العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست): التداعيات على العالم العربي

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

لقد أدلى البريطانيون في 23 من حزيران/ يونيو 2016 م بأصواتهم حول عضوية بلادهم في الاتحاد الأوروبي في استفتاء دعا إليه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. وجاءت نتائج التصويت لمصلحة خيار الخروج بنسبة 51.9 في المئة مقابل 48.1 في المئة لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي.

وقد لوحظ من خلال دراسة السلوك التصويتي للبريطانيين وجود انقسام "جيلي" بين الشباب الذين صوّتوا للبقاء في الاتحاد الأوروبي بنسبة 73 في المئة في الفئة العمرية (18-24 سنة) وبين الفئة العمرية الأكبر سنّا (55-64 سنة) التي صوّتت للخروج بنسبة 57 في المئة.

وقد أثارت نتائج الاستفتاء حالة من الذّعر في الأوساط (المالية والسياسية) الأوروبية والعالمية، كما مثّلت تحدّيا لعملية التكامل والاندماج الأوروبي، وهدّدت بتداعيات (سياسية واقتصادية ومالية) كبيرة على بريطانية، وعلى الاتحاد الأوروبي الذي فقد عضوية دولة أساسية فيه.

وتمّ إيراد أسئلة حول شكل العلاقة المستقبلية التي ستربط ثاني اقتصاد في القارّة الأوروبية وخامس اقتصاد في العالم بالاتحاد الأوروبي، وتأثير خروجه في مستقبل الاتحاد وقدرته على الاستمرار، بعد أن أخذت أصوات تتعالى في دول أوروبية أخرى تطالب بالاستفتاء مثل البريطانيين. ولا شكّ أن القرار البريطاني ستكون له انعكاساته على مجمل السياسيات الدولية بدءا من قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن مرورا بالأريحيّة التي تشعر بها روسية الآن بهذا القرار الذي سينعكس قطعا على تسوية أزماتها مع الدول الغربية خاصّة حول أوكرانيا.

لقد كانت حالة الطلاق هذه بمثابة صفعة قوية وجّهتها لندن لدول الاتحاد الأوروبي؛ فهذه هي المرّة الأولى التي يخسر فيها الاتحاد الأوروبي أحد أعضائه، ومعظم المتابعين لشؤون الاتحاد الأوروبي يتوقّعون أن تؤثّر تلك الصدمة على الاتحاد والدخول في مرحلة تفتّت له .

ويتشكّك البعض في إن كان من الممكن تغيير ذلك القدر عبر تدابير يتّخذها قادة أوروبة. وأنّ  المساعي المبذولة كلّها من قبل بعض الأطراف الأوروبية خاصّة (إيطالية وألمانية وفرنسة) لتعميق وحدة الدول الأوروبية لن تؤتي ثمارها؛ فقد يشكّل خروج بريطانية من الاتحاد محفّزا لبعض الدول الأوروبية الأخرى للخروج بعيدا عن الاندماج مع دول تعاني أزمات اقتصادية مزمنة خاصّة دول شرق أوروبة واليونان، وكذلك الابتعاد أيضا عن الطلب التركيّ المستمرّ لرغبة أنقرة في الانضمام إلى الاتحاد.

وكما هو معروف فإنّ الاتحاد الأوربيّ تأسّس بناء على اتفاقية معروفة باسم معاهدة "ماسترخت" الموقّعة عام 1992م ، ويضمّ 28 دولة أوروبية و آخرهم كانت "كرواتيا" التي انضمّت في 1 من  يوليو 2013 م،وقد نشأ بعد الحرب العالمية الثانية في شكل اتحاد اقتصاديّ وتجاري مبني على فكرة أنّ الدّول التي تتعاون اقتصاديا تقلّل من فرص دخولها في الصراعات المسلحة. وتطوّر الاتحاد الأوروبي وتحوّل إلى سوق أوروبية مشتركة، وبعدها دخلت العملة الموحّدة اليورو، وحلّت محلّ العملات المحلية في أغلب بلدان الاتحاد. وتطوّر الاتحاد الأوروبي وأصبح له برلمان ومحاكم، وسياسة خارجية موحّدة.

