العدد الحالي: أيار/ مايو 2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

سِياسَةُ الخُصوصيَّةِ

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

جاء في لسانُ العَرَب: خَصَّهُ بالشَّيءِ يخُصُّهُ خَصّاً وخُصَوصاً وخَصُوصِيّةً وخُصُوصِيّةً، والفَتحُ أَفصح، وخَصّصَهُ واخْتصَّهُ: أَفْرَدَه بِه دُونَ غَيرِه. ويُقالُ: اخْتَصَّ فُلانٌ بالأَمرِ وتخصّصَ له إِذا انفرد، وخَصّ غيرَه واخْتصَّهُ بِبِرِّهِ.

أما السِّياسةُ فهي القيامُ على الشيء بما يُصْلِحه.

لذلكَ فسِياسةُ الخُصوصيَّةِ هي القيامُ بما يخصُّ الفردَ من (بياناتٍ ومَعلوماتٍ) تخصُّهُ بما يصلحُ حالُه ويُحَسِّنُها، ولهذِه الخُصوصيَّةِ حُرمةٌ لا يحقُّ للناسِ الاعتداءِ عليها.

والخُصوصيَّةُ هي ما يتعلَّقُ بـ(فردٍ من الأفرادِ، أو جِهَةٍ من الجِهاتِ)؛ من حيث مَعلومات تخصُّه؛ سواءٌ أكانت (سِرَّاً من أسرارِه) أمْ غيرَ ذلك.

ومِثالُ ذلكَ: أن غِيبةَ أحدٍ ما، يكون بِذِكْرِه بما لا يُحِبُّ أن يُذكَرَ به، وهذهِ خاصِّيَّةٌ من خُصوصيَّاتِه، وهي (سِياستُه في تدبيرِ أُمورِه وحالِه).

يقولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أتدْرُونَ ما الغِيبَةُ؟

قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ.

قال: ذِكْرُكَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ،

قيل: أفرأيتَ إنْ كان في أخي ما أقولُ؟

قال: إنْ كان فيهِ ما تَقولُ، فقَد اغْتبْتَه، وإنْ لمْ يَكُنْ فيهِ فقَد بَهَتَّهُ (حديثٌ صحِيحٌ).

ومُصطلَحُ سِياسةِ الخُصوصيَّةِ شاع استِخدامُه على الانترنيت؛ فعِند زيارةِ موقعٍ ما، يُمكِنُ للمَوقعِ أن (يتعرَّفَ على رمزِ الزائرِ وعُنوانِه) على الانترنيت (عُنوان بروتوكول شبكة الإنترنت IP)، وموقِعه الجُغرافيِّ.

وقد يُعيدُ المَوقِعُ استخدامَ تلك البياناتِ التي تخصُّ زوَّارَه؛ فهل مِن حقِّ المَوقعِ فعلُ ذلكَ؟

إثرَ ذلكَ بدأتِ المواقِعُ تضعُ على صفحتِها الرئيسيَّة خياراً باسم (سياسةِ الخُصوصيَّة) تشرحُ فيه ما هو مِن حقِّها؛ فإنْ شاء الزائرُ تابعَ تصفُّحَهُ للمَوقعِ، وإنْ شاء لم يَفعل؛ لكِن نادِراً ما يقرأُ أحدٌ تلك السياسةَ التي تُصاغُ بِحِرَفيَّةٍ قانونيَّةٍ تجعلُها غامِضةً على غيرِ المُختصِّ؛ خاصَّةً إذا اكتفتْ بالإشارةِ لأرقامِ موادٍّ وقوانينَ يصعبُ وُصولُ الزائرِ إليها، كما يصعبُ عليه فهمُها.

ثمَّ توسَّعَ التعدِّي على البياناتِ الشخصيّةِ من خلالِ طلبِ كثيرٍ من المواقِع تسجيلَ الزائرِ لبياناتٍ تُوضَعُ كاستماراتٍ لا بُدَّ مِن ملئِها قبلَ استفادتِه من خدماتِ المَوقع، وتضمُّ تلك الاستمارات بياناتٍ مختلفةٍ قد تكونُ شخصيَّة جِدّاً، ومِن تلك الخدماتِ التي لم يَعُدِ الناسُ يستغنونَ عنها؛ (فتح حساب ايميل على هوتميل أو غووغل أو فيسبوك أو أمازون..).

