العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

المشاركة المجتمعية ودورها في تفعيل التنمية المحلية – دراسة حالة الجزائر

د. حياة بن زارع

كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير - جامعة قالمة

تُواجِهُ سيطرةُ الدولةِ على إدارةِ الحُكم تحدِّياتٍ كبيرةً إثرَ التغيُّراتِ الكبيرة التي تعرفُها العلاقةُ بين الدولِ، الأسواق والمجتمع المدني بِفِعْلِ تداعياتِ العولَمةِ والتغيُّرِ التِّقنيّ السريع.

 ولم يَعُدْ دورُ الدولةِ في التنمية بمنأىً عن مِثل تلك التغيُّراتِ؛ فقد تخلَّت عن العديدِ من الأعمال التنموية لفائدة أجهزةٍ لِلحُكم على مستوىً (محليٍّ أو إقليميٍّ) في إطارِ سياسة اللامركزية؛ فالدولةُ القومية (الوطنية) بعدَ تراجُعِ هَيمنَتِها بادرتْ بالرُّجوعِ إلى الهُويَّاتِ الترابية والفاعِلين المحليِّين؛ ممَّا انبثقَ عنهُ ظُهورُ ترتيباتٍ مجاليَّة جديدة، وبُروز عناصرَ فاعلةٍ على المستوى المحلِّيّ في ظلِّ اللامركزيَّة والتي اتَّبعَتْها الدولةُ الوطنية بحثاً عن أنماطٍ جديدة لاندِماجها ولحلِّ الصعوبات التي تعرفُها على المستويَين (الاقتصاديّ والسياسيّ). وإزاءَ تأكُّدِ النزعَةِ نحوَ انسحابِ الدولة من الاقتصاد والعمل التنمويّ على الصعيدَين (الوطنيّ والإقليميّ)،

وكذلك تراجُعِ المدِّ التضامُنيّ العالَميّ وتضاؤلِ نصيب الدول النامية من الاستثماراتِ الأجنبية المباشرة، واشتدادِ حركيَّةِ رأس المال على الصعيدِ العالَميّ والمنافَسةِ بين المؤسَّساتِ العالَمية أصبحتِ التنميةُ المحلية بديلاً مُلائِماً للتدخُّلاتِ الحكومية المكثَّفةِ؛فهذه الأخيرةُ يُمكِنُ بواسطتِها تحقيقُ التعاونِ الفعَّال بين المجهودَين (الشعبيّ والحُكوميّ) للارتقاءِ بمستوى التجمُّعاتِ والوحدات المحلية (اقتصادياً
واجتماعيّاً وثقافيّاً) من منظورِ تحسين نوعية الحياة لسكانِ المجتمعات المحلية في منظومةٍ شاملة ومتكاملة. في هذا الإطار يبدُو عنصرُ المشاركةِ المجتمعية ضرورياً في التعبيرِ عن الأوضاع والاحتياجات وكذا وَضْعِ الخططِ والبرامَج وهو يُساعِدُ في الاستخدامِ الأمثل لطاقاتِ المجتمع وإمكاناتِ أفرادِه وجَماعاته. ومن هُنا يحاولُ هذا العملُ دراسةَ دَورِ المشاركة المجتمعية في تحقيقِ التنمية المحلية مع إلقاءِ الضوء على التجرِبة الجزائرية في تفعيلِ المشاركة المجتمعية في التنمية المحلية ويتمحورُ إشكالُ البحثِ حولَ التساؤلاتِ التالية:

- ما الدَّوْرُ الذي تقومُ بهُ المشاركةُ المجتمعية في التنمية المحلية؟

 ما المشكلاتُ والعَقَباتُ الإدارية والتنظيمية وكذا الثقافية التي تُعيقُ المشاركةَ المجتمعية في تحقيقِ التنمية المحلية بالجزائر؟

 وللإجابة على الإشكالِ المعروض تمَّ تقسيمُ البحثِ إلى النقاطِ الرئيسية التالية :

أوّلاً- من التنميةِ القطرية إلى التنمية المحلية.

ثانياً- المشاركةُ المجتمعية ومساهمتُها في تحقيقِ التنمية المحلية.

ثالثاً- دَورُ المشاركةِ المجتمعية في تحقيقِ التنمية المحلية بالجزائر.

رابعا- الخلاصة والتوصيات.

أوّلاً: من التنميةِ القطريةِ إلى التنميةِ المحلية.

لقد تغيَّرَ مفهومُ ومضمون التنمية خلال العُقودِ الأخيرة بشكلٍ جوهريّ؛ ليصبحَ مفهوماً أكثرَ (إنسانية وشمولية وعدالة وديمقراطية ومسؤولية) تجاهَ الأجيالِ القادمة؛ فقد ظهرتْ إلى جانبِ مصطلح التنميةِ الاقتصادية عِدَّةُ تسمياتٍ كـ(التنميةِ الاجتماعية، التنمية البشرية والتنمية المستديمة) [1]. كما شَهِدَ خطابُ التنميةِ ظهورَ عِدَّةِ مفاهيمَ تُعْنَى بتحديدِ نطاق التنمية مِن قَبيل التنمية القطريّة (أيّ: الوطنيّة)، والجهويّة (أيّ: الإقليميّة)[2]، والتنميةُ المحلية. وهيَ ما فَتِئَتْ تسعَى إلى حَصْرِ مجال التنمية ونطاقِها في حدودٍ ومجالاتٍ تُرابية أصغَر. ولقد ظلَّتْ قضيةُ التنمية تُعْرَضَ أساساً على الصعيدِ الوطنيّ إلى حدودِ الحرب العالَمية الثانية في الدولِ المتقدِّمة وإلى حدودِ الستينياتِ في أغلبِ البلدان النامية؛ لكنَّ الوعيَ المتنامي بالتفاوت الإقليميّ أدَّى إلى أخْذِ المسألةِ الإقليمية بِعَينِ الاعتبار مع مطلعِ الستينيات والسبعينيات في جُلِّ الأقطارِ المصنِّعة منها والنامية على حدٍّ سواء[3]، كما أنَّ المسألةَ المحلية لم تُعرضْ إلّا مع بدايةِ الثمانينياتِ؛ حيث توجَّهَتِ التنميةُ إلى أن تكونَ (داخليةً وذاتية) يُساهِمُ فيها المجتمعُ بأسْره، وتستجيبُ إلى الاحتياجاتِ الفعلية للسكَّان المحليِّين؛ وذلك باستغلالِ الموارد (الطبيعية والبشرية) المتوفرة الاستغلال الأمثل مع التخلِّي عن المشاريعِ التنموية المتفرقة وغيرِ المنظَّمة، كما ساهمَت مُنظَّماتٌ غيرُ حكوميةٍ- ولا تزال - في ترسيخِ الاقتناع بأهميَّة التنميةِ المحلية من خلال البرامج الذاتية للتنمية والتضامُن وتثبيتِ السكَّانِ في مواقعِهم الأصلية، والمحافَظةِ على البيئة، وتهيئة المجال المحلّيِّ، وإسنادِ برامج التنمية الحكومية التي تبنَّتْها ونفَّذَتْها في المناطقِ الفقيرة والمعزُولة[4].

