العدد الحالي: كانون أول/ديسمبر 2018       اختر عدد :
ترجم هذه الصفحة:
    بحث متقدم
A- A A+ : حجم الخط

انتحار المدرسة النقدية (الفائدة السلبية وانهيار الرموز)

د. سامر مظهر قنطقجي

رئيس التحرير

يقومُ النظامُ المصرفيُّ التقليدي على أساسِ الفائدة أخذاً وإعطاءاً؛ بحيث يأخذ المصرفُ المرابي من عُملائه فائدةً أكبرَ ممَّا يدفعُه المودِعون لديه؛ ليكون الفارقُ ربحاً له؛ فمالِكُ النقود يكسب وآخِذُه يدفع. وتتراوح أسعار الفائدة من الأكبر تماماً من الصِّفر حتى الأضعاف المضاعفة؛ وهو ما يسمونه بـ (الفائدةِ المركَّبةِ).

فإن تحولَّتِ الفائدةُ عن هذا المفهوم في السياسة النقدية؛ فإن المؤسسات المصرفية التقليدية لم يَعُدْ لها ضرورة، وستنسحِبُ من تلقاء نفْسِها من المسرح العالميِّ النقديِّ لخسارتها كلَّ شيءٍ؛ فالربح الذي هو دالتها وسببُ بقائها قد اختفى.

ويَعترِفُ النظامُ التقليديّ الربويّ بالانخفاض الدوريٍّ لقيمةِ النقد؛ لارتباطه بسعر الفائدة ارتباطاً مُوجباً قويّاً؛ فسِعرُ الفائدةِ هو الذي يُحدِّد فُرُصَهُ البديلةَ وسِعرَ إيجاره وثمنَ بيعِه؛ ولأجلِ ذلك قدَّمَت الرياضياتُ المالية توابِعَها لخدمةِ هذا النظام كتوابع: FV,NPV,IRR,mIRRوغيرها مِمّا لا يُمكِنُ تصوُّرُ وُجودِه باستبعاد سعر الفائدة.

وكنا قد أوضحنا في كتابِنا المنشور في شهر أغسطس ٢٠٠٨م (ضوابط الاقتصاد الإسلامي في معالجة الأزمات العالمية) دورَ الرِّبا في تلك الأزمة واستفحالِها.

ولَطالَما دارتْ نِقاشاتٌ (عام ٢٠١٠م) مع بعض أعضاء المجموعاتمن المنافِحين عن الرِّبا مُمثَّلاً بسعره الأساسيّ (اللايبور)؛ حيث لا يتصوَّرُ أولئك الناسُ تخلِّيَ الاقتصادِ العالَميِّ عن الرِّبا ولو مُجرَّدَ تَصوُّرٍ. وممّا تعرَّضَتْ له تلك النقاشاتُ:

-       خَشِيَ البعضُ - وخاصَّةً من المصرِفيِّين َالتقليديِينَ - من فكرةِ المؤشِّرالإسلاميِّمُتسائِلينَ: ماذا لو أنّ المؤشِّر الإسلامي أصبح أرخصَ من المؤشِّر التقليديّ؟هل سيذهبُ الجميعُ الى البنوكِ الإسلامية؟

-       طلب بعضُهم التدرُّجَ بخُطىً ثابتةٍفي تطبيق أيِّ مؤشرٍ إسلاميٍّ مُقترَحٍ لصعوبةِهكذا هَدفٍ، بحجةِ أنّه يحتاجُلمجهوداتٍ جبّارةٍ ومُضنيةٍ وجَماعيةٍ؛ ويكأنّنا في رَوضةٍ تعلَّمَ أطفالُها المشي الهُوينا.

-       مِنهُم مَن طلبَ توضِيحاً عن مدى مُخالَفةِ المؤشِّر الحاليّ(أيّ اللايبور) لمقاصدِ الشريعةِواصِفاً ما يُنشرُ وما يُقالُبالضعيفِ والعام وأنّه لا يُلامِسُ الواقعَ، وليس فيه أيِّ عُمقٍ في الجمعِ والرَّبطِ البيِّن الواضِح بين المقاصدِ وتفاصيلِ الواقع المصرفيِّ الإسلاميّ.

