العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

دور السياسة المالية المطبقة في الجزائر في تحقيق الاستقرار الاقتصادي في ظل الاقتصاد الإسلامي

يزيد تقرارت

أستاذ مساعد قسم "أ"

د. بودرة فاطمة

أستاذة جامعية

الحلقة (٢)
المحور الثالث: الاستقرار الاقتصادي في ظل الاقتصاد الإسلامي.
مفهوم ومكوّنات الاستقرار الاقتصاديّ:
1: تعريف الاستقرار الاقتصاديّ في الاقتصاد الإسلاميّ: 
يقصد بالاستقرار الاقتصادي التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية مع المحافظة على استقرار الأسعار؛ وذلك يعني التوصّل إلى إنتاج أكبر قدر ممكن من الدخل الحقيقي في ظلّ استغلال الموارد الاقتصادية المتاحة بأعلى قدر ممكن pوخاصّة منها اليد العاملة، مع المحافظة على قيمة النقود لمنع حدوث التضخم، وبعبارة أشمل: فإنّ هدف الاستقرار الاقتصادي يعني تجنيب المجتمع الآثار السيئة لكلّ من (الانكماش أو الكساد أو التضخم)؛ وعليه فإنّ الاستقرار الاقتصادي يتحقّق من خلال أمرين هما:  
التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية.
الثبات النسبيّ في المستوى العامّ للأسعار.
وتسعى السياسات الاقتصادية لتحقيق ذلك من خلال استخدام سياساتها المختلفة ؛ وخاصّة السياسة النقدية والسياسة المالية، مع ضرورة التنسيق بينهما لتحقيق التكامل المطلوب؛ ذلك أنّ استقرار الأسعار -والذي يعني غياب التضخم والانكماش -قد لا يتّفق مع تحقيق العمالة الكاملة في الأجل الطويل. 
2: مكوّنات الاستقرار الاقتصاديّ:  يتحقّق الاستقرار الاقتصادي بالتشغيل التامّ للموارد الاقتصادية واستقرار المستوى العامّ للأسعار، وفيما يلي المقصود بكلّ منهما:  
1. التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية: ويعني "استخدام جميع الأيدي العاملة للسكّان الذين هم في سنّ تؤهلهم للعمل"، وتعرّف البطالة على أنها: "مجموع البالغين الذين هم على استعداد وقادرين على العمل، والذين يبحثون عن عمل؛ ولكن لا يعثرون على وظائف"، وتأتي أهمية هذا الهدف على اعتبار أن تعويض البطّالين يعتبر تكلفة بالنسبة للمجتمع تحدّ من إمكان نموّه الاقتصادي، وينصرف المفهوم الواسع للتشغيل التامّ إلى الاستعمال الكامل لعوامل الإنتاج كافّة ومن بينها العمل.
2. استقرار المستوى العامّ للأسعار: يعدّ استقرار المستوى العامّ للأسعار أحد أهمّ وظائف السياسة الاقتصادية لأهميته في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، ومن ثمّ الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهو يعني تجنّب التضخم لما له من آثار سيّئة منها:
جعل النقود أداة ظالمة للمدفوعات الآجلة، ومخزونا غير موثوق به للقيمة؛ بسبب انخفاض القيمة الحقيقية للوحدة النقدية.
زيادة الاستهلاك على حساب الادخار؛ حيث تزداد كمية النقود اللازمة لاقتناء القدر نفسه من السّلع والخدمات وهذا على حساب الادخار.
عدم اليقين في القرارات الاقتصادية؛ لعدم قدرة المنظّمين على تقدير التكلفة المستقبلية للمشروع؛ ممّا يؤدي إلى تقليل حجم النشاط الإنتاجي.
يزيد من سوء توزيع الدخول؛ حيث يتأثّر أصحاب الدخول الثابتة والدائنون بانخفاض قيمة النقود، وفي ذلك ظلم كبير لفئة واسعة من المجتمع.
ولكنّ المقصود من استقرار الأسعار وتجنّب التضخم لا يعني الثبات المطلق لمستوى الأسعار في الفترة الطويلة، وإنّما يعني ثباتها النسبيّ؛ لأنّ ارتفاع الأسعار بنسب مقبولة قد يكون ضروريّا لتحقيق الشقّ الأوّل من هدف الاستقرار الاقتصادي؛ ألا وهو تحقيق التشغيل التامّ.
