العدد الحالي: اكتوبر 2017       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

القانون والعقوبات الأمريكية على "دويتشه بنك" الألماني

Dr. AbdelGadir Warsama Ghalib

Senior Legal Advisor & Head of Legal Dept, Bank of Bahrain & Kuwait – BBK Professor of Law, American University. Bahrain

تُعتبَرُ الاجتماعاتُ السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بِرئاستيهِما في واشنطن بأمريكة مِن أهمِّ الاجتماعاتِ العالَمية في كُلِّ عامٍ لِمُناقشةِ المسائل (الاقتصادية والمالية والمصرفية والاستثمارية)؛ حيث يحضرُ هذه الاجتماعاتِ قياداتُ القطاعاتِ قاطبةً؛ بما فيهم وزراءُ المالِ والخزينةِ ومُحافِظو البنوك المركزية ورؤساءُ البنوك) وغيرُهم من ذَوي الاختصاصِ.

وتتمُّ مناقشةُ وكشفُ حسابِ الوضْعِ الاقتصاديّ والماليّ العالَميّ، وما لَه وما عليهِ، وماذا يجبُ عملُه؟ ولِماذا؟ وكيف؟...

تنتهِزُ الجهاتُ المنظِّمةُ لهذه الاجتماعاتِ السنويةِ الفُرصَة، ولأهميةِ الحُضور؛ لتقديمِ العديد من (المُحاضَراتِ والندْواتِ والأحاديثِ واللقاءاتِ المكشوفَة والمُساجلاتِ الأكاديمية والفنِّيَّة..).

 وقَد تشرَّفَ كاتبُ هذه السطورِ بِدَعوةٍ لِحُضورِ مناقشاتٍ عن موضوعِ "التمويل الأخضر"، الذي يُمكِنُ أن نقولَ أنه موضوعُ الساعةِ؛ خاصَّةً بعد أن قُرِّرَ اجتماعُ القِمَّةِ الحاديةَ عشرةَ لـ "مجموعة العشرين" الأخير في مدينةِ "هانغتشو" في الصين، ولهُ أهميَّتُه القُصوى في دَعْمِ البيئةِ لِمُستقبلٍ أخضرَ.

وسيتطرَّقُ الباحثُ لهذا في مقالٍ تفصيليٍّ لاحقٍّ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

إنّ الملفِتَ للانتباهِ أنَّ موضوعَ "دويتشه بنك" الألمانيّ وتطبيقَ القانونِ الأمريكيّ عليهِ وفَرْضَ عُقوباتٍ تتجاوزُ 14 مليار دولار، طغَى على الاهتمامِ طيلةَ أيَّامِ الاجتماعاتِ.

وتَفوَّقَ الاهتمامُ بهذا الموضوعِ على عِدَّةِ مواضيعَ أُخْرى لا تقلُّ أهميةً في نظرِ الجميع؛ مِثل (أسعارِ النِّفْطِ، وتباطؤ الاقتصادِ الصينيِّ، ومشاكلِ الدُّيونِ العالَمية)؛ و التي قالتْ رئيسةُ صندوقِ النقْد الدوليّ بأنّها "حجرُ عَثَرَةٍ" أو حُفْرَة ٌكبيرةٌ في طريق النموِّ والتقدُّمِ الاقتصاديّ العالَميّ، ولا بُدَّ مِن رَدْمِها في أسرعِ وَقْتٍ.

إنّ "دويتشه بنك" يُعتبَرُ أكبرَ وأقوى البنوك الألمانية؛ بل وعلى مستوى العالم، وهو يُمثِّلُ قِمَّةَ قُوَّةِ الاقتصادِ الألمانيّ. وتَعرُّضَ هذا البنكِ القويّ العِملاقِ لأيِّ مشاكِلَ سيُؤثِّرُ سلباً على الاقتصادَينِ (الألمانيّ والأوربيّ)؛ بل والعالَميِّ أيضاً.

وهناك أحاديثُ كثيرةٌ -في ألمانيةَ وخارجَها-مفادُها (أنّ أمريكةَ تستهدفُ ضربَ ألمانيةَ، ومِنها علي المدى البعيدِ التأثيرُ على الاقتصاد الأوربيّ لأهدافٍ بعيدةٍ..- وبِصفَةٍ خاصَّةٍ بعدَ قرارِ الاتحادِ الأوربيِّ بالمُطالَبةِ بتغريمِ شركة "أبل"؛ بِسبَبِ الدَّعْمِ الأمريكي "غَير المشروعِ" المُقدَّمِ لها.  

