العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

هجرة الكفاءات العربية

حسين عبد المطلب الأسرج

باحث اقتصادي أول ومدير إدارة بوزارة الصناعة والتجارة الخارجية المصرية

الهِجْرَةُعِندَالعَربِكثيرةُالمعاني؛فهيَبدايةُتاريخٍ،ونهايةُتاريخٍقَبْلَهُ. هياضْطرارٌواختيارٌ،وشَرْطٌ لِفَتْحِالأوطانالمهاجَرِمنهاكماالأوطانِالمهاجَرإليها.والمهاجِرُدائمُالسعيللعودةِإلىوطنِهالأوَّلوالبقاءِ فيوطنِهالثاني،يتملَّكُالوطنَينفلايعودُغريباًفيأيٍّ مِنهُمابعدَأنكانغريباًعنكِلَيهِما.

الهجرةُفيوَجْهِهاالأبْهَىتِرحالٌطوعيٌّللأفرادِ والجماعاتيحقِّقُلهمشروطَحياةٍأفضلَ؛ولكنْللهجْرةِفيبلادناوجْهاًآخرَ،اغترابٌخارجَالوطنِ هَرَباًمِنالاغترابِداخِلَهُ،خَلاصاًمِنالقَهْر،ومُقاومةً لِلظُّلْمِوالاستِضْعاف. هيخِيامٌوبُيوتٌمُصدَّعة،ووُجوهُ شيوخٍوأطفال،وأسلاكٌشائكة،وقواربُتُصارِعُأمواجَ البحر.

والهدفُ من هذه الورقةِ هو تسليطُ الضوءِ على ظاهرةِ هجْرة الكفاءات العربية وكيفيَّة الاستفادةِ من هذه الكفاءاتِ وتكييفها لخدمةِ التنمية العربية.

أسبابُ ودوافِعُهِجْرةِالكفاءاتِ العربيةِ

قُدِّرَ عددُ المهاجِرينَ من البلدانِ العربية في عام ٢٠١٣ م بحوالي ٢٢ مليون نسمةً وبِما يُشكِّلُ نحوَ ٥.٩ في المائة من مجموعِ سكَّان المنطقة العربية في ذلك العام؛ غَيرَ أنَّ هذه البياناتِ لا تشملُ عددَ اللاجئينَ الذين غادَرُوا الجمهوريةَ العربية السورية على أثرِ الأزمة في أواسطِ عام ٢٠١٣م، البالغ حوالي ١.٤ مليون لاجىءٍ، وبحسبِ بيانات المنظَّمة الدولية للهجرة وبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يتخطَّى الرقْمُ الإجماليّ للمهاجرين واللاجئين من المنطقة العربية ٢٣ مليوناً.[i].

ويُمكِنُ الإشارةُ إلى نوعَينِ من العوامل (الأسبابِ) وراءَ ظاهرةِ هجْرة العقول العربية، إحداها طاردةٌ تَتعلَّقُ بِدُوَلِ المنشأ أو الدُّوَلِ المرسِلَةِ (الدول العربية)، والأُخْرى جاذِبَةٌ خاصَّة بِدُولِ الاستقبال (الدُّول الغربية).[ii]

ومِن بين عواملِ الطَّرْدِتأتي:

أوَّلاً: التحدِّياتُ السِّياسيَّةُومِنها الفسادُ السياسيّ وغِيابُ الديمقراطية وتزايُدِ القَمْعِ وانتهاكاتِ حُقوق الإنسان، والإشكالاتِ التي تعتري بعضَ تجارِب الديمقراطية العربية، وتهميشِ الباحثِ مِن قِبَلِ القياداتِ (العلمية والسياسية) والتي تؤدِّي في بعضِ الأحيان إلى شُعورِ بعض أصحابِ الخِبرات بِالغُرْبَةِ في أوطانهم، أو تُضْطَرهُم إلى الهجْرةِ سَعياً وراءَ ظُروفٍ أكثرَ حُرِّيَّةً واستقراراً.