التعريف بالاستقرار الاقتصاديّ في الاقتصاد الإسلاميّ: لتحقيق الاستقرار الاقتصادي يجب تحقيق كلّ من التشغيل الكامل للموارد الاقتصادية والاستقرار في المستوى العام للأسعار، وسيحاول الباحث تعريف الاستقرار الاقتصادي في النظام الإسلامي من خلال المكوّنين السابقين كما يلي:  
1. التشغيل الكامل في الاقتصاد الإسلاميّ: يعدّ التشغيل الكامل في الاقتصاد الإسلامي هدفا لاغنى عنه من أهداف النظام الإسلامي؛ لأنه يساعد في تحقيق هدف توسيع الحياة الاقتصادية الطيبة، وأكثر من ذلك فإنه يمنح للإنسان العزّة والكرامة اللتين تتطلّبهما الكرامة الإنسانية مصداقا لقوله تعالى: " ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطّيّبات وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا"، الإسراء: 70.
ولتحقيق ذلك اهتمّ الإسلام الحنيف بتشغيل عناصر الإنتاج المختلفة؛ بل وشرع ما يكفل تشغيلها على أكمل وجه.
1. العمل: يعرّف عنصر العمل بأنّه: استخدام الإنسان لطاقته العقلية أو الجسمية بشكل منظّم ومقصود؛ من أجل إيجاد منفعة مباحة أو زيادة لقاء أجر محدّد، وقد اهتمّ الإسلام أيّما اهتمام بعنصر العمل؛ بل ورفعه إلى مصاف العبادات؛ ذلك أنّ رسل الله- وهم أكرم خلقه- أمروا بالعمل، قال تعالى: "وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلّا إنّهم ليأكلون الطّعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربّك بصيرا" الفرقان: 20،  ودلّت الآية الكريمة على أنّ الرّسل عليهم أن يعملوا ويبذلوا الجهد ليتحقّق لهم المعاش، قال تعالى: "هو الّذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النّشور" الملك:15.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده؛ وإنّ نبيّ الله داود عليه السّلام كان يأكل من عمل يده".
2. الأرض أو الطبيعة: ويشمل هذا العنصر كلّ ما تحويه الأرض من (موارد طبيعية) على سطحها أو في باطنها كـ(المعادن)، ومواد الوقود كـ(النفط والفحم)، ومساقط المياه والآبار والبحار وما فيها من) ثروات)، بالإضافة إلى طبيعة الأرض بما فيها من تربة صالحة للزراعة والاستخدام الإنساني، كما تشمل القوى الطبيعية كقوّة انحدار الماء وقوة الرياح وهي قوى يمكن تحويلها إلى طاقة.
وقد حثّ الإسلام الفرد والمجتمع على حسن استغلال الأرض وإعمارها بما يحقّق النفع بالزراعة والبناء وغيرها من النشاطات، قال تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثمّ توبوا إليه إنّ ربّي قريب مجيب" هود:61، وتدلّ هذه الآية على وجوب عمارة الأرض بالزّراعة والغراس والأبنية.
3. رأس المال: يقصد بـ(رأس المال) جميع أنواع الثروة التي خصّصت لتساهم في إنتاج ثروة أخرى؛ كـ(الآلات والمباني والمعادن)، ولا يقصد به النقود؛ لأنّ النقد ما هو إلّا وسيط في التبادل، يستخدم كوسيلة للحصول على رأس المال العينيّ في عملية الإنتاج أو توفير مستلزمات الإنتاج الأخرى.
أمّا اهتمام الإسلام به فيظهر جليّا من خلال) جعل المال مقصدا من المقاصد الضرورية الخمسة، ووجوب المحافظة عليه بتنميته وعدم إضاعته)؛ فقد (حضّ الإسلام الحنيف على ترشيد الإنفاق والاعتدال فيه)، قال تعالى: "والّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما" الفرقان:67، ممّا يمكّن الإنسان من تحقيق الفائض في صورة مدّخرات، ثمّ (حثّ على ضرورة توجيهها إلى الاستثمار من خلال تحريم الاكتناز) فقال تعالى: "والّذين يكنزون الذّهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم" التوبة:34، وفي ذلك تشغيل لعنصر رأس المال والعناصر الأخرى ألا وهي (العمل والأرض)؛ ممّا يحقّق التشغيل التامّ المنشود في أيّ سياسة اقتصادية.