ومِن المُلفتِ-كذلكَ- أنّ المبلغَ الذي يَتحدَّثُ عنه الاتحادُ الأوربيُّ ضِدَّ "شركة أبل" يُعتبَرُ مبلغاً كبيراً (مُماثِلاً أو مقارباً) لِلغَرامةِ الأمريكية على "دويتشه بنك"، والأوراقُ كُلُّها مكشوفةٌ، وهذا بِهذا...

وهناكَ مَن صَرَّحَ أنّها "حربٌ أمريكيةٌ ضِدَّ ألمانية"؛ نظراً لأنَّ هذا البنكَ هو أكبرُ "دينمو" لـ(تحريكِ الاقتصادِ، وجَرِّ دُولابِ الصناعةِ الألمانية سببُ القوَّةِ الألمانية الطاغيةِ.

وكانت رُدودُ الفعلِ المباشرةِ على قرارِ العُقوباتِ الأمريكية على البنكِ الانهيار المُدوِّي لسعرِ أسهُمِه، وانهيارُ سِعر السهْم يعني انهيارَ القوَّةِ المالية للبنكِ، وانهيارُ القوَّة المالية للبنك يعني التدخُّلَ الحكوميّ لإنقاذهِ أو العكس، ولِكِلْتا الخُطوتَينِ انعكاساتُها السلبية؛ مِمَّا يُفاقِمُ الأزمةَ.

والقانونُ الأمريكيّ واضحٌ وينطبقُ على الجميعِ داخلَ أمريكة وخارجَها وفي العالَم كُلِّه (شَرقِه و غَربِه)،

وهكذا يجبُ أن يكونَ القانونُ له "أنيابٌ قويةٌ حادَّة" وبالعدمِ لا داعِيَ لِعَرضِ العَضلاتِ.

 و"دويتشه بنك" عليهِ أن يُصارِعَ ويُقارِعَ وزارةَ العدلِ الأمريكية بالقانون، واستناداً على الحُجَجِ القانونيَّة؛ وإلّا فَعَلَيهِ الانصياعُ والخنوعُ والتنفيذُ التامًّ..

 ولقد تنَفَّسَ الجميعُ الصُّعداءَ بعد أنْ قالَ البنكُ: أنَّ لَدَيهِ مُحاولاتٍ مع وزارةِ العدلِ الأمريكية لتخفيضِ العُقوباتِ، نعمْ مجرَّد تخفيضِ العُقوباتِ وليس إزالتها.

وللعلم فإنَّ هذا التصريحَ بِقَبولِ وزارة العدل الأمريكية ومعها وزارةُ التجارة للنظرِ في تخفيضِ العُقوباتِ إلى النصفِ تقريباً أدَّى إلى تَحسُّنِ المزاجِ الألمانيّ (والعالَمي)، وأدَّى مباشرةً إلى ارتفاعِ سعر أسهُم البنك؛ مِمَّا أزالَ هَمّاً كبيراً حولَ صحَّةِ وقوَّةِ الوضْعِ الماليِّ للبنكِ.. و "للعافيةِ دَرجاتٌ".

إنَّ أزمةَ "ليمان براذرز" الكئيبةَ يبدو أنها ذاتُ آثارٍ بعيدةِ المَدى، وستُطالِعُنا برأسها بين الحين والآخَر. وبالرغمِ مِمَّا أحدثتْه هذه الأزمةُ المصرفية العالَمية في 2008م من آثارٍ مُدمِّرة؛ إلَّا أنَّ العالَم- وبِسببِها "سيعطس" في كُلِّ مرَّةٍ مع مرور الزمنِ. وأزمة "دويتشه بنك" ما هيَ إلَّا إحدى "العطسات" المُتكرِّرة بسببِ "ليمان براذرز"، وبسببِ تكرُّرِ العطسات لا بُدَّ من أن نقول للاقتصاد العالَميَّ هداك اللهُ لما فيه صلاحُ البلادِ وإسعادِ الناسِ.  