-       هناك مَن ذَكَرَ فشلَ مُحاولاتِ البعضِ في عَرْضِ وبناءِ مؤشِّرٍ إسلاميٍّ بديلٍ؛ ويكأنَّه يؤنِّبُ فِعلَهُم، والتجارِبُ التي تتمُّ - برأيهِ - حسبَ تسلسُلِها التاريخيِّ بدأت (١٩٧٨م) بـ(شحاتة، ثمّ الجارحِي، ثمّ الهواري، ثمّ الزرقا، ثمّ الأبجيّ، ثم ميراخور -وهذا الرجلُ كان رئيسَ مؤسَّسةِ النقد الدوليّ وهو مُسلِمٌ-، ثمّ الزاملُ، ثمّ البلتاجيُّ، ثمّ القطّان، ثمّقنطقجيّ).واسمعوا لتفسيرِ ذلك الفذِّ المنبهرِ بمقياس سخيفٍ: سأقولُ لَكُمْ لماذا فشلَتْ؟ وسيفشلُ كلُّ من يأتي بعدَها؟ إنّه آليةُ حسابِ لايبور ومشتقَّاتِه، ووصفَها بأنّها: آليَّةٌ مُتجدِّدةٌ تُواكِبُ التطوُّراتِ الجديدةَ في مجال التشريعاتِ وتِقنيات الاتصالات والمعلومات، ويحكمُها كِبارُ المتعاملِينَ في السوق.

-       هناك مَن ذكرتْ علاجاً أكيداً مُلخَّصُه أنّ: مُؤشِّراتِ السوق المالية الإسلامية ستستمِرُّ مرتبطةً بمُعدَّلِ الفائدة الدولية، ما استمرَّت المؤسسات المالية الإسلامية في الاعتمادِ بشكلٍ كبير على صِيَغِ التمويلِ بالدَّينِ، وإنّ تشابُكَها الحتميَّ مع المؤسَّساتِ المالية التقليدية عبر أسواق التمويل الدوليلا مفرَّ مِنه، ولابدَّ للأنظمةِ القوية أن تَفرِضَ نظامَها النقديَّ، وقد أدركتْ جمعيةُ البنوكِ البريطانية ذلك وقرَّرتْ دراسة إمكاناتِ توسيع استخدامِ لايبور ومشتقَّاتِه في مجالِ التمويل الإسلامي، وهذا هو العلاجُ بِرأيها.

وكلُّ ذلكَ غير ُصحيحٍ البتَّةَ وهو يمثِّلُ تبعيةَ أولئك للفكرِ السائد، وهو مُجرَّدُ ادعاءٍ قد سقطَ آخر أوراقِه باللجوء للفائدة السلبية، وهذا هو موضوعُنا.

كنّا قد طوَّرْنا مِعياراً لقياسِ أدوات التمويل الإسلامي أسميناهُ (مقام) وهو يستغني عن (مؤشِّر الرِّبا كُلِّيّاً)، ويُقدِّم حُلولًا رياضيّةً أفضلَ من توابع: FV,NPV,IRR,mIRRوغيرَها ودعَمناهُ بأمثلةٍ في المجالاتِ اللازمةِ كافّةً، ترفَّعتْ عنه المؤسَّساتُ الإسلامية وتبنَّتْه جامعةُ السوربون كأحدِ مواضيع الدكتوراه لديها وناقشَه العديدُ من الخبراءِ الغربيِّينَ.

والآن وبعدَ ثمانيةِ أعوامٍ على الأزمةِ المالية العالمية تجدُ مدرَسةَ شيكاغو النقدية نفسَها في وَضْعٍ انتحاريٍّ؛ فرُبُعُ الاقتصادِ العالَميِّ قد تحوَّلَ نحوَ الفائدة السلبية، ومَعقِلُ تلك المدرسةِ مازال يُحاوِلُ المحافظةَ على آخرِ رموز الرأسمالية وهو الرِّبا؛ فقَد خفضَ البنكُ المركزيّ الأوروبيّ معدَّلاتِ الفائدة إلى (ناقص ٠.٣٪)؛لإنعاشِ اقتصاد منطقة اليورو؛ فبات سِعرُ الفائدةِ على الودائع في الدنمارك وفي سويسرا (ناقص ٠.٠٧٥٪) وفي السويد (ناقص١.١٪). وتُشير أحدثُ سيناريوهاتِ اختبار الجهدِ أن هُناكَ احتمالاً بنسبة ٣٠٪ لتطبيق سياسة أسعار الفائدة السلبية في الولايات المتحدة بحُلولِ نهاية عام ٢٠١٧م، وفقاً لِحساباتِ (بنك أوف أميركا ميريل لينش).

