العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

تسيير الموارد البشرية في المؤسسات العمومية تجربة اليابان

بن زايد سارة

أستاذة وطالبة دكتوراه سنة ثانية LMD

محمد رمزي زريزر

ماستر تسويق

نَظراً لِلتطوُّراتِ المتسارعة التي نَشهدُها اليومَ فقد ظهرتْ عِدَّةُ مفاهيمَ معاصِرةٍ في مجالِ

الإدارة؛ مِن بينِها: مفهومُ "إدارةِ الموارد البشرية" أو ما يُعرَفُ بـ"رأسِ المال البشريّ"؛ باعتبارِه أحدَ أثمنِ أصلٍ من أصولِ المنظمة؛ فقد تطوَّر مفهومُه من كونِه مَورِداً بشرياً وفِكرياً، إلى كونِه استثماراً يعود على المؤسَّسةِ بالفائدة؛ إذ يرُكِّزُ على العُنصرِ البشريّ وما يمتلِكُه من كفاءاتٍ تتمتَّعُ بالتجديدِ والإبداع ليبقَ الهدفُ الرئيسُ هو تقليصَ النفقاتِ مع تحسينِ نوع المخْرَجاتِ (سِلَعِيَّةً) كانت أو (خَدَميَّة)؛ ممَّا يُتيحُ للمؤسَّساتِ عامَّةً والمؤسَّساتِ العُمومية -على وَجْهِ التخصيص- فُرْصَةُ رَفْعِ مُستوى مواردِها البشرية بشكلٍ يرفعُ من مستوى ونوعيَّة مُخْرَجاتِها؛ لِنَجِدَ اليابانَ -باعتبارِها أحدَ أبرزِ الدول الرائدة في مجالِ تنمية الموارد البشرية وتطويرها لبلوغ الريّادة باعتبارِها بلداً يفتقرُ لِلمواردِ الطاقوية - تُوَجِّهُ جُهودَها كافّةً في إيجادِ ثروةٍ دائمة هي مَوردُها البشريّ المبدعِ والمبتكر.

سيتناول البحثُ ثلاثةَ محاورٍ:

*ماهِيَّةَ المورِد البشريّ (رأس المال البشري)،

*تعريفَ إدارةِ الموارد البشرية وأهمِّيَّتِها،

*والتعرُّضَ للتجرِبة اليابانيةِ كَمِثالٍ عن أسلوبٍ رائد في تسييرِ الموارد البشرية على مستوى هيئاتها العُمومية.

ماهِيَّةُ المَوردِ البَشريّ ( رأس المال البشري )

تتمثَّلُ المواردُ البشرية في حَجْمِ ونوعيَّة القوى البشرية المتاحة(عاملةً وغيرَ عاملةٍ).

وفي هذه الدراسةِ للموارد البشرية، أو ما يُعرَفُ بـ"رأس المال البشريّ"، لا ينحصرُ الاهتمامُ في دراسةِ مشاكل السُكَّانِ، وإعدادِهم ومُعدَّلِ تزايدِهم فحسب؛ بل لا بُدَّ مِن الاهتمامِ -إلى جانبِ ذلك- بدراسةِ العوامل التي تُؤثِّرُ في نوعيَّة العُنصر البشريّ، وفيما يتعلَّقُ بنوعيةِ العنصر البشري، يُمكِنُ أن نميز أساساً بين النوعية المكْتَسَبة وغيرِ المكتسبة (أو الذاتية)،

 وتتمثَّلُ النوعيةُ المكتسبة في مجموعةٍ من (الصِّفات والخِبرات والمهارات والكفاءة) التي لا يُولَدُ الإنسانُ بها؛ بل يكتسِبُها عن طريقِ (التعليم والتدريب والرعاية الصحية).

أمَّا النوعيةُ الذاتية فيُقصَدُ بها المواهبُ الخاصَّة (الفنِّيَّة أو الابتكارية) التي يختصُّ اللهُ سُبحانَه وتعالى بهِ ثُلَّةً من البَشر يُولَدُون بها1.

تعريفُ رأسِ المال البشريّ: لقد تَعدَّدَتِ التعاريفُ المتعلِّقةُ برأسِ المال البشريّ، ومِن أهمِّ التعاريف التي تُعطى له، نذكر:يُعرَّفُ رأسُ المال البشريّ، على أنَّه: كُلُّ الأفرادِ المشتغلِين أو المتعطِّلين أو أولئك الذين خارجَ نطاقِ العمل أو التعطُّل؛ حيث يدخلُ ضِمنَ هذه الفِئة الأخيرة كُلُّ الطلبة المتفرِّغينَ للدراسة والأطفالُ، وأصحابُ الأعمال الذين لايُمارِسُونَ عملاً بأنفُسِهم، وذَوي العاهات غيرِ القادرينَ على العمل، والمحالونَ إلى المعاشِ الذين لا يُؤدُّونَ عَملا2ً.

كما يُعرَّفُ على أنَّه مجموعُ (الخِبرات والمهارات) البشرية، المتباينةِ في مستوى أدائِها والعاملة في المنظَّمةِ حاليَّاً، أو التي ستهيأ للعملِ مستقبَلاً أو المعطَّلةِ مِنها بسببِ حوادث وإصابات العمل، أو الإجازات أو الغياب الإداري، والتي ينطبقُ عليها الحدُّ الأدنى من مُواصَفاتِ الوظيفة، على أعلى تقديرٍ وتقع عليها مسؤوليةُ تنفيذِ الأهداف العامَّة للمنظمة3.

مُكوِّناتُ رأسِ المالِ البشريّ: يتكوَّنُ رأسُ المالِ البشريّ من جُزأينِ أساسيَّينِ؛ جُزْءٍ فِطْريٍّ يُعبِّرُ عن الاستعداداتِ (الجِسمية والعَقلية) الفِطْرية التي تُولَدُ مع الفردِ، أمّا الجُزْءُ المكتسَبُ- وهو الجُزءُ الأهمُّ في رأسِ المال البشريّ- فيُعبِّرُ عن مُجْمَلِ (المعارف، الكفاءات، المؤهِّلات، القُدرات الجِسمانية، الخِبرات والتجارِب المكتسَبة).

 وتبدأُ عمليةُ اكتسابِ تلك (المعارف والمؤهِّلات) من ميلادِ الفرد إلى وَفاته؛ فهي عمليةٌ تمتدُّ مدى الحياة، وتتطوَّرُ مع تطوُّرِ المراحل التي يمرُّ بها4.