 ومن أهم مبادئ الاتحاد الأوروبي نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسّسات الدولية الأوروبية؛ لكن تظلّ هذه المؤسّسات محكومة بمقدار الصلاحيات الممنوحة من كلّ دولة على حدة؛ لذا لا يمكن اعتبار هذا الاتحاد على أنه اتحاد فدراليّ؛ حيث أنه يتفرّد بنظام سياسيّ فريد من نوعه في العالم. وتتمثّل أهمّ نشاطات الاتحاد الأوربي أنه سوق موحّد ذو عملة واحدة هي "اليورو" الذي تبنّت استخدامه 19 دولة من أصل الـ 28 الأعضاء، كما له سياسة زراعية مشتركة وسياسة صيد بحري موحّدة. وحصل الاتحاد في 12 من أكتوبر 2012 م على جائزة "نوبل" للسلام؛ لمساهمته في تعزيز السلام والمصالحة والديمقراطية وحقوق الإنسان في أوروبة.

لكن بعد التصويت على خروج بريطانية من الاتحاد الأوربي يبقى السؤال التالي:

ما تداعيات خروج بريطانية من الاتحاد الأوربي؟

وما الآثار المترتّبة على هذه الخطوة المفاجأة على العرب "سياسيا واقتصاديا"؟

إنّ التبعات الاقتصادية للاستفتاء لا تبدو ورديّة؛ بسبب انقسام المجتمع والاقتصاد البريطانيين على نفسهما بشأن الموقف من الوحدة الأوروبية؛ وممّا يعنيه ذلك استمرار العراك السياسي بين القوى والأحزاب السياسية بعد الاستفتاء إلى أجل غير مسمّى. ويحذّر من هذا الانقسام ممثّلو البنوك والشركات العاملة في بريطانية وخارجها، لاسيما وأنّ تبعاته تتجاوز القارّة الأوروبية وتسمّم مناخ العمل والاستثمار العالمي.

ويبرز في مقدّمة هذه التّبعات غياب الوضوح وزعزعة الثقة بمستقبل العمل والاستثمار في لندن التي أضحت أهمّ مركز ماليّ عالميّ بعد نيويورك، متخطّية بذلك فرانكفورت الألمانية مقر البنك المركزي الأوروبي؛ ولأنّ المال يخشى زعزعة الاستقرار فقد بدأ العديد من المستثمرين بتقليص حجم الجنيه الاسترليني في ودائعهم المالية خوفا من استمرار تراجع سعره إزاء اليورو والدولار.

كما أنّ عددا من الشركات والبنوك التي تعمل من بريطانية لصالح السوق الأوروبية بدأت بوضع أفكار وخطط أولية لنقل نشاطاتها بشكل (جزئيّ أو كلّيّ) إلى ألمانية وفرنسة أو أيرلندا على المدى الطويل. ويعزّز هذا الاعتقاد عوامل أخرى من بينها تراجع الميزات التنافسية للاقتصاد البريطاني إزاء مثيلاتها في ألمانية ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي. في سياق متّصل ستزداد المخاوف من تبعات إلغاء عشرات الاتفاقيات التجارية التي وقّعتها بريطانية مع منظمة التجارة العالمية و 60 دولة من خارج الاتحاد الأوروبي؛ بسبب صعوبة عقد اتفاقيات جديدة بالشروط التفضيلية نفسها. وبالتالي يشكّل ذلك مرحلة طويلة من الصّعوبات أمام الصادرات والواردات البريطانية.

وقد سجّل سعر الجنيه الإسترليني تراجعا بحوالي 12بالمئة مقابل الدولار و8 بالمئة مقابل اليورو في اليوم التالي للاستفتاء - وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من ثلاثين عاما-.