إنَّ مِن القضايا التي أقامتْها وزارةُ العدلِ الأمريكية، ومِن خلفِها وزارةُ التجارةِ وبعضُ المؤسَّسات الفدرالية ضِدَّ "دويتشه بنك" تتعلَّقُ بانتهاكِ هذا البنك للقوانينِ الأمريكية وتَورُّطِه ومُشاركَتِه الفِعليَّة في بيعِ مُشتقَّاتِ "دريفاتفز" استثمارية وبعضِ السنداتِ المرهونةِ بالدُّيونِ التي تُسهِمُ في تضخيمِ فُقاعةِ الدَّينِ، إضافةً لتمويلِ عملياتِ (بيعِ وشراءِ) أوراقٍ ماليةٍ مدعومةٍ بالرهنِ العقاريّ، وكُلُّ ذلك تمَّ عبرَ طُرُقِ (التضليلِ والاحتيالِ والتدليسِ والنَّصْبِ) لتحقيقِ المكاسبِ والأرباحِ غيرِ القانونية للبنكِ.

 وبعضُ هذه العملياتِ تَمَّتْ داخلَ أمريكا ومربوطةٌ جُذورُها بأزمةِ "ليمان براذرز" التي هَزَّتِ البنوكَ الأمريكية و العالَمَ كُلَّه.

 ومِن الغريبِ حقّاً أنّ بنكاً كبيراً بهذه الضخامةِ لا يتَّعِظُ مِن أخطاءِ غَيرهِ؛ بل ويُكرِّرُها على طريقةِ "القطْعِ واللصْق"، والجشعُ أعمى وأطرشُ وأجوفُ.. ويا للأسفِ تلجأُ البنوكُ العالَمية الكبرى لِمِثلِ هذه المُمارَساتِ غَيرِ (القانونيةِ والأخلاقية و المهنية)، و هذا كُلُّهُ يُدلِّلُ على الطمعِ الجشَع والتهافتِ الأعمى نحوَ الأرباحِ بأيِّ طريقةٍ كانت... ولكن ما النتيجةُ والمُحصِّلةُ النهائيةُ؟ ما حدثَ لهذا البنكِ ولِقيادتِه يُمثِّلُ أكبرَ دليلٍ على أنَّ (النصبَ والاحتيالَ وتجاوزَ القانونِ) إذا ما تمَّ فإنَّه لن يستمرَّ إلى ما لا نهايةَ له... ولا بُدَّ مِن انكشافِ المستورِ وسُقوطِ الأقنعةِ الزائفةِ التي يستخدمُها، ومع بالغِ الأسفِ فإنَّ قادةَ هذه البنوكِ. وقطعاً الحقُ أبلجُ، وسيسقطُ كُلُّ بَنكٍ يُخالِفُ القانونَ ويتلاعبُ بمَصالِح (المودِعينَ والزبائنِ والمستهلِكينَ) وذَوي المصلحة.

 ولا مَفرَّ مِن العدالة.

مديرةُ صُندوقِ النقْد الدوليّ "كريستيان لا جارد" الفرنسيةُ،- وهي فرحةٌ ومنتشيةٌ بالدعم الأوربي القوي للتجديدِ لها- قالتْها صراحةً مرَّاتٍ عديدةً في وَجْهِ مُديري بُنوكِ العالَم: "يجبُ الالتزامُ بالقانونِ وبمَبادئ المِهنية المصرفية والحوكمة و المُمارَساتِ السليمة كُلِّها.."، وأصرَّتْ أنّ على "دويتشه بنك" التحرُّكَ مِن الآن لتصحيحِ أوضاعِه وترتيبِ البيت من الداخلِ، ونظافتِه وتهيئته للقيامِ بِدَورِه الصحيحِ والسليمِ من أجلِ عالَمٍ نظيفٍ من الفسادِ والمُمارَساتِ المُخْجِلة.

وهذه الرسالةُ القويةُ من شَخصيَّةٍ قياديَّة تقعدُ على رأسِ أهمِّ مِنبَرٍ اقتصاديٍّ ماليّ يقودُ العالم، بالطبع مُقدَّمةٌ للبنوكِ كلِّها في العالَم وأيضا للقائِمينَ على أمرِها قاطِبةً.

فهل فَهِمَ الجميعُ درسَ الاجتماعاتِ السنوية الأخيرة، أمْ سنُواجِه الوضْعَ نفْسَه في العامِ القادمِ و "إنَّ غَداً  لِناظرِه قريبٌ؟