وبما أنّ هذه الخَدماتِ مجَّانيَّةٌ فقَد دَرجَ الناسُ على الاستفادةِ منها؛ فيكتبُ البعضُ بياناتٍ مُستعارةً، والبعضُ يكتبُ بياناتٍ حقيقيَّة.

ثمَّ بعدما صار حجمُ تلك البياناتِ ضخماً جِدّاً لدى تلك الشركاتِ بدأ عصرُ ما يُعرَفُ بالـ Bigdataفأضافتْ هذه الشركاتُ لنَفْسِها مُحرِّكاتِ بَحْثٍ يَخُصُّها؛ فصارتْ تبيعُ بياناتِ عُملائِها للشَّركاتِ ولِغَيرهِم وتُقدِّمُها للجهاتِ الأمنيَّة، وأحياناً ما تكونُ تلك البياناتِ حاضِرةً في التفاوضِ بين الحكوماتِ والشركاتِ؛ فتكونَ عُربونَ تعامُلٍ بينَهُما، وقد تُديرُ التفاوضَ بينَهُما أيضاً،(للمزيدِ يُراجَع مقالنا الافتتاحيّ: سوق البياناتِ الضخمة ومفاهيم جديدة).

فهل سياسةُ الخُصوصيّةِ أمرٌ جديدٌ على أدبياتِ التعامُل؟

وهل من ضوابطَ أخلاقيَّة لها؟

وهل مِن قوانينَ تَحُدُّ من الشَّطَطِ في إفشاءِ مَعلوماتِها؟

لقد ذَكَرَ اللهُ تعالى في كتابهِ العزيزِ عِدَّةَ أشكالٍ من الخُصوصيَّة، سنُحاولُ عَرْضَها والاستفادةَ مِنها للإجابةِ عن التساؤلاتِ المذكُورَة.

خُصوصيَّةُ الأُمَّةِ:

إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ من أمَمِ الأرضِ خُصوصيَّتَها، مِن (رسولٍ أو نبيٍّ) يَخصُّها، يقول اللهُ تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ۖفَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (يونس: ٤٧)، وأيضاً لكُلِّ أمَّةٍ خُصوصيَّةٌ في حِسابها، يقولُ اللهُ تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖفَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖوَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (الأعراف: ٣٤).

فـ(لِكلِّ أُمَّةٍ شِرعةٌ ومِنهاجٌ)؛ فـ (يهودٌ) خَصَّهُم اللُهُ عزَّ وجلَّ بـ(التوراةِ) وفيها أحكامٌ تخصُّهُم، و(النَّصارى) لهُم (الإنجيلُ) وفيها حُكمُهُم وما يَخصُّهم، والمُسلمِينَ لهم (القُرآنُ) يَخُصُّهُم فيه أحكامَهُم؛ لِذلكَ لِكُلِّ أُمَّةٍ منهجٌ يخصُّها، يقولُ اللهُ تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) (المائدة: ٤٨).

وبما أنَّ الأديانَ أنزلَها اللهُ تعالى فقَد أنزلَ في كُلِّ دِينٍ ما يتعلَّقُ بِما قبلَه؛ فطلبَ من المُسلِمينَ الإيمانَ بِرُسلِ اللهِ الذينَ جاؤوا قبلَ نبيِّهِم ورَسُولِهم مُحمَّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى يكتمِلَ إيمانُهم، وكذلك الإيمانُ بالكتبِ السَّماويّةِ التي أنزلتْ قبلَ قُرآنِهم كتابِ اللهِ تعالى الخاتَم.

وجعلَ اللهُ خُصوصيَّةً لِكُلِّ دِينٍ؛ فقال عزَّ وجلَّ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(البقرة: ٢٥٦)، فمَنْ شاءَ آمنَ، ومَن شاءَ كفرَ، وحسابُ ذلك على اللهِ يومَ القيامَة؛ لذلكَ جعلَ اللهُ خُصوصيَّةً للمَنسكِ الذي ينسكُه الناسُ فقال عزَّ مِن قائلٍ: (لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖفَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ۚوَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ۖإِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ) (الحج: ٦٧).

