العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

ضريبة القيمة المضافة وعلاقتها بالتوظيف في الإسلام يفرضها تحول بعض دول الفائض في الخليج إلى دول عجز مالي

يوسف شعبان عبد الرحيم

مراقب حسابات وخبير ضرائب وباحث وطالب ماجستير فى الاقتصاد الاسلامىي

تُمثِّلُ الضريبةُ أحدَ المصادرِ الرئيسة لمواردِ الدول في مُواجَهةِ التزاماتهِم (الاقتصادية والاجتماعية)، وتُعَدُّ الإيراداتُ الضريبية بشكلِها (المباشر وغير المباشر) عُنصراً مُهمَّاً في إيرادات الدول، وتُعتبَرُ الضرائبُ غيرُ المباشرةِ مِن أهمِّ أنواعِ الضرائب نَظراً لحجمِ الإيرادات التي تستطيعُ الدولُ الحصولَ عليها، ومِثالٌ عليها الضريبةُ على القيمةِ المضافَة.

والضريبةُ على القيمةِ المضافة تُطبَّقُ في العديدِ من دول العالم، وقد أُدخِلَتِ الضريبةُ في فرنسةَ عام ١٩٤٨ م، ثم شاع انتشارُها في مختلفِ دول العالم، وفي أواخِر الستينياتِ أدخلتْها البرازيلُ إلى أمريكة الجنوبية عام ١٩٦٧م، وفي السَّنَةِ نَفْسِها قامَت الدانماركُ بتطبيقِها وبدأ انتشارُها فى أوروبةَ.

وفي آسية كانت كورية الجنوبية هي الدولةَ الأُولى التي أدخلتْ تلك الضريبةَ في عام ١٩٧٧ م، وقد ظلَّ إدخالُها ينتشِرُ بسُرعةٍ حتّى أواخِر السبعينياتِ؛ حيث تباطأَ إدخالُها لمدَّةِ عَشْرِ سَنواتٍ، ثمَّ بدأ انتشارُها مَرَّةً أُخْرى في الجزءِ الأخيرِ من الثمانينياتِ وفي نهاية عام ٢٠٠٥ م بلغَ عددُ الدولِ التي أدخلَتْ تلك الضريبةَ ١٣٦ دولةً، وما زال إدخالها مستمِرَّاً في الاتِّساع.

وتُعرَّفُ الضريبةُ على القيمةِ المضافة بأنّها ضريبةٌ تستهدفُ (القِيمةَ المضافة)، والقيمةُ المضافة هي الفرقُ بين ثمنِ بيعِ السلعة أو الخِدمة وثمنِ شراءِ المواد والخدماتِ الداخِلَةِ في (إنتاجِها وتسويقِها). وبعبارةٍ أُخْرى فإنّ القيمةَ المضافة هي الفرقُ بين قيمةِ (المدْخَلاتِ والمخْرَجاتِ).

ويُوجَدُ ثلاثةُ نماذجَ لِتطبيقِ الضريبةِ على القيمة المضافة تختلفُ فيما بينها باختِلاف مُعالَجتِها الضريبية للسِّلَع الرأسمالية، وتتمثَّلُ النماذجُ الثلاثة فيما يلي:

-               ضريبةِ القيمة المضافة الاستهلاكية: تسمحُ هذة الضريبةُ بخَصمِ مُشتَرياتِ السِّلَعِ الرأسمالية من قيمةِ المبيعاتِ أيّ: أنَّ وِعاءَ الضريبةِ في هذه الحالةِ يُساوي قيمةَ المبيعاتِ مخصُومٌ منها السِّلَعُ الوسيطة الداخلة في الإنتاجِ- سواءٌ كانت في صُورةِ (أصولٍ متداوَلة أو أصولٍ ثابتة).

-               ضريبةِ القيمة المضافَة الإنتاجية: لا تسمحُ هذه الضريبةُ بِخَصمِ مُشترياتِ السِّلَعِ الرأسمالية من قيمةِ المبيعاتِ أيّ: أنّ وعاءَ الضريبةِ في هذه الحالة يُساوي قيمةَ المبيعاتِ مَخصومٌ منها السِّلَعِ الوسيطة الداخلة في الإنتاجِ والتي تكونُ في صورةِ أصولٍ متداولةٍ فحسب.