فما الرِّبا السلبيُّ - أو الفائدة السلبية -؟

 ولماذا لم يمرّ العالَمُ بطريقهِ على الصِّفْر الذي يقعُ بين الموجبِ والسالب من الأعداد؟

تُوصَفُ الفائدةُبالسلبيةِ NegativeinterestratesNIRPعندما يلتزِمُالمودعِ بدفْعِ فوائدَ أو رُسومٍ دوريّةٍ على إيداعاتِه في خزائنِ البنك، وهذا مفهوم جديدٌ على الاقتصادِ التقليدي، فما كان سائِداً هو مفهومُ الفائدةِالموجب - بالمعنى الرياضي -؛ حيث يدفعُ البنكُ- سواء أكان مركزياً أم تجارياً - فوائدَ دوريةً لمودعِي الأموالِ في خزائنه.

أمّا الهدفُ المنشود من ذلك - حسب المدرسة النقدية التقليدية - فهو تعزيزُ الأسواقِ من خلال:

-       أنّها شكلٌ من أشكالِ التيسير الكمِّيِ؛ لأنَّها تُتِيحُ الحصولَ على قُروضٍ بأسعارٍ منخفضة جِدّاً.

-       رَدْعِ المصارفِ عن إيداع النقد في البنك المركزيّ؛لتستعمل المصارفُ تلك الأموالَ لإقراضِ الأفراد والشركات التي تضعُ هذا المالَفي الدورة الاقتصادية.

-       دفْعِ الناس للاحتفاظ بالنقود بدلَ رؤية قيمتِها تتلاشى ببطءٍ؛ بسبب الرسوم.

-       تبديدِالانكماش ورفْعِ معدَّلِ التضخُّمِ إلى نسبة ٢٪؛ بوصفها نسبة مستهدَفةً لِمعظَم الاقتصادات، مع أن البنوك المركزية للدول الغنية بدأت تقتنع بعدم جدوى هذه النسبة المستهدفة وأنها ستزداد. وهذا ما ذكره مقال لصحيفة (TheEconomist) عدد ٢٥-٠٨-٢٠١٦ بعنوان: When2%isnotenough.

-       خَفْضِ قيمةِ عُملَةِ البلد المتبنِّي لسياسةِ الفائدة السالبة، ما يُعطي مِيزةً سِعرية للمُصدِّرِين.

لكنَّ الآثارَ الأوليَّة لتلك السياسةِ الانتحارية تلخَّصَت بالآتي:

-       تلاشي قوَّةِ البنوك المركزية؛ فسياسةُ الفائدةِ السلبية سياسةٌ خطِرَة.

-       رفعِ الضرائب على الاستهلاك، وهذا مما يثبط الاستهلاك ولا يحفزه.

-       ارتفاعِ أسعار السلع الأساسية بسبب الضرائب.

-       انخفاضِقيمة الأسهُم في مختلفِ البورصات العالمية؛ فالبورصاتُ هي مُؤشِّراتُ توازن لحالةِ الأسواق ومِجَسَّاتُها.

-       العائداتِ السلبية للسنَدات الحكومية.

-       فُقدانِ برامج التيسير الكمي لأثرها على الأسواق.

-       تصعيدِ حرب العملات مماسيجلب الدمار المتبادل.

-       تضرُّرِ القطاع المصرفيّ على المستوى العالمَيّ؛خاصّةًبعد خسارةِ أسهُمِ المصارف الأوروبية منذ بداية العام وحتى الآن نحو ٣٠٪ والأمريكية ٢٠٪، واليابانية ٣٥٪؛ ممّا يُهدِّد بخروج مصارف عديدة من السوق وتسريحِ عُمّالها.