ومِن عَظمَةِ اللهِ تعالى الغنيِّ عن الخَلْقِ كُلِّهِم أن جعلَ خُصوصيَّةً له عزَّ وجلَّ؛ فطلبَ مِن المُؤمِنينَ عدمَ سَبِّ ما يعبدُه غيرُ المُؤمِنينَ بهِ حتَّى لا يَعتَدُوا على خُصوصيَّةِ اللهِ تعالى الخالِق البارئِ فقالَ سُبحانهُ وتعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: ١٠٨).

خُصوصيَّةُ الحاكِم وصاحِب السُّلطَة:

لقد جعلَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (خُصوصيَّةً لِمَنْ يتولَّى سياسةَ الناسِ ورِعايةَ مصالحِهم)؛ فهي تحتاجُ (القوَّةَ والأمانةَ) معاً؛ فلمّا سأل أبو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن يُولِّيهِ على الناسِ، فقالَ: قلتُ: يا رَسُولَ اللهِ ! ألا تسْتعْمِلُني؟

قال: فضَربَ بِيَدِهِ على مَنكِبي، ثمَّ قال: (يا أبا ذَرٍّ! إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنَّها أمانةٌ، وإنَّها يومَ القيامةِ خِزْيٌ ونَدامةٌ؛ إلّا مَن أخذَها بِحقِّها وأدَّى الذي عليهِ فِيها).

خُصوصيَّةُ المَعلُوماتِ:

قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (المُسْتَشارُ مُؤتَمَنٌ) (حديثٌ حسنٌ)، وفيه أنّ المُستشارَ(الماليَّ أو الاقتصاديَّ أو القانونيَّ) وما شابَهَهُم مُؤتَمَنُونَ على سِرِّيَّةِ مَعلوماتِ مَن يستشِيرُهُم، وليسَ لهُم أن يُفْشُوا تلكَ الخُصوصيَّةَ.

خُصوصيّةُ البُيوتِ:

إنَّ لكلِّ سَببٍ بابٌ؛ لذا جَعَلَ اللهُ تباركَ وتعالى للبُيوتِ أبواباً يدخلُ الناسُ مِنها، فـ(البابُ بوَّابةُ البيتِ وهو يُمثِّلُ حُرْمَتهُ)، وبـ(إغلاقِه تُحْجَبُ أسرارُه ومَعلوماتُ أهلِه)؛ فمَن أتى بُيوتَ النَّاسِ عليهِ أنْ يأتيها مِن أبوابِها؛ فإنْ أُذِنَ لهُ دَخَلَ، وإنْ مُنِعَ امتنَعَ عن الدُّخولِ، يقولُ اللهُ تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ۗوَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚوَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (البقرة: ١٨٩).

فإذا دخلَ المرءُ بيتاً غيرَ بيتهِ فهُو فيهِ ضيفٌ مأذُونٌ له يقولُ اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ۚذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٢٧﴾ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖوَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖهُوَ أَزْكَى لَكُمْ ۚوَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٢٨﴾ النُّور.

ومطلوبٌ مِنهُ أن يُلقِي التَّحِيةَ والسَّلامَ على أهلِ البيتِ كما ذَكَرَتِ الآيةُ الكريمةُ السابقةُ فيقولُ: السَّلامُ عليكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَركاتِه؛ فإنْ كانَ هو صاحِبَ البيتِ ودَخَلَ بيتَهُ فعَليهِ أن يُلقِي السَّلامَ على نفْسِه؛ لأنّ السلامَ تحيَّةٌ طيِّبةٌ مِن اللهِ تعالى فيقولُ: "السلامُ علَينا ورَحمَةُ اللهِ وبَركاتهُ".

ومطلوبٌ مِن الزائرِ أن يَغضَّ بَصَرَهُ عن مَحارِم البيتِ، كما يَجِبُ على أصحابِ البيتِ أن يَحفَظُوا أنفُسَهُم، ولا يُبْدِينَ ما يلفِتُ نَظَرَ الزَّائِر؛ فيؤذِيَ أهلَ البيتِ، يقولُ اللهُ تعالى:

قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ۗإِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿٣٠﴾ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖوَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ۖوَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖوَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚوَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٣١﴾ النُّور.

فإنْ كان (ذُو قُرْبَى لأهلِ البيتِ، أو صديقٌ لهُم) فلا حَرَجَ أن يأكُلَ ويَشْرَبَ مِن ذلكَ البيتِ الذي دَخَلَهُ، يقولُ اللهُ تعالى: (لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚفَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚكَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(النُّور: ٦١).