-               ضريبةُ القيمةِ المضافَة الداخلية:لا تسمحُ هذه الضريبةُ بخَصْمِ ثمن شراء السِّلَعِ الرأسمالية من قيمةِ المبيعات؛ ولَكِنْ يُسمَحُ بِخَصْمٍ مُقابِلَ إهلاكِها خلالَ عُمُرِها الإنتاجيِّ المتوقَّعِ.

وتُعتبَرُ الضريبةُ على القيمةِ المضافة (أقلَّ كُلفَةً من حيثُ التشغيلُ، وأقلَّ عُرضةً للاحتِيال، وأقلَّ قُدرةً) مِن غَيرِها من أشكالِ الضرائب المباشرة على التأثيرِ سلباً في تشجيعِ الاستثمار.

ولضريبةِ القيمة المضافةِ انعكاساتٌ إيجابيّةٌ أبرزُها الحدُّ من الممارساتِ الاستهلاكية السلبية في الأسواق، وأيضاً من الممكِن إعادةُ تدويرِ حصيلة الضريبة على القيمةِ المضافة في (مشاريعَ تنمويةٍ تصبُّ في صالِح الاقتصاد والمجتمع).

وقد اتَّفقَ الخُبراءُ بأنَّ الضريبةَ على القيمةِ المضافة ربَّما تكونُ هي البدايةَ الأنسبَ لِسَدِّ العجْزِ الماليِّ الذى تتعرَّضُ له دولُ الخليج بسببِ التراجُعِ في أسعار النفط.

وتأتي المملكةُ العربية السعودية في مُقدِّمةِ البلدانِ التي تحوَّلَتْ من فائضٍ إلى عَجزٍ ماليٍّ؛ فقَد بلغَ عَجْزُ مُوازنتِها للعام الماضي ٢٠١٥ م نحو ٩٨ مليار دولار، ومن المتوقَّعِ أن يبلغَ العجْزُ في موازنة ٢٠١٦ م حوالي ٨٧ مليار دولار. وتأتي الكويتُ في المرتبةِ الثانية بعجزٍ حوالي ٣٨ مليار دولار لعام ٢٠١٥م، ومن المتوقَّعِ أن يبلغَ العجْزُ في موازنة ٢٠١٦ م حوالي ٤٠ مليار دولار.

كما بلغَ عجزُ مُوازنَةِ سلطنةِ عُمان حوالي ١١.٧ مليار دولار لعام ٢٠١٥م، ومن المتوقَّعِ أن يبلغَ العجزُ في موازنة ٢٠١٦ م حوالي ٨.٦ مليار دولار.

وبلغَ عجزُ مُوازنَةِ البحرين حوالي ٣.٩ مليار دولار لعام ٢٠١٥ م، ومِن المتوقَّعِ أن يبلغَ العجزُ فى موازنة ٢٠١٦ م حوالي ٤ مليار دولار.

وتتوقَّعُ دولةُ قطر أنْ تُسجِّلَ عَجْزاً قَدرُه ١٢.٨ مليار دولار في عام ٢٠١٦م؛ بينما لم تُسَجِّلْ عَجْزاً خلال عام ٢٠١٥م؛ لذا على دُولِ الخليج البدءُ جِدِّيَّاً في دراسةِ تطبيق الضريبة على القيمة المضافة لِقُدرَتها على تأمين الموراد المالية اللازمة لتخفيضِ عجْزِ مِيزانيَّتِها.

والنظامُ الماليُّ لدولِ مجلسِ التعاون الخليجي يُعتبَرُ أقربَ الأنظمةِ التي يُمكِنُ من خلالِها تطبيقُ ضريبةِ القيمة المضافة طِبقاً للنظامِ الماليّ الإسلاميّ.

وتُعتبَرُ الضريبةُ على القيمةِ المضافة هي أقربَ التشريعاتِ الوضعية لأعمالِ التوظيف في الإسلامِ الحنيفِ، ويُعَرَّفُ مفهومُ التوظيفِ في الإسلامِ بأنّه: (توظيفُ الأموالِ على الأغنياءِ عندَ الحاجةِ).