لذلك بِتنا نسمعُ شكاوى تقول: (أنقذوا المدَّخِرِينَ)؛ فكيف ذلك؟

إنّ الاقتصادَ العالمَيّ يُعاني تُخمةَ مدخَّراتٍ مقارنةً بفُرَصِ الاستثمار،والمدرسةُ النقدية الحالية ترى أنّ السلطات النقدية هي مَن يساعدُفيإرساءِ تناسُقِ أسعار الفائدة مع توجيهِ الاستثمارات من خلال (قوى السوق) التي تُحدِّدُ ما سيحصل عليه المدَّخِرونَ.

وتُخمةُ المدَّخراتِ موجودةٌ في البلدانِ ذاتِ الحساب الجاري الذي فيه فائضٌ؛ كألمانيا مثلاً؛ لكنَّ سُوقَها الاستثماريّ لا يستوعب تلك السيولةَ الفائضة، بينما لو وُجِّهَت المدَّخراتُ لسائِر العالَمِ لَوجَدتْ طريقَها للتوظيفِ؛ لكنَّ الجوَّ الاستثماريّ العامَّ غير ُمطمئِنٍ كما سنرى لاحِقاً.

أمّا هذا الوضعُ فقد فرضَتْهُ ظروفُ ما بعدَ أزمةِ ٢٠٠٨ م ويُتلَخَّص بـ:

-       فائضٍ ادِّخاريٍّ عندَ البعضِ وعجْزه عند البعضِ الآخر،

-       ضَعْفِ الاستثماراتِ عند الجميع.

-       وبالتالي تباطُؤ الإنتاجية،

-       ترهُّل أغلبِ الاقتصاداتِ بِدُيونٍ هي أشبهُ بمَن دَخَلَ نفَقاً لا آخرَ له.

أدّى كلُّ ذلك إلى جعلِ معدَّلِ الفائدة في أدنى مستوىً عَرَفَه تاريخُ المرابِينَ. وهذه نتيجةٌ تحقَّقتْ منها المصارفُ المركزية؛ فليس الأمرُ أخطاءً في السياسةِ النقدية؛ لأنّ هذه السياسةَ ليست سوى مُوازنٍ للطلب ِالكُلِّيِّ والعَرْضِ المفترَض، ما يُحدِّدُ أسعارَ الفائدةِ في المدى الطويل.

لكنْ ماذا لو لجأ الكثيرُ من المدَّخِرينَ- دولاً وأفراداً - للإحجامِ عن استثمار أموالهم في سُوق الأسهُم في ظِل حالة الاضطراب السائدة فيه؟وماذا لو لجؤوا لاكتِنازها في منازلِهم بدلَ وضعِها في قنواتٍ استثمارية؟

إنّ ممّا يُؤسَفُ له أنّ تلك البلدانِ الراقيةَ في عالم المدنِيَّة والمتخمة بالعلماءِ والاقتصاديين ما فتِئتْ تتعلَّم بالممارَسةِ متخبِّطةً بما تفعلُه؛ فالمصلحةُ طاغيةٌ على المنطقِ الصحيح؛ لذلك تبقى صيحاتُ العقلاءِ أصداءَ لا أثرَ لها كما سنذكُره لاحِقاً:

-       فالبنكُ المركزيّ الأوربيّ جَرَّبَ أن يرفعَ سعرَ الفائدة عام ٢٠١١م فعادت تلك السياسة عليه بنتائج لا تُحمَدُ عُقباها.

-       ويسودُ تساؤلٌمؤدّاه:هل أخطأتْ(رئيسةُ المجلسِ الاحتياطيّ الفيدراليّ الأمريكيّ)عندما أقدمَتْ على رفعِ سعر الفائدة الأمريكي في ديسمبر ٢٠١٥م؟ وهل تصريح نائبها (في ٢٢ أغسطس ٢٠١٦) نيَّتُه رفعَ سعرِ الفائدة مُحاولاً طمأنةَ الأسواق هو تجاهلٌ لنتائجِ سيناريوهات اختبار الجهدِ التي ذكرْناها عن السوق الأمريكية؟

-       هل البنكُ المركزيّّ اليابانيّهو المخطئُ عندما تبنّى سياسةَ الفائدةِ السلبية أواخر يناير ٢٠١٦م؟

-       أم أنّ المشكلةَ أكثرُ تعقيداً وإرباكاً؟

يبدو أنّ البنوكَ المركزية ستجِدُ نفْسَها مضطرَّةً لتجرِبة أدواتٍ جديدة لتتعلَّمَ أكثرَ فأكثرَ!!