طُرُقُ تكوينِ رأسِ المالِ البشريّ: يتمُّ ذلك من خلالِ الاستثمار في رأس المال البشري بِغَرَضِ تطويره (كمَّاً ونَوعاً)، والتأثيرِ في نوعيَّتِه وكِفايته الإنتاجية؛ وذلك مِن خلالِ الاستثمار في مجال (التعليمِ والتدريب) الأمرُ الذي يُساعِدُ على تثمينِ رأس المال البشريّ؛ بمعنى: تطويرِ الكفاءات والمهارات والمعارف التي هي أساسُ النموِّ الاقتصاديّ والرُّقيّ البشريّ؛ ممَّا سيكلف/؟؟ الاقتصادَ؛ لأنّه استثمارٌ بمواردَ نادرةٍ، ويُمكِنُ أن يأخُذَ أشكالاً عديدة نذكرُ منها5:

▪             رأسَ المالِ البشريّ الذي يتمُّ تكوينُه خلالَ فترةِ الحياة العملية.

▪             الرعايةَ الصحية.

▪             التعليمَ والتربية في إطارِ العائلة ومجموعَ المعارف والقِيَم التي يمتلكُها الأولياءُ وتنتقلُ إلى الأبناءِ.

أشكالُ رأسِ المالِ البشريّ وأساليبُ استثمارِه

تتعدَّدُ وتختلفُ أشكالُ رأسِ المال البشري وأنماطُ الاستثمار على مستواه لِتَحْويلهِ إلى رأسِ مالٍ فِكْرِيٍّ تتعدَّى قِيمَتُه الأصولَ المالية للمؤسسة، ولتوضيحِ ذلك سيعرضُ الباحثانِ أشكالَ رأسِ المال البشريّ والأساليب التي يتمُّ بها الاستثمارُ في هذا الأخير.

أشكالُ رأسِ المال البشريّ: يُقْسَمُ رأسُ المالِ البشري إلى أربعةٍ أنواعٍ وتشتملُ على6:

✓عُنصرٍ بشريّ نادر يُنتِجُ قيمةُ مُضافة ضئيلة؛ وتتمثَّلُ في الخِبرات النادرة والتي ترتكزُ على تكنولوجيا بسيطةٍ.

✓عنصرٍ بشري نادر ويصعبُ إحلاله، يُنتِجُ قيمةً مُضافةً عاليةُ، يتميَّزُ بالنُّدْرَةِ في السوق، كونه فُرْصَةً تنافُسيّة يجبُ الحِفاظُ عليه.

✓عنصرٍ بشري يُنتِجُ قيمةُ مُضافة عالية؛ لَكِنْ يُمكِنُ إحلالُه كُونَه مُتوفِّراُ في سوقِ العمل.

رغم هذا فلا بُدَّ من الحِفاظ عليه؛ نظراً لتكلفةِ الإنفاق عليه، في تدريبِه وتأهيلِه، وتكييفِه مع بيئةِ العمل.

✓عنصرٍ بشري يُنتِجُ قيمةً مُضافة مُنخفضة، يسهلُ إحلالُه كونَه مُتوفِّراً في السوق، يُفضَّلُ استبدالُه بتكنولوجيا جديدةٍ تُنتِجُ قيمةً مُضافةً أعلى.

أساليبُ الاستثمارِ في رأسِ المالِ البشريّ: تتعدَّدُ أساليبُ الاستثمارِ في رأسِ المال البشري، ومِن بينِ هذه الأساليب نجدُ7: التعليمَ والتدريب؛ إدارةَ الأفراد المتفوِّقين؛ فتشجيعُ التعليمِ يُعَدُّ ضماناً لاستمرارية التعلُّمِ ؛ تنظيم دوراتٍ تدريبية وتكوينية؛ لِرَفْعِ مستوى أداءِ العامِلين؛ دعمَ الأفكار الإبداعية والابتكارية والتي مِن شأنها أن تُمَكِّنَ المؤسَّسةَ من كَسْبِ مِيزَةٍ تنافُسية؛ تحفيزَ العامِلين ودعمهم مادِّيَّاً ومَعنويَّاً؛ التركيزَ على مفهومِ المواطَنة التنظيمية بمعدَّلٍ مُعْتبَرٍ؛ ممَّا يُعمِّقُ مِن ولاءِ العامِلينَ للمؤسَّسة.

تسييرُ المَواردِ البشريَّةِ وأهمِّيَّتُها

تُعَدُّ إدارةُ المواردِ البشرية من الوظائفِ المهمَّةِ والحيويَّة للمؤسَّسةِ؛ نظراً إلى أنَّ العنصرَ البشري يُعَدُّ المحرِّكَ الرئيسَ لأيِّ نشاطٍ أو وظيفةٍ تتمُّ على مستوى هذه الأخيرةِ؛ لذا كان من الضروريِّ إنشاءُ إدارةٍ خاصَّة مهمَّتُها التخطيط وتنمية هذا الموردِ المهمِّ، وهو ما سيُتمُّ عَرضُه من خلالِ هذا العُنصر.

تعريفُ إدارةِ المَواردِالبشرية: لقد تعدَّدتِ التعاريفُ المتعلِّقةُ بتحديدِ مفهومٍ دقيق لعمليةِ إدارة الموارد البشرية نذكرُ مِنها8:

التعريفَالأوَّل: " تنطوي/؟؟إدارةُالعنصرِالبشريعلىتلكالنشاطاتِالمصمَّمةلتوفيرِالقوى العامِلةحسبالتخصُّصاتِالمطلوبةِفيالمنشآت،وكذلكالمحافظةِعلىتلكالكفاءاتِ وتنميتهاوتحفيزِها؛بمايُمَكِّنُالمنظَّمةَمنبلوغِأهدافِهابكفاءةٍوفاعلية.

التعريفَالثاني:" تختصُّإدارةُالمواردِالبشرية-بمعناه الواسع-بشؤونِالاستخدامالأمْثَلِ والفعَّالِللمواردالبشريةبالمستوياتِالتنظيميةللمنظَّمةكافَّةً حتَّىتُحقِّقَهذهالأخيرةُأهدافَها، كماأنهانشاطٌإداريّيُمثِّلُأحدَفُروعِإدارةالأعمال،

 أمّافيمَعناهاالضيِّقِفهيتهتمُّبتوفيرِ احتياجاتالمنظَّمةِمنالقوىالعاملةوالمحافظةعليهاوتنميةِقُدراتهاورغبتهاعلىالعمل؛بما يُساعِدُعلىتكوينِقوَّةِعملٍراضيةومُنتِجة".

غير أنّ التعريفَين السابقَين قد أهْملا وظائفَ الإدارةِ من (تخطيطٍ، تنظيم، توجيه ورقابة، وكيفية تكييفها مع المورد البشريّ) وهو ما تمَّ التطرُّقُ إليه في التعريفِ الآتي:

التعريفُالثالِثُ:" تُعرَّفُ إدارةِ الموارد البشرية على أنها: تلكالوظيفةُالتيتهتمُّبكيفيةِإعدادالقُدُراتِاللازمةللمنظمةوكيفيةِ توزيعهاعلىمختلفِالمناصبِداخلَهذهالأخيرة،ومِنثَمَّالإشرافُ والتوجيهلهذهالقُدُراتِ وتعويضها،بماتستحقُّهجرَّاءَقيامِهابماأُسْنِدَ إليهامِنواجباتٍووظائف".