في هذا الإطارِ فإنّ التعريفاتِ التي قُدِّمَتْ للتنميةِ المحلية تمزجُ بين تعريفِ (الهيئات، المنظَّمات) وتعريفِ الاقتصاديِّين وكذا الاجتماعيِّين؛ فقد عَرَّفَتْها هيئةُ الأممِ المتحدة على أنّها:العملياتُ التي يُمكِنُ بها توحيدُ جُهودِ المواطِنين والحكومة (الهيئات الرسمية) لتحسينِ الأحوال (الاقتصادية والاجتماعية) في المجتمعاتِ المحلية ومُساعدِتها على الاندماجِ في حياة الأُمم والمساهَمة في تقدُّمِها ورُقِّيها.[5]

إنها العمليةُ التي بواسطتها يتمُّ تحقيقُ التعاونِ الفعّال بين المجهودَين (الشعبيّ والحكوميّ) للارتقاءِ بمستويات المجتمعاتِ المحليةِ والوحدات المحلية (اقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً وحضاريّاً) مِن منظورِ تحسين نوعيَّة الحياة لسكَّانِ تلك التجمُّعاتِ المحلية في أيِّ مستوىً مِن مستوياتِ الإدارة المحلية في منظومةٍ شاملة ومتكاملة[6].

و تُعرَّفُ كذلكَ على أنها: تعاونُ جُهودِ المجتمع مع الجهودِ الحكومية في الارتفاعِ بمستويات المجتمعات المحلية (اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً) من أجْلِ تكامُل هذه المجتمعاتِ، وتمكينِها من الإسهامِ الفعّال في التقدُّمِ القوميّ[7].

و تهدفُ التنميةُ المحلية إلى تعزيزِ القُدُراتِ الاقتصادية لِمَنطقَةٍ محليَّةٍ مُعيَّنةٍ مِن أجْلِ تحسين مُستقبلِها الاقتصاديّ ومستوى المعيشة فيها؛ وذلك عبرَ تكاثُفِ جُهود ِكُلٍّ من (القطاع الحكوميّ وقطاع الأعمال)، بالإضافةِ للقطاع غَير الحُكوميِّ؛ لتوفير ظروفٍ أفضلَ لزيادةِ مُعدَّلاتِ النموِّ الاقتصادي وتقليصِ البطالة[8].

وفي تعريفٍ آخرَ تُمثِّلُ التنميةُ المحلية مسارَ تنويعِ إثراء النشاطات (الاقتصادية والاجتماعية) داخلَ إقليمٍ مُعيَّن؛ من خلالِ تعبئة طاقاتِ وموارد ذلك الإقليم[9].

يُستَنْتَجُ ممّا سبقَ: أنّ التنميةَ المحلية ترتكزُ على تحقيقِ أهداف مشروعاتٍ مُحدَّدةٍ على مستوى المجتمعاتِ المحلية والوحدات الإنتاجية؛ والهدفُ منه هو (تطويرُ القطاعاتِ)؛ من خلال الاستخدامِ الأمثل للموارد لتلبية الاحتياجات المحلية بِناءً على ما يتوفَّرُ فيها من إمكاناتٍ. وفي هذا الإطارِ لا تنفصلُ خطَّةُ التنميةِ المحلية عن خطَّة التنمية القومية الشاملة؛ بل يجب أن تكونَ جُزءاُ منها حتّى تضمنَ تحقيقَ التوازُنِ بين القطاعات المختلفة على المستوى القوميِّ.

ويقومُ مفهومُ التنميةِ المحلية على عنصرَين رئيسيَّينِ هُما:

- المشاركةُ المجتمعية في تحقيقِ التنمية المحلية؛ فَعلى كُلِّ مُجتمَعٍ أن يَبذُلَ جُهداً تعاونيّاً لتفهُّمِ طبيعةِ وهيكل الاقتصاد المحليّ، بالإضافة إلى القيامِ بتحليل الفُرَصِ والتحدِّيات بالمنطقةِ المحلية؛ ممَّا يُساعِدُ على تسليطِ الضوء على القضايا والفُرص الأساسية المتوفِّرة لتطويرِها.

- توفيرُ مختلَفِ الخدَمات ومشروعات التنمية المحلية بأسلوبٍ يُشَجِّعُ الاعتمادَ على النفْسِ والمشاركة. أمّا مِن حيث الأهدافُ المرجُوَّة منها فإنّ التنميةَ المحلية تهدفُ إلــى الآتي[10]:

- تطويرِ البِنية التحتية كـ(النقْل والمياه والكهرباء)؛ حيث يُعتبَرُ النهوضُ بهذه القطاعاتِ أساساً لعمليةِ التنمية وتطوير المجتمع المحليّ.

- زيادةِ التعاون والمشاركة بين السكّانِ؛ ممَّا يُساعِدُ في نَقْلِ المواطِنين من حالةِ اللامبالاةِ إلى حالة المشارَكة الفاعلة.

- زيادةِ حِرْص المواطِنين على المحافَظةِ على المشروعات التي يُساهِمُونَ في تخطيطِها وتنفيذِها.

ثانياً: المُشارَكةُ المُجتمَعِيَّة ومُساهَمَتُها في تحقيقِ التنميةِ المَحلِّيَّة.

