العدد الحالي: أيار/ مايو 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

مفاهيم في الاقتصاد الإسلامي

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

يعيشُ الإنسانُ على هذه البسيطةِ مُنذُ القِدَمِ، وسيبقَى فيها زمناً يجهلُه؛ سعَى الإنسانُ - خِلالَ ذلكَ - تفسيرَ هذه الحياةِ التي يعيشُها ليفهمَها فَيتمكَّن مِن العيشِ فيها بأفضلِ وَسيلَةٍ - حسبَ اعتقادِه - مُستغِلّاً الموارِدَ مِن حَولِه؛ فذهبَ الناسُ مَذاهِبَ عديدةً في آليَّاتِ الفهمِ؛ فتعدَّدتْ مذاهِبُهم عبرَ العُصورِ بِتعَدُّدِ مشاربهِم.

وخلالَ تلك المسيرةِ نشأتْ نُظُمٌ واندثرتْ أُخْرى، وساد في القَرنَينِ الأخِيرين مَذْهَبا (الشيوعية ورَبِيبَتِها الاشتراكية) والرأسمالية؛ فالأوَّلُ ظهرَ لِلعالَم في عام ١٩١٧ م، ثمَّ أفلَ نَجْمُه في عام ١٩٩٠م، وغيَّرَتِ الرأسماليةُ بعضاً مِن صِفاتها، وتَخلَّتْ عن أغلبِ رُموزِها في بدايةِ هذا القرن الحاليّ.

وهُناكَ مَذهَبٌ ظهرَ وتبلورَ مُنذُ أكثرَ من ١٤قرناً - وما زال مَوجُوداً-، ترافقَ مع بُزوغِ شمسِ الإسلامِ، وبسببِ تخلّفُ بعضِ عُلماءِ العصرِ الحديثِ تأخَّرَ تأطيرُه وبيانُه بالمفاهيمُ السائِدَة.

فما المذهبُ الاقتصاديّ الإسلاميّ؟

وما النظــــامُ الاقتصاديّ الإسلاميّ؟

ومــــــــــا عــلـمُ الاقتصادِ الإسلاميّ؟

تتوزَّعُ هذه المفاهيمُ ضِمنَ إطارَي (الثوابتِ والمتغيِّرات) - كما هي شريعةُ الإسلامِ الخالِد -؛ فالمذهبُ الاقتصاديُّ وأصولُه من الثوابتِ التي تُستقَى مِن كتابِ الِله تعالى وسُنَّةِ نَبيِّه صلَّى الُله عليهِ وسلَّمَ، بينَما يندرجُ علمُ الاقتصادِ ونظريَّاتُه والنظامُ الاقتصاديُّ وتطبيقاتُه ضِمنَ المتغيِّراتِ التي تنتمي للثوابتِ فلا تخرجُ عنها؛ فـ (العِلمُ مجالُه النظرُ والفِكرُ، والنظامُ مجالُه العملُ والتطبيقُ).

 
   

 

 

المَذهبُ الاقتصاديّ:

المذهبُ الاقتصاديّ الإسلاميّ هو الإطارُ الجامعُ لِعِلْمِ الاقتصادِ تُمثِّلُه مجموعةُ الأصولِ والمبادئ الاقتصادية التي يسيرُ عليها المجتمعُ في حياتِه الاقتصادية والمُنبَثقَةِ مِن ثوابتِ الشريعةِ الإسلامية بُغْيَةَ تحقيقِ العدلِ وفقَما شَرعُه اللهُ عزَّ وجلَّ.