إنَّ التعاريفَ السابقة قد أهملَتِ البيئةَ الخارجية؛ فكَونُ إدارةِ الموارد البشرية وظيفةً تهتمُّ بتنميةِ وتطوير الموارد البشرية بما يُمَكِّنُ المؤسَّسةَ من التكيُفِ مع بيئتِها الخارجية من خلالِ ما تمتلِكُه من مواردَ داخليةٍ لا بُدَّ مِن الإشارةِ إلى هذه النقطةِ كما سيردُ في التعريفِ الآتي:

التعريفُ الرابِعُ:"تُعبِّرُ إدارةُ المواردِ البشرية على أنّها" مجموعةُالممارَساتِوالسياساتالمطلوبةلتنفيذِمختلفالنشاطاتِالمتعلِّقةبحصولِ المؤسَّسةِعلى احتياجاتهامنالمواردِالبشرية، تطويرِها، تحفيزِه،والحِفاظعليها، وتكييفِها مع مُتطلَّباتِ البيئةِ الداخلية والخارجية؛ ممَّايُساعِدُعلىتحقيقِالأهدافالمرجوَّةِبأعلىمستوياتِالكفاءةوالفعالية.

يُلاحَظُمِنهذاالتعريف:أنّإدارةَالمواردِالبشريةتُمثِّلُنِظاماًمُتكامِلاًلإدارةِالعناصرالبشريةفيالمؤسَّسات،وهذا انطلاقاًمنأنَّالعنصرَالبشرييُمثِّلُأهمَّالعواملِالمؤثِّرةفيأداءِالمؤسَّسةوتأقلُمِهامعبيئتِهاالتيتتميَّزُبالتغيُّرِوالتعقُّدِ والتعقيد؛الأمرُالذييقودُ في نهاية المطافِإلىتحقيقِالمؤسَّساتِلأهدافِها.

 ويَتكَوَّنُهذاالنظامُالمتكامِلللمواردالبشريةمن العناصِرالتالية:البيئةِالخارجية،وظائفِإدارةالمواردالبشرية،البيئةالداخلية،الأفراد،الوظائف،نتائجالعمل،والنتائج التنظيمية9.

أهدافُ تسييرِ المَواردِ البشريّة: يُعتبَرُ رأسُ المالِ البشري عُنصراً مُهمَّاً وحيويَّاً في التنظيماتِ كافَّةً، ويَتوقَّفُ بقاءُ المؤسَّسةِ وتحقيقُ أهدافِها على الطريقةِ التي استُخدِمَتْ في الحصولِ على تكوينِ مَوردِها البشري، وطريقةِ استغلالها من قِبَلِ مختلفِ المستوياتِ الإدارية، وهو ما لَزِمَ على المؤسَّساتِ تخصيصُ مصالِحَ ومديرياتٍ مهمَّتُها تسييرُ رأس المال البشري بهدف10: تعظيمِ إنتاجيةالتنظيم؛ من خلالِ*رَفْعِ كفاءة العامِلين، وتحفيزهم (مادِّيَّاً ومعنويَّاً). *وتوفيِر ظُروفِ عَمَلٍ تمتازُ بدرجةٍ عالية من الأمنِ والمرونة الرشيدة في التعامُل. *وتطويرِ واقتراح السياسات والإجراءات التي تُساهِمُ في تحقيقِ زيادة قيمة رأس المال البشري، *والعمل على تقييمِ وتطبيق بعض البرامج والطُّرُقِ التي تتماشَى مع الهدف. *وتطويرِ طُرُقِ تقييم أداء العمل؛ والتي يُمْكِنُ مِن خلالها تقييم مدى فاعليةِ إدارة رأس المال البشري بالمؤسسة بمدى مساهمتِها في تحقيق أهدافها. *والمحافظةِ على التنظيم القائم كوحدةٍ تسيرُ بِخُطَىً متقدِّمةٍ دائماً في وَجْهِ الضُّغوطِ الداخلية والخارجية.

أسبابُ زيادةِ الاهتمامِ برأسِ المالِ البشريّ: يرجعُ ازديادُ الاهتمامِ برأس المال البشري لِعِدَّةِ أسبابٍ مِن بينِها11:

✓كِبَرحجْمِالعَمالة الصناعيةوما تتطلَّبُه منمواصفاتٍخاصَّةٍ وتدريبٍوإعداد عِلميٍّ،زاد مِن أهمِّيَّةِ جَذْبِ رأس المال البشري وتدريبِه والمحافَظةعليه؛منخلالِنُظُمٍ وإجراءاتٍمُستمرَّةتقومُعلىتنفيذِهاإدارةٌمُتخصِّصةمسؤولة.

✓ارتفاعُمستوياتِالتعليموالثقافةغَيّرَ من خصائصِ العنصر البشري، وجعلَه أكثرَوَعياًمِنذِيقَبْلُ؛ممَّاتطلَّبَوُجودَخُبراءَومُتخصِّصينَفي إدارةِرأس المال البشري،وتبنِّي أحدثِ أساليب التعامُلمعهُ.

✓ارتفاعُتكلفةِرأس المال البشري زادَ مِن ضرورة رفْع إنتاجيَّتِه لتغطِّي تكاليفَه؛ من خلال الاهتمامِبهذاالمورِدوتفجير طاقاتِهالكامنة.

✓الاتِّجاهُالمتزايدُنحوَكِبرحجْمالمنظَّماتِ،واستخدامِهالِعُمَّالمختلفِينفي(ثقافاتِهم، كفاءاتهموكذاجِنْسيَّاتِهم)؛ممَّاحتَّمتوظيفَ أفرادٍ ذَوَي مهاراتٍ وكفاءات عِلميَّة عالية.

✓زيادةُدَورِوأهميةالمنظماتالعماليةوالنقاباتفيالدفاععنحقوقِالعمَّال ومصالحِهم،وزيادةُ حِدَّةِالصراعبينالإدارةوالعامِلينَ؛ممَّاتطلَّبَإنشاءَ إدارةٍ خاصَّة بالأفرادِ للوفاء بمتطلَّباتِهم12.

الفلسفةُ الجديدةُ لِإدارةِ المَواردِ البشريَّة: يُمكِنُ تلخيصُ تطوُّرِ أسلوبِ تسيير الموارد البشرية في الجدولِ الآتي13:

جدول رقم (١):مقارنة بين إدارة الموارد البشرية التقليدية والحديثة.

إدارة الموارد البشرية التقليدية

إدارة الموارد البشرية الحديثة

اعتبارُ إدارةِ الموارد البشرية على أنها مجموعةٌ أعمالٍ إجرائية تتعلق بتنفيذ سياسات ونظم العاملين.

اعتبارُ وظيفةٍ استراتيجية تتعامل مع أهمِّ موارد المنظمة وتتشابك مع الأهداف والاستراتيجيات العامة لها.