ثانياً: عوامِلُ اقتصاديةُطاردةٌ تتعلَّقُ بانتشارِ البطالةِ؛ والتي تُؤكِّدُ التقاريرُ الصادرة عن منظَّمةِ العمل العربية أنّ نِسبتَها في العالَم العربيّ تجاوزت ١٤٪، وقِلَّةِ العائد المادِّيّ لمختلفِ الكفاءات العلمية والفنية، وقِلَّةِ حَجْمِ الإنفاق على البحثِ العلميّ في الدولِ العربية، ويُضاف إلى العوامل الاقتصادية أيضاً إلحاقُ العُلماءِ بأعمالٍ لا تتلاءمُ مع خِبْرَاتهِم وتَخصُّصاتِهم، وتفَشِّي الإجراءاتِ الروتينية في أعمالهم، بالإضافةِ إلى الاعتماد المكثَّفِ على الخِبْرَاتِ الفنية والتِّقْنيات الغربية على حسابِ الكفاءات الوطنية.

ثالثاً: العوامِلُ الاجتماعيةُوأبرزُها وجودُ تفرقةٍ بين خِرِّيجي الجامعاتِ (الوطنية والأجنبية)؛ ممّا أدَّى إلى تشجيعِ الدراسة في الخارج.

وأمّا العواملُ الجاذِبةُ لِهجْرةِ العقولِ العربيةِ إلى الدولِ المتقدِّمةِ، وتتلخَّصُ -في الأغلبِ- بمحيطٍجاذبٍفيالبلادالمتقدِّمةيتَّسِمُبِظُروفِ عملٍوحياةٍمُغْرِيَة:[iii]

•       مُرونةٍتنظيمية.

•       عقليةِالتنافُس.

•       إمكاناتٍمستقبليَّةفيالترقيفيالعملِ والوصولإلىفُرَصٍجديدة.

•       عناصرِالجذْبِالقطاعيةالمرتبطةبالمهَن الجديدةفيمجالِالتكنولوجياالجديدة.

•       هذهالعوامِلُذاتُالصفةِالمهنيةيدعمُها عوامِلُأُخْرىذاتصِفَةٍشخْصيَّة:

•       حوافزفيالأُجوروأنظمةالترقِّيوالفُرَصِ المتاحة.

•       أنظمةِضمانٍاجتماعيّجِدُّمتطورة.

•       إمكانِمساعدةِالأقاربوالوصولإلى اختيارٍأفضلَبشأنِدراسةالأطفال.

الهجرةُ والتنميةُ

إنّالهجرةَالدوليةلهاأهميةٌكبيرةفيعملية التنميةالبشريةإذاماأُحْسِنَتوظيفُها والاستفادةمنها؛فقدعملتِالهجرةُعلى تدعيمالنموِّالاقتصاديّالعالَميّوأسهمت فيتطوُّرِالدولوالمجتمعات،كماأغنتِالعديد منالثقافاتِوالحضارات،وقداستمرَّتْفي القيامِ بِدَورٍمُهمٍّ؛سواءعلىالمستوى) الوطنيّأو القطريّأوالعالَميّ).

وتُشيرُ دراسةٌ لصندوقِ النقد الدولي إلى أنّ زيادةَ مِقدارِها نقطةً مئوية واحدة في نسبةِ المهاجرين في أعدادِ السكَّان من البالغين يُمكِنُ أن تؤدِّي إلى زيادةِ نصيب الفرد من إجماليّ الناتج المحلِّيِّ بحَوالي ٢٪ على المدى الطويل.

وتُشير الدراسةُ أيضاً إلى أنه في الوقتِ الذي تُساهِمُ فيه زيادةُ المهاجرين من ذَوي المهارة العالية مساهمةً إيجابية في الاقتصاداتِ المضيفة؛ فإنّ العَمالةَ المهاجِرة الأقلّ مهارةً يُمكِنُها كذلك أن تُساعِدَ في زيادة نموِّ الإنتاجية، بإتاحةِ الفُرصَة مَثلاً للنساءِ على المستوى المحلِّيِّ من ذاتِ المهارات العالية بالعَودة إلى العمل، أو قضاء فتراتٍ أطولَ فيه. وتخلُصُ الدراسةُ إلى أنّ الاقتصاداتِ المضيفة بإمكانها- على المدى الطويل- الاستفادة من العَمالةِ ذاتِ المهارة العالية والمنخفضة على حدٍّ سواء[iv]؛ ولكنْ يتعيَّنُ على هذه البلدانِ - في نهاية المطاف أن تتعاملَ مع السببِ وراءَ بَدْءِ سكَّانها- التحرُّكُ في هذا الاتجاه.