2. استقرار المستوى العامّ للأسعار:
إنّ تحقيق استقرار الأسعار في الاقتصاد الإسلامي أمر ضروريّ وشأن حيويّ؛ بسبب) تأكيد الإسلام على الأمانة والعدالة في المعاملات الإنسانية كافّة)، قال الله تعالى : "لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط" الحديد: 25؛ ذلك أنّ انخفاض قيمة النقود يعني في الاقتصاد الإسلامي -إضافة إلى الآثار السلبية عامّة-  وقوع آثار أكثر خطورة؛ لعدم تعامله بالفوائد الربوية؛ فانخفاض قيمة النقود ظلم للمقرض، وإذا كان هذا المقرض يجد تعويضا في الفوائد الربوية في النظام الوضعيّ فإنّ تحريمها في الاقتصاد الإسلامي يجعل هذا الظلم مؤكّدا؛ من خلال تآكل القيمة الحقيقية للقرض.
وإذا كانت أسباب التضخم في النظام الرأسمالي تتمثّل خاصّة في زيادة كتلة النقود المتداولة بنسب تفوق معدّلات زيادة النموّ الحقيقي؛ سواء بسبب التمويل بالعجز بإصدار النقود الورقية، أو بسبب التمادي في إصدار النقود المصرفية التي تصدرها البنوك التجارية،
 فما مدى إمكان حدوث التضخم لهذين السببين في الاقتصاد الإسلاميّ؟
1. بسبب التمويل بالعجز: في الاقتصاد الإسلامي لا يتمّ الإصدار النقدي الجديد إلّا بحسب (حجم النشاط الاقتصادي، و ما تقتضيه المصلحة)؛ بحيث لا تقلّ كمية النقود حتّى تتعطّل المبادلات، ولا تزيد حتّى تؤدي إلى التضخم، فيكون حجم المعروض النقدي متوافقا مع حجم النشاط الاقتصادي المنشود.
أمّا التمويل بالعجز فتقلّ الحاجة إليه من خلال إزالة أسبابه؛ فيجب تمويل النفقات العاديّة من حصيلة الإيرادات العادية، فإذا لم تكف فتفرض ضرائب على الأغنياء(التوظيف)، مع (إزالة النفقات العقيمة والتبذيرية).
2. بسبب إصدار النقود المصرفيّة: فما دام لا يحقّ للدولة إصدار النقود إلّا بحسب حاجة النشاط الاقتصادي، وطالما تمّ الحدّ من (تأثير الإصدار النقدي الجديد، ومنع إصدار النقود المصرفية) فلا مجال لارتفاع الأسعار الذي يسوّغ التضخّم الطلبي الناتج عن زيادة التكاليف، كما أنّ هذه الأسباب في مجموعها تؤكّد بما لا يدع مجالا للشّكّ استبعاد حدوث التضخم في اقتصاد إسلاميّ؛ نظرا لمنع توفّر أسبابه التي تؤدي إلى حدوثه في الاقتصاد الوضعيّ.
المحور الرابع: دور ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ المالية في تحقيق الاستقرار الاقتصاديّ في ظلّ ﺍلاقتصاد ﺍﻹﺳﻼﻣﻲّ.  
I.مفهوم السياسة المالية في الاقتصاد الإسلاميّ: 
السياسة المالية هي دراسة تحليلية للأدوات والوسائل المالية للتأثير على ماليّة الدولة، وهي تتضمّن فيما تتضمّنه تكييفا كمّيّا لحجم الإنفاق العام والإيرادات العامّة، وكذا تكييفا نوعيّا لأوجه هذا الإنفاق العامّ والإيرادات العامّة، وكذا تكييفا نوعيّا لأوجه هذا الإنفاق ومصادر هذه الإيرادات بغية تحقيق أهداف معيّنة؛ فنعني بالسياسة المالية استخدام الدولة لإيراداتها ونفقاتها بما يحقّق أهدافها (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) في ظلّ ما تعتنقه من عقائد وفي حدود إمكاناتها المتاحة مع الأخذ في عين الاعتبار درجة تقدّمها ونموّها الاقتصاديّ، والسياسة المالية كبرنامج تخطّطه وتنفّذه الدولة عن عمد مستخدمة فيه مصادرها الإرادية وبرامجها الإنفاقية لإحداث آثار مرغوبة وتجنّب آثار غير مرغوبة على  متغيّرات النشاط (الاقتصادي والاجتماعي والسياسي) كافّة تحقيقا لأهداف المجتمع.  