يُعتبَرُ مفهومُ المشارَكةِ من المفاهيم القديمة التي تمَّ تناوُلها من خلالِ أفكار الفلاسفة والسياسيِّين؛ حيث يعني توفيرَ الفُرَصِ لِأخْذِ دَورٍ في النظامِ الديمقراطيّ للدولة، ومِن خلاله تُتاحُ الفُرَصُ لِلمُواطِنينَ؛ لكي ي(ُعبِّرُوا عن آرائهِم أو يُصَوِّتُوا أو يُشجِّعُوا اتجاهاً سياسيّاً مُعيَّناً، أو يَحْشدُوا قُواهُم حول قضايا سياسيَّةٍ خاصَّةٍ بِهم.[11]

ولقد أصبحَ هذا المفهومُ يَتَرَدَّدُ ويُستخدم في أدبيَّاتِ التخطيط والتنمية منذ سبعينياتِ القرن الماضي [12]-وإنْ كان قد نصَّتْ عليه مبادئُ الشريعةِ الإسلامية منذ القرنِ السادسِ الميلاديِّ لتوجيهِ أُمورِ الحياة؛ ونعني بذلكَ "مبدأَ التشاوُر والتحاوُر" أو مشاركةِ أفراد المجتمع في إدارِة شؤونهم الذاتية داخلَ إطار الجماعة الواحدةِ، أو داخلَ إطارِ المجتمع الواحد؛ من أجْلِ الوصول إلى مستوى حياةٍ أفضلَ.

 وفي الرُّبُعِ الأخير من القرن العشرين بدأ المفهومُ في الانتشارِ والأخْذِ به كوسيلةٍ مُهمَّة لإنجاحِ عملية التنميةفي مراحلِها كافَّةً،ومِنْ ثمَّ اسْتُخْدِمَ بشكلٍ واسع في الأبحاثِ والدراسات التنموية. ولعلَّ مَرَدَّ ذلك يُعْزَى إلى أنَّ هناكَ قناعةً تامَّة بين المخطِّطينَ والسياسيِّينَ والتنفيذيِّينَ بأنّ جُهْدَ الحكومةِ بمفرده لا يُمكِنُ أن يُحقِّقَ عمليةَ التنميةبِكُلِّ أهدافها بفعاليةٍ وكفاءة دُونَ مشاركةِ وجُهدِ المواطِنين المعنيِّين بالتنمية.

مفهومُ المُشارَكةِ المُجتمعيَّة:

 لا يُوجَدُ اتفاقٌ بين الباحثِينَ على تعريفٍ مُحدَّدٍ لمفهومِ المشارَكة؛ بسببِ تعدُّدِ المدارس والأنظمة الفِكرية (الإدارية، الاجتماعية والسياسية) التي تناولتْ هذا المفهومَ[13].وفي الحكومات، الدراسات والأبحاثِ المعاصرة يترادَفُ هذا المفهومُ مع مساهَمةِ المجتمع المحلِّيِّ في إدارةِ شؤون المجتمعاتالحضَرية مع الجُهودِ الحكومية وغَير الحكومية عبرَ المشارَكةالسياسية في (السُّلْطَة والمسؤولية) والشراكة في الثروةِ والموارد لتحقيقِ أهدافٍ تنموية (اجتماعية واقتصادية) بواسطةِ الحُكْمِ الذاتيِّ المحلِّيِّ.

 ومِن هُنا أصبحَ للمشارَكةالمجتمعية أهميَّتُها الدستوريةُ القانونية في الكثيرِ من النُّظُمِ المعاصِرَة؛ وذلكَ بتأكيدِ مشارَكة المواطِنين في اتخاذِ القرارات وصُنْعِ السياسات الخاصَّةِ بالتنمية المحلية.

 ولقد تطوَّرَ هذا المفهوم ُبعدَ أن أيقنَتِ المؤسَّساتُ العاملة في مجالِ التنمية أنّ المجتمعَ هو العنصرُ الأساسُ في التنمية انطلاقاً من زيادةِ قُدرة المجتمع على الاستجابةِ للحاجيَّات الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه، وإنّ التنميةَ لا تتحقَّقُ إلّا مِن خلال تمكين شرائحِ المجتمعِ كافَّةً من المشارَكة في التعبيرِ عن احتياجاتهِم ووَضْعِ الخططِ والبرامج، كما أنها تُساعِدُ المجتمعَ في الاستخدامِ الأمثل لطاقاتِ وقُدُرات أفرادِه وجماعاتِه، وتعطي الفُرصةَ لمشاركةِ الفِئات المهمَّشَة[14].

 إذنْ: فالمشاركةالمجتمعيةبمفهومِها التنمويّ تعني إشراكَ المجموعاتِ والشرائح السكانية المستهدَفة في مراحلِ الخطَّة كافةً؛ بَدْءاً من تحديدِ وصياغة أهداف خطَّة التنميةالموجَّهة لتحسينِ أوضاعهم والمساهَمة في تنفيذِها وتقييمها[15].

إنّها عمليةُ تواصُلٍ بين الهيئةِ المحلية والمجتمع تعتمدُ على تبادُلِ المعلُوماتِ بين الطرفَين وتقديم مُدْخَلاتٍ من المواطنِينَ بشأنِ قضيةِ ما قبلَ اتخاذ الهيئة قراراً بشأنِ تلك القضيَّة أو وضْعِ السياسات أو تحديدِ اتجاه أخْذ القرار[16].

وتُعرَّفُ كذلك على أنها فِعلٌ جَماعيّ مُوجَّهٌ نحوَ التنميةِ يُشارِكُ فيه أفرادُ المجتمع في إحداثِ تغييرات في الحياة (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية) في المجتمَع من خلالِ المشاركة في تحديدِ (الأهداف والأولَويات والموارد)، ووَضْعِ خِطَطِ العَملِ المناسبة وتنفيذِها وتقويمها[17].

و المشاركةُ المجتمعية هيَ مِن أهمِّ أهدافِ برامج التعبئة المجتمعية التي تعكسُ مجتمعاً يتميَّزُ بـ(العدلِ والمساواة وتكافؤ الفُرَصِ)، وهو وسيلةٌ لضمانِ استمرارية برنامج التنمية الشاملة وملاءمتِها للمجتمعِ بِخَصائصِه ومُقوِّماته. وهي في الوقت نفْسِه مسؤوليةُ كلِّ فردٍ من أفراد المجتمع المحليِّ؛ حيث يقومُ من خلالها بالمشارَكةِ في صُنْعِ القرارات التي تُؤثِّرُ في حياتِه وتخطيط برامج تنمية مجتمعية أكثرَ واقعيَّةً وملائمةً وباستخدامٍ أفضلَ للمواردِ المتاحة[18].