وتُساهِمُالهجْرةُالدوليةفيالتنميةِمنخلال ثلاثةِمحاوررئيسيةهي:

تحويلاتُالمهاجِرينَ لأوطانِهمالأصلية،ونَقْلُالمعارفِوالخِبْرَات المكتسبةفيبلدانِالمهجَرللوطنالأُمِّ،والتبادلُ التجاريّوالمشاريعالاستثماريةالمشتركةالتي يُؤسِّسُهاالمهاجرون. ويتناولُ الباحثُفيمايليعَرْضاً مُوجَزاًلِتلكَالمحاوِر:[v]

أوّلاً: تحويلاتُالمُهاجِرينَ

تتمثَّلُأهميةُالتحويلاتوأثرُهاعلىالتنمية فيكونهاأحدَأهمِّالتدفُقاتِالماليةعلى مستوىالعالَمأجمع،وهيإحدىالأدواتالمهمَّةالتي يُمكِنُأنتُساهِمَمساهمةًإيجابيَّةًوفعَّالةًفي تنميةِاقتصاديَّاتالبلدانِالمستقبلةلهاإذاما توافرتِالبيئةُالمناسبةوالسياساتالحكومية المحفِّزةالتيتُمكِّنُهامنأداءهذاالدَّور.

ومِنالآثار الإيجابيةللتحويلاتِعلىمستوىالاقتصاد الكلِّيَّفي الدُّوَلِالمستقبلةلهاالدَّورُالمهمّ الذىتقومُ بهفيمُسانَدةِميزانالمدفوعاتفي تلكالدولِواتِّسامِهابالاستقرارالنسبيّبما يُساعِدُحكوماتِالدولِالمستقبلةِعلىالتيقُّنِ بحجْمِالمتوقَّعِمنالتحويلات،كماتقومُ التحويلاتُبِدَورٍمُهمٍّفيدَعْمِاحتياطاتالنقْد الأجنبيّللدولالمستقبلةلها.أمّاعنالآثارِالمتعلِّقةبالاقتصادِالجُزئيّفإنّ التحويلاتِتقومُ بِدَورٍمُهمٍّ في تكوينِرأس المالاللازمللمُهاجِرينَبمايُمكِّنهُممِنالقيام بمشروعاتٍاقتصاديةفي الأغلبِلمتَكُنِالفُرصَةُ سانحةًلهملإقامَتهامالمتُوجَدهذه التحويلات،كماتُمكِّنُالتحويلاتُحائِزيها وذَويهممنالارتقاءبمستوىالمعيشةوالإنفاق علىخدمات(التعليموالصحة(ومُواجَهةِ النفقاتِالجاريةللأسرةبشكلٍأفضلَوأسرعَ مُقارنَةًبالوضْعِفيحالِغيابهذهالتحويلات.[vi]

وتُشكِّلُ التحويلاتُ المالية الواردة مَصدراً مُهمّاً من مصادرِ الدَّخْلِ في البلدانِ العربية، وهي في تزايدٍ مُستمِرٍّ، ولا سِيما منذ عام ٢٠٠٠ م. وأفادتِ التقديراتُ لعام ٢٠١٤ م بأنَّ البلدانَ العربية تلقَّتْ تحويلاتٍ بلغتْ قيمتُها الإجمالية ٥٠.٥ مليار دولار؛ أيّ: ما نِسْبَتُه ٨.٧ في المائة من مجموعِ التحويلات المالية الواردة إلى مختلفِ بُلدان العالم. وحلّتْ مِصرُ في المرتبةِ السابعة بين بلدانِ العالم من حيث حجمُ التحويلاتِ الواردة إليها، تلاها لبنانُ والمغرِبُ في المرتبتَين ١٨ و٢١ على التوالي.

وتتَّضِحُ أهميّةُ هذه التحويلاتِ عندَ حسابِ نِسْبَتِها من الناتجِ المحلِّيِّ الإجماليِّ؛ إذ شكَّلَت ١٧ في المائة من الناتج المحلِّيِّ الإجماليّ في لبنان لعام ٢٠١٣، و١٠.٨ في المائة في الأُردنّ، و٩.٣ في المائة في اليمن، و٩ في المائة في جُزُر القمر. أمّا في مِصرَ والمغرب فقد بلغتْ حِصَّةُ التحويلاتِ المالية من الناتج المحلِّيّ الإجماليّ ٦.٦ في المائة[vii].