ذلك لمَنْ دَخَلَ البيتَ وهو ليسَ مِن أهلِه، أمَّا أهلُ البيتِ فلَهُم ما يَخُصُّهُم.

خُصوصيَّةُ الرَّاحةِ وأوقاتُها في البيتِ:

يُقْسَمُ أهلُ البيتِ إلى بالِغينَ وغَيرِ بالِغينَ، وتكونُ خُصوصيَّةُ البالِغينَ مِنهُم أنَّ لهُم ثلاثةَ أوقاتٍ لا يدخلُ عليهِم أحدٌ إلّا بإذنٍ مِنهُم، وبإغلاقِ البابِ عليهِم تُحْجَبُ أسرارُهُم ومَعلوماتُهم؛ حتّى عن أهليهِم، والأوقاتُ هِي:

قبلَ صلاةِ الفجْرِ من الليلِ،وعِندَ قيلولةِ الظُّهْروبعدَ العشاءِ؛ فهذِه (فتراتُ راحةٍ) تَخُصُّهُم. أمّا في غيرِ تلك الأوقاتِ فلا بأسَ أن يكونَ للجميعِ حُرِّيَّةُ الحَركةِ في البيتِ، ويَسْري على الأطفالِ حُكْمُ الكِبارِ بَعدَ بُلوغِهم سِنَّ الحُلُم. يقولُ اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚمِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚلَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚطَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ۚكَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗوَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٥٨﴾ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚكَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗوَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٥٩﴾ النُّور.

خُصوصيَّةُ الفَردِ

سُمِّيَتْ سُورةُ الحُجُراتِ بهذا الاسمِ نِسبةً إلى حُجُراتِ زَوجاتِ النَّبيِّ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؛ حيثُ كان لكلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ حُجْرَةٌ في المَسْجِد النبويِّ.

 تتحدث السورة عن عدة مواضيع تتعلق بالآدابِ والأخلاقِ.

ضَمَّتِ السُّورةُ آياتٍ كريمةً تُعلِّمُ الناسَ (الخُلُقَ القويمَ، وأساسَ التعامُلِ) بينَهُم دونَ تَعَدٍّ على حُقوقِ أحدٍ مِنهُم بالقولِ- كما هيَ الحالُ بمَنعِ التعدِّي بالفِعلِ-.

دعتِ الآيةُ السادِسةُ مِن السُّورةِ إلى (الحدِّ من الإشاعةِ، وضَرورةِ التأكُّدِ مِن المَعلوماتِ) التي تَخُصُّ غير خشيةَ أن يُسبِّبَ ذلك أذىً لهُم فليسَ صَحِيحاً نَسْبُ مَعلُوماتٍ لمَنْ لَيْسَتْ فيهِ خاصَّةً -إنْ كانتْ مُسيئةً لهُ- يقولُ اللهُ تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" ﴿٦﴾ الحُجُرات.

ثم منعت الآية الحادية عشر منها أن يسخر أحد من غيره أو أن يتهكم به ووصفت فاعل ذلك بالظالم، فهذا اختراق لخصوصية الناس وتعدٍ سافرٍ عليها، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖوَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖبِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚوَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿١١﴾ الحجرات.

لذلكَ فعَلى النَّاسِ عُموماً والمُؤمِنينَ باللهِ عزَّ وجلَّ ؛خُصوصاً احترامَ خُصوصيَّةِ الآخَرِ بِعَدمِ أذِيَّتِه بكلامٍ لا يُحِبُّ أن يُقالَ عنهُ، أو أن يُذْكَرُ عنهُ، والكلامُ الذي فيه سُخْريةٌ مِن الآخَر مَنهيٌّ عنهُ، ويشملُ هذا (الرِّجالَ والنِّساءَ)، وليس لأحَدٍ أن (يَغْمِزَ ويَلمز) الناسَ، ولا أن يُطلِقَ عليهِم (ألقاباً وأوصافاً) لا يُحبُّ أن تُقالَ عنه؛ سَواءٌ كان ذلكَ (كذِباً وافْتراءً) عليه أو كانت (حقيقةً) فيه؛ فإنْ حَصلَ ذلك فإنَّه (يُهَدِّدُ صِفةَ الايمانِ في القائِل)؛ لأنه يتعدَّى على (خُصوصيَّةِ الآخَر وحُقوقِه)، وهو ظالِمٌ لِنَفْسِه وظالِم غَيرَه.