و تُعتبَرُ المشارَكةُ المجتمعية إحدى أدواتِ تفعيل الديمقراطية في المجتمعِ وأداة للتغيير يُمكِنُ من خلالها الإسهامُ في بناءٍ مجتمَعٍ ديمقراطيٍّ حُرٍّ وعادلٍ تُدارُ فيه الشؤونُ العامَّة من خلالِ الناس ومِن أجْلِهم على أساسِ احترام الكرامة الإنسانية والديمقراطية والعدل الاجتماعيّ والمساواة بين جميعِ المواطنِين ووبواسطَتِها يتمُّ تحريكُ طاقاتِ المواطِنين للمُساهَمةِ في مواجَهةِ تحدِّيات التنمية[19].

وتتمُّ المشارَكةُ المجتمعية؛ إمّا بتبادُلِ المعلوماتِ؛حيث يتمُّتزويدُ السكَّانِ بالمعلومات أو تبادُلها معهُم فيما يخصُّ (البرامجَ أو المشاريعَ) المراد إقامتُها؛ وذلك بمنحهِم الفُرْصَةَ للمشارَكة في اتخاذِ القرار، ومِن ثَمَّ اعتمادِه بتوضيح (مَقاصده وغاياتِه)، أو بالاستشارةِويُقصَدُ بها الحالةُ التي يُتِيحُ فيها المسؤولونَ القائِمونَ على أمْرِ أيِّ مشروعٍ تنمويٍّ للمواطِنينَ لإبداءِ رأيهم في الأمورِ المتعلقة بذلك المشروع، وفي حالاتٍ أُخرى تتمُّ المشاركةٌ المجتمعية بِمُبادَرةِ المواطِنينَ بتنظيم أنفُسِهم وتكوينِ جماعاتٍ للعمل في المشاريعِ والبرامج التي تعنِيهم، أو عن طريقِ مُمثِّلِيهِم والعمل بفعاليةٍ تامَّةٍ لإنجازِ المهامِّ الملقاةِ على عاتقِهم.
هذا ويُمكِنُ أن تكونَ هناك مضامِينُ أُخرى تحدَّدُ حسبَما يُتَّفَقُ عليه مع المواطنِينَ بما يضمَنُ حقوقَهُم وواجباتِهم.[20]

المُشارَكةُ مِن مَنظورِ الإسلامِ الحنيفِ:

اهتمتِ العقيدةُ الإسلامية بالقِيَمِ والمبادئ التي تحكُم وتُربِّي السلوكَ الإنسانيَّ الرشيدَ؛ وبهذا تنطلقُ المشارَكةفي الإسلامِ من المبادِئ والأُسُس التالية :

-مبدأِ التشاوُر في اتخاذ القرارات: يقولُ اللهُ تعالى في كتابِه الكريم (وَشَاوِرْهُمْ في الأمْرِ فإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ"[21]، ويقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: "و الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِم وَأمْرُهُمْ شُوْرَى بَيْنَهُمْ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ[22]".

- مبدأِ المساواةِ بينَ الناسِ في إطارِ القِيَمِ السلوكيّةِ الإنسانيّة: يقولُ سُبحانَه وتعالى: (يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجَالاً كَثِيْرَاً ونِسَاءً" [23].

التحفيزُ والحثُّ على العملِ وفي ذلك يقولُ اللهُ تعالى):وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ)[24]،

- مبدأِ التعاونِ الذي يُعتبَرُ مِن الثوابتِ الرئيسيةِ في دينِنا الحنيفِ؛ والذي يُرَسِّخُ مفهومَ فريقِ العملِ. يقولُ تعالى في كتابهِ العزيز:(وَتَعاوَنُوا على البِرِّ وَ التَّقْوَى وَلا تَعاوَنُوا على الإثْمِ والعُدْوانِ ) [25]، (وَ تَعاونُوا) أمرٌ إلهيّ قُرآنيّ وكُلُّ أمرٍ في القُرآنِ الكريم يقتضِي الوُجوبَ؛ إلّا إذا دلَّتْ قرينةٌ قويَّةُ تصرفُه عن الوٌجوبِ.

-تكافُؤِ السُّلْطَة والمسؤوليةِ الرقابيةِ يقولُ الرسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: " كُلُّكُمْ راعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".[26]

مدى تأثيرِ المُشارَكةِ المُجتمَعيَّةِ في تحقيقِ التنميةِ المَحلِّيّةِ:

إنَّ مناخَ المجتمعِ المحلِّيِّ (يُؤثِّرُ ويتأثَّرُ) في كُلِّ ما يَحدُثُ (داخِلَهُ أو خارِجَهُ) بما في ذلكَ المشاركةُ المجتمعية لأفرادِه، ويضمُّ هذا المناخُ (العاداتِ والتقاليدَ، القياداتِ المحلية، درجةَ الوعي المتوفِّرة، الفُرَصَ والمواردَ المتاحة[27]).

وتَعتمِدُ قُدرةُ المجتمعاتِ على تحسين مستوى المعيشةِ، وإيجادِ فُرَصٍ اقتصاديةٍ جديدةٍ، ومُكافَحةِ الفقْر) على مدى قُدْرَةِ هذه المجتمعاتِ على تَفهُّمِ التنميةِ المحلية فَضْلاً عن التعامُلِ استراتيجيَّاً مع اقتصادياتِ السُّوقِ المتغيِّرِ والأكثر تنافُسيَّةٍ؛ فلكُلِّ مجتمعٍ (خَصائصِه وأوضاعِه وظُروفِه) التي قد (تُزيدُ أو تقلِّلُ) مِن فُرَصِ تحقيق التنمية المحليّة، وهذه الظروفُ هي التي تُحدِّدُ المِيزةَ النِّسبيَّةَ لِمنطقَةٍ مُعيَّنة فيما يَتعلَّقُ بِقُدْرَتِها على (جَذْبِ وتوليدِ) والحفاظ على الاستثماراتِ اللازمة. كما يجب-في هذا الإطار- على كُلِّ مجتمعٍ أن يبذلَ جُهداً تعاونياً لتفهُّمِ (طبيعةِ وهيكلِ) الاقتصادِ المحلِّيِّ بالإضافةِ إلى القيام بتحليلِ الأوضاع، الفُرص، التحديات بالمنطقة؛ وهذا الأمر سيُساعِدُ على تسليطِ الضوء على القضايا والفُرَصِ الأساسية التي تَتوفَّرُ بالمنطقة المحلية. وتُساهِمُ المشاركةُ المجتمعية في تحفيزِ التنمية المحلِّيّةِ من خِلال[28]:

-     المساهَمةِ في تقديم (فَهْمٍ وتَصَوُّرٍ) واضحَينِ لطبيعة المشاكل في المناطق المعنيَّة بالتنمية؛ وذلك من خِلال إدراك المواطنين لحجْمِ مشكلاتهم وموارد المنطقة وإمكاناتِها.