ثانياً: نقلُالمعارفِوالخِبْراتِ:

تُعَدُّعملياتُنقْلِ(المعرفةوالمهاراتوالخبرات والأفكاروالثقافةالمكتسبة)مندُولِالمهجَر إحدىالوسائلِالمهمَّةلاستفادةِبَلَدِالمنشأ منالمغتَرِبينَ؛والتيتُؤثِّرُتأثيراًإيجابيّاًفيرأسِ المالالبشرىفيبُلدانالمنشأ.

وتختلفُقُدُرات المهاجِرينعلىنقْل(المعرفةوالمهاراتوالخبرات) لبلدِالمنشأباختلافِنوعيَّةتلكِالخِبراتومدى توافُقِهامعالخِبْراتالمطلوبةفيبلدِالمنشأ وكذلكمدىجَودَةالقنواتِالتيتُوفِّرهابلدانُ المنشألتسهيلِنَقْلِتلكالخِبْرات[viii].

ثالثاً: التبادلُالتجاريّوالمشاريع الاستثماريةالمشتركة

أكَّدَتِالدِّراساتُأنّقِيامَبعضِالمهاجرينبدعم جُهودالتنميةفي بلدالمنشأ؛سواءبإقامةِ مشروعاتٍمُتطوِّرةفيه،أوالقيامبجُهودٍ تطوِّعيّةفيمختلفالمجالاتيُمثِّلُحُلولاًوسطاً بينصُعوبةالعَودةوالرغبةفىردِّالجميللبلدِ المنشأ. فتلكَالنشاطاتتُقلِّلُ مِنحِدَّةِالآثار السلبيةلِهجرةالكفاءاتوتُسهِمُجزئيّاًفي كَسْبِتحويل نزيفِالعُقول لها،كماتُتيحُتلكالنشاطاتُللمهاجِرينَدعمَ جُهودِالتنميةفيبلدِالمنشأمنناحيةٍ،مع الاحتفاظِبمقرِّإقامتهِمفيبلدِالمقصِد. أضِفْ إلىذلكأنّالانخراطَفيتلكالنشاطاتِقد يُساعِدُهؤلاءِالمهاجرينعلىاستكشافِفُرَصِ العَودةِإلىبلدالمنشأمُستقبلاً.

هِجْرَةُالعُقولِالعربيةوآثارُهاالسلبيّةُعلىالبلدانِالعربيّة

إنَّ تَبيُّنَ مَدى ما سَبقَ ذِكْرُه؛ إلّا أنّ هِجْرةَ العقولِ العربية إلى البلدان الغربية تُفْرِزُ عِدَّةَ آثارٍ سلبية على واقعِ التنمية في الوطن العربي، ولا تقتصِرُ هذه الآثارُ على واقعِ ومستقبل التنمية (الاقتصادية والاجتماعية) العربية فحسب؛ ولكنَّها تمتدُّ إلى التعليمِ في الوطن العربي وإمكاناتِ توظيف مُخرجاتِه في (بناءِ وتطوير قاعدةٍ تِقنية عربية)، ومِن أهمِّ الانعكاساتِ السلبية لنزيفِ العقول العربية المهاجرة[ix]:

▪     تُمثِّلُ هجْرةُ العقولِ العربية استِنزافاً لشريحةٍ مُؤثِّرةٍ وفاعِلَةٍ في المجتمع العربي، ولها دورٌ بارز-وبالذَّات في المرحلة الحاليّة-؛ حيث شرعتْ أغلبُ البلدانِ العربية -وبخاصَّة النِّفْطيَّة مِنها- بتنفيذِ خططٍ تنمويَّة واسعةِ النطاق، وهي -بِلا شكٍّ- بأمسِّ الحاجةِ الى الكفاءاتِ العلمية والأيدي العامِلَةِ المدرَبَّةِ القادرة على النهوضِ بالأعباء الملقاة على عاتقِها إلى مستوى الطُّموح.

▪     تُعتبَرُ هِجْرةُ العقولِ العربية خسارةً في مجالِ التعليم في مراحلِه كافّةً؛ فمِن المعلومِ أنّ البلادَ العربية تُعَدُّ مِن أكثرِ المناطق في العالَم أمِّيَّةً؛ إذ يبلغُ مُعدَّلُ الأُمِّيَّةِ في الوطن العربي حاليَاً نحوَ ٤٩٪، ويُشكِّلُ هذا الرَّقْمُ أحدَ المعوِّقاتِ الرئيسية أمامَ التنميةِ العربية في عَصرٍ تُمثِّلُ فيه (الكفاءاتُ العلمية والتِّقنية والمعرفة) المصدرَ الرئيسَ للمِيزة النِّسبيَّة وأساسَ التفوُّقِ والتنافُسِ بين الأُمَم.