مع تبنِّي مفاهيمَ وتِقنياتِ إدارة الجَودة الشاملة في عمليات إدارة الموارد البشرية إلى جانب إدماج تِقنيات المعلومات والاتصال في عمليات إدارة الموارد البشرية والتحوُّلِ نحوَ نُظُم وتقنيات إدارة الموارد البشرية الالكترونية.

اعتبار "نفقات" تكلفة المهام التي تتولّى إدارةَ المواردِ البشرية مثل "نفقات التدريب" على أنها نفقات بدونِ مَردودٍ.

اعتبارها نفقاتٍ استثماريةً تدرُّ عائِداً على الاستثمار.

اهتمَّتْ بالبناءِ المادِّيِّ للإنسان وقواه العَضلية وقُدراته الجسمانية، ومِن ثَمَّ ركَّزَت على الأداءِ الآليِّ للمهامِّ التي يُكلَّفُ بها دون أن يكونَ له دورٌ في التفكير واتخاذ القرارات.

تهتمُّ بِعَقلِ الإنسان وقُدراته الذهنية في التفكير والابتكار والمشاركة في حلِّ المشاكل وتحمُّلِ المسؤوليات.

رَكَّزَتْ على الجوانبِ المادية في العمل، واهتمَّت بقضايا الأجور والحوافز المادية وتحسين البيئة المادية للعمل.

تهتمُّ بمحتوى العمل والبحث عمّا يُسمَّى القُدرات الذهنية للفرد؛ ولذا تهتمُّ بالحوافز المعنوية وتمكينِ الإنسان ومَنحِه الصلاحيَّات للمشاركةِ في تحمُّلِ المسؤوليات لكي يشعرَ بأهمية الوظيفة.

اتَّخذَت التنمية البشرية في الأساس شكلَ التدريبِ المهني الذي يرُكِّزُ على اكتسابِ الفرد مهاراتٍ ميكانيكية يستخدمُها في أداءِ العمل دون السعي لتنمية المهارات الفكرية أو استثمارها.

التنمية البشرية أساساً هي تنميةٌ إبداعية وإطلاقٌ لطاقاتِ التفكير والابتكار عند الإنسان وتنمية العمل الجَماعي والتأكيد على روح الفريق.

الاهتمام بعمليات الاستقطاب والتوظيف للعاملين حسب احتياجات الإدارة التنفيذية المختلفة.

الانشغال أو الاهتمام بقضية أكثر حيوية وهي إدارة الأداء وتحقيق الإنتاجية الأعلى وتحسين الكفاءة والفعالية.

الانحصار في عمليات بحث واستقطاب العنصر البشري في السوق المحلية فقط.

الانتشار في عمليات البحث والاستقطاب في سوق العمل العالمي لانتقاء أفضل العناصر وأكثرها قُدرةً على تحقيق أهداف المؤسسة.

 

 

المصدر: علي السلمي، إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية، دار غريب للنشر والطباعة، القاهرة، 2001م، ص:36- 45.

تَجرِبةُ اليابانِ في تسييرِ المواردِ البشريَّةِ في مُؤسَّساتِ التعليمِ

مِن بينِ أهمِّ المقوِّمات اليابانية نجدُ الفردَ بحدِّ ذاتِه يُشَكِّلُ قُدوةً في (السُّلوك، التصرف، ومُحاسبَتِهلِنَفْسِهقبلَأنيُحاسِبَهغيرُه)، وهذانابعٌ مِن(ضَميرهومجتمعهوحضارتهوثقافتهوتربيته)؛ لذلكفَكُلُّفردٍفيهايَعْرِفُدَورَهُفيالحياةويؤدِّيهبإيمانٍ وحَماسةٍلاينتظرُمِنأيِّجهازٍسواءأكان(داخلَالعملأو خارجَه(أنيكونعليه(رَقيباًأوحَسِيباً)؛ أيّ:أنّكُلَّفردٍ يعملُفيإطارِالانضباطالذاتيّ14.

نُبْذَةٌ عن اليابانِ: تقعُ اليابانُ في شرق آسية، بين المحيطِ الهادي وبحر اليابان وشرقِ شِبه الجزيرة الكُورية؛حيث تُقدَّرُ مساحتُها بـ ٣٧٨٠٠٠ كيلومتراً مُربَّعاً، كما تضمُّ حوالَي ثلاثةَ آلافِ جزيرة، أربعٌ مِنها تُعَدُّ الأهمَّ والأكبَر على الإطلاقِ، ويُقدَّرُ عددُ سُكَّانها بـ ١٢٨ مليون نسمةً، مع مؤشِّر التنمية الياباني ٠.٩٠١ وهو مُؤشِّرٌ مرتفع جِدَّاً مقارنةً بِبَقيَّةِ الدول15.

نقاطُ قوَّةِ اليابانِ: تَتنوَّعُ نقاطُ قوَّةِ اليابان الاقتصادية مِنها والبشرية والتي يُمْكِنُ حَصْرُها في نقاطِ قوَّةٍ تشمَلُ16:

✓         تُعَدُّ اليابانُ من الناحيةِ الاقتصادية واحدةً من أكثرِ الدول تقدُّماً في العالَم؛ إذ تتمتَّعُ العلاماتُ التجارية اليابانية مثل (تويوتا، سوني، فوجي فيلم، باناسونيك) بِشُهْرَةٍ عالَمية.

✓         يُعَدُّ عِلْمُ استخدامِ الإنسان الآليّ أحدَ أهمِّ المجالات الواعدة للنموِّ الاقتصادي المستقبلي؛ والذي تتفوَّقُ فيه التكنولوجيا اليابانية على سائرِ دُول العالم.

✓         تُشارِكُ اليابانُ في نشاطاتِ اليونسكو من خلالِ عَدَدٍ من برامجِ أموال الودائع، وترُكِّزُ مُساهماتُ اليابانِ على الحفاظ على التراثِ الثقافي (المادِّيِّ وغيرِ المادِّيِّ، وبِناءِ قُدراتِ الموارد البشرية في الدول النامية، والتعليمِ من أجْلِ التنمية المستديمة، والتعليم للجميع، وتعزيز البحوث العلمية)،

✓          وتُقدَّرُ مُساهماتُ اليابانِ الطوعية عام ٢٠٠٦ م بمبلغ ١٠٩٦١٠٧٥.٣١ دولاراً أميركياً17.

✓         يتميَّزُ نظامُ التعليمِ الياباني بـ(المركزية واللامركزية) مع تشجيعِ رُوح الجماعة والنظام والمسؤولية؛ وذلك بـ(إعطاءِ كُلٍّ مِن الجِدِّ والاجتهادِ أهمِّيَّةً تفوقُ الموهِبةَ والذَّكاءَ)؛ فالنجاحُ والتفوُّق لا يَتحدَّدانِ باختلافِ الموهبة والذكاء؛ ولكن بالاختلافِ في بَذْلِ الجُهد، مع التركيزِ على إعطاء الطالب الكمَّ المعرفيَّ الملائِم ليتوافقَ معِ الحماسة الشديدةِ لِلطُّلابِ وأولياء الأمور مع إيلاءِ المعلِّمينَ مكانةً مرموقةً في الدولة18.

