العدد الحالي: نيسان/ أبريل 83-2019       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

التأثيرات الإيجابية للرقابة الذاتية في ميدان العمل حسب التصور الإسلامي

د. عبد المنعم نعيمي

أستاذ محاضر

مُقدِّمةٌ:

تُعتبَرُ الرقابةُ الذاتية على العملِ في التصوُّرِ الإسلامي أهمَّ صُوَرِ الرقابة الشرعية التي (ثبتتْ قيمتُها وأهمِّيَّتُها بِالنَّصِّ الشّرعيّ والواقع الميدانيّ) في مَيدانِ العمل بأنواعِه فَضْلاً عن غَيرِ ذلكَ مِن الميادينِ؛ من حيث أنّها (آليّةٌ فعّالة لترقيةِ أداء العمل، وضمانِ تحسينه وسَيرِه على الوجْهِ الأكمل والأحسن)، وأيضاً من حيث الدورُ الذي تقومُ بهِ في هذا الإطارِ في (ترقيةِ العنصر البشريّ المُضطلعِ بتأدية العمل محلّ المتابعة والمراقبة)؛ أعني (دورَها في تنمية المواردِ البشرية أو الطاقَم البشري المُكلف بإنجاز ما أُسند إليه من أعمال)؛ هذا الدَّورُ الذي يُعتبَرُ مِن أهمِّ ما تضطلِعُ الرقابةُ الذاتية بتحقيقه من الأدوارِ المسنَدة إليها.

والإسلامُ الحنيفُ في تعاليمِه الرَّبَّانيَّةِ العامَّةِ يدعو إلى دَوامِ تَذكُّرِ وتَدبُّرِ الإنسانِ-فرداً كان أو جماعةً- (أقوالِه وأفعاله وأحواله)؛ حتّى (يتجنّبَ عثراتِ نفْسِه اللّقِسَةِ، ويتلافى زلّاتِها، ويُصلِحَ عُيوبَها واعتسافَها)؛ ليس في إطارِ ما يُسنَدُ إليهِ من (أعمالٍ ومَهامٍّ ووظائفَ مختلفةٍ) فحسب؛ بل في خاصَّةِ نفْسِه في (سِرِّه وعَلنِه وخَلوتِه وجَلوتِه) أيضاً، في علاقاتِه الاجتماعية مع (رَحِمِهِ وجِيرانِه) وسائرِ إخوانه؛ وهذا باستِشعاره الدائِم والمستمرِّ أنّ له (ربّاً رَقيباً حَسيباً) لا يخفَى عليهِ شيءٌ مِن ذلك أبداً؛ فتنصلِحَ أحوالُه وتستقيمَ، وهذا بغضِّ النظرِ عن النِّطاقِ الذي تقع فيه (الأقوالُ والأفعال) الإنسانية- سواءٌ كان نِطاقاً (دوليّاً أو داخليّاً)، ودون اعتبارٍ لطبيعةِ العمل الذي ترتبطُ به -سواءٌ كان عَملاً (إداريّاً أو اقتصاديّاً أو تجاريّاً أو تعليميّاً أو سياسيّاً أو اجتماعيّاً..).

إنَّنا نَجِدُ- في هذا السِّياقِ- أنّ الشريعةَ الإسلامية تُشجِّعُ الفردَ العامل المرتبط بعملٍ مُعيَّن -في إطارٍ فرديّ (شخصٍ طبيعيّ) أو في إطارٍ جَماعي (شخصٍ معنويّ)- على تعزيزِ جانبِ الذاتية في الرقابةِ على (تصرُّفاتِه وأعمالِه وما يصدُر عنه من أقوالٍ ويجري عليه من أحوالٍ)؛ بل حتّى على الصعيدِ الدوليّ نجدُ أنَّ التصرُّفاتِ التي (تَتّخِذُها أو تُمضيها) الأشخاصُ الدولية -وأعني بها المجتمعَ الدوليَّ (الدولَ والمنظَّماتِ الدولية) بخُصوصِ أيِّ شأنٍ دوليٍّ تخضعُ أيضاً لهذا النوعِ من الرقابةِ الشرعية من منطلَقِ فلسفةِ تعاليم الإسلامِ المتناهية في (الدِّقَّةِ والانضباط) والتي تربطُ هذه التصرُّفاتِ وغيرَها باللهِ تعالى الذي وَسِعَ كُلَّ شيءٍ رَحمةً وعِلماً- بما فيها تلكَ التي تجري على (العقلِ أو القلبِ) مجرى الخواطِر الخفِيّة التي لا تكون مَحلّاً للثواب أو العقاب؛ فإنها (لا تعزُبُ أو تنفلِتُ) عن رَقابَتِه جَلَّ وعَلا.

