العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

سعر الصرف كـ (مكبر صوت) مالي في البلدان ذات الديون بالعملات الأجنبية

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

لقد تناولنا منذ عام في مجلّتنا - العدد ٤٣ (رابط للقراءة)- مقالا لرئيس تحرير الايكونومست (رابط للقراءة)؛ حيث تمّ التركيز في المقال حينها على الدّيون واصفا إيّاها بـ (أنّها قصّة لا تنتهي).

ذكرنا -آنذاك- أنّ القصّة بدأت بحلقة "أزمة المصارف"، ثمّ بحلقة "أزمة الحكومات"، وأضاف "مينتون) "بمقاله المشار إليه حلقة ثالثة للدّيون؛ وأنّها ستكون عند دول الأسواق الناشئة، ثمّ تنبّأ بالحلقة الرابعة؛ حيث تعود كرة الثلج أدراجها إلى حلقتها الأولى لتتابع تدحرجها في حلقة مفرغة مفزعة.

وتنشر الايكونوميست في هذا الشهر مقالين في عددها تاريخ ٣-١٢-٢٠١٦م، أبدى الأوّل غرابة  لترحيب البعض بصعود الدولار، وتساءل الثاني عن تجاهل البعض للدّور المركزيّ الذي يلعبه الدولار في النظام الماليّ العالميّ.

ويصبّ المقالان  جام غضبهما على الدّيون ودور حركة سعر الصرف في تأجيج جحيمها.

ولأهمية المقالين أحببت تلخيصهما والتعليق عليهما بما يقتضيه الواقع الحاليّ.

* عنوان المقال الأوّل: لماذا تعتبر قوّة الدولار سيّئة بالنسبة للاقتصاد العالميّ؟، (رابط القراءة).

* عنوان المقال الثاني: قوّة الدولار هي مشكلة للعالم،فماذا تعني قوّة الدولار للاقتصاد العالميّ؟، (رابط القراءة).

 

لقد عرضت أهمّ عملة في العالم عضلاتها في الأسابيع الثلاثة الفائتة بعد فوز  الاقتصاديّ "دونالد ترامب" في الانتخابات الرئاسية الأميركية؛ فشهدت أشدّ ارتفاع لها على الإطلاق مقابل سلّة من عملات البلدان الغنيّة، وهو الآن أكثر بـ ٤٠٪ من أدنى مستوياته عام ٢٠١١م.

كما أنّها عزّزت الاندماج النّسبي لعملات الأسواق الناشئة أيضا فـ:

-      انخفض "اليوان" عملة الصين إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار منذ عام ٢٠٠٨ م؛ فذهب الصينيّون إلى تشديد القيود على عمليّات الاستحواذ الأجنبية من قبل شركاتها المحليّة للحدّ من هذا الهبوط.

-      انخفضت "الرّوبية" عملة الهند لأدنى مستوياتها مقابل الدولار، ويترافق ذلك مع معاناتها من مشاكل في صناعتها (رابط القراءة).

-      انخفضت العملات الآسيوية الأخرى إلى مستويات غير مسبوقة منذ الأزمة المالية في (١٩٩٧-١٩٩٨)م.

 

إنّ الدولار قد يكتسب قوة تمتدّ لسنوات - ولو بشكل تدريجيّ-، وهذا مرهون بالتغيّر (السياسيّ و الاقتصاديّ) في أمريكة. ومن ذلك التغيّر المتوقّع ما يدعم ارتفاع سعر الدولار، ومنه ما يجعله مثار قلق.

فمن الأسباب التي تدعم ارتفاع الدولار:

-      رهان المستثمرين على سياسة  المرشّح "ترامب" لخفض الضرائب، وإنفاق مزيد من الأموال العامّة لإصلاح البنى التحتيّة المتداعية؛ ممّا سيؤدّي بمجلس الاحتياطيّ الفدراليّ لرفع أسعار الفائدة بمعدّلات أسرع من التضخّم.

-      ارتفع عائد السندات الأمريكية (لعشر سنوات) من ١.٧٪ إلى ٢.٣٪ إثر الانتخابات؛ فشكّل عامل جذب لمزيد من تدفّقات رؤوس الأموال؛ إلّا أنّ هذا الجذب سيدفع نحو التوسّع في حجم الأسواق (المالية والائتمانية) العالمية، وسيزيد من محوريّة الدولار بصورة أكبر.