إذا وبما أنّ الأمرَ هو تعلُّمٌ بالممارَسةِ - وهذا مُكلِفٌ في التجارِب الاجتماعية -؛ فقد جرَّبَ العالَم المعدَّلاتِ الموجبة للفائدة، وها هو يُجرِّبُ المعدَّلاتِ السلبيةَ، ومازالت النتيجةُ استمرارَ التخبُّطِ؛ فلماذا لا يجرِّبُ الصِّفْر Zerointerest-rate؟ وأقصِدُ الصِّفْرَ المطلَق؛ لأنّ الصِّفْرَ في معدَّلِ الفائدة الربوية (بتعريف الويكيبيديا) هو مفهومٌ في الاقتصادِ الكُلِّيِّ يصفُ حالاتِ معدَّلاتِ الفائدة المنخفضة جِدَّاً؛ لذلك نَجِدُهُم لا يعترِفونَ بالصِّفْر المطلَقِ، أو أنَّهم يَجِدُونَ صعوبةً في ذلك رغمَ بساطَته وثباتِ نجاحِه في أزمة ٢٠٠٨م مع أن المصارفَ الإسلامية كانت تأتي الرخَصُ وما دُونَها أحياناً؛ فكيف بهِم لو أتَوا العزائِم من الصِّيَغِ التمويلية؟

لذلكَ فما نقصدُه كحلٍّ منشودٍ لعالَمٍ ما فتِئَ يتعلَّمُ الحبْوَ الاقتصاديَّ: هو الصِّفْر المطلَقُ الذي أمرَ به اللهُ تعالى بِقَولِه: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) ﴿٢٧٩﴾البقرة.

وهذا ثابتٌ من ثوابتِ الشريعة الإسلامية التي جاءت بحقائقَ علميةٍ راسخة عبرَ القرونِ، ثمَّ تركَتْ للناسِ فُسحةً واسعة من الحرِّيَّةِ ضمنَ تلك الثوابتِ.

لقد تطرَّقَ الاقتصاديُّ الفرنسي الحائز على جائزةِ نوبل في الاقتصاد (موريس آلي) في ثمانينياتِ القَرن الماضي إلى الأزمةِ الهيكلية التي يشهدُها الاقتصادُ العالمَيّ بقيادة "الليبرالية المتوحِّشَة" مُعتبِراً أنّ الوضعَ على حافَّة بُركانٍ، ومُهدَّدٍ بالانهيارِ تحت وطأةِ الأزمة المضاعفَة (المديونيَّة والبطالة)، وقد حصل ما تنبَّأ به من ٢٥ سنةٍ. وكان قد اقترحَ للخُروجِ من الأزمة وإعادةِ التوازنِ شرطَين هُما:

- تخفيضُ معدَّلِ الفائدة إلى حُدود الصفر.

- مراجعةُ معدَّلِ الضريبة إلى ما يُقارِب ٢٪.

أمّا ما جاء به الإسلامُ منذ ١٤ قرنا فهو الأمر بإلغاء الرِّبا، وفرض زكاة على الأموال بنسبة ٢.٥٪، وهذا التوازن بين السياستين النقدية والمالية يشكل مفتاحَ توازن السياسة الاقتصادية كما سنبين لاحقاً

إنّ النظريةَ النقدية المعاصِرة نشأت بسببِ محدُوديةِ الفِكر الكينزيّ، وعدمِ قُدرتِه على تفسيرِ ظاهرة التضخم التي زامنت ظاهرةَ الركود الاقتصادي آنذاك؛فظهر فكر ٌ اقتصاديّ قائمٌ في أساسِه ومَنهجِه على أطروحاتٍ ونظريّاتِ المدرسة التقليدية.

وتُعتبَر (مدرسةُ شيكاغو) أو "نظريةُ فريدمان" امتداداً للفِكر الاقتصاديّ التقليدي في ثوبٍ جديد وبأدوات تحليلية أكثرَ نجاعةً وواقعية. وقدتزامنَ ذلك مع ظهورِ أزمةٍ اقتصادية تعايشَ خلالَها التضخُّم والكسادُ في الولايات المتحدة الأمريكية بعدَ الحرب العالمية الثانية وحتى نهايةِ الخمسينيات.