كما تعرّف السياسة المالية في الدولة الإسلامية هي:" مجموعة القرارات والإجراءات التي تتّخذها الدولة الإسلامية في إيراداتها ونفقاتها  بهدف تحقيق المقاصد الشرعية" .
ويقصد بها أيضا: "مجموعة الأسس التي تقوم عليها مجالات الإنفاق العامّ للدولة الإسلامية، وتجميع الموارد الإجمالية اللازمة للإنفاق على تلك المجالات".
أمّا أدوات السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي تشتمل أيضا على مكوّنات المالية العامّة؛ فنجد سياسات الإيرادات والتي تشتمل بالإضافة إلى سياسة الضرائب والتمويل بالعجز الذي يشمل التمويل بالتضخّم والاقتراض العام، تشتمل أيضا على الإيرادات الخاصّة بالدولة الإسلامية وخاصّة الزكاة.  
دور سياسات الإيرادات في تحقيق الاستقرار الاقتصاديّ في الاقتصاد الإسلاميّ: يتحقّق الاستقرار الاقتصادي بتحقيق ا لتشغيل التامّ للموارد الاقتصادية وتحقيق استقرار المستوى العامّ للأسعار، وعليه فسيتناول الباحث:  
1. دور سياسات الإيرادات في تحقيق التشغيل التامّ للموارد الاقتصاديّة: تتمثّل سياسات الإيرادات في السياسة الضريبية وسياسة التمويل بالعجز وسياسة الاقتراض العامّ.
1. دور السياسة الضريبية في تحقيق الاستقرار الاقتصاديّ: يتحقّق التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية في النظام الرأسمالي من خلال رفع مستوى الاستهلاك والاستثمار؛ حيث تعني زيادة الطلب الاستهلاكي زيادة الطلب الكلّيّ الفعّال الذي يدفع المستثمرين إلى زيادة استثماراتهم؛ وبالتالي تشغيل العمّال العاطلين وتشغيل سائر الموارد الاقتصادية للمجتمع للخروج من حالة الكساد، وتساهم السياسة الضريبية في ذلك؛ من خلال (تخفيض الضرائب وتقديم حوافز ضريبية).
2. دور سياسة التمويل بالتضخّم في تحقيق التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية: يعدّ التمويل بالتضخم وسيلة سهلة لزيادة حجم الإيرادات في الدولة؛ ممّا يمكّن من زيادة الإنفاق الحكوميّ فترتفع الدخول الفردية ويرتفع بارتفاعها الطلب الكلّيّ الفعّال، وبزيادة الطلب الاستهلاكي ينتشر التفاؤل بين المستثمرين؛ ممّا يحفّزهم على زيادة حجم استثماراتهم ويرتفع بذلك مستوى التشغيل، وتختلف وجهة النظر الكينزية هذه مع التحليل الكلاسيكي الذي يرفض سياسة التمويل بالتضخم؛ نظرا لآثاره السيئة على الاقتصاد عموما، ويعتقد أنّ الأصل هو عدم تدخّل الدولة، وأنّ التشغيل التامّ يحدث تلقائيّا من خلال آليّة السوق.
3. دور سياسة الاقتراض العامّ في تحقيق التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية: تعدّ سياسة الاقتراض ذات أثر ضعيف لتحقيق التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية إذا كان النشاط الاقتصادي يعاني حالة الكساد للأسباب التالية:
يؤدّي الاقتراض من الأفراد والمشروعات إلى تخفيض كميّات النقود المخصّصة للإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الاستثماري؛ ممّا يؤثّر سلبا على زيادة مستوى النشاط الاقتصادي.
يكون حجم هذه القروض -في الأعمّ الأغلب- صغيرا؛ لعدم إقبال الأفراد والمشروعات على الاكتتاب في سندات القروض العامّة؛ ممّا يجعل- أيضا- أثرها ضعيفا، ولا يمكن من تحقيق التشغيل التامّ.