-     تؤدِّي المشاركةُالحقيقية والفاعلة إلى تَعلُّمِ المواطِنين عن طريق الممارسةِ فيتعلَّمُونَ كيف يَحلُّونَ مشكلاتِهم واستغلال مواردهم مع مُرورِ الوقْت من خلال الصوابِ والخطأ.

-     تعملُ المشاركةُالمجتمعيةعلى تقليص الدَّورِ الأُحاديِّ والمتعاظِم للحكومة، كما أنها تُحَجِّمُ دَورَ الصفْوةِ والنُّخَب في المجتمع، وتُساهِمُ في حلِّ المشاكل (الاقتصادية والاجتماعية) الناتجة عن البِنى الاجتماعية القائمة.

-     تُعزِّزُ المشاركةالمباشرة الثقةَ بالنفْس –أي ثِقَةَ المواطِنين –الأمر الذي يُولِّدُ فيهم الاستعدادَ النفْسيّ وتنظيمَ أنفُسِهم في تنظيماتٍ وهيئاتٍ تُسانِدُ الحكومةَ في توفير احتياجاتِهم، وتُشارِكُ في وَضْعِ الخطَط وتنفيذِها وتقويمها.

-     إنَّ مشاركةَ المواطِنين تجعلهُم أكثرَ تقبُّلاً للقراراتِ والمشروعات والبرامج التنموية التي يُشارِكُونَ فيها بفاعليّةٍ وبِرُوحِ الفَهْم والمسؤولية؛ الأمرُ الذي يؤدِّي إلى نجاحِها.

-     تُحفِّزُ المشاركةأفرادَ المجتمع على المبادَرةِ وفتْحِ باب التعاون مع الجِهات الرسمية ودعْمِها بالأفكارِ البنَّاءة.

-     تُسْهِمُ مشاركةُ المواطِنين في إرساءِ وتأكيد القِيَم الخاصَّة بالمحافَظةِ على المال العامِّ.

تنميةُ المُشارَكةِ المُجتمعِيَّةِ للمُساهَمةِ في التنميةِ المَحلِّيَّةِ:

ويتمُّ ذلكَ من خِلال:[29]

-التعرُّفِ على ظُروفِ المجتمع (الاجتماعية والاقتصادية والثقافية) المختلفة.

-تبادُلِ الآراءِ مع أبناءِ المجتمع حول (المعارف والمهارات والمواقف والقِيَم والعادات السائِدَة والمعزِّزة أو المثبِّطة) لِمَفهومِ المشاركة المجتمعية.

-تعبئةِ المجتمع المحلِّيِّ بـ(أفرادِه وجماعاتِه) كافَّةً؛ من خلال (التوعيةِ والتدريبِ) حولَ مفهومِ المشاركة المجتمعية وأهميَّته وأساليبه ومجالاتِه.

-إعدادِ فِرَقِ عَمَلٍ محليَّة متجانِسَةٍ وفعَّالة ومؤهَّلَة لإدارةِ (نشاطاتِ ومشروعاتِ) تنمية المجتمع المحلِّيِّ على أساسِ المشاركة المجتمعية، والاعتمادِ على الذاتِ؛ وذلك من خلال برامج (توعيةٍ وتعبئةٍ وتدريبٍ) مختلفة.

ثالثاً: دَوْرُ المُشارَكةِ المُجتمعيَّةِ في تحقيقِ التنميةِ المحلِّيَّةِ بالجزائر

الإطارُ العامُّ للمُشارَكةِ المجتمعيَّةِ والتنميةِ المحلِّيَّةِ في الجزائر:

 اعتبِرَتِ الجماعاتُ المحلِّيَّة في الجزائر- وخاصَّةً البلديةَ- ومنذ سنة ١٩٦٧ م حَجَرَ الزاويةِ في بناء الدولة والنظام السياسيِّ الجزائريِّ؛ بهدفِ إشراك المواطِنين في تسييرِ شُؤونهِم المحلية وتجسيد اللامركزية؛ حيث تنصُّ المادَّةُ الثانية من قانونِ الجماعات الإقليمية على الآتي: "البلديةُ هي القاعدةُ الإقليمية للامركزية، ومكانٌ لِمُمارَسةِ المواطَنة، وتشكِّلُ إطارَ مشاركة المواطن في تسيير الشؤون العُمومية"[30].

لقد جعلَ التشريعُ الجزائريّ من البلدية المحرِّك الأساسَ للتنميةِ المحلية، وفي ظلِّ مختلفِ التغيُّراتِ والإصلاحات شهدتْ مهامُّ الإدارة المحلية وكذا البلدية بالجزائر تصاعُداً مميَّزاً يتماشى مع مختلفِ مراحل تطوُّرِ مَفهُومِها؛ ولذا فإنَّ النصوصَ القانونية التي أعطتها أبعاداً جديدةً تمنحُها صلاحيَّاتٍ واسعةً في المجالاتِ (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، وتضعُ بين يَدَي ممثِّلِيها الوسائلَ الضرورية لـ(تحمُّلِ المسؤوليَّاتِ كافَّةً وتقريرِ مصير التنمية المحلية).