وطلبتِ الآيةُ الثانية عشر مِن السُّورةِ مِن كُلِّ إنسانٍ (الابتعادَ عن الظَّنِّ بالناسِ، والتجسُّسَ عليهم وغيبتِهم)؛ لأنّ ذلك إنَّما يُمثِّلُ تَعَدٍ على خُصوصياتِهم، يقولُ اللهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖوَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚأَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚوَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚإِنَّ اللَّـهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) ﴿١٢﴾ الحُجُرات.

فمِن خُصوصيَّةِ الآخَرِ ألّا يُظَنَّ بهِ؛ فـ(الظَّنُّ يُورِثُ الرِّيبةِ، ويُورِثُ البَغضاءَ والعداوةَ) بين الناسِ.

والتجسُّسُ على الآخَر منهيٌ عنهُ؛ لانتِهاكِه لِخُصوصيَّتِه، والتعرُّفِ على ما عِندَه دونَ وَجْهِ حَقٍّ، وكذلك أن يَذكُرَ الإنسانُ غَيرَه في غَيرِ وُجودِه فهذا اغتيابٌ لهُ؛ بلْ هُو كمَنْ يأكُلُ لَحْمَ ذلك الشخصِ وهُو مَيتٌ، وهذا تشبيهٌ غليظٌ للتنفيرِ مِن هذه الأفعالِ المُهدَّدةِ لِكياناتِ الناسِ وخُصوصيّاتِهم.

وتُرسي الآيةُ الثالثة عشر مِن السُّورةِ مِعياراً عريضاً بين الناسِ، يقولُ اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚإِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ الحُجُرات.

لقد خلقَ اللهُ تعالى الناسَ (ذُكْراناً وإناثاً وجَعَلَهُمْ شُعوباً وقبائِلَ لَهُمْ خُصوصيَّاتُهِم مِن اللباسِ والعاداتِ، ولهُم ألسُنٌ ولهَجاتٌ تخُصّهم ولو شاءَ اللهُ لجَعَلُهُم مِثلَ بَعضِهِم؛ لكنَّه تعالى جَعلَهُم (شُعوباً وقبائلَ) أيّ: جماعاتٍ تتجمَّعُ على شكلِ قبائلَ، والقبائل تتجمّعُ على شكلِ شُعوبٍ، والقصدُ أن يتعارَفَ كُلُّ أولئكَ فيما بينَهُم ليعيشُوا بـ(أمانٍ ومَحبَّةٍ وتعاونٍ)، أمّا التفاضُلُ فلا يكونُ بينَهُم إلّا بِمَن أكرمَهُ اللهُ تعالى لا بما يتفاضلُ به الناسُ مِن أشياءَ زائفةٍ كـ(المالِ، والجَمالِ، والحَسبِ، والنَّسبِ)، فالإيمانُ والطاعةُ ومِعيارُ ذلك التقوى، واللهُ هو الخبيرُ بِعبادِه.

ويُستفادُ مِن هذه الآياتِ الكريمةِ إرساؤها للثوابتِ والأصولِ بين المسلِمينَ؛ فلا ينقضُها عاداتٌ قد تَشيعُ بين الناسِ فتُخالِفَ تلك المعاييرَ والثوابتَ.

أمّا عن خُصوصيَّةِ الإنترنتفتتعلَّقُ برغبةِ الفردِ للتحكُّمِ بمَعلوماتِه الخاصَّةِ به؛ فتَراهُ يَنْشرُ ما يُريدُ نَشْرَه ويَحْجُبُ ما يُريدُ حَجْبَه، ويتحكَّمُ بِمَن يُمكِنُه الوصولُ إلى هذه المَعلوماتِ سواءٌ أكانوا (أشخاصاً، أم حواسيبَ، أم جهاتٍ حُكوميَّة). ويَرَى التَّقِّنيون وخُبراءُ الإنترنتْ أنَّ خُصوصيَّةَ الإنترنتِ أمرٌ غيرُ مَوجُودٍ في الواقعِ، أمّا رجالُ القانونِ فيُؤمِنونَ بِوجُودِها؛ لذلك ينبغي على مُستخدمِ الإنترنت أن يكونَ حَذراً في البياناتِ التي يُصرِّحُ بها؛ فقَد يَتَسبَّبُ ذلك لهُ بِحَرَجٍ ومَشاكلَ كـ(التعرُّضِ للسرقةِ والتحرُّشِ)، كما أنَّه قد يَخْرِقُ خُصوصيَّاتِ اللآخرينَ، وهُو لا يدري فيُعَرِّضُ نَفْسَه لِـ (مُساءلاتٍ قانونيَّة).

