴﺔ ﻋن اﻟﺘﻜﺎﻟﻴف اﻟﺨﺎﺼّﺔ.

3.   وجود اﻟﺴّﻠﻊ اﻟﻌﺎمّة.

4.   ﻋدم اﻟﺘﺄﻜّد ﻤن أحداث اﻟﻤﺴﺘﻘﺒل.

5.   زيادة اﻹنتاجباﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﻌﻤﻠﻴﺔ اﻹنتاجية وبالتالي ظهور (مشكلة نقص أو فجوة طلب) ينبغي معالجتها من قبل الحكومة بـ(السياسة المالية أو السياسة النقدية).

6.   ﻋدم توفر اﻟﻤﻌﻠوﻤﺎت اﻟﺴّوﻗﻴﺔ ﺒﺼورة مجانية.

7.   ﻋدم إمكان تجزئةبعضﻋﻨﺎصر اﻹﻨﺘﺎج.

8.   تعارض اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﻌﺎمّة ﻤﻊ اﻟﻤﺼﻠﺤﺔ اﻟﺨاصة.

9.   اﻟظروف ﻏﻴر اﻟطﺒﻴﻌﻴّﺔ كـ (اﻟﻜوارث واﻟﻔﻴﻀﺎﻨﺎت واﻟﺤروﺏ واﻟﺠﻔﺎف).

10.        وجود أهداف اجتماعية مختلفة عن أهداف تحقيق المصلحة الخاصّة في النشاط الاقتصادي.

11.        حالة الاحتكار الطبيعي التي تفترض ووجود محتكر واحد يمثّل الصناعة؛لأنّ وجود أكثر من منتج لا يحقّق الكفاءة الاقتصادية)،و ينبغي أن يكون (المحتكر الطبيعي) هو القطاع العامّ أو محتكر خاصّ تحت إشرافه.

يخلص الباحث -ممّا سبق بيانه- ليس كما يرى الاقتصاديّون أن هناك أنظمة أربعة هي:

 (النظام الرأسمالي، والنظام الاشتراكي، والنظام الشيوعي، والنظام الإسلامي)؛ بل هناك نظامان فقط: (نظام اقتصادي رأسمالي حرّ وطبيعيّ هو الاقتصاد الإسلاميّ)، وأنظمة فيها الطبيعيّ وغير الطبيعيّ تتمثّل بالأنظمة الاقتصادية الثلاثة الأخرى، هذا اذا اعتبرنا الطبيعي يتمثّل في المعاملات والسلوك الاقتصاديان الحلال، ونقيضه غير الطبيعي؛ لذا وكتوصيف للنظام الاقتصادي الإسلامي يمكن القول بأنه: (نظام رأسماليّ حرّ لإيمانه باقتصاد السوق التنافسي الذي يحقّق الأسعار والأجور العادلة، وهو كنزيّ تدخّلي في سياساته التطبيقية لإيمانه بالملكية المزدوجة للقطاعين العامّ والخاصّ. وهو اشتراكيّ وإنسانيّ في منهجه الروحي لإيمانه بإعادة توزيع الدخل ليس بصورة قسريّة كـ(الماركسية الاشتراكية والشيوعية) عن طريق تأميم القطاع الخاصّ؛ بل بـ(أسلوب حضاريّ وعلمي حلال) وليس فيه ظلم كالتأميم، يتمثّل بأنظمة (الزكاة والخمس والميراث)؛ و التي تتكفّل بتفكيك أعظم الثروات وإعادة توزيعها خلال عقود قليلة من الزّمن).