✓         بالعودةِ لتقرير التنمية البشرية حولَ الترجمَة يَتبيَّنُ بأنّاليابانَ تُترجِمُ ٣٠ مليونَ صفحةٍ سنويّاً. في حين أنّ ما يُترجَمُ سنويّاً في العالَم العربيّ هو حَوالَي خُمْسِ ما يُتَرْجَمُ في اليابان19.

✓         مستوى التلميذِ اليابانيّ في سِنِّ الثانيةَ عشرةَ يُعادِلُ مستوى الطالبِ في سنِّ الخامسةَ عشرة في الدُّول المتقدِّمة. وهذا يدلُّ على الرُّقيّ النوعيِّ للتعليمِ في اليابان.

✓         تبعاً لإحصائيَّتَينِ أجْرتْهُما «المؤسَّسةُ العالَمية من أجْلِ تقويم التحصيل التعليميّ» لاختبارِ مَدى الاستيعاب في مجال العلوم والرياضيات، حَصلَ تلاميذُ المدارسِ الابتدائية اليابانية على أعلى النقاطِ من بينِ تلاميذ المدارس الأجنبية الأُخْرى، كما جاءت نتيجةُ طُلَّابِ الثانوية اليابانيِّين مِن أعلى الدَّرجاتِ أيضا20ً.

مِشاريعُ اليابانِ في تنميةِ المواردِ البشريةِفي الشرق الأوسط: تعملُ اليابانُ على دَعْمِ المشاريع المتعلِّقة بتنمية الموارد البشرية في المؤسَّساتِ التعليمية ومِن بينِ أهدافِها نَجِدُ21:

تنميةُ التدريبِ المِهنيِّ وغَيرهِ من المَرافقِ التعليميَّة

دأبتْ حكومةُ اليابانِ على دَعْمِ تنمية وتطوير مَرافقِ التدريب المهنيِّ ومَدارسِه في دُولِ الشرق الأوسط وشمال أفريقية.

 وخلالَ الأعوامِ الخمسة الماضية استفادَ على أساس المتوسِّط السنويِّ ما يَقْرُبُ مِن ٢٠ ألفاً من طُلَّابِ المدارس سنوياً وما يقرب من ١٢٠٠ من المتدربين سنوياً من المنح والمشروعات اليابانية المقدمة إلى المدرس ومنشآت التدريب المهني، كما قدمت حكومة اليابان إجمالياً يبلغ ١٦٠ مليون ين (يعادل ما يقرب من مليوني دولار) في صورة منح إلى خَمْسِ جامعاتٍ في المنطقة، بما في ذلك اليمن وسورية، مع مُواصَلةِ حكومة اليابان دَعَمَها بِصُورةٍ مُكثَّفةٍ لتنميةِ التدريب المهنيّ وغَيرهِ من المرافِق التعليمية.

التعليمُ العالي في العُلوم والتكنولوجيا:

دأبتْ حُكومةُ اليابانِ على تعزيزِ التعليم العالي في العلوم والتكنولوجيا في دُولِ الشرق الأوسط وشمال أفريقية؛ من خلال الاشتراكِ النَّشِط في التعاونِ بين الصناعات والحكومات والمراكز الأكاديمية، وهذا يشملُ اشتراكَ اليابانِ في مشروعِ الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا في مِصر (E-JUST)، ومشروع مُتنَّزه العلوم والتكنولوجيا في تُونُس.

تنميةُ المواردِ البشريّةِ اليابانيَّةِ في قِطاعِ التعليمِ: بَعْدَ الهزيمةِ في الحربِ العالمية الثانية أمام الولايات المتحدة الأمريكية جَمَعَ الملكُ "هيروهيتو" جَمْهَرَةً من عُلماءِ التاريخ، وطلبَ منهُم أن يَبحثُوا له عن نموذجٍ ﻷُمَّةٍ استطاعتِ النهوضَ في مُدَّةٍ قصيرة نسبيّاً؛ فـ(بَحَثُوا ونَقَّبُوا فَلَمْ يَجِدُوا إلّا مِثالا واحِداً؛ ألّا وهو أمَّةُ الإسلامِ)، قالوا لهُ: "إنّ النهضةَ بدأتْ بتربيةِ النبيِّ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لِلصَّحابةِ في دار اﻷرْقَمِ، على قِيَمٍ أساسيَّة: مِنها (اﻷخلاق، وحُبُّ العِلْمِ، والإخلاصُ في العَملِ، والجَماعةُ)؛ فكانتْ تلك المبادئُ ببساطةٍ ركائزَ الدُّستورِ اليابانيّ الجديد، وفي هذا الدستور تخلَّى "هيروهيتو" عن الحُكْمِ وصار (يَمْلِكُ ولا يَحْكُمُ).

 ومِن بين المبادئِ الأساسية لنظامِ التعليم في اليابانِ نَجِدُ22:

الأخلاقُ أوّلاً: يبدأُ التعليمُ في اليابانِ بدراسة اﻷطفال للأخلاقِ لِسَنتَينِ أو ثلاثٍ،

 ثُمَّ تكونُ اﻷخلاقُ المادَّةَ اﻷساسَ في سائرِ سَنواتِ التعليم؛ فلا يستطيعُ التلميذُ –عَمَلِيّاً- المرورَ إلى السَّنَةِ التالية دُونَ النجاحِ فيها.

والتعليمُ (تفاعُليٌّ لا تلقينيٌّ)، يُشارِكُ فيه التلاميذُ في إعدادِ الدُّروسِ و(يَعْرِضُونها ويُناقِشُونها)، وكثيراً ما (يَدْرُسونَ في قاعاتٍ بلا سَقْفٍ)؛ ﻷنَّ (اﻷكْسُجينَ يزيدُ من نَشاطِ المخِّ)، ويَقِيلُونَ على مقاعدِ الدراسة.

القِراءةُ أحدُ مفاتيحِ النجاحِ: يقرأُ اليابانيُّ ما مُعدَّلهُ ١٢٥٠ صفحةً في السَّنَة، وتُوجَدُ مكتباتٌ صغيرة في محطَّات الحافِلات والقِطار، يستعيرُ منها المواطِنُونَ حاجتَهُم ويُرجِعُونها؛ ففِي إحصائيةٍ فُقدت ١١٠٠٠ نُسخةٌ مُعارَة، فَتَلقَّتِ الدولةُ ٤٤ ألفَ اعتذارٍ وتعويضٍ.