و تُعَدُّ البلديةُ النواةَ الرئيسةَ للتنميةِ المحلية؛ وذلك بِحُكْمِ قُرْبِها من المواطِن، وقد وضعتْ أساساً بهدفِ تسيير شؤون المواطنين، وتحسين مستوى أوضاعِهم (الاجتماعية والاقتصادية والصحية والبيئية)؛ حيث تنصُّ الموادُّ ١١و١٢و١٣ من القانون السابق على مشاركةِ المواطنين في تحقيقِ التنمية المحلية كما يلي:

المادة ١١:" تُشَكِّلُ البلديةُ الإطارَ المؤسَّساتيَّ لِمُمارَسةِ الديمقراطية على المستوى المحلِّيِّ والتسيير الجِواري، ويَتَّخِذُ المجلسُ الشعبيُّ البلديُّ كُلَّ التدابيرِ لإعلام المواطِنينَ بشُؤونهم واستشارتِهم حول خياراتِ وأولويات التهيئة والتنمية (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) حسب الشروطِ المحدَّدة في هذا القانون. ويُمكِنُ في هذا المجالِ استعمال على وَجْهِ الخُصوصِ الوسائط والوسائل الإعلامية المتاحة، كما يُمْكِّنُ المجلسَ الشعبي البلديّ تقديمَ عَرْضٍ عن نشاطِه السنويِّ أمامَ المواطِنين".[31]

المادة ١٢:"قصدَ تحقيقِ أهداف الديمقراطية المحلية في إطارِ التسيير الجواري المذكور في المادّة ١١ يَسْهَرُ المجلسُ الشعبيّ البلديّ على وَضْعِ إطارٍ ملائم لِلمُبادَرات المحلية التي تهدفُ إلى تحفيزِ المواطنين وحَثِّهِم على المشارَكة في تسوية مشاكِلهم، وتحسين ظُروف معيشتهم. ويتمُّ تنظيمُ هذا الإطارِ طِبقاً للتشريعِ والتنظيم المعمول بهما”[32].

المادة ١٣:"يُمَكَّنُ رئيسُ المجلسِ البلديّ الشعبي ّ-كلَّما اقتضت ذلك شؤون البلدية- أن يستعينَ بِصِفَةٍ استشارية بكلِّ شخصيَّة محليَّة أو خبيرٍ أو كلِّ ممثِّل جمعيَّة محلِّيَّة مُعتمدَة قانوناً؛ والذين مِن شأنهم تقديم أيِّ مساهَمةٍ مُفيدَةٍ لأشغالِ المجلس أو لِجانِه بحُكْمِ مؤهِّلاتهم أو طبيعةِ نَشاطِهم”[33].

على إثرِ ما سَبَقَ وفي ظلِّ الإطار القانونيِّ والتنظيميِّ الإداريّ، تُعتبَرُ المشاركةُ المجتمعية ذاتَ أهمِّيّةٍ قُصوى في عملِ البلدية؛ لأنَّها تُعزِّزُ استمرارَ العلاقةِ المنظَّمة بين الهيئةِ المحلية وأفرادِ المجتمع كافّةً وفعالياته وربْطِ البرامج والخدمات بقضايا الحياة اليومية للمجتمع المحلِّيّ. وباعتبارِها طَرَفاً فاعِلاً في عملِ البلدية التنمويّ فإنّ مشاركةَ المواطنين وتفاعُلَهم وكذا تجاوبهم مع القراراتِ والسياسات العامَّة المحلية تُعتبَرُ ضروريةً لتحقيقِ التنمية المحلية؛ فعمليةُ التواصُلِ بين المواطِنين والبلدية تُساعِدُ على توطيدِ الروابط وتفعيلِ العمل الديمقراطيّ، وتَفَهُّمِ المواطنِينَ لإمكاناتِ البلدية وإعادة صياغة الأولويات؛ لكنْ ما يُلْحَظُ على البلدياتِ في الجزائر عدمُ تفعيلِ آليَّاتِ مشاركة المواطنين في العملِ البلديِّ التي حدَّدَها القانونُ، ومِنها المشاركةُ والحضور لِدَوراتِ المجلس الشعبيّ العاديَّة أو الانضمامِ إلى اللجان (الدائمة والمؤقَّتة)؛ والتي قد تضمُّ أشخاصاً من خارجِ المجلس، إلى جانب قِلَّةِ وضَعْفِ المبادَراتِ الذاتية للمواطِنين الهادِفة لتسوية مشاكلِهم وتحسينِ ظُروف مَعيشتهِم، وهذا التخوُّفُ من التواصُلِ الجماهيريِّ يُمْكِنُ إرجاعُه إلى طبيعةِ النُّخْبَة التي تتحكَّمُ فيها عواملُ (حِزْبيَّةٌ أو عُروشيَّة أو ثقافية)، أو يُمكِنُ إرجاعُه إلى التخوُّفِ من تزايدِ مطالب المواطنين التي قد تفوقُ إمكاناتِ البلدية[34].

في السياق ذاتِه وفي إطار علاقة البلدية بالأحزابِ السياسية والجمعيات، -ورغمَ حداثةَ تجرِبةِ التعدُّدية الحِزبية في الجزائر-؛ فإنَّ النظامَ الحزبيّ لم يستطِع القيامَ بوظائفِه على المستوى المحلِّيِّ؛ سواءٌ من حيث التجنيدُ وتقديم مرشحين يَتمتَّعُونَ بمؤهِّلاتٍ وخِبْرَةٍ وتجرِبة، أو من حيث (البرامجُ المحلية أو التعاونُ والشراكة)؛ حيث طَغَتِ الصراعاتُ الحزبية على مستوى المجالسِ؛ ممَّا أثَّرَ سَلْباً على وظيفتِها في التنمية المحلية. ورغمَ أهمِّيَّةِ العملِ الأهليّ في التنمية المحلية وتأكيدِ القانون البلديّ على تشجيعِ تأسيس الجمعيات وتعاون البلدية مع الجمعيات التي تَتمتَّعُ بإمكاناتٍ؛ إلّا أنَّ هذه الجمعياتِ تُعتبَرُ خاضِعةً إلى الرقابةِ من طَرَفِ الإدارة المركزية؛ سواء من حيث (الاعتمادُ أو التمويل أو النشاط)[35].

أهمُّ الصُعوباتِ التي تُعيقُ المُشارَكةَ المُجتمَعيَّةَ في تحقيقِ التنميةِ المحلِّيَّةِ بالجزائر:

تُشيرُ الملاحظاتُ الأولية عن الواقعِ الجزائريّ إلى انخفاضِ جُهود المشاركة الشعبية بخُصوصِ قضايا التنمية المحلية، وقد يرجعُ ذلك إلى العديدِ من العوامل يأتي على مُقدِّمَتِها:

-     حداثةُ العَهدِ بالأخْذِ بمفهوم المشاركة المجتمعية بمعناها الواسع إلى جانب قِلَّةِ الوعي العامِّ وضَعْفِ الاهتمام بالمشاركة [36]، وقد يرجعُ ذلك إلى عَدَمِ الرغبة؛ وبالتالي تدنِّي مستوى الدافعيَّةِ بين أفرادِ المجتمع.