يُعتبَرُ المذهبُ الاقتصاديّ مَوطِنَ الخلافِ بين النُّظُامَينِ (الرأسماليّ والاشتراكيّ- الوضْعيَّانِ-)والنظامِ الإسلاميِّ الرَّبَّانيِّ؛ لانتماءِِ كُلِّ نظامٍ بِالقِيَمِ والمُثُلِ السائِدَة والاتِّجاهاتِ الاقتصاديَّة، فالنِّظامانِ الوضعِيَّان نِظامانِ مادِّيَّانِ ركَّزا على الجانبِ المادِّيِّ في الحياةِ، بينَما وازنَ النظامُ الرَّبَّانيُّ بين الجانبَينِ (المادِّيِّ والرُّوحيِّ)؛

 

فلا غرابةَ إذنْ في تَنبُّهِ المذاهبِ الوضعيَّة إلى أهمِّيَّةِ المسؤوليةِ الاجتماعيةِ وتطبيقاتِها في نهايةِ القرنِ الماضي بينَما شَكَّلَتْ هذه المسؤوليةُ الجانبَ الأخلاقيَّ في المذهبِ الإسلاميّ فكانتْ مُنْدَمِجَةً في نظامِه وتطبيقاتِه على السواءِ منذُ بدايتِه وما زالَ.

لذلك يبحثُ المَذهبُ بما يجبُ مُناقشتُه، وما يجبُ ألّا يكونَ؛ فـ (الاحتكارُ في الاقتصادِ الإسلاميِّ مُحرَّمٌ على الجميعِ؛ كَبيرهِم وصَغيرهِم)، فـ (لا يحقُّ لأحدٍّ أنْ يَحْتَكِرَ)؛ لِقَولِ الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ: "لا يَحْتَكِرُ إلا خاطِئٌ".

فالأصولُ الاقتصاديةُ الإسلاميةُ ذهبتْ لاعتباراتٍ تخصُّها، فـ:

-       مِلكيَّةُ المالِ للهِ تعالى والنَّاسُ فيه مُسْتَخْلَفُونَ،

-       تأمينُ حَدِّ الكفايةِ للناسِ أمرٌ واجبٌ ومسؤوليةُ الدولةِ والمجتمعِ وأيُّ تقصيرٍ من أحدهِما تُقدِّم الثاني لِسَدِّ تلكَ الكفايةِ وتأمينِها لمحتاجِها.

-       تحقيقُ العدالةِ أمرٌ لا غِنى عنهُ، ولا بُدَّ أن يتجسَّدَ ذلك في (النظريات والتطبيقاتِ) كافَّةً على حَدٍّ سواء،

-       المِلكيَّةُ بأشكالِها (الخاصَّةِ والعامَّةِ والمشتركةِ) مَصُونةٌ ومُعتبَرةٌ،

-       والحريةُ الاقتصاديةُ مُعتبَرةٌ ومُقيَّدةٌ بما لا يُخالِفُ الأصولَ الشرعيّة،

-       والتنميةُ بمفهومَيها (الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ) أمرٌ أساسٌ؛ فلا بُدَّ مِن قيمةٍ مُضافةٍ لأيِّ عَملٍ مؤدَّىً وبذلكَ تقومُ الحياةُ وتُعمرُ الأرضُ،

-       الأصلُ في كلِّ شيءِ (التوسُّط) حتّى في الإنفاقِ والاستهلاك،

-       المحرَّماتُ خبائِثُ لا يجوزُ الاقترابُ مِنها.

وقد عبَّر الفقهاءُ عن تلكَ الأصولِ بـ (الضَّرُوراتِ الخمْسِ) بِوصفِها مقاصِدَ الشريعة الإسلامية الغَرَّاء.

لذلك فغايةَ النشاطِ الاقتصاديِّ ووَسائِلَه تَرتكِزُ على أن:

-        غايةُ (المُجتمَعِ أو الفرد) مِن القيام بالنشاط الاقتصادي يُحدِّدُها المذهبُ.

-        إنَّ وَسائِلَ القيامِ بالنشاطِ الاقتصاديِّ كشَكلِ توزيعِ الثروةِ والمِلْكيَّةِ يَتدَخَّلُ في تَحدِيدِه المذهبُ.