وعرَّفَ التوظيفَ الإمامُ "الغزاليُّ" بأنّه: ما يُوظِّفُه الإمامُ على الأغنياءِ بما يراهُ كافِياً عند خُلوِّ بيتِ المال مِن المال، كما عرَّفهُ الإمامُ "الجُوينيُّ" بأنّه: ما يأخذُه الإمامُ من مياسيرِ البلاد والمثْرِينَ (الأغنياءِ) من طبقاتِ العِباد بما يَراه سادَّاً للحاجةِ.

وشرعيةُ التوظيفِ في القُرآنِ الكريم والسُّنَّةِ النبويَّةِ هي:

*شرعيةُ التوظيفِ في القُرآنِ الكريمِ:

قال اللهُ تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰحُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰوَالْيَتَامَىٰوَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖوَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗأُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖوَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )

وتتجلَّى شرعيةُ التوظيفِ بأنَّ المشرِّعَ هو اللهُ تعالى، وأنَّ في هذه الآيةِ الكريمةِ دلالةً على وُجوبِ حقٍّ في المال سِوى الزكاةِ.

ويؤصِّلُ الإمامُ "ابنُ حَزْمٍ" حقَّ التوظيفِ في مالِ الأغنياء بالاستنادِ إلى الآياتِ الكريمة قال اللهُ تعالى:

 ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(٤٤) فقَد (قَرَنَ اللهُ تباركَ وتعالى إطعامَ المسكينِ بِوُجوبِ الصلاة)، وكِلاهُما (واجبٌ) في الفريضةِ الشرعيةِ.

*شرعيَّةُ التوظيفِ في السُّنَّةِ النبويَّة

وَرَدَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنّه قال: (إنّ في المالِ حقّاً سِوى الزكاةِ).

وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنّهُ قال: (مَنْ كانَ لَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، ومَنْ كانَ لَهُ فَضْلُ زادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لا زادَ لَهُ. قالَ: فَذَكَرَ مِن أصنافِ المالِ ما ذَكَرَ حتَّى رأيْنا أنَّهُ لا حَقَّ لأحَدٍ مِنَّا في فَضْلٍ)(رواهُ الإمامُ مُسلِمٌ).

وهذا الحديثُ يعني: أنّ لِلمُسلِمِ الذي لا مالَ لَهُ حَقٌّ في مالِ مَنْ لَهُ مالٌ ,ولِلحاكِم اقتطاعُ هذا الحقِّ في حالةِ استحقاقِه ، وهذه فِكرةُ أحقِّيَّةِ فَرْضِيَّةِ التوظيفِ جانبَ الزكاةِ مِن قِبَلِ الدولةِ.

ولكن لابُدَّ للدولةِ الالتزامُ بِشُروطِ التوظيفِ قبلَ البَدءِ في تطبيقِ التوظيفِ، وشروطُ التوظيفِ هي:

-               أنْ يكونَ الحاكِمُ عادِلاً في التوظيف.

-               أن يَفرضَ بموافقةِ أهلِ الرأي والشورى.

-               أن تكونَ هناك حاجةٌ عامَّة شرعيّة للتوظيف.

-               أن تكونَ عمليةُ التوظيفِ مُؤقَّتةً وتزولُ بِزَوالِ الحاجة إليها.

-               أن تُصرَفَ الوظائفُ بالعَدلِ، وأن تُصرَفَ في وجْهِها الشرعيِّ الصحيح.

هذا بالإضافةِ إلى حُسْنِ توجيهِ تلك المواردِ للإنفاقِ العامِّ ووفْقاً للأولوياتِ الشرعية من ضَرورياتٍ دون (إسرافٍ أو تبذيرٍ أو تَرَفٍ).