يتَّضِحُ يقيناً (أنّ رقابةَ اللهِ عزَّ و جلَّ هي أصلٌ لأيّةٍ رقابةٍ أُخرى)، وأنّ هذه الرقابةَ (مُحيطةٌ بالتصرُّفاتِ الإنسانية التي تَصدُرُ عن الإنسانِ) أساسِ المواردِ البشرية وركيزَتِها، وأنّ إخضاعَ التصرُّفِ أو السُّلوك الإنسانيّ للرقابةِ الذاتية يفتقِرُ إلى رقابةِ الله تعالى، كُلُّ ذلكَ يُظهِرُ قيمةَ الرقابةِ الذاتية وموقِعَها من الرقابةِ الإلهيّة.

مِن ثَمَّ يُمكِنُني القولُ: أنّ الرقابةَ الذاتية هي أشبَهُ ما تكونُ بالمتابَعةِ الذاتية (الضميريّة)؛ التي يستحضِرُ فيها (الإنسانُ الفرد أو الإنسانُ في الجماعة) الرقابةَ الإلهية المحيطةَ بِكُلِّ شيءٍ، والتي تُتِيحُ له الالتزامَ بالأخلاقيَّاتِ (القِيَمِ الأخلاقيّة) التي قرّرتْها الشريعةُ الإسلاميةُ الغرَّاءُ في إطارِ ما يبدرُ مِنه مِن (أقوالٍ وأفعالٍ، أو يَصدُرُ عنه من (تصرُّفاتٍ وأفعالٍ أو يجري عليه من أحوالٍ).

ومُنتهى الكلامِ ممّا تقدَّمَ: أنّ الرقابةَ الذاتية من منظورِ التصوُّرِ الإسلاميّ معناها: أن يُراقِبَ الإنسانُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، يستوي في ذلك أن يكونَ مُختلياً عن (أنظارٍ تَرَاهُ، أو آذانٍ تَسْمَعُهُ، أو أجْهِزَةٍ تُراقِبُهُ)، ومن بابِ أولى أن يكونَ مُختلطاً بغَيرِه (يَرَونَه ويَسمَعُونَه ويُشاهِدُونَه ويُراقِبُونَه)، وأن يستحضِرَ رقابةَ مَن يعلَمُ السِّرَّ والنَّجْوى وما هو أخْفَى حالَ (الخَلْوةِ والجَلْوةِ)، وأنَّ (اللهَ سُبحانَه وتعالى لا يَعزبُ عن عِلْمِه واطّلاعِه مِثقالُ ذَرَّةٍ) في السَّمواتِ والأرضينِ؛ فيَحْرِصَ على أنْ لا يبدُرَ مِنه (قَولٌ أو فِعلٌ أو تَصرّفٌ) إلّا إذا كان (مَشرُوعاً) يُطابِقُ (مبدأَ الشرعيةِ الإسلامية)؛ أيّ: أصولَ ومَصادِرَ أحكامِ الشريعة الإسلامية على اختلافِ أنواعها (القُرآنِ الكريم، السُّنَّةِ النبوية، الإجماعِ والاجتهادِ بأشكالِه الصحيحةِ المنضبطةِ)، لا تُخالِطُه (شُبْهَةٌ أو شَهْوةٌ). والإنسانُ هُنا على إحدى احتِمالَينِ؛ إمّا أن يَحْرِصَ تمامَ الحِرصِ على (اجتِنابِ الخطأِ والزّلَلِ قبلَ وُقوعِه)، وإمّا أن يَحْرِصَ على (إصلاحِ أخطائِه وتقويمِ الاعتِساف-الانحراف- بعدَ وُقوعِه).

والسُّؤالُ الرئيسُ الذي يُحاوِلُ الباحثُ الإجابةَ عليه من خلالِ هذا المقالِ يتمحورُ حولَ التأثيراتِ الإيجابيّة للرقابةِ الذاتية في مَيدانِ العملِ من وجْهةِ نَظَرٍ إسلامية ؟

 وفي سياقٍ مُتَّصِلٍ: ما دَورُ الرقابةِ الذاتية في تنميةِ الإنسان (العنصر البشريّ) والارتقاءِ به باعتبارِه أساساً للمواردِ البشرية ؟

للإجابةِ على التساؤلِ المعروضِ قَسَمَ الباحثُ المقالَ إلى سِتَّةِ محاورَ (مطالِبَ) هيَ كالآتي:

المطلبُ الأوّلُ: التحفيزُ على حُبِّ العملِ واستِشعارِ قيمتِه لدى الإنسانِ المسلِم.

المطلبُ الثاني: إتقانُ العملِ وتحسينُ أدائِه.

المطلبُ الثالث: استِشعارُ المسؤوليةِ إزاءَ العملِ.

المطلبُ الرابعُ: تعزيزُ مفهومِ الضميرِ المهنيِّ.

المطلبُ الخامِسُ: أخلاقياتُ العَملِ الإسلاميّ.