-      تفوّق الدولار على نظرائه، ممّا سيبقيه وسيلة تبادل ومخزن للقيم دون منازع.

-      تشكّل منطقة تخصّ الدولار بحكم الأمر الواقع؛ ففي عام ٢٠١٤ م ضمّت منطقة الدولار أمريكة والبلدان التي تتحرّك عملاتها مع الدولار. شمل ذلك٦٠٪ من سكّان العالم و٦٠٪ من ناتجهم المحلّيّ الإجماليّ أيضا.

-      ارتفاع حجم التمويل بالدولار خارج حدود أميركة في السنوات الأخيرة.

-      ازدياد الطلب على الدولار؛ بسبب نموّ الأسواق الناشئة الأكثر ثراء والأكثر حاجة للتمويل.

أمّا الأسباب التي تجعل من الدولار مثار قلق فهي:

-      أنّ المتتبّع للنفوذ الأمريكيّ كقوة تجارية يجد أنّه يتراجع باستمرار، فمثلا: تراجع عدد البلدان التي تشكّل أكبر سوق للصّادرات من ٤٤ في ١٩٩٤ م إلى ٣٢ بعد عقدين من الزمن.

-      أدّى انخفاض أسعار الفائدة في أمريكة (منذ الأزمة المالية) بصناديق التقاعد الأمريكية؛ لأن تبحث عن ملاذ لعوائد لائقة في أماكن أخرى.

-      هرع الناس لشراء السندات المقوّمة بالدولار والمصدّرة في أماكن غير متوقّعة؛ كـ(موزامبيق وزامبيا)، وكذلك تلك الصادرة عن شركات الأسواق الناشئة. وكانت الشركات المصدّرة سعيدة لاقتراض الدولار بأسعار أقلّ ممّا هو سائد في بلادها. وقد بلغ حجم هذا النوع من الديون ما يقرب من ١٠ تريليون دولار قبل العام الماضي؛ ثلثها في الأسواق الناشئة - وفقا لبنك التسويات الدولية ومنتدى محافظي البنوك المركزية.

 

فكيف يعمل سعر الصرف كـ (مكبّر صوت ماليّ) في البلدان ذات الدّيون بالعملات الأجنبية؟

إنه إذا ما تمّ الترحيب بالدولار القويّ في طوكيو وفرانكفورت، فهو أقلّ ترحيبا في الأسواق الناشئة؛ وذلك بسبب الانخفاض الحادّ في عملاتها ما يشكّل ضغوطا على بنوكها المركزية لرفع أسعار الفائدة؛ لمنع (ازدياد الاستهلاك، واحتواء التضخّم الناتج). فعلى سبيل المثال: رفع البنك المركزيّ التركيّ أسعار الفائدة في ٢٤ نوفمبر ردّا على هبوط سعر صرف الليرة إلى أدنى مستوياتها مقابل الدولار.

إنّ الاقتراض بالدولار، وسداد الشركات ديونها بالدولار؛ سيؤدّي إلى (تراجع الاستثمار، وانخفاض فرص العمل).

مخاطر الدولارالقويّ على دورة الائتمان:

-   عندما يرتفع الدولار فلا تكلفة لخدمة تلك الدّيون.

-   يؤدّي الدولار القويّ إلى تأثيرات مباشرة على المقترضين؛ حيث يصبح الاقتراض الخارجيّ أرخص ممّا سيؤدّي إلى زيادة عرض الائتمان المحلّيّ.

-   ارتفاع تدفّقات رأس المال ستؤدّي لارتفاع أسعار الأصول المحلية؛ ممّا سيشجّع ذلك على مزيد من الاقتراض لارتفاع قيمة الضّمانات.

-   ليس كلّ دولار مقترض من شركات الأسواق الناشئة سيستخدم في الاستثمار؛ بل في الأغلب ما ينتهي المطاف ببعض المال للإيداع في حسابات مصرفية؛ فيكون متاحا للإقراض مرّة أخرى، وتمويل شركات أخرى به.