ويقولُ العلّامةُ المؤرِّخُ ابنُ خُلدون رَحِمهُ اللهُ تعالى: (اعلمْ أنّ الدولةَ تكونُ في أوَّلهِا بَدَويَّةً فتكونُ لِذلكَ قليلةَ الحاجاتِ لِعَدمِ الترفِ وعوائدِه فيكونُ خَرْجُها وإنفاقُها قليلاً فيكونُ في الجِبايةِ حينئذٍ وفاءٌ بأزيدَ مِنها كثيرٌ عن حاجاتهِم، ثمَّ لا تلبثُ أن تأخُذَ بِدينِ الحضارةِ في الترفِ وعَوائدِها، وتجْري على نَهْجِ الدولِ السابقة قَبْلَها فيكثُرَ لذلك خَراجُ أهلِ الدولةِ، ويكثُرَ خراجُ السلطانِ خُصوصاً كثرةً بالِغةً بِنَفقتِه في خاصَّتِه وكثرةِ عطائِه ولا تَفِي بِذلكَ الجبايةُ فتحتاجُ الدولةُ إلى زيادةٍ في الجبايةِ لِما تحتاجُ إليه الحاميةُ مِن العطاءِ والسلطانِ من النفقةِ فيزيدَ في مقدارِ الوظائفِ والوزائعِ أوّلاً، ثمَّ يزيدَ الخراجُ والحاجاتُ والتدريجُ في عوائدِ الترفِ وفي العطاءِ للحاميةِ، ويُدركَ الدولةَ الهرمُ وتَضعفُ عِصابتُها عن جبايةِ الأموالِ من الأعمالِ والقاصيةِ فتقلَّ الجبايةُ وتكثرَ العوائدُ ويكثرَ بِكَثْرَتها أرزاقُ الجُنْدِ وعطاؤهُم فيستحدثُ صاحِبُ الدولةِ أنواعاً من الجبايةِ يَضْرِبُها على البياعاتِ، ويَفرضُ لها قَدْراً مَعلوماً على الأثمانِ في الأسواقِ وعلى أعيانِ السِّلَعِ في أموالِ المدينة وهو مَع هذا مُضطَّرٌ لِذلكَ بما دعاهُ إليه طُرُقُ الناسِ من كثرةِ العطاءِ من زيادةِ الجُيوشِ والحاميةِ، وربَّما يزيدُ ذلك في أواخرِ الدولةِ زيادةً بالِغةً فتكسُدَ الأسواقُ لِفسادِ الآمالِ، ويؤذنَ ذلك باختلالِ العمرانِ، ويعودَ على الدولةِ، ولا يزالُ ذلك يتزايدُ إلى أن تضمَحِلُّ).

ولذلكَ على الدولةِ عند تطبيقِ التوظيفِ لا بُدَّ أن تلتزِمَ بشُروطِ التوظيفِ حتّى لا يتحوَّلَ إلى المكوسِ الجائرَةِ التي ذمَّها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلّمَ؛ فعَن عُقبةَ بنِ عامرٍ أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلّمَ يقولُ: "لا يَدخُلُ الجنَّةَ صاحِبُ مُكْسٍ"(أخرجَه أبو داودَ، وابنُ خزيمةَ في صحيحه، والحاكِم في مستدركه، والدارمي في مسنده كلهم من رواية أبي إسحاق).

والمُكوسُ هي تلكَ الضرائبُ الجائِرةُ التي كانت تُؤخَذُ بِغَيرِ حقٍّ، وتُنْفَقُ في غَيرِ حقٍّ ولا تُوزَّعُ أعباؤها بالعَدلِ، ولم تَكُنْ تُنْفَقُ في مصالِح الشعوبِ؛ بل في مصالِح الملوكِ والحكَّام وشَهواتِهم.

وممَّا سبقَ بيانُه يُمكِنُ وَضْعُ مفهومٍ للضريبةِ في الفِقه الإسلاميِّ بأنّها:

مِقدارٌ مُحدَّدٌ مِن المالِ تَفرضُه الدولةُ في أموالِ الممولِّينَ لِضَرورةٍ طارئةٍ مُستنِدةٍ في ذلك إلى قواعدِ الشريعة العامَّة، دون أن يُقابِلَ ذلك نفعٌ مُعيَّنٌ لِلمُموِّلِ، تستخدِمُه الدولةُ في تغطيةِ النفقاتِ العامَّةِ للمواطِنينَ، وتمتازُ هذه الضرائبُ بأنّها مؤقَّتةٌ بالظروفِ التي فُرضَتْ مِن أجلِها، وليستْ تشرِيعاً دائِماً أصيلاً؛ بل هي استثنائيةٌ تنتهي بانتهاءِ الظُّروفِ التي استوجبَتْه. واللهُ الموفِّقُ.