المطلبُ السادِسُ: ترسيخُ مفهومِ الرِّساليَّة في العملِ.

المطلبُ الأوَّل: التحفيزُ على حُبِّ العَملِ واستِشعارِ قيمتِه لدى الإنسانِ المُسلِم:

الإسلامُ الحنيفُ (دِينٌ لا يُؤمِنُ بالتكاسُلِ والتواكُلِ والرُّكونِ إلى البَطالةِ والدَّعَةِ) غيرِ المفيدةِ؛ بلْ هُوَ دِينٌ يُشجِّعُ على (الحَيويّةِ والدِّيناميّةِ والحَركيَّة) الإيجابيةِ التي تُسهِمُ في ترسيخِ ثقافةِ (العملِ والكسبِ والعطاءِ) وذلك بـ(الاجتهادِ، وبَذْلِ الجهدِ، والتشميرِ عن ساعدِ الجِدِّ)، وفي هذا الإطارِ نَجِدُ أنّ فلسفةَ الإسلامِ في العملِ تُستثمَرُ في العنصرِ البشريِّ؛ فتحرصَ على (إيقاظِ حِسِّ العملِ) في نفْسه، وتحبيبِه إليه، وتشجيعِه على (العطاءِ والبذل).

لقد عدَّ الإسلامُ العظيمُ العملَ واجِباً كما جاءَ في قَولِه تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: الآية 115)، وقولِه سُبحانهُ وتعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (المُلك: الآية 15)، وقولِه جلَّ جَلالُهُ: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ (الجمعة، الآية 9)،وقولِه عزَّ و جلَّ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله﴾ (الجُمعة: الآية 10).

وَجْهُ الاستِدلالِ مِن هذه الآياتِ البيِّناتِ الكريماتِ: أنّ الأمرَ الوارِدَ فيها بـ(العَملِ، والمشي في مناكِب الأرض، والسعي) والانتشارِ فيها طلباً لِلرِّزقِ؛ جاء مُطلقاً ومُجرَّداً عن أيّةٍ قَرينَةٍ صارِفةٍ؛ فهُو على ظاهِره يُفيدُ الوُجوبَ كما هو مُقرَّرٌ عندَ عُلماءِ أُصولِ الفِقه الإسلاميِّ.

وقال النبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ؛ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (صحيح البُخاريِّ، كتاب البيوع: بابُ كَسْبِ الرَّجُلِ وعَمَلِه بِيَدِه، رقْم الحديث 2072)، وقال عليهِ الصلاةُ والسلامُ أيضاً:«لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنِ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ رَجُلًا، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» (صحيحُ مُسلِمٌ، كتابُ الزكاةِ: بابُ كَراهةِ المسألة للناسِ، رقْم الحديث 1042).

وَجْهُ الاستِدلالِ من هذينِ الحديثَينِ وشَبَهِهِما: أنّ فيهما تحفيزاً واضحاً على (تَحرِّي العملِ، وتَرْكِ البَطالةِ) وما يتصّلُ بها مِن تواكُلٍ. وعلى العُمومِ فإنَّ الآياتِ الكريمةَ والأحاديثَ النبويّةَ الشريفةَ في هذا البابِ كثيرةٌ ومُستفِيضةٌ يطولُ بِالباحثِ المقامُ لِسَردِها وعَرضِها جميعاً فحَسْبُهُ ما ذَكَرَ.

وضِمْنَ هذا السِّياقِ وتحفيزاً للإنسانِ على العَمل وتشجيعِه على تَرْكِ البَطالَةِ؛ فقَد جعلَ الإسلامُ من العملِ المشروعِ بأنواعِه كافّةً مَرتعاً خِصباً لِلتنافُسِ البَنّاءِ المثْمرِ؛ من خلالِ رَبْطِه بالثوابِ والجزاءِ الأُخرويِّ الحَسَنِ، وهي (فَلسَفةٌ تشريعيةٌ غايةٌ في الأهميَّةِ والتميّزِ والحِكْمَةِ)؛ قالَ اللهُ تعالى:﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: الآية 26)، وقال عزَّ و جلَّ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحجّ: الآية 77)، وقالَ سُبحانَه وتعالى أيضاً: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: الآية 48)، وقال تباركَ وتعالى كذلك: ﴿فمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: الآية 97).

إنَّ الإنسانَ العاقِلَ مَعنيٌّ لِزاماً بتحصيلِ هذا (الثَّوابِ الأُخرويِّ السَّرمديِّ) الذي أعدّهُ اللهُ تعالى لأناسِيّهِ العامِلينَ؛ بمُراقبةِ نَفْسِه -في حياتِه عُموماً- فيَسْعَى لِشُغْلِها بما ينفعُها من (أعمالٍ ومِهَنٍ ونَشاطاتٍ) يبتغي منها ثوابَ رَبِّهِ الحيِّ القيُّومِ، ويَحرِصَ من خلالِ (مُتابَعةِ ومُراقَبةِ) وَضْعِه ووُجُودِه في هذه الحياةِ على (الالتحاقِ بِركْبِ المؤمِنينَ العالِمينَ العامِلينَ الرَّبَّانِيِّينَ المتنافِسينَ) في الأعمالِ المشروعةِ، و(مُنابَذةِ الفاشِلينَ الرّاكِنينَ للبَطالة والرّاغبين في الدَّعَةِ والراحةِ) الَّذينَ أخلَدُوا إلى الأرضِ.

