العدد الحالي: تشرين 1/اكتوبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

الرشد الاقتصادي فريضة

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

الرشد الاقتصادي فريضة

رئيس التحرير

الدكتور سامر مظهر قنطقجي

الرشد الاقتصادي في شريعتنا الإسلامية المطهرة يتطلب اتخاذ القرارات الاقتصادية التي تأخذ في الاعتبار ألا نستدين بالربا؟ لقد حرّم الله علينا الربا، واعتبره من الخبائث، وشدد في تحريمه بل حاربه، وحارب أهله، وتوعدهم بتخبط الشيطان لهم  يقول المولى عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: 275]، وقد يكون من صور التخبط في الحياة الدنيا، ما يعيشه العالم من تضخم نقدي كما فسّره أحد الاقتصاديين، ويشير إلى ذلك الاقتصادي الغربي المعروف (فريدمان) الذي عزا السلوك الطائش للاقتصاد الأمريكي في بداية ثمانينيات القرن الماضي إلى تذبذب أسعار الفائدة (The yo-yo US Economy, Newsweek 15 Feb 1982. P. 4). أليس في ذلك ما يدفع إلى الرشد الاقتصادي كي نجنب أوطاننا التخبط الاقتصادي الذي تعيش فيه بسبب الربا؟

ولاشك أن توظيف أموال الأمة في صيغ ربوية تدعم المؤسسات المالية الدولية الغربية تكتنفه مخاطر عظيمة، أقلها أن ذلك يعرض أموالها للمحق، ألم تُمحق بعض الأموال إثر الأزمة المالية العالمية الأخيرة؟ لماذا لا يدعم متخذو القرار الاستثماري حصتهم في مؤسسات مالية إسلامية شهدت لها تصنيفاتها العالمية بالسلامة والقوة مثل البنك الإسلامي للتنمية، الذي أعطي أعلى درجات التصنيف في السنوات الأخيرة، علماً أنه يندر أن تُصنِّف شركات التصنيف دولة أو مؤسسة بهذه الدرجة! وقد أثبتت تلك المؤسسات جدارتها على مستوى استثمار أموالها، إلى جانب مساعدتها للدول والمجتمعات، وحتى للقطاع الخاص أيضاً، إضافة لمساهماتها الاجتماعية التي قلّ نظيرها من مؤسسة مالية، فأيهما أحق بأن تُستثمر الأموال فيه؟

إن المؤسسات المالية الغربية المقرضة تفرض شروطاً عديدة على المستدينين منها، وتنشر الدَيْن بين الدول، فتزيد من المخاطر الائتمانية، وتستغل فوائدها الربوية حال الضعفاء اللاجئين إليها لتمويلهم، كما تُجبر سياساتها في بعض الأحيان الدول المستفيدة على فرض الضرائب فضلاً عما هو موجود منها، مما يزيد تكاليفهم الإنتاجية فيرفع أسعار إنتاجها، ويقلل فرصها التنافسية.

ومن جهة أخرى، يجب على من يزيدون حصصهم في المؤسسات المالية المقرضة،  أن يفرضوا شروطا، تخفف من وطأة هذه المؤسسات على الدول الفقيرة، وتقترب من صور العدل المنشود عالميا.

يُقال عن حال الذين طلبوا الاستدانة بأنهم أصحاب عجز، بينما يُقال عن حال القوم المودعين بأنهم أصحاب فائض، وأما مؤسسات الإقراض فما هي إلا (مدير صندوق) بين الفئتين. وإسلامنا لم يعجز عن إيجاد الأدوات والمنتجات التي تحقق هذه الوساطة مثل الصكوك كمصدر للتمويل؟ فبها تتحقق المصلحة وتستفيد فئتا العجز والفائض معاً. ولماذا لا تتوجه دول الفائض لصيغ التمويل الإسلامي عبر المؤسسات المالية الإسلامية أو حتى الغربية التي تقوم بتقديم خدمات مصرفية إسلامية ولديها هيئات شرعية تستفتيها في شرعية هذه الخدمات؟

إن الأيام دولٌ، وعلينا استغلال الوقت لأننا موقوفون وعنه محاسبون. وإن العالم شهد على مناعة وقوة صيغ التمويل الإسلامي، فتبنتها دول ومؤسسات مالية، وطبقوها بشكل عملي، رغم بعض التحفظات، وتبنتها مراكز بحث وجامعات عالمية من الناحية الفكرية أيضاً.

وصلى الله على نبينا محمد القائل: ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.

حماة (حماها الله) بتاريخ 07/10/2012