تتوقّف فعالية سياسة الاقتراض العامّ في تحقيق مستوى التشغيل التامّ على مرونة الجهاز الإنتاجيّ في الدولة المتقدّمة، أمّا إذا كانت قد وصلت إلى مرحلة التشغيل التامّ فإنّ سياسة الاقتراض العامّ تؤدّي إلى حدوث التضخّم.
قد تلجأ الدولة إلى الاقتراض من الجهاز المصرفي، وفي هذه الحالة نكون أمام أحد أمرين اثنين:
إذا كانت الأموال التي يتمّ اقتراضها من الجهاز المصرفي كانت عبارة عن أرصدة معطّلة؛ ففي هذه الحالة يمكن استخدامها في تحريك مستوى النشاط الاقتصادي؛ من خلال إنفاقها على الدخول تهدف زيادة الطلب الفعليّ.
أمّا إذا كانت هذه الأرصدة مخصّصة لمشاريع استثمارية فإنّ اقتراضها يؤدّي إلى أثر عكسيّ؛ حيث يتأثّر مستوى النشاط الاقتصادي سلبا.
وعموما فإنّه يلاحظ ضعف تأثير سياسة القروض العامّة في تحقيق مستوى التشغيل التامّ إن لم يكن هذا التأثير عكسيّا ويساهم في تطويل فترة الكساد.
2. دور سياسات الإيرادات في استقرار المستوى العامّ للأسعار:
1. دور السياسة الضريبيّة في استقرار المستوى العامّ للأسعار: تعدّ الضرائب من أهمّ الأدوات التي يمكن استخدامها لمعالجة ظاهرة التضخّم لكون أهمّ أسباب التضخم تعود إمّا لزيادة الطلب الفعّال، أو لزيادة تكاليف الإنتاج في ظلّ زيادة كمية النقود المتداولة، وعليه يمكن معالجة التضخّم باستخدام الضرائب للتأثير في الأسباب المؤدّية له، كما يلي:
فرض ضرائب مباشرة على دخول الأفراد؛ سواء بـ(زيادة نسب الضرائب الحاليّة أو تخفيض الحدّ الأدنى من الأجر المعفى من الضرائب)؛ ممّا يؤدّي إلى تخفيض الاستهلاك الفرديّ، ومن ثمّ الاستهلاك الكلّيّ؛ فيؤدي ذلك إلى) انخفاض الأسعار وانحسار ظاهرة التضخم)، فتخفيض التضخم يتمّ عن طريق الاقتطاع من الأفراد قوّة شرائية كانت ستنفق.
زيادة الضرائب المفروضة على المشروعات؛ ممّا يؤدّي إلى تخفيض طلبها الكلّيّ؛ حيث تقلّ أرباح المستثمرين ويلجأون إلى الحدّ من التوسّع في استثماراتهم، ومع قلّة الطلب الكلّيّ تنخفض الأسعار إلى المستويات المرغوبة.
فرض ضرائب على رؤوس الأموال للحدّ من زيادة الطلب الاستثماريّ؛ ممّا يحدّ من ارتفاع الأسعار.
تخفيض الضرائب غيرالمباشرة؛ لأنّها تعني الزيادة في أسعار السّلع والخدمات بما يعادل نسبة هذه الضرائب وبالتالي المساهمة في حدّة التضخم.
2. دور سياسة التمويل بالتضخّم في استقرار المستوى العامّ للأسعار: تهدف سياسة التمويل بالتضخم أصلا إلى زيادة دخول رجال الأعمال لرفع مستوى التشغيل في الاقتصاديات المتطوّرة؛ من خلال ارتفاع الأسعار وبالتالي زيادة أرباح المنظّمين على حساب ذوي الدّخول المحدودة الذين يطالبون بدورهم بعد فترة بزيادة أجورهم ومن ثمّ ارتفاع الأسعار مرّة أخرى، وعليه نلاحظ) أنّ الأصل في التمويل بالتضخم هو ارتفاع الأسعار وليس العمل على استقرارها)؛ فالعلاقة بين التمويل بالتضخم واستقرار المستوى العامّ للأسعار عكسيّة وعليه: فلا يمكن استخدام سياسة التمويل بالتضخّم لتحقيق هذا الهدف.