إنّ الإنسانِ العامِلَ- وفي مَيدانِ العملِ تحديداً-يَحرِصُ على الالتزامِ بأخلاقيَّاتِ العملِ التي لا يُمكِنُه مُراعاتُها مالمْ يكُنْ له (وازعٌ داخليٌّ، وضميرٌ ذاتيٌّ، ورادعٌ أخلاقيٌّ) مُنطلَقُه مُراقَبةُ نفْسِه في بيئةِ العَملِ، واستدامةِ استِحضارِ مُراقَبةِ ربِّه عزَّ و جلَّ، ومالم يَكُنْ له (حُبٌّ لِعَملِه، وتعلُّقٌ بهِ، ورَغبَةٌ في القيامِ به وتأديتِه بِكُلِّ أريحيَّةٍ) على الوجْهِ الأكملِ والسَّبيلِ الأقومِ.

المطلبُ الثاني: إتقانُ العَملِ وتحسينُ أدائِه:

الإتقانُ والإحسانُ في العملِ بمعنىً واحدٍ مَعناهُ: "أن يُؤدَّى العملُ دُونَ خَلَلٍ أو نَقْصٍ، والالتزامُ فيه بالمواصفاتِ والمقاييسِ والضّوابطِ والتِّقنياتِ المعمولِ بها في مثلِه، وأداؤه في وقتِه المحدَّدِ دونَ تأخيرٍ، وهوَ ما يُعبَّرُ عنه في الإسلامِ الحنيفِ بالإحسانِ" ([1]).

وقَد نَصَّتْ عليه أدلّةٌ كثيرةٌ منها: قولُه تعالى: ﴿وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: الآية 195)، وقولُه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ...- وفيه قولُه في موضِعَينِ -فَأحْسِنُوا...» (صَحيحُ مُسلمٍ، كتابُ الصَّيدِ والذبائحِ، بابُ الأمرِ بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة، رقْم الحديث 1955).

"والإحسانُ هُنا بمعنى: الإحكامِ والإكمالِ والتحسينِ في الأمورِ المشروعة" ([2]). ومعنى: كتبَ في الحديثِ: "أي أمرَ بهِ وحَضَّ عليه" ([3])، فلا مَناصَ إذنْ مِن فِعلِه؛ لأنّ الأمرَ به جاءَ مُطلقاً مِن غَيرِ قرينة تَصرفُه عن الوُجوبِ كما في الآيةِ معاً، ويُؤيّدُ ذلك أنّ الإحسانَ أعلى مراتبِ الطاعةِ كما ذَكَرَ "ابنُ كثيرٍ" في تفسيره ([4]). ومِن ثَمَّ يتعيّنُ على المسلمِ تحصيلُه وعدمُ التفريطِ فيه؛ وقد حُكِي عن النبيِّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «إنَّ الله عَزّ وَ جَلَّ يُحِبُّ إذا عَمِلَ أحدُكُمْ عَمَلاً أنْ يُتْقِنَهُ» (مُعجم الطبرانيِّ الأوسط، رقْم الحديث 897، مُسندُ أبي يعلى الموصلي، مُسنَدُ عائشةَ، رقْم 4386، شُعَبُ الإيمان للبيهقيّ، الباب الخامسُ والثلاثونَ في الأماناتِ ووُجوبِ أدائها إلى أهلِها، رقْم الحديث 5312 – 5315، وسَند الحديث: حَسنٌ لِغَيره).

وقولُ النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «إنَّ الله يُحِبُّ»؛ فيه تحبيبٌ للإتقانِ والإحسانِ بمعناهُ المتقدِّم، وتحفيزٌ على إجادةِ الأداءِ في العَمل؛ وفَلسفةُ الإسلامِ في (التحبيبِ والتحفيز على الإتقان) ربطَها دائماً بعنصرِ الثوابِ (الجزاءِ الإيجابيِّ) في حقِّ مَن يسعى للعملِ ويتحرَّى أداءَه وفقَ مُتطلّباتِه؛ ولا ينالُ هذا الثوابَ إلّا مَن راقبَ نفْسَه أثناءَ العملِ واستحضَر رقابةَ ربِّه عزَّ و جلَّ.