القانونُ اليابانيّ: القانونُ اليابانيّ حازِمٌ وصارِمٌ مع مَن يُخالِفُ مبادئَ اﻷخلاقِ في قانونِهم، وهيَ أو بعضُها: (اﻻستقامةُ، اﻷمانة، الشَّرف، اﻻحترام، الصِّدق، الشجاعة، البِرُّ والإحسان، والتواضع، والوَلاء والإخلاص). يُعاقَبُ مَن يُلْقِي أيَّ نُفاياتٍ، ويُعاقَبُ مَن يُخالِفُ قانونَ المرورِ بِعُقوباتٍ تتدرَّجُ من غَرامةٍ صغيرة إلى السجْنِ، ثم إلى سَحْبِ الجِنْسيَّة، وهي أقصَى عُقوبةٍ عِندَهُم، ورُبّما هي تُقابِلُ عُقوبةَ النفي، أمّا المسؤولُونَ في الدولةِ فيُعاقَبُونَ إنْ خالفُوا مَبدأَ الصِّدْقِ.

تَواضُعُ ذَوي السُّلْطَةِ والمُسؤولِينَ: ينشأُ الفردُ اليابانيّ على التواضُعِ، ويُشارِكُ المديرينَ في المؤسَّساتِ عامَّةً في التنظيفِ؛ فليس عِندَهُم عُمَّالُ نَظافةٍ؛ وإنمّا عندهُم “مُهندِسُ نَظافَةٍ”يهتمُّ برسكلة (بتدويرِ) المواد ويتقاضَى أجراً مِن أعلى الرواتبِ في الدولة.

ومِن أمثلَةِ الوَلاءِ للعملِ ما قامتْ به نقابةُ العُمَّالِ اليابانية؛ فَبِمُجَرَّدِ مُلاحَظتِها تأخُّراً في الناتجِ القوميّ بـ ٠.٦٪ طلبتْ من الحكومةِ أن (تزيدَ ساعةً في وَقْتِ العمل، وأنْ تخفضَ مِن الأُجورِ بتلك النِّسبةِ)؛ وإلّا قامُوا بإضْرابٍ؛ فَرَفَضَتِ الحُكومةُ، فاستمَرَّتِ المفاوَضاتُ أربعةَ أشهُرٍ، واتَّفَقُوا في النهايةِ على حَلٍّ وَسطٍ.

استراتيجيَّاتُ إدارةِ وتنميةِ المَواردِ البشريَّةِ فيالمُؤسَّساتِ اليابانيّة

مِن أبرزِ عوامل النهضة اليابانية ما عُرِفَ بـ(الإدارة اليابانية)؛ بمعنى "تطبيقمبادئَ إداريةٍ حديثة" مِن بينِها (إدارةُ الجَودةِ الشامِلة،والعملُ ضمنَ فريقِ عَمَلٍ -روح الفريق-، وإتقانُ العمل الإداري وتحويلُه إلى قيمةٍ اجتماعية مرتبطة بالثقافة اليابانية، والابتكارُ والتطوير)، معتبنِّي استراتيجيةٍ أحدُ أركانِها الأساسيةَ أنّ المواردَ البشرية لِلمنظَّمة هي ثروتُها الأساسية وأغلى أصولِها جميعاً، والركنُ الثاني الذي تَرتكِزُ عليه استراتيجيةُ الإدارةِ اليابانية في معامَلَةِ العنصر البشريّ هو التأكيدُ على وَحْدَةِ المصلحة بين المنظَّمة والعاملِينَ23.

ولتحقيقِ الاستراتيجية السابقة فإنّ الإدارةَ اليابانية خاصَّةً في الشركاتِ الكُبْرَى ذاتِ التأثير الجوهريّ على الاقتصاد القوميّ- تَنتهِجُ السياساتِ الآتية24:

أ. ضَمانَ التوظُّفِ مَدَى الحياةِ

تحرصُ الإدارةُ اليابانية على ضمانِ فُرصَة عملٍ دائمة؛ ممَّا له مِن آثارها الإيجابية على كُلٍّ من (الإنتاجية والرُّوح المعنويَّة لِقُوَّةِ العمل)؛ فتطبيقُ تلكَ السياسةِ يُساعِدُ على تخفيضِ مُعدَّل دَوران العمل، والاقتصادُ عن تكاليف التدريب، وتشجيعُ الفرد على تنمية علاقات الودِّ والصَّداقة مع زملائه؛ ممَّا يزيدُ التلاحُمَ التنظيميَّ، ويجعلُ الفردَ أكثرَ وَلاءً وارتِباطاً بالمنظَّمة.

ومِن السياساتِ المكمِّلةِ لسياسة التوظُّفِ الدائِم نَجِدُ: 

سِياسةَ الاختِيار: تضمنُ انتقاءَ أفضلِ العناصر التي يُمكِنُها التكيُّفُ مع ظُروفِ المنظمة وفلسفتِها الخاصّة؛ لذلكَ فهي تُفضِّلُ -دائِماً- الخرِّيجينَ الجُدُدَ باعتبارِهم أسهلَ في عملياتِ الإعداد والتهيئة، ويكونُ التركيزُ في عملياتِ الاختيار لا على مدى تَمتُّعِ الفردِ بمهاراتٍ مُؤهِّلَةٍ لِمَنصبٍ مُعيَّنٍ؛ وإنَّما على مدى توافُقِ خَصائصِه الشخصية، ومُستواه التعليميّ مع احتياجاتِ المنظَّمة ومدى قُدْرَتِه على النموِّ والاستعداد لاكتسابِ مهاراتٍ جديدة

سِياسةَ التدريبِ المُستمِرّ:يشملُ كُلَّ فَرْدٍ في المنظَّمةِ من بدايةِ حياته العمليَّة حتّى نهايتها، وتستهدفُ تأهيلَ الفردِ ليكونَ أكثرَ قُدْرَةً على التكيُّفِ مع فلسفةِ المنظمة وقِيَمِها، وتُعَدُّ هذه العمليةُ مسؤوليَّةً مشتركة بين الفرد والمنظَّمة

سِياسةَ تفضيلِ الإلمامِ العامِّ على التخصُّصِ المَحدُود: إنَّ التخصُّصَ الدقيق في مسارٍ وظيفيٍّ مُعيَّنٍ يُقَلِّلُ مِن الولاءِ التنظيميّ، ويُسهِّلُ على الفردِ مهمَّةَ الانتقالِ من منظَّمةٍ لِأُخْرى، أمَّا الإلمامُ العامُّ وعدمُ التخصُّصِ الدقيق من ناحيةٍ مُعيَّنة يزيدُ الولاءَ التنظيميّ، كما يُسهِّلُ من مَهمَّةِ التنسيق والتعاون الداخلي في المنظمة، ولِوضْعِ تلك السياسة مَوضِعَ التطبيقِ تأخذُ المنظَّماتُ اليابانية "أسلوبَ التناوبِ الوظيفيّ"JobRotationالذي يتمُّ التخطيطُ له بِعنايةٍ كبيرة، ويكون شامِلاً للعامِلينَ كافّةً في المنظَّمة

السِّياسةَ البطيئةَ في الترقيةِ:جَوهرُها أنّ الفردَ لا يَرْقَى إلّا بعدَ أن تمرَّ عليه فترةٌ كافية في المنظَّمةِ يتمكَّنُ من خلالها أن يلمَّ بمختلفِ جوانب العمل في المنظمة وأن (يتشبَّعَ بِقِيَمِها وفلسفتِها الفريدةِ)، وأن تكونَ الفترةُ كافيةً أيضاً لتقييمِ أدائه، والحُكْمِ على مستوى جَدارتِه على أساسٍ سليم. 