-     ضَعْفُ إيمانِ الإدارة بالمشاركة المجتمعية على أساسِ أنَّ المواطِنينَ أقلُّ كفايةً وتخصُّصاً من عُمَّالها، وأنَّهُم لا يُدرْكُونَ المسائلَ (العلمية والفنية) قَدْرَ إدراكِ الموظَّفِينَ المخصَّصين لها، كما أنَّهم في الأغلب ما يَجْهلُونَ الجوانبَ القانونية التي تنظِّمُ شؤون المجتمع؛ وبالتالي تؤدِّي مُشاركتُهم الى إلحاق الضَّررِ بالمصلحة العامَّة والعمليةِ الإدارية.

-     طُغيانُ دَورِ الدولة؛ والذي أدَّى إلى ضَعْفِ عملية صُنْعِ القراراتِ وتنفيذ الخطَط الهادفة لتنمية المجتمع؛ فالمشاركةُ الشعبية في التنميةِ صوريةٌ ولا تَعدُو عن كونِها مشاركةً تستغل كعلاقةٍ قائمة لِمُسانَدةِ الوضْع السياسيّ وتستغلُّها الدولة وتوجِّهُها نحو اهتماماتِ السياسة المركزية.

-     التركيزُ على إظهارِ النجاحات؛ حيث يُعْزَى الفشلُ في كثير من الأحيان إلى تسييسِ العملِ التنمويّ؛ إذ يُوجَّهُ لخدمةِ النظام الإداريّ والسياسيّ الحاكم. وهنا يُظهر النظامُ الوجْهَ المشرِق والنجاح. بينما لا تُظهِرُ التجارِب الفاشلة. وهذا في حدِّ ذاتِه يُعيقُ التعلُّمَ والاستفادة من المعرفةِ التراكمية بأسبابِ الفشل.[37]
- الانتقائيةُ في المشاركة؛ حيث عادةً ما تتمُّ الدعوةُ لِلمُشاركة في عملياتِ التخطيط التنمويّ المحلِّيّ والإقليميّ لقادةِ المجتمع والنفوذ. ويتمُّ اختيارُ هؤلاءِ بانتقائيَّةٍ مقصودة تعودُ منفعةُ التنميةونتائجُها لهم دون فقراءِ المجتمع.

-     هيمنةُ النُّخَبِ والطائفة الحاكمة على القراراتِ التنموية كافّةً؛ الأمرُ الذي يُفَرِّغُ المشاركَةمن محتوى التمثيل الحقيقيّ للمجتمع؛ وبالتالي اختفاء المبادئ المهمّة كـ(العدالة والحرية والمساواة) بين أفراد وفئات المجتمع؛ ممّا ينتجُ عن ذلك عدمُ تحقيقِ البرامج والمشاريع لأهدافِها التنموية ممَّا يَعني فشلَها[38].

ويُضافُ إلى ما سبقَ[39]:

-     ضِيْقُ دوائرِ اتخاذ القرار في مؤسَّساتِ الحُكم المحلِّيِّ والمؤسَّساتِ الأُخْرى.

-     ضَعْفُ الإحساسِ الفرديّ والعامِّ بالانتماءِ، وافتقادُ المجتمع إلى رؤيةٍ جَماعية للمستقبل.

-     شُيوعُ (الخوفِ من السُّلْطة وفقدان المصداقية وعدمِ الثقة) في المؤسَّساتِ والأجهزة الحكومية.

-     غيابُ ثقافةِ الحوار.

الخُلاصةُ والتوصِياتُ:

لقد تطوَّرَ مفهومُ المشاركةِ المجتمعية في التنمية بعد أن أيقنَتِ المؤسَّساتُ العامّة أنّ المجتمعَ هو العنصرُ الأساسُ في التنميةِ انطلاقاً من زيادةِ قُدْرَة المجتمع على الاستجابة لحاجاتهِ الأساسية والحاجات المتزايدة لأعضائه، وأنَّ التنميةَ لا تتحقَّقُ إلّا مِن خلالِ تمكين شرائحِ المجتمع كافّةً من المشاركةِ في التعبيرِ عن احتياجاتهم، ووضْعِ الخطط والبرامج. كما أنها تُساعِدُ المجتمعَ في الاستخدام الأمثلِ لـ(طاقاتِ وقدرات) أفراده وجماعاته، وتُعطي الفُرَصَ لِمُشاركةِ الفئات المهمَّشة.

لقد أصبح الاتجاهُ-في الجزائر وفي إطار التطوُّراتِ الاقتصادية المتلاحِقَة التي تشهدُها البلادُ- إلى تطويرِ المشاركة المجتمعية في تحقيق التنمية المحلية حتميّاً؛ حيث تَعتبر الجزائرُ الجهودَ المجتمعية إحدى الركائزِ الأساسية التي يُمكِنُ من خلالها النهوضُ بالمجتمع والارتقاء به، والعملِ على تحسين مستوى إسهام أبناء المجتمع تطوُّعاً في جُهودِ التنمية سواء بـ(الرأي أو العمل أو التمويل وحثِّ الآخَرينَ على المشارَكة وعَدمِ وَضْعِ العراقيل أمام الجُهودِ المبذولة من جانب قيادات المجتمع) وغيرِ ذلك من الأمورِ التي تؤدِّي إلى تنميةِ المجتمع وتحقيق أهدافه. وفي ما يلي جُمْلَةٌ مِن التوصياتِ التي مِن شأنها تفعيل المشاركة المجتمعية في المساهَمةِ في التنمية المحلية بالجزائر.

- وَضْعُ أهدافٍ مُحدَّدة وواضحة لتنميةِ المجتمع المحلِّيِّ تنسجِمُ مع احتياجاتِه الحقيقية وأولوياته.

- النظرةُ الإيجابيّة إلى المجتمعِ المحلِّيِّ وقُدراته على إحداثِ التنمية الشاملة باستخدام الموارد المحلية المتاحةِ بِطُرُقٍ وأساليبَ تُلائِمُ الظروفَ المحلية السائدة، وتُعزِّزُ اكتسابَ المعارفِ والمهارات اللازمة لإحداثِ التغيير.