إنَّ الإنسانَ أثناءَ أداءِ العملِ مُلزمٌ شرعاً برعايةِ نَفْسِه ورقابتِها؛ فلا يأتي العملُ المنوطُ به حتّى يُتقنَه ويُتمَّهُ على الوجْهِ المأمولِ مِنه؛ طِبقاَ لِـ(لتعليماتِ الرّبانيّةِ والتوجيهاتِ النبويَّة) التي تدعوانِ إلى إتقانِ العمل، وعَملاً بمضامينِ العَهدِ (العَقدِ) الذي بينَه وبينَ رئيسِه ومُديرِه-إن كان العاملُ مَرؤوساً-؛ الذي يُلزمُه بأداء العملِ وفقَ (الشروطِ والقيودِ والأوضاعِ والمُقتضياتِ والإجراءاتِ) المتَّفَقِ عليها، كذا -إنْ كان رئيساً ومُديراً ومَسؤولاً- فهُو معنيّ مِن باب أولى بـ(إتقانِ عَملِه وتجويدِه وتحسينِه) ليكونَ نِعْمَ القُدوةَ لِمَرْؤوسيهِ.

ويَستوعِبُ الإتقانُ أيضاً: *(الالتحاقَ) بالعملِ في الوقتِ المحدَّد، *و(إتمامَ) حَجمِه الساعيِّ -دَوامِ العَمل- كامِلاً، *و(عَدمَ الخروجِ) من مكانِ العملِ إلّا لحاجةٍ لا بُدَّ لهُ مِنها، أو في أوقاتِ الاستراحةِ بين فَتَرَاتِ العمل، أو في آخرِ دوامِ العمل، كذلك يشملُ التفانيَ في الإنتاجِ- سواءٌ كان الإنتاجُ (فِكريَّاً -معنويَّاً- أو مادِّيّاً)، كذا يشملُ (التنبيهَ للنقائصِ والتجاوزاتِ والاختلالاتِ) التي قد تقعُ أثناءَ العملِ وتُؤثِّرُ على مَردوديته وجَودته، و(الحرصَ على الإبداعِ) ما أمكنَه ذلك.

ويبقى: "الإخلاص هو الباعث الّذي يُحفِّز العامل على إتقان أعماله، ويدفعه إلى الإجادَة فيه، ويُعِينه على تحمُّل المتاعب فيه، وبذْل الكثيرٍ من جهده في إنجازه. كما أنّ توافرَ هذا الخُلقِ الكريم في العامل من العوامل الرئيسة الّتي تَحُول دون وقوع الخَلَل والانحِراف عن الطريقِ الصّحيح في أداءِ العمل، فهو بمثابةِ صِمامِ الأمانِ ضِدَّ الفَسادِ بكلِّ صُورَه وأشكالِه.

ومِن معاني الإخلاصِ وصُورهِ المتعدِّدة (وُجودُ الرّقابةِ الذاتيَّة في العامِل)، ومَبْعَثُ هذه الرّقابةِ إحساسُ العامِل واستِشعارُه بأنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى يَرَى سُلوكُه وكُلَّ تصرُّفاتِه في أداءِ عَملِه، وأنَّه سائِلُه عنها ومُجازِيه عليها يومَ القيامةِ؛ يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: الآيتان 13 - 14)، ويقولُ سُبحانَه وتعالى كذلك: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: الآيتان 7 - 8)، ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ (الأحزاب: 52)" ([5]).

المطلَبُ الثالثُ: استِشعارُ المُسؤوليَّةِ إزاءَ العَملِ:

ما مِن عاملٍ في أيِّ مَيدانٍ من مَيادينِالعملِ المشروعةِ على (تنوّعِها واختلافها)؛ إلّا ومَعنيٌّ شرعاً بـ(استشعارِ قيمةِ العملِ المُكلَّفِ بإنجازهِ وإتمامِه وإتقانِه على وَجْههِ الأحسنِ والأكملِ، والإحساسِ بالمسؤوليةِ المُلقاة على عاتقِه؛ إذ عليهِ يقعُ عِبءُ إنجازِ العملِ ومُتابَعتُه إلى غايةِ الانتهاءِ منه، وهُوَ مَسؤولٌ عن ذلك كُلِّه أمامَ رئيسِه.

إذن: استِشعارُ المسؤوليةِ من الإنسانِ العامِل منبعُها استحضارُه لِرقابةِ ربِّه جلَّ وعلا التي تدفعُه نحوَ مُراقَبةِ (سُلوكيّاتِه وتصرُّفاتِه وأقوالِه وأحوالِه) خلالَ فَتْرَةِ العَمل.