3. دور سياسة الاقتراض العامّ في استقرار المستوى العامّ للأسعار: تؤدّي سياسة الاقتراض العامّ في مرحلة الاكتتاب فيها إلى تخفيض (الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الاستثماري)؛ ممّا يؤدّي إلى تخفيض الطلب الكلي فتنخفض الأسعار وتقلّ حدّة التضخّم؛ خاصّة إذا لم تكن الأموال المخصّصة للاكتتاب في هذه القروض معطّلة، أمّا إذا كانت معطّلة فإنها لا تخفض من مستوى الطلب الكلّيّ؛ وبالتالي لا تخفض من المستوى العامّ للأسعار.
أمّا في مرحلة إنفاق هذه القروض فإنّ حجم الكتلة النقدية المتداولة ستزيد، وترتفع معها الأسعار بأكثر ممّا كانت عليه في السابق.
أمّا فيما يخصّ الاقتراض من الجهاز المصرفي فإنّ ذلك قد يقلّل من الأرصدة المخصّصة للإقراض للقطاع الخاصّ ممّا يساعد على تخفيض الأسعار؛ ولكنّ ذ لك يكون في حدود ضيّقة جدّا؛ لأنّ الجهاز المصرفي قد توسّع قبل في منح الائتمان؛ ممّا أدّى أصلا إلى التضخم، وعليه يكون دور سياسة القروض العامّة من الجهاز المصرفي أيضا ذا أثر ضعيف في التخفيف من حدّة التضخّم.
وعليه نلاحظ ضعف فعالية سياسة الاقتراض العامّ في تحقيق استقرار المستوى العامّ للأسعار كما هي ضعيفة في تحقيق مستوى التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية.
دور سياسات الإنفاق العامّ في تحقيق التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية:
دعا "كينز" إلى ضرورة تدخّل الدولة في النشاط الاقتصادي؛ وخاصّة من خلال زيادة حجم الإنفاق العامّ للخروج من حالة الكساد التي مرّ بها الاقتصاد العالميّ في ثلاثينيات القرن الماضي؛ ممّا جعل سياسات الإنفاق العامّ في صدارة السياسات التي تحقّق التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية.
وتحقّق سياسات الإنفاق العامّ التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية؛ من خلال زيادة الإنفاق الحكومي لزيادة حجم الطلب الكلّيّ الفعّال بشقّيه) الاستهلاكيّ والاستثماريّ)؛ ممّا يدفع المستهلكين إلى رفع ميلهم الحدّيّ للاستهلاك، ويشجّع المستثمرين على زيادة استثماراتهم سعيا وراء تحقيق الربح خاصّة مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات؛ بسبب زيادة المعروض النقدي، وتقوم الدولة في هذه الحالة بزيادة بناء المشروعات العامّة لتقديم المزيد من الخدمات الاجتماعية، وزيادة حجم الدخول من خلال زيادة المدفوعات التحويلية من إعانات بطالة وشيخوخة من جهة، وتوظيف يد عاملة جديدة في المشروعات التي قامت بإنجازها، وتغذّي ذلك بسيل من التدفّقات النقدية بهدف زيادة الطلب الكلّيّ الفعّال وتنشيط الاستثمار والإنتاج.
كما يمكن أن يكون الإنفاق العامّ في صورة إعانات اقتصادية للمنتجين لإنتاج بعض السلع الضرورية بتكاليف أقلّ من المعتاد اعتمادا على وفورات الإنتاج الكبير؛ ممّا يساعد على بيع هذه السلع بأسعار معقولة تتناسب مع دخول الأفراد، وتساهم في زيادة تشغيل الموارد المتاحة؛ سواء كانت (بشرية أو طبيعية أو فنية أو مالية)، أو من خلال تدعيم استغلال المناطق النائية التي لا تتوفّر على المرافق الضرورية بإقامة مشاريع استثمارية فيها.
الخاتمة: 
تعتبر السياسة المالية الإسلامية الطريقة التي تتمّ من خلالها المعاملات المالية العامّة، ضمن إطار ماليّ يستقي مبادئه العامّة من الشريعة الإسلامية، وترتكز هذه السياسة على مجموعة من الأسس أهمّها (الانضباطية والشرعية، والاستقلالية (كما أنّ تدخّلها في جميع مجالات الحياة الاقتصادية. 