أما الأسئلةُ التي يُثيرُها المذهبُ فتتعلق بـ:

-        كيف ينبغي أن يكونَ السوقُ؟

-        هل تضمنُ حُرِّيَّةُ السُّوقِ التوزيعَ العادِلَ لِلسِّلَعِ وتلبيةَ الاحتياجاتِ؛ بِما يُحقِّقُ العدالةَ الاجتماعية؟

وعليه؛ فمنهج المذهب الاقتصادي يكمن في المدخل المعياري.

النظامُ الاقتصاديُّ الإسلاميُّ:

يُعرَّفُ النظامُ الاقتصاديّ الإسلاميّ بأنَّه: "مجموعةُ القواعدِ والأحكامِ التي تُنظِّمُ علاقاتِ الأفرادِ في إدارتهِم لِلمَواردِ الطيِّبةِ؛ باستخدامِ وَسائِلَ مُباحةٍ لأداءِ وظائفِ الاقتصادِ لتحقيقِ أقصى إشباعٍ مُمكِنٍ لحاجاتهِم غيرِ المَحدُودة".

فالقواعدُ: "هي القواعدُ الفقهيَّةُ المُستنبَطةُ مِن أصولِ الشريعةِ الإسلاميّة: (القُرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ المُطهَّرةِ والإجماعِ)، أمّا الأحكامُ فهِيَ (نتائِجُ القواعدِ الفقهيَّةِ مِن حلالٍ أو حَرامٍ)".

والتنظيمُ: "هو أحدُ وظائفِ إدارةِ النشاطِ الاقتصاديّ".

وعلاقاتُ الأفرادِ: "هي السلوكُ الذي تُؤطِّرُه الأحكامُ الفِقهيَّةُ في (إنتاجِ وتوزيع واستهلاك واستثمارِ) الموارد الطيِّبة".

وعليه فالنظامُ الاقتصاديّ الإسلاميّ: هو الوسائلُ والإجراءاتُ التي يتمُّ مِن خلالِها تطبيقُ المذهبِ الاقتصاديِّ الإسلاميِّ؛ ممَّا يمنحُ النظامُ المُرونةَوالتغيُّرَبتغيُّرِ الزمانِ والمكانِ - ضِمنَ إطارِ المذهبِ الاقتصاديِّ وحُدودِه وليس خارِجَه-؛ في حين أنّ المذهبَ يتَّصِفُ بِثباتِه؛ فلا يَتغيَّرُ بِتغيُّرِ الزمانِ والمكان كـ(حُرْمَةِ الرِّبا) - مَثلاً-.

أما خَصائِصُ النظامِ:

-       تحقيقُ الرّقابةِ المُزدوجةِ.

-       الجميعُ بين الثباتِ والمُرونة والتطوُّر.

-       التوازنُ بين المادِّيَّةِ والرُّوحيَّة.

-       التوازنُ بين المصلحةِ الفرديَّة والمصلحةِ الجَماعِيَّة.

ورَكائِزُ النظامِ:

-   المِلكيَّةُ المُزدوجةُ: عامَّةٌ، وخاصَّةٌ، وجَماعيَّة كـ (الوقْفِ والمعادِن).

-   الحريةُ الاقتصاديةُ المُنضبِطَةُ بالمذهبِ الاقتصاديِّ وتحقيقِ المصلَحةِ العامَّة.

-     التكافلُ الاجتماعيّ.

وعليه؛ فمنهجَ النظامِ الاقتصاديِّ يكمُن في المدخلَين (التجريبيِّ والاستقرائيّ).

عِلْمُ الاقتصادِ الإسلاميّ:

يتناولُ عِلْمُ الاقتصادِ تفسيرَ الحياةِ الاقتصادية وأحداثَها وظواهِرَها ومَعرِفةَ الأسبابِ التي تَتحكَّمُ فيها لاكتِشافِ أسرارِ الحياةِ الاقتصاديَّةِ لمَعرِفةِ ما يَحدُثُ؛ لذلك هو عِلْمٌ يهتَمُّ بِسُلوكِ الأفرادِ في حُصولِهم على المَواردِ الطيِّبةِ، واستخدامِها، وتنميتِها؛ لإشباعِ حاجاتِهم المُباحةِ، وتحقيقِ عدالةِ التوزيعِ بينَ الناسِ.