والتصوُّرُ الإسلاميّ للمسؤوليةِ عُموماً ومسؤوليةُ العامِل إزاءَ العَملِ المنوطِ به تحديداً على ضَربينِ:

* مسؤوليةِ العاملِ المرؤوسِ تُجاهَ مديرِه الرئيسِ، والمسؤوليّةُ الأهمُّ والأخطَر: *مَسؤوليَّتُه تُجاهَ ربِّه عزَّ و جلّ (المسؤوليةِ الشرعيةِ الدَّنيويّة والأُخرويّة)؛ إذْ (لا قِيمةَ للمُسؤوليةِ الرّئاسيَّةِ أمامَ المسؤوليةِ الرّبانيِّةِ النابعةِ من مِن رقابةِ رَبِّه جلَّ في عُلاهُ وما يتَّصِلُ بها من رقابةِ العامِل لنفسِه أثناءِ العمل، و(إحساسِه العميقِ المرتبط بِضَميرِه المهنيِّ اليقظِ بأهمِّيَّةِ إنجازِ عملِه وإتمامِه وإكمالِه على الصُّورةِ المطلوبةِ والمأمولةِ).

لهذا وجَدْنا أنّ الإسلامَ يربطُ الإنسانَ المسلِمَ بالآخرة، وما يكونُ فيها من ثوابٍ سَرمديٍّ في جِنانِ النَّعيمِ المُقيم، وعِقابٍ أبديٍّ في نيرانِ الجحيم الأليم، وأنّه مَسؤولٌ مَسؤوليةً كامِلةً عمَّا يَبدُرُ مِنه في الدُّنيا دارِ العَملِ والبِدارَ فيما يُرضِي اللهَ عزَّ و جلَّ؛ فإنْ التزمَ العامِلُ بتأديةِ عَملِه وراقَبَ نفْسَه في ذلك وحاسَبها، وذكَّرها بأنّ الإنسانَ ليس له في الآخرةِ إلّا ما سعَى به في الدُّنيا من إتقانِ للعملِ أو إخلالِ به؛ فالجزاءُ الوِفاقُ يكونُ من جِنْسِ عَملِه: بالثوابِ إنْ حَسُنَ عملُه، أو بالعقابِ إنْ ساءَ عملُه؛ كما قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: الآيتان 7 - 8)، وقد تقدّمَت هذه الآيةُ الكريمةُ، وقولُه أيضاً تباركَ وتعالى:﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ (النجم: الآيات 39 - 40). وقد تقدّمَ ذِكْرُ طَرَفٍ من الأدلّةِ الشرعيةِ على ذلك.

المطلبُ الرابعُ: تعزيزُ مفهومِ الضميرِ المهنيّ:

وهو مصطلحٌ قانونيٌّ شائع يُقابِلُه في التصوُّرِ الإسلاميِّ: "وظيفةُ التقوى" وما يتَّصلُ بها من (إخلاصٍ وتزكيةٍ)، أو ما اصطلحَ الباحِثونَ المسلِمونَ على تسمِيتها: "الرقابة الذاتية"؛ وهي بِدَورِها مصطلحٌ قانونيٌّ ارتبطَ بالعملِ الإداريِّ بعناوينِه وأبعادِه المختلِفة.

إنّ وُجودَ هذا النوعِ من الرقابةِ الشرعيةِ يُعزِّزُ مِن مفهومِ (الضميرِ المهنيِّ كـ"وازعٍ داخليٍّ" يحملُ الإنسانَ على تحرِّي الأفضل والأحسن من الأعمالِ طلباً لِمَرضاةِ ربِّه سُبحانَه وتعالى).

المطلبُ الخامِسُ: أخلاقياتُ العملِ الإسلاميِّ:

أو تعزيزُ مفهومِ أخلاقيَّاتِ العملِ الإسلاميِّ وهو مرتبطٌ بما تقدّمَ؛ حيث أنّ الإسلامَ يُعزِّزُ مِن مفهومِ أخلاقيَّاتِ العملِ بـ(صُورِه وأشكالِه)؛ من خلال (التعليماتِ والتوجيهاتِ والأوامرِ والنواهي) التي يسترشِد بها الإنسانُ المكرَّمُ في مَيدانِ العملِ نحو: (خُلُقُ الأمانةِ) وما يتعلّقُ بها من إتقانِ العمل؛ ذلك أنّ إتقانَ العملِ هو بابٌ من أبوابِ "أداءِ الأمانةِ على أحسنِ وَجْهٍ، وهي من الأخلاقِ المهمّةِ الّتي يجبُ أنْ يتَّصِفَ بها العاملُ، يقولُ نبيُّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُؤَكِّدًا على أهميَّةِ الأمانةِ: «لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» (مُسنَدُ أحمد، رقْم الحديث 12324، مجمعُ الزوائدِ ومنبعُ الفوائد للهيثمي، كتاب الإيمان، باب في كمال الإيمان، رقْم الحديث 187، مَوارِدُ الظَّمآنِ لابنِ حِبَّان، كتاب الإيمان، باب فيما يُخالِفُ كمالَ الإيمان، رقْم الحديث 47، والحديثُ سَنَدُه صحيحٌ، والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في صحيحِ الجامع برقْم7179 وصحيحِ الترغيب والترهيب 3004، وحَسَّنَه في مشكاةِ المصابيح برقم 35)، ويقول كذلك: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»(سُنَن التِّرمذي: كتاب البيوع، باب 38، رقْم الحديث 1264، سُنَن أبي داود، كتاب البيوع والإجارات، باب في الرَّجُلِ يأخذُ حقَّه مِن تحتِ يَدِه، رقْم الحديث 3535، مُستَدْرَكُ الحاكِم، كتاب، باب، رقم الحديث 2351 – 23522، وسَندُ الحديثِ: صحيحٌ لِغَيره)". ([6]).