 كما انهارت الأسواق الأوروبية؛ وخاصّة بورصة لندن التي هوت بنسبة أكثر من 7 بالمئة لتحذو بذلك حذو الأسواق الآسيوية إثر إعلان نتائج الاستفتاء على خروج بريطانية من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت) وتصويت أغلبيّة البريطانيين لصالح هذا الخروج المفاجئ. في حين خيّمت أجواء الصدمة على حيّ المال والأعمال في لندن، وكان المسؤولون في الحيّ حذّروا قبل الاستفتاء بأنّ الأوساط المالية البريطانية ستخسر الكثير في حال الخروج من الاتحاد الأوروبي، مبدين مخاوفهم من عاصفة مالية، ولفتوا الأنظار إلى احتمال أن تخسر المصارف البريطانية قسما من حقوق الدّخول إلى السوق المالية الأوروبية على المدى البعيد. وأكّدت الوقائع صحّة تقديراتهم فأمضوا ساعات الليل أمام شاشاتهم العملاقة، مطلقين أوامر على الهاتف لبيع أسهم وسندات.

وبحسب دراسات عديدة فإنّ الاقتصاد البريطاني سيمنى بخسائر اقتصادية متعدّدة في حال خروجه من الاتحاد أن الخسائر المتوقّعة لخروج بريطانية تقدّر بنحو 224 مليار جنيه استرليني، وسيسجّل الاقتصاد البريطاني تباطؤا في النموّ؛ بسبب فقدان المزايا التجارية مع أوروبة، وستتراجع الاستثمارات والتجارة والأعمال وستخسر بريطانية فرص عمل تقدّر بالملايين مع الشركات الكبرى التابعة للاتحاد كما جاء في تقرير للخزانة البريطانية حول التّبعات الاقتصادية السلبية لخروج بريطانية من الاتحاد، وستفقد إنكلترا اتفاقيات التجارة الحرّة المعقودة بين دول الاتحاد، ومن المتوقّع أن تبلغ خسائرها على مستوى الناتج المحلّيّ الإجماليّ لكلّ فرد بين 0.6 - 3 %.

وبالوقت نفسه تؤكّد دراسات عديدة أنّ خروجها من الاتحاد لا يعني بالضرورة ذلك؛ ففي حال الخروج سيكون هناك مفاوضات طويلة لتحديد شكل العلاقة التي ستربط المملكة بالاتحاد، واتّباع بريطانية نموذج سويسرا في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي والدخول مع الاتحاد في اتفاقيات تجارية جديدة تسمح لها بالانخراط في العلاقة التجارية مع دول الاتحاد واستمرار التبادل التجاريّ وفق ظروف معيّنة تحدّدها الاتفاقيات الجديدة.

أمّا تداعيات خروج بريطانية على مستوى الاتحاد الأوروبي، فيرجّح أن تكون كبيرة ، على الرغم من محاولات احتوائها؛ فمع خروجها سيفقد الاتحاد الأوروبي 12.5 في المئة من سكّانه، وقرابة 15 في المئة من قوّة اقتصاده، كما أنه سيستغني عن قوّة عسكرية ذات تأثير مهمّ في الأمن الأوروبيّ. وفيما يتعلّق بعملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي، فإنّ خروج بريطانية سوف يستدعي إعادة النظر في آليّات اتخاذ القرار داخل مؤسّسات الاتحاد؛ إذ سوف يؤدّي خروجها إلى فقدان 29 من الأصوات في مجلس الوزراء الأوروبي، وكذلك 73 مقعدا في البرلمان الأوروبي (8.5 في المئة من الوزن النسبيّ للتصويت)؛ ما يتطلّب إعادة تحديد الحدّ الأدنى للأغلبيّة المؤهّلة، الأمر الذي سيؤدّي –حتما- إلى تغيّر في توازن القوى لمصلحة الدّول الكبرى التي تمتلك تمثيلا أكبر في مؤسّسات الاتحاد في عملية صنع القرار الأوروبيّ (ألمانية وفرنسة وإيطالية).

كما أنه -ومن الناحية الاستراتيجية- سيؤدّي خروج بريطانية إلى زيادة الضغوط على المحور الألماني - الفرنسي لزيادة إنفاقهما العسكريّ؛ بهدف احتواء تأثير الغياب البريطاني على السياسة (الدفاعية والأمنية الأوروبية).

كما تتنامى الخشية الأوروبية من انتشار عدوى الاستفتاءات في أوروبة؛ بما يدفع الأحزاب اليمينية إلى المطالبة بأن تحذو حذو بريطانية؛ وخصوصا في الدول التي تعاني أزمات اقتصادية (اليونان، إسبانيا، المجر، إيطالية).