وشملَ ذلك:

-   وظائِفَ الاقتصادِ مِن (تمويلٍ واستثمارٍ وإنتاجٍ واستهلاكٍ وتوزيعٍ وتبادُلٍ).

-   المَواردُ هي المواردُ (الطبيعيَّة والبَشريَّة والماديَّة) ومِنها كسبُ المالِ، وكُلُّ ذلكَ يكونُ مِن المواردِ الطيِّبةِ التزاماً بالقواعدِ والضوابطِ الشرعيّة.

-   ضبطُ الأحكامُ الشرعيةُ لسلوكَ الأفرادِ، ونُميِّزُ بينَ سُلوكَينِ اِثنَينِ:

‌أ.      حُصولِهم على المواردِ الطيِّبة بمختلفِ أشكالِها؛ ومِنها المواردُ المادِّيَّةُ سواء بـ(كَسْبِ المالِ بالعَمل المباشِر، أو بـ (التقليب) كالتجارة أو بـ(التحويل) كالصناعة.

‌ب.  استهلاكِ الأفرادِ للمَواردِ الطيِّبة؛ ومِنها إنفاقُ المالِ ضِمنَ الأوجُهِ المشروعةِ؛ لإشباعِ حاجاتهِم، وهيَ على نَوعَينِ:

-                حاجاتٍ استهلاكيَّةٍ مُباحةٍ.

-                حاجاتٍ استثماريَّة الغرضُ مِنها تحقيقُ التنمية، ويكون ذلك بإنتاجِ الطيِّباتِ فقط دونَ الخبائِث.

-    تحقيقُ العدالةِ الاجتماعية بتحقيقِ عدالةِ التوزيعِ بين عناصرِ الإنتاج، وبين الشُّركاء، وفي البيئةِ الطبيعيَّة المُحيطة، وبأداءِ المساهَمةِ الاجتماعية على شكلِ (زَكواتٍ وصَدقاتٍ).

إنَّ (علمَ الاقتصادِ ونظرياتَّه هو مجالُ إعمالِ الفِكر والنَّظر)، وهو مدخلٌ إيجابيٌّ تحكُمه القاعدةُ النبويَّةُ (الحِكْمَةُ ضالَّةُ المؤمِنِ؛ أينَما وَجَدَها فهُوَ أحقُّ بِها)، فالعِلْمُ مِلْكُ الناسِ جميعاً، وليس مِلْكَ فِئَةٍ دُونَ غَيرها؛ أيّ: أنّه مُحايِدٌ مُستقلٌّ لا ينتمي لِمذهَبٍ دونَ آخرَ.

أمّا كيفيَّةُ تطويعِ واستخدامِ هذه القوانيِن والنظريّاتِ فمَنوطٌ بالمذهبِ واتجاهاتِه.

مِثالُ ذلك:

-        دراسةُ العلاقةِ بين السِّعر والطلبِ لتفسيرِ أحداثِ السُّوق.

-        استخلاصُ القوانينِ الاقتصاديَّة التي تحكمُها كقانونِ تناقُصِ الغلَّةِ وتزايُدِها، وقانونِ العَرْضِ والطلب.