المطلبُ السادِسُ: ترسيخُ مفهومِ الرِّساليَّةِ في العَملِ:

وبها أختمُ كلامي عن دَورِ الرقابةِ الذاتيةِ وفقَ التصوُّرِ الإسلاميِّ؛ وأعني بالرّساليَّة: أن يرتبطَ عملُ الإنسانِ في محيطِ العمل وبيئتِه بـ(مقاصدِ الشريعة الإسلامية وغايتِها التي جاءتْ لإصلاحِ أحوال الناس، وتحقيقِ انتظام معايشهِم بِما يُرضي اللهَ عزَّ و جلَّ). أن تكونَ للإنسانِ (غايةٌ نبيلةٌ وهَدفٌ مشروعٌ) يسعى لتجسيدِه من وراء العملِ الذي يُمارسُه؛ يستوي في ذلك أن يكونَ عملاً رسميَّاً أو غيرَ رسميٍّ، عملاً (فرديّاً أو جَماعيّاً أو مؤسساتيّاً).

هذا (الهدفُ أو الغايةُ) هو ما يُعطي الطابَع الرّساليَّ للعملِ في الإسلام الحنيفِ، ويَمِيِّزُ فيه بين العاملِ الرِّساليِّ مِن غَيرِه ممَّن (يَرَونَ العملَ مَيداناً للرِّبحِ والمضارَبة)، وربَّما مَرتعاً لتحقيقِ المصالِح الشخصيةِ الضيِّقةِ. وهذا إشكالٌ حقيقيٌّ يُعْرَضُ في العديدِ منَ (الأعمالِ والوظائفِ والمِهَن)؛ بسببِ (غيابِ الهدفِ الحقيقيِّ مِن وراءِ ممارَسةِ الإنسانِ العامل لِعَملِه ووظيفتِه ومهنتِه).

إنَّ الإسلامَ الحنيفَ يربطُ حياةَ الإنسانِ بميادينِها ومجالاتِها المتعدّدةِ بمقصدٍ شرعيٍّ كلِّيٍّ غايةٌ في الأهمِّيَّة يختصرُ مَقصِدَ الشارعِ الحكيمِ عزَّ و جلَّ من خَلْقِ الخَلْقِ: وهو عِبادته جلَّ وعلا؛ فيكونَ العملُ طريقاً لتكريسِ هذا المطلبِ الشرعيِّ المقاصديِّ المهمِّ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: الآية 86).

خاتِمةٌ (نَسألُ اللهَ تعالى حُسْنَها):

كنتيجةٍ لما تقدَّمَ يتَّضِحُ لنا أنّ التصوُّرَ الإسلاميَّ حولَ الرقابةِ الذاتيةِ من جهةٍ، وتأثيراتِها الإيجابيةِ في ميدانِ العمل، وما يرتبطُ به من تنميةٍ للمواردِ البشرية؛ يقومُ في الأساسِ على مبدأِ رَبْطِ الإنسانِ بالجانبِ (العَقَديِّ والأخلاقيِّ) لِلدِّينِ الإسلاميِّ؛ الذي يجعلُه في ارتباطٍ دائمٍ مع تعاليمِ الدِّينِ الإسلاميّ، و(ضَرورةِ استحضارِها في سُلوكيَّاته في نطاقِ العملِ وبيئتِه) فَضلاً عن سائرِ حياتِه بمشاهِدها المختلِفة.

هذا المنطلقُ (العَقَديُّ والأخلاقيُّ) هو الذي يصنعُ التميُّزَ في الجانبِ (المعاملاتيِّ والسُّلُوكيِّ والعَمليِّ) للفردِ المسلم المرتبطِ بعملٍ مُعيَّنٍ، مَهما كانت (طبيعةُ ونوعُ) عَملِه، ومَهما كان (مجالُه ونِطاقُه). والارتقاءُ بالفردِ المسلم في سُلوكِه (العمليِّ والمهنيِّ والوظيفيِّ) يبتدأُ قبلَ أيِّ شيءٍ بـ(تشجيعِه وتحفيزِه على التعامُلِ الإيجابيِّ والفعّالِ مع العمل وتحبيبه إليهِ)؛ حتّى لا يكونَ من أهلِ البطالةِ النابِذينَ للكسبِ الحلالِ والعملِ المشروعِ، الراغبينَ في القعودِ والكسلِ.