سيهدّد هذا الأمر عملية التكامل برمّتها، ويفاقم من حدّة الشكوك حول قدرة الاتحاد على الصّمود. و لا شكّ أن النظام العالمي متعدّد الأقطاب، يعظم من حجم التحدّيات التي على أوروبة مواجهتها للحفاظ على قوّتها في القرن الحادي والعشرين؛ فأوروبة تريد أن تظلّ قوّة (اقتصادية وعسكرية وسياسية) فاعلة في العالم الجديد؛ غير أنها ستكون مضطرّة، للدخول في صراع-تنافسيّ في ثلاث دوائر ساخنة على الأقلّ حيث أوّلا: تصطدم بمناطق النفوذ الروسي في شرق أوروبة ومنطقة القوقاز. وثانيا: وتواجه منافسة مباشرة وغير مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، محاولة  الخروج من حالة الاحتواء التي فرضتها أمريكة عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثالثا: بينما تحاول الإبقاء على علاقاتها (الاقتصادية والسياسية)، ونفوذها الثقافي الناعم في أفريقية لمواجهة الشركات الصينية التي تتوغّل في أدغال القارّة الأفريقية على حساب أوروبة وأمريكة، وأصبحت ثالث أكبر شريك تجاريّ لأفريقية مع نهاية العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين.

وهذا الصّراع يتزامن مع أزمة سياسية مفاجئة بعد انفصال بريطانية عن الاتحاد، وأخرى اقتصادية خانقة تعاني منها بعض دول الاتحاد الأوروبي؛ كـ(اليونان وإسبانية والبرتغال) تهدّد الوحدة الاقتصادية الأوربية بالتفكّك، وتحدّ من الفرص التنافسيّة للاتحاد الأوربي، وتحتّم على أوروبة تقليص حجم قوّاتها العسكرية وإنفاقها على التسلّح في مقابل قوى منافسة تستثمر قوّتها الاقتصادية في تدعيم قدراتها العسكرية.

بالإضافة إلى أنّ أكثر مناطق العالم تهديدا للأمن والسّلم العالميّين، هي ذاتها المناطق التي تقع في مجال الأمن الأوروبي، كأوكرانيا، الشرق الأوسط وشمال أفريقية.  ما يصيب صنّاع القرار الأوروبيّين بالتوتّر والقلق الدائمين، ومن ثمّ فقد نشطت مراكز التفكير في أوروبة من أجل الخروج من مأزقها في محاولة لا بديل عنها لتعزيز مكانتها أو على الأقلّ الحفاظ على وضعها في النظام العالمي الذي يتشكّل.

وسنقف قليلا عند القضيّة التي تهمّنا، وهي كيفية تأثير هذا الحدث على العالم العربي. وفي هذا السّياق نستطيع إيراد بعض الافتراضات- وإن كان الحدث لا يزال جديدا-.

كيف لهذا الحدث أن يؤثّر هذا الجرح النازف من العالم العربيّ؟

 التوقّعات هنا مبنيّة على احتمالات أن تركّز المملكة المتحدة جهودها للحفاظ على مصالحها ووضعها في المقدّمة، وإيجاد بيئة تنافسيّة، ورغبة الاتحاد الأوروبي بمعاقبة المملكة المتحدة.

إنّ العديد من المراقبين يؤكّدون أنّ خروج بريطانية من الاتحاد الأوروبي سوف يعطي دفعة قوية لليمين في البلاد، وفي دول أوروبة عموما، وهو ما سيؤدّي إلى تراجع المؤيّدين للحقوق والقضايا العربية.

ومن هذه القضايا على سبيل المثال: القضية الفلسطينية وازدياد الدعم إلى حكومة إسرائيل؛ فمواقف بريطانية كانت دائما أقرب لإسرائيل؛ إلّا أنها كانت ملتزمة بقرارات الاتحاد الأوروبي، فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية؛ إلا أنّ المشهد سيختلف في الفترة المقبلة.