نستنتج ممّا سبق يلي:
1. الاقتصاد الإسلاميّ هو ذلك العلم الذي يبحث في نشاط الإنسان في المجتمع من حيث حصوله على الأموال، والخدمات حسب المنهج الذي رسمته الشريعة الإسلامية ، وهو ذو خصائص وأهداف سامية ينفرد بها دون غيره من النّظم الاقتصادية الأخرى.
2. هناك ضوابط شرعية تقيّد وتوجّه نواحي النشاط الاقتصاديّ كافّة، من جهة وعدّة محظورات ممنوع تخطّيها ضمنه من جهة أخرى.
3. السياسة المالية في الاقتصاد الإسلامي تعتمد على الزكاة التي تعمل بصفة تلقائية على تحقيق أهداف السياسة الاقتصادية، إضافة إلى سياسة الإنفاق العام من خلال التّدخّل في تحديد حجم النفقات الاستهلاكية والاستثمارية بحسب متطلّبات النشاط الاقتصادي، أمّا السياسة الضريبية وسياسة القروض العامّة في قل/؟؟ استخدامهما باعتبار أنهما مصدران استثنائيان، وتعدّ سياسة التمويل بالتضخم مرفوضة في الاقتصاد الإسلامي؛ نظرا لما تحدثه من آثار سلبية على النشاط الاقتصادي.
 يتحقّق الاستقرار الاقتصادي من خلال تحقيق التشغيل التامّ للموارد الاقتصادية واستقرار المستوى العامّ للأسعار؛ ونظرا لتعارض هذين الهدفين أصبح الاقتصاد الرأسمالي لا يعارض قبول نسبة معيّنة من البطالة؛ لأنّ تحقيق التشغيل التامّ يؤدّي إلى حدوث نسبة غير مقبولة من التضخم، كما يؤدّي تحقيق استقرار المستوى العامّ للأسعار إلى حدوث نسبة عالية وغير مقبولة من البطالة، 
وتحدث التقلّبات الاقتصادية في الاقتصاد الرأسمالي لأسباب نفسية حيث تؤثّر توقّعات المستثمرين على القرارات المستقبلية في ظلّ عدم التأكّد؛ فتفاؤلهم يؤدّي إلى توسيع حجم النشاط الاقتصادي إلى أن يصل إلى مرحلة الكساد، والعكس، وتعود الأسباب النفسية إلى عدم ثبات القرارات الاقتصادية وتغيّرات أسعار الفائدة.
 كما تحدث هذه التقلّبات نتيجة للأسباب النقدية حيث يؤدّي تغيّر كميّة النقود إلى تغيّر مستوى النشاط الاقتصادي، ويحدث ذلك أساسا بسبب تمادي البنك المركزي في إصدار النقود القانونية لتمويل عجز الميزانية، وتمادي البنوك التجارية في إصدار النقود
الخطية/؟؟ لتمويل المستثمرين الباحثين عن المزيد من الأرباح التي تتضاعف في أوقات التضخّم، ولا يقدر/؟؟ أو ربّما لا يرغب السّاسة في القضاء على هذه الظاهرة؛ لأنهم هم من يملك هذه المؤسّسات التي تحقّق الأرباح الطائلة على حساب الطبقات الأخرى في المجتمع.
التوصيات: 
يمكن ممّا سبق بيانه إعطاء جملة من التوصيات ألا وهي:
1. دعوة الجزائر و الدول العربية المسلمة كافّة إلى ضرورة تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في مجالات الحياة كافّة، وبالأخصّ في المجال الاقتصادي للخروج من حالة التخلّف التي تعيشها مجتمعاتنا الإسلامية والفوز بالدارين.
2. من الضروريّ إعطاء صورة واضحة أكثر عن مزايا الاقتصاد الإسلامي، وتقديم الحلول الممكنة كلّها لتسهيل تطبيقه في الواقع؛ خاصّة بعد فشل النّظم الوضعية في مواجهة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
3. يجب تدريس مختلف مواد الاقتصاد الإسلامي في مختلف الجامعات الإسلامية والاقتصادية لتخريج جيل جديد يؤمن بضرورة الحلّ الإسلامي لقضايا الأمّة.