وهناكَ وسائلُ تَخْرِقُ الخُصوصيَّةَ دونَ أن يَشعُرَ بها؛ وهي تُمثِّلُ مخاطِرَ مُحتملَة؛ كـ(البرمجيَّاتِ الخبيثةِ) والتي تُسبِّبُ ضَرَراً على (أجهزةِ الكمبيوترِ، والخوادمِ، والشبكات، وبرامج التجسُّسِ) التي يحصلُ فيها المُتجسِّسُ - العَين مع الغَينِ- على معلوماتِ غَيرِه دونَ مُوافقتِه، وبرامج تصيدُ بعضَ المعلوماتِ الحسَّاسةِ مِثل (أسماء المُستخدِمينَ، وكلماتِ المرورِ، وبطاقةِ الائتمانِ، أو المعلوماتِ المصرفيّة).

إفشاءُ المَعلُوماتِ

يُعتبَرُ اختراقُ الخُصوصيَّةِ اعتداءاً على حُرِّيَّةِ الآخَر، ويزيدُ من ذلكَ الاعتداءِ إفشاءُ تلك المعلوماتِ، ونَشْرِها بِغَرَضِ التشهيرِ والإذاعةِ بذلك. يقولُ اللهُ تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ (النساء: ٨٣)، ومِن ذلك "نَشْرُ الإشاعاتِ التي تُؤذي الناسِ.

لذلك تحرصُ بعضُ المواقِع على (خُصوصيَّةِ وسِرِّيَّةِ البياناتِ الشخصيّةِ التي تجمعُها، وتتعهَّدُ بعدمِ إفشائِها؛ إلّا إذا كان ذلكَ مَطلوباً بـ(مَوجبِ قانونٍ، أو حُسْنِ نيَّةٍ، أو حمايةِ حُقوقِ المِلكيَّة الخاصة للموقع أو لِجهاتٍ مُستفِيدةٍ مِنهُ)؛ وهذا ما يُسمَّى بـ(الإفشاءِ لِطَرفٍ ثالثٍ).

وتُعتبَرُ إشاعةُ أخبارِ الناسِ وفضحُها أمراً مرفُوضاُ في الشريعةِ الإسلاميةِ الغرَّاء، وجزاءُ مَن يفعلُ ذلكَ عذابٌ أليمٌ في الدُّنيا والآخرةِ، وهذا وَعدٌ مِن إلهٍ قادرٍ مُقتدرٍ عزيزٍ جبَّارٍ لا يُخْلَفُ وَعدُه، وقد ذمَّ اللهُ عزَّ وجلَّ أولئك بقولِه سُبحانهُ وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚوَاللَّـهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (النور: ١٩).

يقولُ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ متوعِّداً مُتتبِّعَ عَوراتِ الناسِ: لا تتَّبِعُوا عَوراتِ المُسلِمينَ؛ فإنَّ مَن تتَّبَعَ عَوراتِهِمْ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَه، ومَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ فَضَحَهُ في بَيتِه (حديثٌ حَسنٌ)؛

لذلك فإنّ الخُصوصيَّةَ وسياستَها أمرٌ ليسَ مُستَحْدثاً؛ بل شأنٌ عَرَفَهُ المُسلِمونَ بِـ(دَرجاتٍ مُتعدِّدةٍ)، وأوجدَ لها الإسلامُ الحنيفُ سُورةً تخُصُّها وآياتٍ كريمةً تُحدِّدُ أُسُسَ التعامُلِ الأخلاقيِّ. بينَما أوجدَتْ بعضُ الدُّولِ نُصوصاً قانونيَّةِ للحِفاظِ على (حُقوقِ الفردِ) في الانترنيت؛ لِلحدِّ مِن التعدِّي على حُقوقِ الآخَرينَ، وتطبيقُ ذلك مَنوطٌ بِمَدى تطوُّرِ القانونِ والقضاءِ في تلك الدُّولِ.

حماة (حَماها الله) مِنذي الحجَّة ١٤١٧ هـ الموافق ٢٥ -٩-٢٠١٦م