▪     مِن المخاطر البالغَة الأثرِ لهجرة العقول العربية تلك الخسائرُ المتعلِّقةُ بِهَدْرِ الأموالِ الطائلة التي تمَّ إنفاقُها على (تعليمِ وتدريب) الطلبَة الذين نالُوا هذه الكفاءاتِ المتقدِّمة.

▪     تُؤدِّي هِجْرةُ العُقولِ العربية إلى توسيعِ الهُوَّةِ بين الدولِ الغنية والدول الفقيرة؛ لأنّ هِجرةَ الأدمغةِ إلى الدول المتقدِّمة تُعطي هذه الدول فوائِدَ كبيرةً ذاتَ مردودٍ اقتصاديّ مباشر، بينما تُشَكِّلُ بالمقابلِ خسارةً صافيةً للبُلدان التي نَزَحَ مِنها أولئك العُلماءُ والعباقِرةُ- خاصَّةً وأنّ التكنولوجياتِ والاختراعاتِ المتطوِّرةَ التي أبدعَها أو أسهَم في إبداعِها أولئك العُلماءُ المهاجرونَ- تُعتبَرُ مِلْكاً خاصَّاً لِلدُّولِ الجاذبةِ لهم.

▪     تُكرِّسُ هذه الظاهرةُ التبعيةَ للبلدانِ المتقدِّمة، وتَبْرُزُ مظاهرُ التبعية في هذا المجال بالاعتمادِ على التكنولوجيا المستورَدة، والتبعية الثقافية والاندماج في سياساتٍ تعليمية غيرِ متوافِقَةٍ مع خططِ التنمية.

وعُموماً فقَد قَدَّرَ أحدُ تقاريرِ منظَّمة العمل العربية أنّ الخسائرَ التي تتكبَّدُها الدولُ العربية سَنويّاً لا تقلُّ عن ٢٠٠ مليار دولار بسببِ هجْرة العقول إلى الخارج، وتقترنُ هذه الأرقامُ بخسائرَ كبيرةٍ نجَمَتْ عن تأهيلِ هذه العقولِ، ودَفْعِ كلفةِ تعليمها داخِلَ أوطانها؛ ممَّا يُؤكِّدُ أنّ الدولَ العربية- ومعها سائرُ الدولِ النامية- تُقدِّمُ مُساعَداتٍ إلى البلدانِ المتقدِّمة عَبْرَ تأهيلِها لهذه الكفاءاتِ ومِن ثَمَّ تصديرها إلى هذه البلدانِ المتقدِّمةِ لِتفُيدَ مِن خِبراتها العلمية[x].

نحوَاستراتيجيَّةٍعربيَّةٍللتعامُلِ معهِجْرةِالعُقولِالعربيةِ

وختاماً؛ فإنّ "هِجْرَةَ الأدمغَةِ" يُضْعِفُ الاقتصاداتِ العربيةَ؛ لأنَّه:*يحرمهُم من إمكانِ التطوير المستقبليِّ، *ويستنزفُ الاحتياطيَّ الاستراتيجيَّ مِن حيثُ المواردُ البشريّة. حتى نقْلَ المواهبِ إلى مناطقَ أكثر استقراراً في البلدِ نفْسِه يُكثِّفُ مُعضِلَةَ التنميةِ غَيرِ المتوازنة، ووَضْعِ مَزيدٍ من الضُّغوطِ على استقرارِ الدولة وتماسُكِها، وكذلك *تآكُلُ رِضا الجُمهورِ مع الحكومةِ والظروف المحلية والإقليمية، ومعَ ذلكَ لا تُشير إلى أنّ هذه الظاهرةَ سوف تتضاءلُ في أيِّ وَقْتٍ قريبٍ.