سِياسةً شُموليّةً وبطيئةً في تقييمِ الأداء:إذا حدثَ التقييمُ على فتراتٍ طويلة (مَرَّةً كُلَّ خمسِ سَنواتٍ مَثلاً) فإنّ شخصيةَ الفردِ ومستوى أدائه ستكونُ الصورةُ أكثرَ وُضُوحاً فَضْلاً عن أنَّه مِن الممكِنِ في هذه الحالةِ أن يَشْتَرِكَ في تقييمِ أدائه أكثرَ من مسؤولٍ أتاح لهم أسلوبُ دورية العمل فُرصةَ مَعرفَتِه عن كَثَبٍ.

 ونظامُ تقييمِ الأداء في المنظَّماتِ اليابانية الكُبْرى يتميَّزُ بأنّه "نِظامٌ شموليّ"؛ فهو لا يهتمُّ فقط بِمُجَرَّدِ قياس الظواهر السطحية للأداءِ فحسب؛ وإنّما يُعنَى –أيضاً- بقياسِ مختلف الخصائص (الشخصية والسلوكية) المؤثِّرة فيه مِثل (القُدرة على الابتكار، والتجديد والنُّضوج العاطفي، ومهارة الاتصال، والقُدرة على التعاون، ومدى مساهَمَتِه في أداء الجماعة)

سِياسةَ الأُجورِ على أساسِ الأقْدمِيَّة:عندَ التحاقِ الفرد بالخدمة يتحدَّدُ أجْرُه الأساسيُّ على أساسِ مُستواه التعليميِّ، ثمَّ يزدادُ الأجرُ الأساسيّ بعدَ ذلك مع زيادةِ خِدمَتِه بالمنظَّمة.

ب. الجَماعِيَّة في اتِّخاذِ القَرار:

 يتميَّزُ اليابانيُّونَ بـ(الرُّوحِ الجَماعية والعملِ كفريقٍ مُتكامِل)، وهذه سِمَةٌ مِن سِماتِ شخصِيَّتِهم الوطنية، واستطاعَ المجتمعُ اليابانيّ أن يتغلَّبَ على الطبيعةِ الشاقة التي وُجِدَ فيها بِفَضْلِ صياغة نمطِه المتفرِّد من الوحدةِ التكوينية؛ بحيث (أصبحتِ الأُمَّةُ في عَصْرِها الحديث مؤسَّسةً ووحدةً تكوينيةً فيها لا تتحرَّكُ إلّا بعدَ أن يَنْصَهِرَ القرارُ أو الاتِّجاهُ في بوتقةِ الإجماعِ -أو على الأقلّ- الموافَقة الضِّمنيَّة الاجتماعية)، ومِن هُنا استطاعَتِ اليابانُ أن تَنْفَتِحَ على مُعطَياتِ العالَم الحديث كافّةً؛ لتستوعِبَها ثمَّ تُعيدَ صِياغتَها بشكلٍ يُناسِبُ تُراثَها الفريدَ في التعبئةِ الوطنية الشاملة25.

ج.المَسؤوليّةُ الجَماعيّةُ

إنَّ أهمَّ ما يُميِّزُ التنظيمَ اليابانيّ عن التنظيمِ الكلاسيكيّ هو أنَّ تحديدَ السُّلطاتِ والمسؤوليَّات لا يكونُ على أساسٍ فرديٍّ؛ وإنّما على أساسٍ جمَاعيٍّ، ومِن ثَمَّ فإنَّ وحدةَ البناءِ في التنظيم هي الجماعةُ وليسَ الفرد.

وطالما أنّ السلطةَ والمسؤولية تُحدَّدُ على أساسِ الجماعة وليس على أساسٍ فرديٍّ؛ فإنّ المساءلةَ لا بُدَّ أنْ تكون على أساسٍ جمَاعيّ26.

د. الاهتمامُ الشُّموليُّ بِالمُوظَّفِ:

انطلاقاً مِن أنّ الإنسانَ كيانٌ مُتكامِلٌ لا يُمكِنُ تجزئَتُه، وأنّ الجانبَينِ كِليهِما في حياتِه يُؤثِّرُ في الآخَر؛ فالموظَّفُ الذي يُعاني من بعضِ المشاكلِ الخاصَّة في حياته الأُسرية من المتوقَّع أن يَنعَكِسَ وبشكلٍ مباشر على عَملِه من خلالِ انتظامه في العملِ واهتمامِه به، والتركيزِ على الأداء وعلاقاتِه بالآخَرين؛ ولذلكَ فإنّ المديرَ اليابانيّ يحرصُ على الاهتمامِ بالمشاكل الخاصَّة لموظَّفِيه قَدْرَ اهتمامِه بمشاكل العمل؛ بل إنّ الناحيةَ الأُولى تُعتَبَرُ مِن بين الجوانب المهمَّة التي تُؤخَذُ في الاعتبارِ عندَ تقييمِ أدائه27.

خاتِمةٌ

نظراً إلى ما تشهدُه البيئةُ الحاليّة من مُنافَسةٍ شديدة، وتَطوُّرٍ مستمرٍّ لمفاهيمِ رأس المال؛ فقَد ظهرَ رأسُ المال البشريّ- باعتبارهِ مصدراً جديداً للثروة-؛ فهو يُشَكِّلُ مُجْمَلَ الأصولِ غير المادِّيّة في المؤسَّسة؛ والتي تُؤثِّرُ بشكلٍ فعّال على مستوياتِ الأداء في أيِّ مُؤسَّسةٍ كانتْ وأياً كان حجمُها أو مجالُ نشاطِها.

 ولتوضيحِ الرؤية أكثرَ هذه بعضُ النتائِج والاقتراحات التي تُقترَحُ مِن خلالِ هذه الدراسةِ البحثيةِ لهذا الموضوع نذكُر منها:

1.يشملُ رأسُ المالِ البشري مجموعَ (الخِبرات والمهارات) البشرية، المتباينةِ في مستوى أدائها والعاملةِ في المنظمة حاليّاً، أو التي ستهيأ للعملِ مُستقبَلاً أو المعطَّلةِ منها.

2.يتحدَّدُ نوعُ رأسِ المال البشري حسبَ القيمةِ المضافة التي يُقدِّمُها، ومدى نُدْرَتهِ في السوق.