من ناحية أخرى فإنّ تبعات الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، سيؤثّر سلبا على إيجاد تكتّل دوليّ داعم لعملية السلام بالشرق الأوسط، في مواجهة جمود الولايات المتحدة الأمريكية والرفض الإسرائيلي لأيّ تحرّك تجاه عملية السلام. وسيضعف هذا القرار من قوّة القرار الدبلوماسي الأوروبيّ؛ نظرا لمكانة الاتحاد على المستوى الدولي والذي سوف يكون له آثار سلبية تضعف من قوّة القرار الدبلوماسي الأوروبي، ويؤثّر على وزن الاتحاد في الكثير من الملفّات الساخنة في العالم وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بحكم وجود الاتحاد ضمن اللجنة الرّباعيّة الراعية لعملية السلام في الشرق الأوسط. وحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" فإنّ أكبر المستفيدين من هذا الخروج البريطاني هو إسرائيل؛ إذ إنّ خروج لندن سيؤدّي- بطبيعة الحال- إلى إضعاف الاتحاد في مواجهة إسرائيل. وأوضحت الصحيفة: أنه وبالرغم من العلاقات القوية التي تربط إسرائيل ببريطانية؛ إلّا أنها كانت أولى الدّول التي دعت إلى مقاطعة إسرائيل؛ من خلال وضع علامات على منتجات المستوطنات، وهي التي سحبت العديد من دول الاتحاد لتحذو حذوها في هذا المجال، وسيؤدّي هذا الخروج حتما إلى تراجع دول الاتحاد، فيما يتعلّق بـمقاطعة المنتجات الإسرائيلية.

وبالنسبة للملفّ السوريّ لا أعتقد أنه سيكون هناك تغيير- سيما أنّ الدول الأوروبية ليست هي الفاعل الأساس في القضية السورية- ونستطيع القول بزيادة التأثير الأميركيّ الروسيّ في هذا الإطار.

ولنتذكّر كيف أنّه في ديسمبر الفائت، صوت مجلس الأمن الدوليّ بالإجماع على قرار لإنهاء الحرب الأهلية وتشكيل حكومة جديدة في سورية، واعتبر البعض أنّ الاتفاق خطوة رئيسة نحو السلام. وطالبت مجموعة دعم سورية التي تضمّ 17 دولة بعملية تؤدّي إلى تغيير سياسيّ في سورية يقود إلى حكم شامل غير طائفيّ وانتخابات حرّة ونزيهة، وفقا لدستور الجديد في غضون 18 شهرا.

 لقد حان الوقت للاعتراف بأنّ جهود السلام التي تبذلها الولايات المتحدة وروسية قد فشلت فشلا ذريعا، وفرصة حدوث تغيير في القضية مع تولّي الرئيس الأمريكيّ الجديد مهام منصبه في أوائل 2017م هي محض تخمين. 

 والمؤكّد أنّ أوروبة لديها الكثير على المحكّ في سورية أكثر من الولايات المتحدة؛ وذلك بسبب التأثير المباشر على السياسة والأمن الداخليّ جرّاء الحرب. وإدراك هذه الحقيقة يجب أن يكون في مقدّمة أولويات الأوروبيّين قبل أن يفوت الأوان. ولكن طالما أنّ الولايات المتحدة وروسية وحدهما على طاولة المفاوضات سيكون ذلك على حساب المصالح الأوروبية، ناهيك عن أولئك المدنيّين السوريّين.

وفي ملفّ اليمن والعراق، لا تعتبر أوروبة من اللاعبين الفاعلين في هذين الملفّين، وبالطريقة نفسها نستطيع القول أنّ الولايات المتحدة وروسية، تمتلكان الكلمة الفصل في هذين الملفّين.

ومن المتوقّع حدوث تحسّن ما في المناطق التي تلعب فيها أوروبة دورا أكثر فاعلية؛ مثل (مصر، وليبية، والجزائر)، سيّما مع تصاعد حدّة التنافس بين (فرنسة، والمملكة المتحدة، وألمانية)؛ فبريطانية تعدّ تقليديّا من البلدان الجاذبة للاستثمارات العربية لاسيّما الخليجية منها بحكم العلاقات التاريخية مع الدول العربية النفطية.