إنَّ الاختلافَ بين عِلمِ الاقتصادِ التقليديِّ وعِلم الاقتصادِ الإسلاميّ أنَّ التقليديَّ لا يعترفُ بأيِّ علاقةٍ لعِلْمِ الاقتصادِ بـ(العقائدِ والأخلاقِ واتِّجاهاتِ الدولةِ الاقتصاديَّة)؛ إلّا أنَّ عِلْمَ الاقتصادِ الإسلاميَّ يلتزمُ بثوابتَ تخصُّه ولا يحيدُ عنها(وهو ما عبرنا عنه بالمذهب الاقتصادي)، مِمّا حدا ببعضِ الاقتصاديِّين وَصْفَهَ بأنَّه ليسَ عِلْماً؛ بل مَذهباً اقتصاديَّا، وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ القضيَّة تَعتمِدُ على أُسُسٍ الدراسةِ والبَحث؛ فمَثلاً: إنّ تطويرَ معيارٍ لقياسِ أداء المعاملاتِ المالية الإسلامية (مَقام) كبديلٍ عن مؤشِّرِ الفائدةِ الرِّبَويَّة (لايبور) يُثْبِتُ فعاليةَ الاقتصادِ الإسلاميِّ كِعِلْمٍ؛فالمُؤشِّرانِ كِلاهُما ينتميانِ لعِلْمِ الاقتصادِ؛ لأنَّهُما مقياسٌ وحسب؛ إلَّا أنَّ أُسُسَ الأوَّل أكثرُ تناسُباً مع الثوابتِ الإسلاميّة، والثاني لا يتناسبُ معَها مع إمكانِ استخدامِه بِحِيادِيَّةٍ، والاستئناسِ به في مجلسِ العَقدِ دُونَ رَبْطِ التسعيرِ به بشكلٍ متغيِّرٍ خارجَ مجلسِ العَقد.

أما الأسئلةُ التي يُثيرُها عِلْمُ الاقتصادِ:

-        ما نتائجُ السُّوقِ الحُرَّة؟

-        كيف يتمُّ ربطُ السعرِ بالطلبِ؟

وعليه؛ فإنّ منهجَ عِلْمِ الاقتصادِ يكمنُ في المدخلِ الاستنباطيّ.

 

إذاً يضعُ المذهبُ الاقتصاديّ أهدافَ الحياةِ الاقتصاديةِ ويرسمُ الوسائِلَ المؤدِّيةَ لتحقيقِ تلكَ الأهدافِ؛ أيّ: (غايةَ ووسيلةَ النشاطِ الاقتصاديّ)؛ كـ (تحديدِ هدفِ الإنتاجِ ووسيلتِه وشكلِ المِلكيةِ والحريةِ الاقتصاديةِ وكيفيةِ توزيعِ الثروةِ)؛ فـ (المذهبُ يتأثَّرُ بالأخلاقِ والسياسةِ والاتجاهاتِ الاقتصاديةِ وكذلك مفهوم المجتمع للعدالة).

وبناءً عليهِ نُميِّزُ بين الأنظمةِ الاقتصاديةِ وهي الجانب التطبيقيّ والعمليّ فنَصِفُها بـ (الرأسمالية والاشتراكية والإسلامية)؛ فلِكُلٍّ من هذه الأنظمةِ مَذهَبٌ تنتمي إليه.

ويأتي علمُ الاقتصادِ -كأداةِ للبحثِ العلميّ والموضوعيّ عن الحقائقِ العلميَّة - فـ (يؤطِّرَ الوقائعَ والمشاهداتِ ويحاولَ تفسيرَها ووَضْعَ نظرياتٍ تخصُّها، ومِن ثَمَّ تتدافعُ النظريَّاتُ ليسقُطَ بعضُها ويَثبُتَ بعضُها الآخرُ حِينًا مِن الدَّهرِ، وقد تخضعُ تلك النظرياتُ لتعديلاتٍ لِتُناسِبَ التغيُّراتِ المحيطةَ، وقد تتحوَّلُ إلى حقائقَ علميةٍ راسخةٍ، وقد تبقى مدارَ (بحثٍ وتمحيصٍ وتعديلٍ وتطويرٍ مستمِرٍّ). وقد أوضَحنا تميُّزَ عِلْمِ الاقتصادِ الإسلاميّ باهتمامِه بالمَواردِ الطيِّبةِ واستخدامِها، وتنميتِها؛ لإشباعِ الحاجاتِ المُباحةِ، وتحقيقِ عدالةِ التوزيعِ بينَ الناسِ؛ فـ (العِلْمُ يُركِّزُ على تطويرِ الأداءِ، وعلى إيجادِ حُلولٍ لِمشكلاتٍ يُعاني منها الناسُ ويَنسجِمُ مع ما يُؤمِنُونَ به).