إذا دَخَلَ الفردُ المسلمُ مجالَ عَملٍ مُحدَّدٍ يتناسبُ مع مُؤهِّلاتِه وقُدراتِه (العِلمية والفِكرية والبَدنية)؛ يتعيّنُ عليه لِزاماً أن يلتزمَ تعاليمَ الإسلامِ الداعيةِ إلى الإتقانِ والإحسانِ والتحلِّي بأخلاقيَّاتِ العملِ ورِسالِيَّته، وأن يُراقِبَ في ذلكَ سُلوكَه أثناءَ العملِ مُستحضِراً أنّ اللهَ تعالى (يَرْقُبُه ويُراقِبُه) ويَرَاه وهو تعالى به عَليمٌ؛ حتّى يستشعِرَ أنّ عملَه عبادةٌ مأجورٌ عليها- لا ينالُ أجْرَها وثوابَها إلّا مَن سَعى فيها سَعيَها بِما يُرضِي اللهَ تعالى- فلا تكونُ بالنسبةِ إليه فُرصَةً لإضاعةِ الوقتِ، أو التكسُّبِ بها على وَجْهِ الخيانةِ والفساد.

إنَّ الرقابةَ الذاتيةَ وفقَ التصوُّرِ الإسلاميِّ تركِزُ على تجويدِ أداء العملِ و(تحسينهِ وإتقانهِ) من جهةِ المكلَّفِ به مَهما كان مركزُه الشرعيُّ والقانونيُّ -مديراً أم موظَّفاً، رئيساً أم مَرؤوساً، عامِلاً أم مُستخدماً..-، وإحداثِ (شُعورٍ داخليٍّ وإحساسٍ عميقٍ) تُجاهَ العملِ المنوطِ به وبالمسؤوليةِ الملقاةِ على عاتقِه.

إذاً: الغايةُ المهمَّةُ والهدفُ الأهمُّ من الرقابةِ الذاتيةِ -حسبَ التصوُرِ الإسلاميِّ- هو (تحقيقُ الجَودةِ المطلوبةِ في العملِ)؛ بِتَرْقِيةِ مستوى الأداءِ في ممارستِه وفقَ مُتطلَّباتِه الزمنيةِ-احترامِ ساعاتِ العملِ- ومُتطلَّباتِه المكانيَّة -احترامِ خُصوصيةِ محيطِ العملِ وطبيعتِه واختصاصِه بأداءِ عملٍ مُعيَّنٍ-. والمرجعُ والمستندُ في ذلكَ كُلِّهِ تعاليمُ الشريعةِ الإسلامية وأحكامُها.

ويبقى أنّ الرقابةَ الذاتيةَ مَشروطٌ نجاحُها وتحصيلُ ثمارِها باستحضارِ رقابةِ اللهِ تعالى بكلِّ (صِدقٍ وإخلاصٍ ووَرعٍ)؛ لأنها (الأصلُ والأُسُّ) الذي تُرَدُّ إليهِ ولا تنفكُّ عنهُ، وأنّها مطلوبةٌ في ميدانِ العملِ الإسلاميِّ بأنواعِه من أجلِ تنميةِ الإنسانِ والارتقاءِ به على نحوٍ يسمحُ بتنميةِ المواردِ البشريةِ، والارتقاءِ بالعنصرِ البشريِّ العاملِ.

وآخرُ دَعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِينَ، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا مُحمَّدٍ وعلى آلِه وصَحبِه وتابعيه وسلَّمَ وعَلَينا مَعهُمْ بِرَحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحِمينَ. أللهُمَّ آمينَ.



[1]- يُنظر: د: عبد الحقِّ حميش: إتقان العمل في الإسلام، موقع جريدة الخبر اليوميّ على الإنترنت: (www.elkhabar.com /ar/islamiyat/378099.html).

[2]- يُنظر: المرجِع نفسُه.

[3]- يُنظر: أبو العباس أحمد القرطبي: المُفهِم لِما أشكلَ مِن تلخيصِ كتابِ مُسلم، حقّقه وعلّق عليه وقدّم له: يُوسف علي بديوي وآخرون، دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، دار الكَلِم الطيب للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، بيروت، ط 1، 1417 هـ - 1996 م، 5/ 240.

[4]- يُنظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، حققه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: د: أبو آلاء كمال علي علي الجمل، دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، ط 1، 1419 هـ - 1998 م، 1/ 315.

[5]- يُنظر: د:عبد الحق حميش: المرجع السابق، موقع جريدة الخبر اليومي (www.alkhabar.com /ar/islamiyat/378099.html).

[6]- يُنظر: د: عبد الحق حميش: المرجع السابق، موقع جريدة الخبر اليومي (www.alkhabar.com /ar/islamiyat/378099.html).