ومن جهة أخرى يعيش في بريطانية ويعمل الكثير من العرب الأغنياء والمنتمين للطبقة الوسطى منذ أجيال. وتقدّر الاستثمارات الخليجية وحدها بأكثر من 120 مليار جنيه غالبيتها مستثمرة في العقارات والأسهم أو كودائع بالجنيه الإسترليني، وربما يوفّر خروج بريطانية من الاتحاد الأوروبي عددا من المكاسب التي يمكن وصفها بـ «الضخمة»، لدول الخليج، وأوّل هذه المكاسب تحسين شروط الاستثمار والتفاوض مع كلّ من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة؛ ففي السابق كانت دول الخليج لا تستطيع التفاوض مع أيّ دولة، ولهذا كان النقاش دائما ما يكون سلبيّا منذ عام  1985 م، قبل نشأة منطقة اليورو، وأيّا كانت الحال؛  فسيذهب الاستثمار وسيصبّ في النهاية داخل الاتحاد الأوروبي؛ ولهذا لم تكن دول الخليج قادرة على التفاوض بشكل حازم مع كلّ دولة على حدة، والمكسب الثاني هو إعادة التفاوض على اتفاقيات تجارة حرّة مع أوروبة وبريطانية، وربّما تجد دول الخليج ممثّلة في مجلس التعاون الخليجي الفرص سانحة أكثر من أيّ وقت مضى للمضي قدما؛ خاصّة مع حاجة بريطانية لملء الفراغ الذي سيخلّفه مغادرة الاتحاد الأوروبي.

وختاما: إنّ الباحث - صراحة- لم يكن يعوّل كثيرا على الدّور الأوروبي في حلّ المشاكل التي تعاني منها منطقتنا  العربية، وأنّ القرار البريطانيّ لن يكون له انعكاسات سلبية فوريّة على المشهدين (السياسيّ والاقتصاديّ) العربي، وأنّ الخروج من الاتحاد الأوروبي سيكون عبر مرحلة انتقالية قد تستمرّ لأعوام، وهي فترة كافية لترتيب مستقبل العلاقات العربية بين الاتحاد الأوروبي من جهة وبريطانية من جهة أخرى.

كما أنّ احتمال تفتّت الاتحاد الأوروبى هو احتمال مستبعد في السنوات القليلة المقبلة؛ لأنّ ذلك يعني الفوضى في أوروبة. ليس في أوروبة فحسب؛ بل إنّ العالم سيعيش تحت وطأة تأثير مضاعفات تلك الصدمة، ويمكننا أن نتوقّع إعادة إنشاء توازنات جديدة على الصعيدين (الاقتصاديّ والسياسيّ) حول العالم. وسوف تلجأ المملكة المتحدة نحو تغيير التوازنات (السياسية والاقتصادية) من أجل حماية مصالحها الخاصّة.

إنّ خروج بريطانية من الاتحاد سيغيّر من مسار العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية من جهة وبريطانية من جهة أخرى؛ فقد تتّجه بريطانية إلى البحث عن أسواق جديدة لمنتجاتها توفّر لها تسهيلات جمركية بعيدا عن التسهيلات التي تتيحها الدول العربية للدول الأعضاء في الاتحاد؛ لذلك فإنّ الحكومات العربية مدعوّة لدراسة تداعيات خروج بريطانية من الاتحاد الأوروبيّ وتأثيره على التعاون الاقتصادي بينها من جهة وضرورة تسخير  الإمكانات العربية كافّة لقيام تكتّل عربيّ فاعل لعلاج الجروح العربية في كلّ من (فلسطين وسورية واليمن وليبية والعراق).

بعض المصادر:

  1. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ،خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: التداعيات وشكل العلاقة المستقبلية، متاح في http://www.dohainstitute.org/release/d8f532b9-1447-4ee5-a7ec-1727d961d348
  2. حقائق عن الاستفتاء البريطاني حول الاتحاد الأوروبي، متاح في:http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2016/06/160621_uk_eu_referendum_need_to_know
  3. كمال أوزتورك،كيف ستؤثر "بريكسيت" على العالم الإسلامي؟،متاح في:http://www.al-sharq.com/news/details/430923
  4. الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي... سلبيات أم إيجابيات اقتصادية؟،متاح في:http://www.france24.com/ar/20160624
  5. ناتالي نوغايريد،سوريا وأوروبا والإرهاب،متاح في:http://www.gulfeyes.net/oman/362156.html