-   يحرّك الدولار القويّ (هذه الدورة) باتجاه معاكس؛ فمع ارتفاع الدولار يسعى المقترضون لخدمة تكاليف ديونهم المرتفعة عند هروب رأس المال، وحال هبوط أسعار الأصول. وتكون النتيجة مزيدا من الشروط الائتمانية في كثير من الأماكن خارج أمريكة لضبط الثروات بالدولار. وليس من قبيل المصادفة أن بعض أكبر الخاسرين مقابل الدولار كانت عملات البرازيل، وتشيلي، وتركيا، مع الكثير من الديون بالدولار.

 

إذن: يسبّب ارتفاع الدولار توسّعا في سوق الائتمان، ويزيد مخاطرها.

أمّا مخاطر ارتفاع الدولار على أمريكة فيتلخّص بالآتي:

-     تكمن مخاطر ارتفاع الدولار على أمريكة باتّساع عجزها التجاريّ؛ بسبب ضغط العملة القوية على الصادرات وزيادة الواردات.

-     زاد العجز في عهد "ريغان"؛ بسبب زيادة إجراءات حمائية مشابهة لما سيفعله المرشّح "ترامب"- حسبما صرّح به-، ويستدل من ذلك؛ التلاعب في قواعد التجارة الدولية لصالح بعض البلدان.

-     سيزداد العجز؛ بسبب تهديدات المرشّح "ترامب" فرض ضرائب جمركية مرتفعة على الواردات من "الصين والمكسيك" في محاولة لإحداث توازن في التجارة.

-     شكّلت زيادة الدولار بنسبة ٥٠٪ بين عامي (١٩٨٠ و١٩٨٥ ) م ضغطا على المصدّرين الأميركيّين. وقد تمّ إلغاء وضع حواجز تجارية من خلال اتفاق بلازا عام ١٩٨٥م؛ ممّا أضعف الدولار. ويبدو أن التاريخ سيعيد نفسه مع الرئيس المنتخب وسياساته المرتقبة.

 

فتصوّروا فيما لو اتّجه العالم نحو الحدّ من الاقتراض، فكم من المخاوف العالمية ستنتهي؟ 

وتصوّروا كذلك  لو أنّ هذا العالم ألغى الفائدة الربوية، فكم من همومه ستنقضي؟

إنّ ارتفاع سعر الدولار سيكون كارثيّا على أمريكة والعالم معا ؛ طالما أنّ هذا العالم سيبقى غارقا في الدّيون، فدوّامة الديون لا أمل من الخروج منها إلّا بإسقاط الرّبا وإمهال المدينين حتّى تتيسّر أمورهم؛ فالدّين يثقله الرّبا التي سرعان ما تتحوّل من فوائد مجرّدة إلى دين جديد متراكم بعضه فوق أصله. ويدور الجميع في هذه الدوّامة دون وجهة واضحة سوى لمزيد من الغرم الشديد؛ فقد بلغت ديون (الحكومات والشّركات) خارج أمريكة حتى نهاية العام الماضي ٩.٧ تريليون مقوّمة بالدولار - وفقا لبنك التسويات الدولية- وبلغت ديون الأسواق الناشئة ٣.٣ تريليون دولار.

 

و يا للأسف؛ إنّه عالم يتعلّم بالممارسة مدّعيا  وزاعما أنّ لديه عمالقة من الاقتصاديّين الأكفاء، والأذكياء الماليّين؛ إلّا أنّه غارق إلى أذنيه في أنفاق الديون، ولا أمل لديه إلا بالاقتراض الرّبويّ المحرّم  من جديد.

حقّا إنّها(قصّة لا تنتهي)، أبطالها الأساسيّون هم: (الرّبا والتوسّع في الدّين والبيوع الوهميّة)، وهم كأبطال أفلام "هولييود  و بولييود" لا يموتون.

لكن هل هناك من لا يموت؟

أجل: في عالم المال إنّ السّلع والخدمات التي تقبع في سوق المستقر  - كما ذكرنا آنذاك في مقالنا الافتتاحيّ للعدد ٢١ (عدد فبراير٢٠١٤)م - لا تموت أبدا؛ بل تجعل الأسواق تتضخّم ب سرطان خبيث يقتلها