إنَّ البحثَ في مسألةِ مُواجَهةِ هجْرة العقول العربية يُورِدُ تساؤلاً مُهمّاً:

"لماذاتُخْفِقُ البلدانُ العربية في بَذْلِ الجُهودِ اللازمة لجَذْبِ عُلمائها وفَنِّيِّيها ذَويِ المهاراتِالعالية والدقيقة؛ في حين نجحتْ دُولٌ أُخرى في ذلك؟"

 إنَّ جانِباً من الإجابةِ على هذا التسُّاؤلِ الواردِ يكمنُ في الأسبابِ الدافعة للهجْرة -والتي أشار إليها الباحثُ أعلاه-؛ ولكنْ ثَمَّةَ جوانبُ أُخرى يُمكِنُ توضيحُها ألَا وهيَ: أنّ الدُّولَ العربية تفتقدُ ما يُمكِنُ أن يُطلَقَ عليهِ "مشروع التنمية المتوازنةوالشاملة"، والذي مِن أهمِّ عواملِه (إيجادُ وتعزيزُ البيئةِ الفكرية والعلمية والثقافيةالتي تُوفِّرُ مُقوِّماتِ العمل والاستقرار المعيشيّ والنفسيّ والإنتاج العلميّ).

ومِن ثَمَّ فإنَّ الخُطورَة التي تُشكِلُها هجْرةُ العقولِ العربية على المخطَّطاتِ التنموية العربية تتطلَّبُ إيجادَ حُلولٍ لِلحَدِّ من هذه الظاهرة، وفي هذا الصَّدَدِ لا بُدَّ مِن وَضْعِ استراتيجيَّةٍ عربية متكاملة للتصدِّي لمشكلة هِجْرةِ الكفاءات، وينبغي أن تشاركَ في وَضْعِها كُلٌّ مِن (جامعةِ الدول العربية، ومنظَّمة العمل العربية، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي، والمنظَّماتِ العربية غير الحكوميةِ المهتمة بهذا الموضوع) مع الاستفادةِ من خِبْرَاتِ منظَّمةِ اليونسكو ومنظَّمةِ العمل الدولية التي تملكُ (خِبْرَاتٍ ودراساتٍ) جادَّةٍ حولَ هذه المشكلة.

وتقوم فلسفةُ هذه الاستراتيجيَّة على مفهومِ رِبْحِ الكفاءات؛ منأجْلِتحويل هجْرةِالكفاءات إلى رِبْحِ الكفاءاتوبالتاليجَعلِهذهالنُّخَبِنافِعَةًللأطرافِ كافةً؛ (الدولةِالموفِدةوالدولة المستقبِلةوالمهاجِر).

وصَدَقَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ خاطبَ مكَّةَ المكرَّمةَ: "واللهِ إنَّكَ لأَحَبُّ البِقاعِ إليَّ؛ ولَولا أنَّ أهْلَكَ أخْرَجُوني مِنْكِ ما خرَجْتُ"، والقائلُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلّمَ: "والمهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهِى اللهُ عَنْهُ".



[i]الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة، تقرير الهجرة الدولية لعام 2015، ص 44

[ii]تامر على أحمد، أحمد عاطف طه حسين،هجرة العقول البشرية العربية إلى الغرب.. واقع مخيف وآمال ممكنة،ورقة بحثية للمشاركة في ندوة "الشباب والهجرة " - تونس،ديسمبر 2012، ص 5-6

[iii]محمدالخشاني،الجالياتالعربيةالمغتربةوالتنمية، التقريرالإقليميللهجرةالدوليةالعربية:الهجرةالدوليةوالتنمية، 2014،ص 54

[iv]http://www.imf.org/ar/News/Articles/2016/09/26/AM16-NA270916-Spillovers-from-Chinas-transition-and-migration

[v]المرجع السابق، ص 4-5

[vi]لتفاصيل اكثر راجع:

-        أحمد فاروق غنيم،حنان نظير،تقرير عن سياسات دول منطقة الاسكوا في مجال الهجرة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا – الاسكوا،2010

-        أحمد فاروق غنيم،تحويلات المهاجرين وأثرها على التنمية، التقرير الإقليمي للهجرة الدولية العربية الهجرة الدولية والتنمية 2014،جامعة الدول العربية

[vii]الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة، تقرير الهجرة الدولية لعام 2015، ص ص 65-66

[viii]لتفاصيل اكثر حول هذا الدور راجع:بطرس لبكي،الجماعات العابرة للدول والتنمية مع التركيز على الحالة اللبنانية اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا – الإسكوا،2010

[ix]نصر الدين أبو غمجة، هجرة العقول العربية متاح في: http://repository.nauss.edu.sa/handle/123456789/56389

[x]تامر على أحمد، أحمد عاطف طه حسين،هجرة العقول البشرية العربية إلى الغرب.. واقع مخيف وآمال ممكنة، مرجع سابق، ص8