- الاهتمامُ بدوافعِ وتطلُّعاتِ المجتمع الإنسانية، وعدمُ التركيز على النواحي المادِّيَّة فقط، مع مُراعاةٍ لِعاداتِ وتقاليد ومواقف أفراد المجتمع ورصيدِهم (الثقافيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والبيئيّ) وأنماط حياتهم.

- النظرُ إلى المجتمع المحلِّيِّ نظرةً شامِلَةً تأخُذُ بِعَينِ الاعتبار أبعادَه (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية) المختلفة.

- التعليمُ والتدريب النابعُ من احتياجاتِ حقيقية لأفراد المجتمع المحلِّيّ وتجارِب وخِبراتٍ واقعية لهم.

- الاستفادةُ من خِبرات المختصِّينَ في مجالاتِ التنمية الشاملة.



[1]- فالتنميةُ البشرية: هي عمليةُ توسيع القدرات التعليمية والخبرات للشعوب والمستهدف بهذا هو أن يصلَ الإنسان بمَجْهُوده ومَجهُود ذَويه إلى مستوىً مرتفعٍ من الإنتاج والدخل، وبحياةٍ طويلة وصحيّة بجانب تنميةِ القدرات الإنسانية من خلال توفير فُرَصٍ ملائمة للتعليم وزيادة الخبرات. أمّا المستديمةُ فتعرفُ بأنها التنميةُ التي تُلبِّي احتياجاتِ البشر في الوقت الحاليّ دونَ المَساسِ بِقُدرةِ الأجيال القادمة على تحقيق أهدافها، وتركِّز على النموِّ الاقتصاديّ المتكامل المستديم والإشراف البيئيّ والمسؤولية الاجتماعية.

[2]- سوف يتعرَّض فيما يلي من البحثِ لمفهوم التنمية المحلية، أمّا التنميةُ القطرية فهيَ الشامِلةُ على مستوى القطرِ الوطنيّ كُلِّهِ، والتنمية الجَهوية: تعتبر الجِهة أو بالأصح -الإقليمَ- وحدةً مجاليَّة تتكوَّنُ من عِدَّةِ ولاياتٍ (أو محافَظات) تُمثِّل المستوى الأوَّل للتقسيم الترابي للقطر، لها من الحجْم والتنوُّع ما يضمَن لها الفَعالية والنجاعة والتكامُل والاندماج المحليِّين. تتميزُ بوجود عاصمةٍ (إقليمية أو جهوية) تؤمِّنُ التأطيرَ التُرابيَّ؛ من خلالِ تلبية حاجات المستهلك والمواطن، وتوفير الخدماتِ على مستوىً جَهويٍّ؛ وذلك عبرَ شبكةٍ حضرية متكاملة. وتتمتَّعُ بحياةٍ سياسية فعلية تتمثَّلُ في وجود حدِّ أدنى من السلطةِ الجَهوية بمقوِّماتها المؤسَّسية والمالية.

[3]- ازدادَ دَورُ الحكوماتِ في الكثير من دُولِ العالَم النامي بعد الحربِ العالميـة الثانيــة في مجالِ تزويد السكان بالخدماتِ الأساسية كـ(التعليم والصحة والمياه والكهرباء وشبكات النقل …)، وقد أدَّى هذا التزايدُ في المسؤولياتِ الحكومية إلى تركُّزِ سلطة صُنع القرار التنموي في أيدي الحكومات المركزية الموجودة عادةً في عواصِم دُولها، وقد نجَم عن هذا الوضْع ثغراتٍ ومشكلاتٍ تنموية عديدة كان من أهمها: ازديادُ حِدَّةِ الفوارقِ الاقتصادية والاجتماعية المكانية؛ سواء على مستوى (الأقاليم أو المناطق أو التجمعات السكانية)، الأمرُ الذي جعلَ الهيئاتِ الأهلية والشرائِح السكانية في كثيرٍ من الأحيانِ غير راضية عن القرارات التنموية للحكومات المركزية؛ نظراً لأن هذه القراراتِ غالِباً ما تكون بعيدةً عن حاجاتِ ومشكلات ومصالِح السكان المحليِّين في المستوياتِ المكانية المختلفة.

[4]- سليمان ولد حامدون، اللامركزية الإدارية ومساهمتها في التنمية المحلية، مجلة جامعة سبها للعلوم الإنسانية،2006 م،نسخة الكترونية من الرابط التالي:http://www.shatharat.net/vb/showthread.php?t=2674

[5]- تودرا ميشيل، ترجمة محمود حسن حسني ومحمود حامد محمود، التنمية الاقتصادية، السعودية –دار المِرِّيخ دونَ سَنة نشر، ص50.

[6]- عبد الحميد عبد المطلب، التمويل المحلي والتنمية المحلية، مصر، الإسكندرية:الدار الجامعية،2001،ص13.

[7]- حيدر ماجد حسن، أهمية المشاركة المجتمعية في تقويم المخططات الأساسية للمدن، مجلة واسط للعلوم الإنسانية، العدد 25،ص387.

[8]- جوين سوينبرن، سريا جوجا، التنمية الاقتصادية المحلية "دليل وضع وتنفيذ استراتيجيات تنمية الاقتصاد المحلي وخطط العمل بها "دراسة مشتركة صادرة عن البنك الدولي ومؤسسة بيرتلزمان ستيفتانج، سبتمبر 2004 م،ص9.

[9]-Xavier Griffer , territoires de France :Les enjeux économiques sociaux de la décentralisation ,EdEconomique,Paris,1984 ,p146.

[10]-سليمان ولد حامون، مرجع سابق.

[11]- فيروز زرارقة، دور المجتمع المدني في تفعيل المشاركة المجتمعية، مجلة العلوم الاجتماعية العدد 18، جوان 2014 م،من الرابط التالي: http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=1174.

[12]-فريد صبح القيق، دور المشاركة المجتمعية في تحقيق التنمية المستدامة: الخطط التنموية الإستراتيجية للمدن الفلسطينية كحالة دراسية،مجلة فلسطين للأبحاث والدراسات،فيفري 2014،ص3.

[13]- حيدر ماجد حسن، مرجع سابق،ص387.

نسخة للطباعة