إنّ ما زاد الطينَ بِلَّةً هو النهجُ الذي اتبعتْه هذه المدرسةُ بتطبيقِ ما عُرِفَ باتفاقية بريتن وودز عام ١٩٧١ م؛حيث أُلغِيَ الصَّكُّ بالذهبِ، وتمَّالتخلِّي عن تحويلِ الدولار إلى ذهبٍ؛فانخفضَتْ قيمتُه ٧.٨٩٪ مباشرة، ثم انخفض ١٠٪سنةَ ١٩٧٩ م، وانعكس ذلك سلباً على مستوى أسعار كثير من السِّلَع.وكانت تلك أكبر سَرقةٍ في التاريخ العالميِّ قادتْها تلك المدرسةُ النقدية التي نعيشُ جميعاً في تخبُّطاتِها.

ويُعتبَر إدخالُ فريدمان للأصولِالمالية في دالة الطلب على النقود كبدائلَ للنقودِسبباً آخرَ في التخبُّط النقديِّ؛ لأنه زاد حجمَ المديونيةِ العالمية؛ فالأصولُ المالية؛ إمّا (بيوعٌ وهميَّة) أو (مشتقَّاتٌ تمثِّلُ دُيوناً لا تُباع ولا تُشرى) وكلُّ ذلك منهيٌّ عنه في التشريعِ الإسلاميِّ.

لقد ذكَرنا في مقالِنا الافتتاحيِّ للعدد الثامن(يناير ٢٠١٣م) انهيار الرموز، وذكَرنا فيها أن انهيار الشيوعية المادية استغرقَ سبعينَ عاماً، ومدرسةُ شيكاغو النقدية أحدُ أهمِّ دعائمِ ورموز الرأسمالية الجشعة ثمانينَ عاماً. وهذا هو شأنُ التجارِب الاجتماعية. كما أوضحْنا فيه أنّ الحكماءالثلاثة (جورج سيروس - وارن بافت - بول فولك) قد استوعبوا دروسَ الأزماتِ، وعلمُوا مدى انحرافِ مدرسة شيكاغو النقدية التي قادَها أكاديميون مهرَة كـ(ملتون فريدمان) والتي شكَّلتْ جِسراً بين الأزمتَين الماليتَين العملاقتَين انهيار ١٩٢٩م وأزمة ٢٠٠٨م وخلاصتُهما:أنّ للأسواق قدرتَها الفعّالة على تحقيقِ التوازن، بِعكس ما انتهجَه (الكينزيون) في التدخُّل؛ حتى أن (سوروس)قد تساءل:إذا كانت الأسواقُ بهذه الكفاءةِ فلماذا تنهار؟

لذلك لا بُدَّ من إعادةِ ضبْطِ السياستَين النقدية والمالية معاً لضبطِ هَوَسِ السياسة المالية العامّةِبالدَّين العام وكبْح جِماحِه؛ حيث يصيرُلا حدودَ له عند انخفاضِسعر الاقتراض، وهذا ما هو حاصلٌ في الاقتصاد التقليديِّ طبعاً.

ويمكنُ رسمُ السيناريو المفترَض لآليّةِ الفائدة السلبية بالشكل التالي: البنوكُ ستُشجِّعُ على الاقتراضِ؛ لتتهرَّبَ من تكلفةِ إيداع الأموال في البنوك المركزية فتضخَّ سيولتَها غير الفاعلة لتزيدَ الاستثماراتِ وينشطَ الاقتصاد؛ فإنّ تحرّكَ مؤشِّر الشراءُ بإيجابيةِ؛ فقد حصلَ المبتغى وإلّا فإنْ تراجَعا في الأسعارِ وانكماشا في الإنفاقِ سيجعلُ الأسواقَ تدخلُ في حلقةٍ مُفرَغة مُفزعةٍ (انظر الشكل التالي).