3.تتعلَّقُ قيمةُ رأسِ المال البشريّ في المؤسَّسةِ بمدى قُدْرَةِ مواردِها البشرية على إيجادِ رأسِ مالٍ يُميِّزُ علاقتَها مع الأطرافِ كافّةً الذين تتعاملُ معهُم؛ مِن (مُورِّدينَ، مُموِّلينَ، مُنافِسينَ، وعُملاءَ).

4.تستندُ القاعدةُ الاقتصادية المتقدّمة والمتطوِّرة في اليابانِ إلى رأسِ مالٍ بشريّ على درَجةٍ مرتفعة من الكفاءة والتطوُّر.

5.تتمتَّعُ المؤسَّساتُ العامِلةُ في اليابانِ بِفُرصَةِ الحصول على الموارد اللازمة لها بالكيفية والجَودة التي تطلُبها.

6.تعتمدُ اليابانُ في استراتيجيَّتِها لتنميةِ الموارد البشرية على عددٍ من العناصِر التي مِن أهمِّها أسلوبا (التوظيفِ مدى الحياةِ، والإدارةِ بالمشاركة) الذي يستندُ في تطبيقه إلى عددٍ من السياساتِ الفاعلة.

7.تعتمدُ اليابانُ في تسييرِ مواردها البشرية على مستوى المؤسَّسات التعليمية، على التهيئةِ الأخلاقية والمعرفية؛ لِضَمانِ مَوردٍ بشريٍّ مُؤهَّلٍ لِسُوقِ العمل.

ومن الاقتراحاتِ التي يُمكِنُ تقديمُها:

1. حتّى تنجحَ المؤسَّسةُ في تنميةِ رأس مالِها البشريّ لا بُدَّ لها أن تبدأَ مِن عمليةِ (تكوينِ، تأهيل وتدريب) موردها البشري، مع إبداءِ أهمِّيَّةِ أفكارِه في عمليةِ اتخاذ القرار النهائيّ.

2.على المؤسَّساتِ أن تُشجِّعَ وتُحفِّزَ مُبادَراتِ (الإبداعِ والابتكار والتجديد) كافةً والتي يُقدِّمُها مُورِّدُها البشريُّ لِرَفْعِ قيمةِ ما تُقدِّمُه من خَدَماتٍ وسِلَعٍ.

3.تقومُ التكنولوجيا بِدَورٍ جِدُّ مُهمٍّ في تطويرِ أداء العنصر البشريِّ، وتسهيلِ عملية تبادُلِ (الخِبرات والمهارات)، ومُتابَعةِ علاقتهِ مع بيئةِ المؤسَّسة (الداخلية منها أو الخارجية).

4.لِرَفْعِ مستوى أداءِ المؤسَّسات (العُمومية أو الخاصّة) لا بُدَّ مِن تطويرِ مفهوم رأس المال البشري من مَوْرِدٍ إلى استثمارٍ فعّالٍ يضمنُ بقاءَ المؤسَّسةِ واستمرارَها.

 

الإحالاتُ والمراجِع

1.              http://www.annabaa.org/nba50/mawared.htmle26-12-2014à11:38.

2.             تبرورت علال، استراتيجية تطوير الموارد البشرية في المؤسسات الجزائرية، مُذكَّرة مكملة لنيل شهادة الماجستير، قسم علوم التسيير، فرع إدارة أعمال، جامعة الجزائر، 2006م، ص 3.

3.             عادل حرحوش المفرجي، أحمد على صالح، رأس المال الفكري طُرق قياسِه وأساليب المحافظة عليه، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة مصر، 2003م، ص 9.

4.              http://www.annabaa.org/nba50/mawared.htm,le21_06_2014à20:37.

5.             ثلايجية نوة، زوايدية أفراح، تكوين الموارد البشرية في ظل التنمية المستدامة وتحقيق التشغيل الكامل، الملتقي العلمي الدولي حول استراتيجية الحكومة في القضاء على البطالة وتحقيق التنمية المستدامة، مخبر الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية في الجزائر، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير، جامعة المسيلة، ص4.

6.              محمد محمد إبراهيم، تسيير الموارد البشرية، الدار الجامعية، الإسكندرية مصر، 2009م، ص 17.

7.             عبد الستار العلي وآخرون، المدخل إلى إدارة المعرفة، الطبعة الثانية، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان الأردن،  2009م، ص 344.

8.             فضيلحمدعبدالقادرالقردوح، أثرالمعلوماتيةفيأداءالمواردالبشريةدراسةتطبيقيةلإدارةميناء بنغازي البحري، مذكرة ماجستير في الإدارة، الأكاديمية العربية البريطانية للتعليم العالي، ص18، من موقعhttp://www.abahe.co.ukle21_06_2014à20:37.

9.             الداوي الشيخ، تحليلأثرالتدريبوالتحفيزعلىتنميةالمواردالبشريةفيالبلدانالإسلامية، مجلة الباحث، العدد 6، جامعةالجزائر، 2008، ص10.

10.          سهيلة محمد عباس، تسيير الموارد البشرية، الطبعة الثانية، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان الأردن، 2003م، ص43.

11.          علي السلمي، إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية، دار غريب للنشر والطباعة، القاهرة، 2001م،ص:36، 45.

12.          فضيلمحمدعبدالقادرالقردوح، مرجع سبق ذِكْره، ص 21.

13.          محمد فالح صالح، تسيير الموارد البشرية، دار حامد للنشر والتوزيع، عمان الأردن، 2004م، ص 20.

14.          تقيةمحمدالمهديحسان، منأسرارنجاحالتجربةاليابانية، كليةاللغةوالآدابقسمعلمالاجتماع، جامعةحسيبةبنبوعليبالشلف، الأكاديميةللدراسات الاجتماعيةوالإنسانية، ص 143. من موقع:

 http://www.univ-chlef.dz/ratsh/REACH_FR/Article_Revue_، بتاريخ:17-6- 2016م، على الساعة:12:41.

15.           http://ar.wikipedia.org/wiki/le24-12-2014à18:36.

16.           Ibid,le24-12-2014à18:36.

17.           http://www.unesco.org/ar/external-relations/external-relation/donors-partners/unescos-main-donors-and-partners/bilateral-government-donors/donor-profiles/japan/le24-12-2014à18:28.

18.           http://www.socialar.com/vb/showthread.php?t=5358le29-12-2014à21:45.

19.           http://forum.educdz.com/threadsle29-12-2014à21:59.

20.           http://www.socialar.com/vb/showthread.php?t=5358le29-12-2014à22:09.

21.           http://www.eg.emb-japan.go.jp/a/birateral/japan_arab/2009/20111024factsheet1.htmle24-12-2014à18:28.

22.           http://ziid.net/self-developmentle29-12-2014à21:59.

23.           http://labs.univ-msila.dz/lprhap/le24-12-2014à17:55.

24.      &n