وقد يختلفُ المنتمُونَ لمذهبٍ مُحدَّدٍ؛ -كالمذهبِ الإسلاميّ مَثلاً - في عَرضِهم للنظريَّاتِ وللتطبيقات، فهذا مِن اهتمامِ المجتهِدِينَ تبعاً لتغيُّرِ الزمانِ والمكانِ، وقد تعارفَ الفقهاءُ على قاعدةٍ مشتركةٍ بينَهم، هي: "اختلافُ الأحكامِ بتغيُّرِ الزمانِ والمكانِ"؛ فقَد يظنُّ أحدُهُم أنَّ ما ذهبَ إليه حقيقةٌ علميةٌ، ثُمَّ يأتي الواقِعُ ليُثِبتَ أو ينفي وجْهةِ نظَره، وهذهِ سُنَّةٌ من سَننِ الِله تعالى.

مِثالُ ذلك في السياسةِ الماليةِ العامّة: أنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان يُوزِّعُ كُلَّ ما يأتيهِ لبَيتِ المالِ، وكان أبو بكرٍ رضيَ الُله عنهُ- وهو خليفةُ رسولِ الِله صلَّى الُله عليهِ وسلّمَ يُوزِّعُ لِلأقْرَبِ لآلِ البيتِ النبويِّ، أمّا عُمَرُ رضيَ الُله عنهُ - وهو خليفةُ خليفةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فكانَ يُوزِّعُ للأقربِ إلى الإسلامِ. ولمْ يَكُنْ في أيِّ فِعْلٍ مِن تلكَ الأفعالِ ما يُناقِضُ المذهبَ الاقتصاديّ الإسلاميّ؛ فهَذهِ تطبيقاتٌ اختلفتْ باختلافِ الزمانِ فاجتهدَ خَليفَتا  رَسُولِ الِله صلّى الُله عليهِ وسلَّمَ ما فيه مصلحةُ الناسِ، وليسَ في ذلكَ بأسٌ.

 

إذاً تختلفُ أسُسُ مفاهيمِ الاقتصاد الإسلاميّ عن غَيرها لتأثُّرِها بشريعةِ الإسلامِ وانبثاقِها عنهُ؛ فـ(العدلُ غايةُ لا تنفكُّ عنها) فلا يُسمَحُ بظُلْمٍ أو تظالُمٍ فـ(لا ضَرَرَ ولا ضِرار)؛ لكنَّ هذه المفاهيم لا تبتعدُ عن الواقعِ؛ لأنَّها تستفيدُ من المدخِل الإيجابيِّ بِوصْفِه الحكمةُ وهي ضالَّةُ المُؤمِنِ أينَما وَجَدَها فَهُوَ أحقُّ بها؛ فالحقيقةُ مِلْكُ البشريَّةِ جَمعاءَ؛ومنافعُ الاقتصادِ الإسلاميِّ تطال جميعَ الناس؛ فكثيراً ما خاطبَ القرآنُ الكريمُ - وهو كلامُ اللهِ تعالى - الناسَ بِـ: (يا أيُّها النَّاسُ)، وقالَ رسولُ الهُدَى صلَّى اللهُ عليهِ وسلّم: "بُعِثتُ إلى الأحمَرِ والأسْودِ”.

 

حَماة (حَماها اللهُ) بتاريخ ٢٦ مِن صَفر ١٤٣٨ هـ  الموافق ٢٦ مِن نوفمبر تشرين الثاني ٢٠١٦ م