 
 

تصوَّروا كيف ضمَّ هذا السيناريو جمعَ التناقُضات؟؛ فالسيولةُ مُتوفِّرةٌ والاستثمارُ راكدٌ!.. وهذه هي حال الأسواق اليوم. وتفسيرُ ذلك برأينا، أنّ دورةَ النقودِ تعملُ مستقلِّةً في سوق النقود من خلالِ مُحرِّكها (سعر الفائدة)، فإذاما خفتَتْ قوَّة المحرِّك وشاخَتْ؛ فالركودُ والانكماش مصيرُهُ الطبيعيُّ. وفِعلاً يبدو أنّهذا المحرِّك فقَد بَريقَه، وعلى المدرسة النقدية أن تعترِفَ بمحدودية فِكْرها لتنشأ مدرسةٌ أفضلَ منها كما نشأتْ هي على أنقاضِ محدودية الفِكر الكينزي - كما ذكَرنا سابقاً -.

وبرأينا لو كان الارتباطُ بين سُوقَي (النقودِ والسِّلَع) هو ارتباطٌ عضويّ وحقيقيّ، وليس مجرَّدَ ربْطٍ بالمؤشِّرات؛ وذلك بتوسيط السلعِ والخدمات ضمنَ عمليةِ التمويل؛ لوجَدْنا أنّ الحلَّ يكمنُ في قواعِد وضوابط التمويل الإسلاميّ؛ فالسُّوقانِ سيُشُدَّانِ بعضَهُما بعضاً، ولن يصلَ الركودُ إليهما مطلقاً؛ لأنّ التمويلَ المستديم للفقراء ذَوي الميلِ الحدِّيِّ التامِّ للاستهلاك يجعلُ عَجَلَةَ الاقتصادِ لا تهدأُ ولا تقفُ أبداً؛ فالفقراءُ  - وهم الشريحةُ الأوسع - يُمثِّلونَ دالة الشراءِ ورافعَته السوقية، وهُم في حالةِ توجُّهٍ مستمرٍّ نحوَ الشراءِ لإشباع حاجاتِهم، أمّا الحدُّ الأدنى من تمويلِهم المستديم فتحقِّقُه نسبةُ الزكاةِ البالغة ٢.٥٪ والتي وصفَها (الدكتور منذر القحف) بأنّها: إعادة توزيعٍ هادئٍ للدخل؛ فهي لا تُفقِر ُالأغنياءَ وتحسِّنُ حالَ الفُقراء؛ فتبتعدُ الأسواق عن الركود، وتمنحُها بذلك فُسحةً لتستعيدَ رَواجَها، وتتحَسَّن حالُ الناس فيها؛ وبذلك تتكاملُ السياسةُ النقدية والمالية لِتصُبَّا معاً في سياسةٍ اقتصادية فعّالة وذاتِ مِصداقية. انظر الشكل التالي.

 
 

إنّ الفارقَ بين هذا البناءِ الهندسيِّ المحكَم وبين الشكلِ البيانيّ السابق أنَّ السياسةَ النقدية التقليدية جَعلتْ السيولةُ قابعةً في خزائنِ البنوك، بينما المستثمِرين مُتعطِّلُونَ؛ لِعدَم وَفْرةِ السيولةِ بين أيديهم، والأسواقُ تنتظِر، وبالتالي فإن التشاؤمُ سيفشو بين روّادِ السوقِ، وتوقُّعات المستهلِكينَ ستَّتِجُه نحوَ مَزيدٍ من الانكماش.

وهذههي حالُ السوقِ العالميِّ الآن.

 

 

المصدر: (قنطقجي، صناعة التمويل في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، ص ١٧١)

أذكِّر نفْسي بما أنزلَه اللهُ تعالى في سُورةِ الحديد وهو رمزُ القوَّة في هذه الحياةِ؛ فهو تعالى يقولُ للناسِ بأنّه كفيلُ بإحياءِ الأرض بعد موتها بما ارتكبَه الناسُ فيها من آثامٍ وظُلْمٍ وعُدوانٍ؛ وذلك إذا استجابوا للهِ وأقاموا الحقَّ الذي أنزلَه وخشَعوا له، وستكونُ المضاعفةُ لِلمُتصَدِّقينَ على الناس لا لِسارقي أموالِهم، يقولُ اللهُ تعالى:

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّـهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖوَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿١٦﴾ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚقَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٧﴾ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١٨﴾الحديد. وصدق الله العظيم.

 

حماة (حماها الله) ٢٣-٠٨-٢٠١٦